العدد 102

اليمن: المشكلة والحل

الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2015

لم يكتمل بناء الدولة في اليمن على المستويين المؤسسي القانوني والتطبيقي، وما نجده ليس سوى سلطة مستبدة، حيث يتم اتخاذ القرارات خارج نطاق المؤسسات الرسمية. كما أن ضعف الدولة يحد من قدرتها على النفاذ إلى شرائح المجتمع، الأمر الذي أدى إلى ظهور فراغ يملأه عناصر الوساطة ممن يستفيدون من ديمومة نظام الحكم ويمارسون نفوذهم نيابة عن النظام، وقد سمحت شرعية النظام المتلاشية على استمرار الولاءات دون الوطنية وهي ضيقة الأفق، في حين أدى فشل التنمية وضعف الهيآت التمثيلية إلى إقامة قواعد قبلية وطائفية عمقت الانقسامات في المجتمع، وهو ما أضعف السلطة المركزية وعزز من الولاءات المحلية، وأدى هذا التشظي إلى وجود أفراد في الوظائف الحكومية يقومون بتوجيه مؤسسات الدولة ومواردها وفقاً لولاءاتهم القبلية. لذلك اليمن تمارس الديمقراطية بصورة انتقائية، مما يؤدي إلى وجود الدولة بوظيفتها القسرية وغيابها في المجالات الإنتاجية والخدمية، فيما يسلك المجتمع مسلكاً منفصلاً، حيث فشلت الدولة لضعف مؤسساتها، ونظراً لتعدد الانقسامات الداخلية يعجز المجتمع عن تشكيل منظمات تستطيع الضغط على الدولة للصالح العام. وفي هذا المحيط يتقيد المجتمع بالهويات المتشظية المبنية على انتماءات دون وطنية، وبهذا يصبح أكثر إحباطاً وبعداً.

تعتمد هذه الورقة على نتائج زيارة بدعوة من الاتحاد الأوروبي، ركزت على صياغة مسودة خطة عمل لصنع السياسات من أجل تعزيز بناء الدولة في اليمن لذلك اقترحت المنهجية المتبناة بخطة أساسية سوف يتم تطويرها فيما بعد، وخلال فترة الدراسة التقيت خبراء من مفوضية الاتحاد الأوروبي، ودار النقاش مع باحثين وأكاديميين في بروكسل، وقد تم التوصل إلى اتفاق على النقاط التالية:

-         بنهاية الحرب سوف يساعد الاتحاد الأوروبي اليمن بتقديم: المساعدة الفنية لوضع الموازنة ومواجهة الإرهاب.

-         ضرورة أن تؤثر أي خطة مقترحة في حياة الناس اليومية. ولا بد أن تركز أي خطة على المدى البعيد على معالجة الاختلال الهيكلي، ومعالجة القضايا الملحة على المدى القصير.

-         من بين القضايا الملحة، الحصول على موافقة دول الخليج لفتح الحدود لانتقال العمالة، أو الحصول على حصة في كل دولة خليجية.

-         سوف تعرقل عدم فعالية الدولة في إدارة الموارد في ظل نضوب موارد النفط، قدرة نظام الحكم على إسكات القبائل مقابل المال، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى انهيار الدولة.

-         السعودية دولة مهمة وأساسية في المنطقة لذلك من الضروري تفهم رؤاها وتوجهاتها حيال اليمن.  

-         موافقة الرئيس اليمني ذات أهمية بالغة لضمان نجاح أي مساعدة.

-         التوظيف على أساس الجدارة وليس القرابة والوساطة وتحسين مرتبات موظفي الدولة للحفاظ على المبدعين منهم.

-         تحسين العملية الإجرائية في إدارات الدولة من أجل رفع مستوى جودة الخدمات.

-         إصلاح نظام القضاء وتنفيذ سيادة القانون.

-         المجالات التي تحتاج للاهتمام العاجل هي: الصحة؛ التعليم؛ الخدمة البريدية؛ المياه؛ الأشغال العامة؛ الأمن؛ حقوق الإنسان والحريات؛ العمالة؛ الفقر؛ وتوزيع الموارد. 

