العدد 102

التهديدات الإيرانية لدول مجلس التعاون: المضامين وآليات المواجهة

الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2015

ممالا شك فيه أن السياسات الإيرانية تجاه دول مجلس التعاون لا تزال تمثل تحدياً مباشراً وغير مباشر للأمن القومي لدول مجلس التعاون وخاصة في أعقاب توقيع الاتفاق النووي في يوليو2015م، والذي  اعتبرته إيران تعزيزاً لنفوذها الإقليمي عموماً وتجاه دول مجلس التعاون على نحو خاص الأمر الذي حدا بإيران للمزيد من التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون "بشكل ممنهج" مما يؤكد المخاوف التي أثارتها دول لمجلس قبيل توقيع ذلك الاتفاق من أنه سوف يطلق يد إيران للمزيد من الهيمنة الإقليمية، وانطلاقاً مما سبق تثار تساؤلات ثلاثة:

أولها:  ما هي أسس المشروع الإقليمي لإيران؟

وثانيها: ماهي مظاهر التهديد الإيراني لدول مجلس التعاون خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي؟

وثالثها:ما هي خيارات دول مجلس التعاون لمواجهة التهديدات الإيرانية؟

أولاً: المشروع الإقليمي لإيران: الركائز والتمويل والأهداف:

ليس من المبالغة القول بأن دول مجلس التعاون لا تواجه مخاطر دولة منذ عام 1979م، وحتى الآن إذ أن مخاطر لدولة محددة سواء أكانت أمنية أم سياسية أم اقتصادية بيد أن دول المجلس تواجه مخاطر "مشروع إيراني" ينهض على أسس ويتم تنفيذه من خلال آليات وله تمويل وأهداف، ومضمون المشروع الإيراني بشكل أساسي هو "تصدير الثورة" وحماية ما أسمته إيران "المستضعفين في الأرض" وهو ما يستند إلى مواد محددة في الدستور الإيراني أهمها المادتان (152) و(154) واللتان تنصان صراحة على "حماية المستضعفين في الأرض" و"الدفاع عن المسلمين في كل بقاع الأرض" وبالتالي من الخطأ القول أن مبدأ تصدير الثورة قد توقف بل أنه قائم منذ عام1979م، وحتى الآن ولكن يختلف باختلاف المراحل التاريخية والنخب الإيرانية الحاكمة التي ربما تنتهج تكتيكاً مختلفاً دون التخلي عن جوهر ذلك الهدف.

وللمشروع الإيراني ثلاث ركائز:

 أولها: الجغرافيا حيث أن إيران دولة بحرية, الأمر الذي يمنحها ميزة استراتيجية هائلة تتيح لها التحكم في الممرات الحيوية التي تعد الشرايين الرئيسية للتجارة العالمية البحرية وهي نظرية أطلق عليها قديماً "قلب العالم".

 وثانيها: الأيديولوجيا: فمن خلال تحليل كافة الكتابات الفارسية بما فيها الأدب نجد أنها تؤكد على مفهوم الأمة الفارسية التي تحيط بها دول سنية لم تكن رصيداً لها يوماً ما وبالتالي فإن النظرة العدائية والصراع سمتان للسياسات الإيرانية تجاه الدول العربية عموماً ودول مجلس التعاون على نحو خاص، التي ترى إيران أنها" الحلقة الأضعف" إلا أنه يتعين الأخذ في الاعتبار أن المصالح الإيرانية تتجاوز الإيديولوجيا وهو ما يفسر علاقة إيران بحركة حماس على سبيل المثال.

 وثالثها: الخلل في توازن القوى بين إيران ودول مجلس التعاونفوفقاً لتقرير التوازن العسكري الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن عام 2014م، تبلغ عدد قوات الجيش الإيراني العاملة 523,000 ألف جندي في مقابل 363,600 لدى دول مجلس التعاون مجتمعة، وقد يكون لدى بعض دول المجلس تفوقاً نوعياً في بعض الأسلحة ومنها الجوية على سبيل المثال ،إلا أن  حرص إيران على تطوير أجيال جديدة متطورة من الصواريخ الإيرانية، فضلاً عن الغموض الذي يكتنف البرامج النووية الإيرانية أمران يكرسان الخلل في توازن القوى بين الجانبين ومن ثم الحد من القرارات الاستراتيجية لدول مجلس التعاون مستقبلاً.

