العدد 102

قمة الرياض والتأسيس لعصر خليجي جديد

الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2015

القمة الخليجية التي تترأسها المملكة العربية السعودية تأتي في ظروف استثنائية معقدة لذلك نتوقع منها قرارات فوق العادة تقدم حلولاً غير تقليدية لمواجهة تحديات غير معتادة قد تتفاقم ما لم يتم التصدي لها بقوة ووضوح وشفافية تحت راية التكاتف والتآزر الخليجي الواقعي، لأن هذه المخاطر تستهدف وجود هذه الدول من حيث المبدأ، ومن ثم يحاول من يقف وراء هذه المخاطر زعزعة أمن واستقرار هذه الدول والعبث بمقدرات شعوبها، بل تمزيق هذه الشعوب عبر أدوات مختلفة لكنها تصب جميعها بصورة مباشرة لتحقيق الهدف الأهم وهو خلخلة كيانات الدول الخليجية والعربية، ويتم ذلك سواء عبر اصطناع الفتن المذهبية والطائفية وتغذيتها، أو دعم ونشر الإرهاب المقيت لتقويض أركان هذه الدول من خلال العزف على شعارات براقة خادعة وكاذبة، أو عبر زرع الميليشيات المسلحة التي  تدين بالولاء لمن يمولها ويشكلها فكرياً وأيدلوجياً، ومن ثم لا يكون ولاؤها للدول التي تعيش على أراضيها، بل أن هذه الميليشيات تضم عملاء يبيعون كل شيء ويقتلون ويعيثون في الأرض فساداً بغية إرضاء من يدعمهم مالياً ويشحنهم فكرياً وعقائدياً، ولعل ما تقوم به ميليشيات الحوثي في اليمن، وحزب الله في سوريا ولبنان، والميليشيات المسلحة في العراق خير دليل على ذلك، فهذه الأذرع هي أدوات على أرض الدول العربية لتنفيذ المخطط الإيراني بكل دقة دون مراعاة مصالح الشعوب العربية أو مستقبلها.

ويأتي ذلك في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تبدل في التحالفات القديمة، وتغير في علاقات كانت من المفروض علاقات استراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية، هذه العلاقات التي تأسست بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها مباشرة، وتبع ذلك التأكيد على عرى الصداقة بين الجانبين من خلال مبادئ الرؤساء الأمريكيين منذ أيزنهاور مرورا بنيكسون وكارتر ومن تبعهم من الرؤساء الأمريكيين، لكن يبدو أن هذه الثوابت الأمريكية تغيرت لأسباب تخص واشنطن فيما تبدو لدول مجلس التعاون غير مفهومة، ومهما ادعت الإدارة الأمريكية بثبات سياستها تجاه منطقة الخليج فهو ضرب من التخدير، فتصريحات الإدارة تناقض الواقع تماماً، بل لا يوجد في الأفق ما يشير إلى وجود مواقف أمريكية ترسي الثقة مع  دول الخليج حتى بعد رحيل إدارة أوباما.

التسريبات الإعلامية، والاسترخاء الدولي لإطالة أمد الأزمات في منطقة الشرق الأوسط وعدم حسمها، وهرولة الولايات المتحدة ومعها دول الاتحاد الأوروبي وروسيا إلى الإيراني يؤكد أن هناك إعادة صياغة للمنطقة بطريقة متناقضة مع جغرافية المنطقة وتاريخها وطبيعة شعوبها ومصالحها الماثلة والمستقبلية.

كل هذه الحقائق تدعو دول مجلس التعاون إلى إعادة رسم خريطة العلاقات الدولية والإقليمية، معتمدة في ذلك على القرار الخليجي الذاتي في التعامل مع التحديات الإقليمية الجديدة وتوابعها من المخططات التي بدأت تتبلور شيئاً فشيئاً على أن ذلك وفقاً لمرتكزات خليجية للقرار الخليجي ومن بين هذه المرتكزات: 

التوجه السريع نحو توحيد الخطاب الخليجي المتعلق بالسياسة الخارجية خاصة تجاه القضايا الإقليمية والدولية الهامة لا سيما المتعلقة بمنطقة الخليج أو التي لها علاقة بها، بما يجسد إرادة خليجية جماعية تراعي المصلحة العامة لهذه الدول لخدمة الدول الست، على أن يكون ذلك على قاعدة التحرك تجاه التحول إلى الاتحاد الخليجي الذي طال انتظاره.

تحديد المخاطر المحدقة بدقة وتوحيد أساليب التعامل معها سواء فيما يتعلق بالتحديات الأمنية، والعسكرية، والاقتصادية، ومن ثم اختيار الوسائل المناسبة للتعامل معها، مع الإدراك اليقيني بأن المخاطر تواجه كافة دول مجلس التعاون الخليجي دون استثناء.

بناء منظومة دفاعية وأمنية تضم دول مجلس التعاون الخليجي ودول عربية تشترك معها في السياسة والأهداف، إضافة إلى دول أخرى ومنظومات دولية لا تصطدم بالمصالح الخليجية لتحقيق التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج، على أن تكون هذه المنظومة جاهزة لتسلم مهامها فور تخفيف التواجد الأمريكي الذي بدا يلوح في الأفق.

مشاركة الناتو ومجموعة الأسيان، في الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج، في إطار توسيع التحالفات، مع اليقين بأن ذلك ليس على حساب الولايات المتحدة الأمريكية، بل بالتوازي معها. 

بناء قاعدة اقتصادية خليجية واسعة في إطار تكاملي لا تنافسي بما يحقق توسيع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل على ضوء انهيار أسعار النفط التي تمثل ما بين 80% و90% من دخل موازنات دول مجلس التعاون، على أن تأخذ هذه القاعدة في الاعتبار المزايا النسبية لدول التعاون، وطبيعة المنافسة في الأسواق الدولية، مع أهمية توطين الصناعة واقتصادات المعرفة.

إنشاء وتطوير قاعدة معلوماتية خليجية موحدة مع الاهتمام بالبحث العلمي وزيادة مخصصاته المالية، وتحفيز مراكز الأبحاث والاستفادة من إنتاجها ومخرجاتها.

زيادة التوجه نحو الأسواق الناشئة والتركيز عليها بدلاً من الاعتماد على الأسواق التقليدية خاصة أن الاقتصادات الناشئة أكثر احتياجاً للنفط الخليجي، على أن يكون ذلك في إطار تعدد الشركات الاقتصادية.

ربط المصالح الاقتصادية والتبادل التجاري الضخم مع دول شرق آسيا، بالعلاقات السياسية والأمنية، خاصة أن العلاقات القائمة حاليا مع هذه الدول لا ترقى إلى حجم التبادل التجاري معها.

الاستمرار في المضي قدماً على طريق الإصلاحات الداخلية على كافة المستويات، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتطوير المنظومة التعليمية، ودعم القطاع الخاص ومنحه مزايا أكثر، مع تطوير التشريعات المتعلقة بالنواحي الاقتصادية لجذب المزيد من الاستثمارات الخليجية والعالمية.

أخيراً .. نظراً لما تشهده المنطقة، وما قد يترتب على ذلك مستقبلاً، نأمل أن تخرج قمة الرياض بما يحقق المطالب ويلبي الاحتياجات ويحقق التوازن في المنطقة.

مقالات لنفس الكاتب