تعتبر اليمن من أقل دول المنطقة نمواً، وزاد عدد سكانها منذ عام 1980م إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف، حيث ارتفع من 8.4 مليون نسمة إلى 23 مليون نسمة، وإذا ما استمر معدل النمو السكاني الحالي فإن عدد السكان سيتضاعف خلال العشرين سنة القادمة. والبنية التحتية ضعيفة جداً ومخيفة. فيما تمثل واردات النفط 70% من واردات الدولة، ويشكل النفط 90% من إجمالي صادرات البلاد، وهو المورد المتوقع نضوبه خلال عقد. إضافة إلى الفقر، الأمية، والمخزون المائي المتضائل، والارتفاع الحاد في البطالة.

وليس لدى الدولة المركزية سوى سيطرة محدودة على مناطقها، وتنحصر على المناطق الحضرية الكبرى. في ظل يعيش ثلاثة أرباع السكان خارج المدن. وبما أن القبائل تقوم بملء الفراغ الذي خلفته الدولة فمازالت تلعب دوراً قوياً وتغلغلت في المؤسسات الحكومية، وتلعب أدواراً هامة في الهيآت التشريعية والتنفيذية والقوات المسلحة والأمن والنظام السياسي إجمالاً. لهذا فإن صناعة القرار السياسي تتطلب الانصياع للتشاور وتقديم التنازلات والمساومات للتحالفات المتقلبة.

بينما ثقة المواطن في قدرة الحكومة على معالجة التحديات الاقتصادية تقل كثيراً. وفي نظر الشعب أن شرعية الدولة ضعفت نتيجة نظام الوراثة الذي اختار الشخصيات القبلية وقيادات الأمن والجيش. وهذه الجماعة لا تفرض سيطرتها كثيراً على عملية صنع سياسة الدولة فحسب بل على القطاع الخاص. لذا ينظر المواطن اليمني إلى إقصائه من الفرص الاقتصادية على أنه أكبر تهديد.

توازن السلطات

تتركز السلطة في أيدي الجهات التنفيذية، وتؤكد شبكة الرعاية المصنوعة بعناية على الولاء الشخصي. وفي ظل غياب الفصل الواضح بين السلطات تفلت الكثير من أعمال السلطة التنفيذية من الرقابة، وهو ما أنتج ثقافة سياسية تظهر سمات تركيز السلطة (عدم الشفافية؛ اللامسؤولية، الفساد؛ الحصانة غير القانونية من المساءلة).

والطريقة التي تمارسها السلطة لها تبعات على صنع القرار، الأمر الذي جعل من الصعب على نظام الحكم أن يتعامل مع التحديات الاستراتيجية. والمشكلة الحقيقية لا تكمن في عدم معرفة ما هو مطلوب القيام به ولكن في نوعية الدوافع والحوافز التي تواجه من لهم سلطة ونفوذ وتمنعهم من الرقي إلى مستوى تحدي القيام بعكس التوجهات الحالية. وقد وصفت ذلك باختصار سارة فيليبس في قولها:

"يعتبر نظام المحسوبية في الأساس طريقة لإدارة الأزمات – وهي طريقة جيدة لاحتواء الأزمات أو على الأقل حصرها، ولكنها غير كافية لاستباق الأزمات من خلال وضع السياسات البديلة. فحلول المشاكل تكون من خلال تفريق الموارد والفوائد والمكانة، وطريقة جذب هذه الأشياء هو عن طريق خلق الأزمة ومن ثم الخوض في مفاوضات مع القيادة للتوصل إلى حل".[1]

 

ومن الأوضاع التي خلقتها الوحدة، وجود قطاع عام مكتظ، فمع وجود حوالي 800.000 وظيفة حكومية نجد أن تكلفة قوة عمل بهذا الحجم شيء مذهل، نتيجة مكافأة المخلصين للنظام. لكن أدى ذلك إلى خلق قطاع عام متضخم بمهارات متواضعة، وبالتالي ظلت القدرات الإدارية متدنية والمؤسسات لا تعمل في الغالب إلا بطريقة ردة الفعل للأزمات.

متلازمة الضعف المؤسسي

لن يتحقق الاستقرار في اليمن إلا إذا ترسخت الثقة بين الدولة ومواطنيها، فقد أدت عقود من الصراع إلى انعدام الأمن وضياع فرصة بناء الدولة. وفشل الدولة أو هشاشتها هو ما يقف وراء هذه الأزمات.