وعلى صعيد تمويل "المشروع الإيراني" تخصص إيران الأموال اللازمة لنشر المذهب الشيعي وخاصة في الدول التي ترى أنها يتعين أن يكون لها نفوذ فيها وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى دراسة حديثة لمنتدى العمل الأمريكي بعنوان "ميزانية الدفاع الإيرانية بعد الصفقة النووية" والتي أظهرت أن إيران توجه 65% من ميزانيتها العسكرية للحرس الثوري الإيراني وهو القوة شبه العسكرية التي تقوم بدعم كافة الجماعات دون الدول في منطقة الشرق الأوسط.

أما الهدف الاستراتيجي "للمشروع الإيراني" فهو ليس مجرد الصراع مع دول مجلس التعاون فحسب وإنما إبقاء منطقة الخليج العربي ودول الجوار الاستراتيجي في حالة من التوتر المزمن  وهو ما يشبه نظرية "شد الأطراف" وصاحب تلك النظرية هو ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء لحكومة إسرائيل عام 1949م، ومضمونها حتمية تغلغل إسرائيل في الدول المحيطة بالعالم العربي وقد تمت صياغة تلك النظرية للإجابة عن تساؤل مصيري يواجه الدول الناشئة في حينه حيث يقول "كيف يمكن لشعب قليل العدد يعيش في دولة صغيرة المساحة محدودة الموارد محاطة بكثرة عددية "ويضيف "نحن لا نملك القدرة على الدخول في مجابهة جبهوية مع كل الدول العربية لكننا نملك الخيارات الأخرى لإضعاف هذه الدول واستنزاف طاقتها وقدرتها من خلال علاقتها مع دول الجوار أو الجماعات والأقليات العرقية والطائفية التي تعيش على التخوم" ويلاحظ أن إيران تنتهج تلك السياسة ذاتها فهي لا تدخل في مواجهات مباشرة مع دول جوارها ولكن  لها نفوذ في تلك الدول  بما يمكنها من إثارة الاضطرابات في كل من اليمن وسوريا والعراق بل داخل دول مجلس التعاون ذاتها من خلال إثارة النعرات المذهبية.

ولدى صانع القرار الإيراني القدرة على المزج بين تلك الركائز وتوظيفها بما يحقق ثلاثة أهداف الأول: الحفاظ على وضع التميز الإقليمي والثاني: الحفاظ على النظام الإيراني والثالث: الحفاظ على المكتسبات وخاصة النووية منها.

ثانياً: مظاهر التهديد الإيراني لدول مجلس التعاون:

على الرغم من أن التهديدات الإيرانية لدول مجلس التعاون ليس بالأمر الجديد فإنها أضحت أكثر حدة وخاصة فيما يمكن أن نطلق عليه "تعثر المشروع الإقليمي لإيران "في دول الجوار مما دفع إيران لانتهاج سياسات تصعيدية تجاه دول المجلسوالتي يمكن القول أنها تحولت من القول إلى الفعل، وخاصة أنها "حروب رخيصة التكلفة" وهو ما أشار إليه الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجية مملكة البحرين في حوار له مع صحيفة الشرق الأوسط في 16أكتوبر 2015م، بالقول "الحرب على المنطقة هي حرب رخيصة لا تكلف أموالاً، حرب عملاء وحرب ميلشيات ليس فيها طائرات ولا بوارج ولا حاملات طائرات ولا جيوش جرارة ،هؤلاء العملاء يفجرون ويقتلون" وفي رصد للتصريحات الإيرانية الرسمية تجاه مملكة البحرين ودول مجلس التعاون  خلال الفترة من عام 2011م، وحتى يوليو2015م، فقد بلغت حوالي 97 تصريحاً إيرانياً عدائياً منها 61 تصريحاً حول قضايا مملكة البحرين و36 تصريحاً حول قضايا دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتعد تلك الإحصاءات على سبيل المثال وليس الحصر ولكن ولو تم حساب عدد التصريحات الإيرانية وهي 61 تصريحاً تجاه البحرين سوف نجد أنه بمعدل كل 3 أسابيع تصريح، وبوجه عام فقد اتخذت التهديدات الإيرانية لدول مجلس التعاون نمطين:

 الأول: تمويل الجماعات الإرهابية داخل دول مجلس التعاون:

1-مملكة البحرين:

شهدت البحرين وخاصة بعد أحداث عام 2011م، العديد من محاولات زعزعة الأمن من جانب أفراد أكدوا خلال التحقيقات أنهم على علاقة بشبكات في كل من العراق وإيران كان آخرها ما أعلنته وزارة الداخلية البحرينية في سبتمبر 2015م، بالعثور على موقع تحت الأرض داخل منزل يحتوي على كميات كبيرة من المتفجرات تزن أكثر من 1,5 طن، وضبط موقع آخر بالقرب منه يستخدم كورشة لتصنيع القنابل محلية الصنع بقرية النويدرات وسط منطقة مأهولة بالسكان" وجاء في البيان أنه" تبين من خلال عمليات البحث والتحري وجمع المعلومات أن المقبوض عليهم على ارتباط وثيق "بعناصر إرهابية موجودة في العراق وإيران" وهو الأمر الذي وصفه وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، في حوار له مع صحيفة الشرق الأوسط في 10 سبتمبر بالقول" أن المتفجرات الإيرانية المضبوطة في البحرين كانت تكفي لإزالة مدينة المنامة من الوجود"

والجدير بالذكر أن مملكة البحرين كانت قد استدعت في يوليو من العام ذاته سفيرها لدى إيران، وذلك لاستمرار التصريحات الاستفزازية المتعمدة من جانب مسؤولي إيران، وعلى اختلاف مستوياتهم وتدخلاتهم بدعم التخريب وإثارة الفتن، إلا أنه في أعقاب الحادث الأخير في سبتمبر2015م، اتخذت البحرين ثلاثة إجراءات:

 أولها:سحب سفير المملكة لدى إيران كما اعتبرت القائم بأعمال السفارة الإيرانية لدى البحرين شخصًا غير مرغوب فيه، ومطالبته بمغادرة البلاد خلال 72 ساعة وهو ما غادرها بالفعل خلال المدة المقررة.

وثانيها: تقدم البحرين بشكوى رسمية للأمين العام للأمم المتحدة خلال انعقاد دورتها السبعين وتضمنت الطلب من الأمين العام التدخل لإيقاف إيران عن تلك الممارسات والعمل على بناء علاقة أفضل بين إيران والبحرين، بالإضافة إلى توزيع تلك الشكوى على جميع الدول الأعضاء في المنظمة.

  وثالثها: إيضاح حقيقة التهديدات الإيرانية لمملكة البحرين بالأدلة والبراهين من خلال الكلمة التي ألقاها وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة أمام الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر2015.

2-الكويت:

خلال شهر أغسطس 2015م، أصدرت وزارة الداخلية الكويتية بياناً تضمن أنالأجهزة الأمنية ضبطت كمية ضخمة من الأسلحة كانت مهربة من العراق ومخبأة أسفل منازل قرب الحدود واعتقلت ثلاثة أشخاص يشتبه بأنهم أعضاء في خلية مرتبطة بحزب الله وكانت تتآمر لتقويض أمن البلاد وشملت المضبوطات 19 ألف كيلوجرام ذخيرة و144 كيلوغراما من المتفجرات و68 سلاحا متنوعا و204 قنابل يدوية إضافة إلى صواعق كهربائية، وقد صدر قرار بحظر النشر في تلك القضية إلى حين الانتهاء من التحقيقات.

2-استغلال إيران لحادث التدافع في مناسك الحج:

على الرغم من إشادة كافة دول العالم الإسلامي بجهود المملكة العربية السعودية خلال مناسك الحج التي من الطبيعي أن تشهد وقوع حوادث بين أكثر من 3 ملايين حاج، إلا أن الموقف الإيراني تجاه حادث التدافع خلال أداء المناسك قد جاء مغايراً لمواقف الدول الإسلامية حيث وجدت إيران الفرصة سانحة لخلط الأوراق وتكفي الإشارة إلى ثلاثة تصريحات رسمية لإيران في هذا الشأن الأول: مطالبة الرئيس الإيراني حسن روحاني للمملكة العربية السعودية خلال إلقائه خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة" بالتحقيق في الحادث"، والثاني:  تصريح المرشد الأعلى للثورة الإسلامية بالقول" على حكام السعودية أن يعتذروا للأمة الإسلامية وللأسر المفجوعة ويتحملوا المسؤولية عن هذا الحادث"، والثالث: تصريح المدعي العام الإيراني في كلمة بثها التلفزيون الرسمي بأن إيران" سوف تسعى لمحاكمة العائلة السعودية المالكة أمام محاكم دولية" وتوضح تلك التصريحات الخطاب الإيراني التصعيدي الذي يؤكد مجدداً التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الأمر الذي حدا بالمملكة العربية السعودية للرد من خلال تصريح الوزير عادل الجبير وزير خارجية المملكة العربية السعودية بالقول " يفترض بالإيرانيين أن يكونوا أكثر تعقلاً من اللعب بإقحام السياسة في حادثة وقعت لأشخاص كانوا يؤدون أقدس واجب ديني خلال الحج"

  الثاني: استعراض القوة الإيرانية التقليدية:

حيث يلاحظ أنه بالرغم من إبرام إيران الاتفاق النووي مع الدول الغربية في 14 يوليو2015 م، والذي تم تقنينه بموجب قرار لمجلس الأمن الدولي فإن ذلك لم يحل دون  قيام إيران بتجربة صاروخ باليستي جديد في الحادي عشر من أكتوبر 2015م، والتي أطلقت عليه اسم "عماد" ويعد أول صاروخ إيراني موجه بدقة ولديه القدرة على إصابة أهداف في دول الجوار  وهو الأمر الذي أكده وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان بالقول" إن الصاروخ عماد قادر على ضرب أهداف بدرجة عالية من الدقة وتدميرها بالكامل الأمر الذي سوف يزيد من قدرة إيران على الردع" وعلى الرغم من أن تلك التجربة تعد انتهاكاً لقرارات أممية فضلاً عن كونها تتعارض والاتفاق النووي فإن وزير الدفاع الإيراني قال "نحن لا نطلب إذناً من أحد لتعزيز دفاعاتنا وقدراتنا الصاروخية" ويمثل ذلك الصاروخ قفزة تكنولوجية في المجال الاستراتيجي، الجدير بالذكر أن الرئيس الإيراني حسن روحاني قال خلال الاحتفال بإنتاج صاروخ باليستي جديد قصير المدى في 22 أغسطس 2015م، والذي يبلغ مداه 500 كم أن" إيران تتجه نحو الاكتفاء الذاتي في مجال الصناعة الدفاعية خلال العام الأخير"

 ثالثاً: خيارات دول مجلس التعاون لمواجهة التهديدات الإيرانية:

1-إدارة الصراع:

حيث لوحظ أن دول مجلس التعاون دائما لديها حرص على إنهاء القضايا العالقة مع إيران وذلك عملاً بالمبادئ التي تحكم التفاعلات داخل الأقاليم المختلفة في العالم إلا أن المشكلة ليست في دول المجلس – والتي أبدت مرونة غير مسبوقة في علاقاتها مع إيران-ولكن في الطرف الآخر الذي يرغب في إدارة الصراع وليس إنهائه وليس أدل على ذلك أنه في تعليق المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي على الاتفاق النووي بأن "العداء للولايات المتحدة وحلفائها لن يتراجع "مؤكداً على أن "التغافل عن إعلان مواقف الثورة ومبادئ الخميني من دون خوف أو خجل كان سبباً في تسلل الأعداء لتهديد إيران" ويؤكد ذلك التصريح حقيقة مفادها أن السياسات الإيرانية منذ عام 1979م، وحتى الآن التي لم تتغير في جوهرها حتى عندما تعلن إيران مبادرات بشأن أمن الخليج العربي حيث اقترحت إيران خلال عامي 2006 و2007 أربعة مقترحات تراوحت مضامينها حول الأمن المشترك والأمن الإقليمي والنظام الأمني وإقامة منطقة للتجارة الحرة بين البلدين ثم أعادت إيران طرح مبادراتها للتعاون الإقليمي مع دول مجلس التعاون من خلال مقالتين لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، نجد أن جميع تلك المبادرات تتحدث عن التعاون الأمني والعسكري الذي يكرس النفوذ الإيراني دون الحديث عن مسببات ذلك التوتر، وبالتالي فإن  دول مجلس التعاون مدعوة للاشتباك مع إيران في الملفات الإقليمية للحد من نفوذ إيران الطاغي في تلك الملفات وفق مفهوم "الصراع المنضبط" حيث أنه من المهم نزع فتيل الأزمات الإقليمية حتى لا تتحول نحو السيناريو الأسوأ وهو الكارثة بسبب إمكانية ظهور ما يسمى "الدولة الفاشلة" والتي لن تقتصر تداعياتها داخل حدود تلك الدولة، بمعنى آخر فإن اليد الخليجية يتعين أن تسبق نظيرتها الإيرانية في دول الجوار الاستراتيجي من خلال خلق شبكة من المصالح مما يعني تعقيد البيئة الإقليمية أمام إيران بما فيها دراسة ربط دول الجوار بمجلس التعاون من خلال صيغ مؤسسية تأخذ بها بعض المنظمات ومنها على سبيل المثال مجلس الناتو- روسيا.   

  فكرة الحوار:

في أعقاب توقيع الاتفاق النووي أثير الجدل حول مسألة الحوار بين دول مجلس التعاون وإيران حيث تداولتها وسائل الإعلام المختلفة دون وجود مبادرة في هذا الشأن سواء من دول المجلس أو إيران سوى ما ورد في كلمة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة" سبتمبر 2015" بالقول" أن قطر مستعدة لاستضافة حوار على أراضيها بين إيران ودول الخليج "ولكنه جعل ذلك الحوار مشروطاً بالاتفاق على القواعد التي تنظم العلاقات بين الجانبين على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، وتثير تلك القضية خمس تساؤلات من شأن الإجابة عليها تحديد الإطار العام لذلك الحوار:

1-  ما هي أسس هذا الحوار؟ وهل هناك قرارات دولية سابقة يمكن البناء عليها بشأن أمن الخليج العربي؟

2-  من هم أطراف الحوار؟ هل دول مجلس التعاون كمنظومة إقليمية وإيران في الوقت الذي لا تزال إيران ترفض فيه الاعتراف بتلك المنظومة وتتعامل مع كل دولة على حدة؟

3-  ما هو الهدف من ذلك الحوار، هل لدى إيران النية الالتزام بما قد يتم التوصل إليه وإنهاء الفجوة المزمنة بين الأقوال والأفعال؟

4-  هل لدى إيران مبادرة بإنهاء القضايا الخمس العالقة مع دول مجلس التعاون وهي استمرار احتلال الجزر الإماراتية الثلاث والتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المجلس والتباين حول تسمية وأمن الخليج العربي، وحالة الضبابية بشأن النووية الإيرانية، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وذلك كبادرة حسن نية لإمكانية نجاح ذلك الحوار؟

5-ما هو المدى الزمني لذلك الحوار، هل سيتم تحديد مدة زمنية محددة أم الحوار قد يمتد سنوات على غرار المفاوضات النووية مع الغرب والتي امتدت زهاء 12 عاماً؟

وقد تباينت ردود الأفعال الخليجية على تلك الفكرة ففي رده على سؤال بهذا الشأن قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير " المسألة تتعلق بأفعال إيران وليس الأقوال حيث لاتزال تتدخل في شؤون دول الجوار وتقوم بتهريب متفجرات إلى البحرين والمملكة "أما وزير خارجية دولة الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح فقال خلال لقائه نظيره الألماني في 6 أكتوبر 2015 م، "دول الخليج العربية مستعدة لفتح حوار سياسي مع إيران يقوم على احترام المواثيق الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"

ومع التسليم بأهمية ما سبق  فإنه من وجهة نظري يتعين قبل بدء ذلك الحوار إيجاد رؤية خليجية موحدة تجاه إيران حيث يلاحظ أن هناك تباين بين دول المجلس بشأن "مصالحها" مع إيران إذ تؤسس كل دولة تلك العلاقات وفقاً لمنظورها الخاص فالمملكة العربية السعودية معنية بتوازن القوى الإقليمي وعدم الإخلال بالمعادلة الإقليمية الراهنة، بينما ما يهم دولة الإمارات العربية المتحدة في المقام الأول هي قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران وعلى الرغم من ذلك هناك علاقات اقتصادية متنامية بين الجانبين، أما قطر فتتنوع ركائز تلك العلاقات لديها ما بين الاقتصادية حيث تشارك إيران في حقل غاز مشترك يؤمن لها 50% من دخلها القومي، بالإضافة إلى عدد من الاتفاقيات الأمنية التي تتعلق بالحدود، أما مملكة البحرين فتتمثل مشكلتها الأساسية في التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية، بينما لدى الكويت رؤية تؤسس على اعتبارات أمنية ومصالح اقتصادية، وأخيراً تنتهج سلطنة عمان سياسة مغايرة لدول الخليج تجاه إيران لاعتبارات جيو استراتيجية إذ تشارك إيران مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يعد الممر الرئيسي لحوالي 40% من صادرات النفط للدول الغربية.

2- حتمية تحول دول مجلس التعاون لمفهوم القوة الموازنة:

فبغض النظر عن واقع البيئتين الإقليمية والدولية اللتان تتيحان لإيران فرص التغلغل والهيمنة الإقليمية فإنها قبل ذلك لديها ركائز للقوة بما يعني ضرورة موازنة تلك القوة من جانب دول مجلس التعاون، وهذا متطلب أساسي لضبط مسار التفاعلات بين الجانبين، فعلى سبيل المثال الدول الأوروبية لم تتحول نحو الصيغة الأمنية الراهنة لكونها تريد ذلك ولكن بسبب توازن القوى،وهذا الهدف الاستراتيجي يحتاج إلى العمل على المديين القريب والبعيد، صحيح أن دول مجلس التعاون لديها تحالفات دولية متنوعة ولكن تلك التحالفات تظل مرتهنة بموازين القوى الدولية وبالظروف التي أوجدتها، وبالتالي فإن توازن القوى يعد مسألة استراتيجية بالنسبة لدول مجلس التعاون وخاصة بالنسبة للجانب الدفاعي سواء من خلال تنفيذ مقترح الاتحاد الخليجي أو أي صيغ أخرى تحقق ذلك الهدف.  

ومما سبق يمكن التأكيد على ثلاث نقاط:

الأولى: يتعين على إيران إعادة النظر في سياستها تجاه دول مجلس التعاون وفقاً لأسس الأمن الإقليمي التعاوني وليس الأمن الاستراتيجي الذي يعد التسلح أحد ملامحه، حيث ينبغي أن تؤسس العلاقات داخل الأقاليم على توازن المصالح وليس توازن القوى.

والثانية: من المهم لدول مجلس التعاون إعادة تعريف مصالحها الاستراتيجية مع إيران لأنه حتى الآن لاتزال لكل دولة خليجية مصالحها الخاصة مع إيران سواء كانت اقتصادية أو أمنية ولكن يتعين ألا تتعارض مع المصالح الخليجية لدول المجلس ككل لأن تباين تلك المصالح يمثل فرصة سانحة لإيران للولوج من خلال تلك التباينات.

والثالثة: من الضروري لدول مجلس التعاون متابعة تطورات الداخل الإيراني على المستويين الرسمي والشعبي حيث يلاحظ أن فكرة توزيع الأدوار تعد أحد آليات تنفيذ السياسة الخارجية الإيرانية، فضلاً عن أهمية دراسة تأثير عودة العلاقات الإيرانية الغربية على الداخل الإيراني ذاته سلباً وإيجاباً.

مجلة آراء حول الخليج