ويعتبر انخفاض مستوى الشرعية هو المنفذ الرئيسي لهشاشة الدولة اليمنية. وتبدأ الحلقة المفرغة مع انعدام ثقة المواطنين في قدرة دولتهم على خلق نظام سياسي واجتماعي واقتصادي شامل تحت سياسة القانون، مع دلائل على فقدان الشرعية منها: زيادة الممارسات غير القانونية وغير الرسمية والإجرامية؛ وعدم فعالية تقديم الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم؛ التقاعس في تحسين البنية التحتية؛ تفشي الفساد؛ الاستيلاء على الأملاك العامة. ونتيجة لذلك ضعفت السيطرة الإدارية وانتشرت البيروقراطية كوسيلة لإساءة استخدام السلطة، وبالتالي أدت إلى أزمة في الأموال العامة، حيث أصبح من الصعب توقع الواردات والنفقات ومن ثم أصبح وضع الموازنات الطارئة والإضافية ممارسة دائمة في إدارة دولة الطوارئ. أما العلامة الجوهرية فتكمن في عدم احتكار العنف المشروع من قبل الدولة وظهور الجماعات المسلحة التي تسخر علناً من الدولة وتفرض سيطرتها على العديد من المناطق.

تعتبر الدولة هي الآلية الفعالة لضمان تحقيق الأمن ومحاربة الفقر وتوفير الفرصة والاستثمار في الثروة البشرية وتوسيع المشاركة في الفرص التي يوفرها السوق. كما أن المجتمعات المدنية الحرة والفاعلة تمثل عناصر أساسية لأي استراتيجية تنموية. لكن هذا المقترح يشترط بناء الدولة، الذي يمثل شرطا أساسيا لخلق المؤسستين الأخيرتين.

وفي هذه الظروف تتطور سلسلة من العلاقات الرسمية وغير الرسمية تثير أعراضا مرضية مؤسسية، ومن الواضح أن هذه العلاقات أصبحت تشكل عائقا لمشروع استقرار وبناء الدولة. والاستيعاب الواضح لهذه الأعراض المؤسسية أساسي لإعداد الاستراتيجيات من أجل التغلب على هذه العوائق، ومن العوامل المساعدة على التغلب على هذه العوائق هو فتح المجال أمام المواطنين للمشاركة في العملية السياسية وزيادة فرص القطاع الخاص. وبدون ذلك فإن مخاطر الإقصاء والأعمال غير القانونية سوف تزيد من تعرض الاستقرار إلى الخطر الملازم لمثل هذه التصرفات.

ويتصف تزامن مثل هذه الأعراض بالتالي: (1) ظهور الجماعات المسلحة التي تدخل في صراعات مع بعضها ومع الدولة (2) بروز نزعة مناطقية قوية، مع التركيز بشكل خاص على المناطق (الجنوب) الغنية بالموارد والمناطق (الشمال) ذات التضاريس الوعرة المناسبة لتحركات العصابات (3) تنامي شبكات الدعم اللوجستي وعمليات التهريب التي تعمل خارج القانون (4) زيادة الاعتماد على بلدان خارجية تتخذ علاقة التبعية (5) عدم الشفافية في صنع القرار وهيمنة النخب (6) تلاشي الثقة في المؤسسات مع الرغبة في دولة فعالة.

بناء الدولة والاستقرار

هناك ثلاث عشرة وظيفة جوهرية نقترحها وعلى دولة اليمن تنفيذها حتى تستطيع البقاء في العالم الحديث. وهي: (1) الاحتكار المشروع لوسائل العنف (2) السيطرة الإدارية (3) إدارة المال العام (4) الاستثمار في الثروة البشرية (5) توضيح حقوق وواجبات المواطنين (6) توفير البنية التحتية (7) تشكيل أسواق فعالة ومستقلة (8) إدارة ممتلكات الدولة (9) إقامة علاقات دولية متزنة (10) تطبيق سلطة القانون (11) إقامة علاقة متزنة بين الدولة والمجتمع (12) المساواة بين المواطنين (13) توزيع عادل للثروة. وقد يتطلب الأمر إلى بعض الوظائف الأخرى، مثل إعادة اللاجئين والمشردين إلى قراهم ودمجهم في مجتمعاتهم.

والاتفاق الجماعي على هذه الوظائف سيقود إلى إجماع حول هيكلة الدولة.

ويتطلب إعداد استراتيجية بناء الدولة البدء من اتفاقية حول الهدف من تحقيق بناء الدولة والوظائف التي يتعين على الدولة القيام بها، واتفاقية حول الأطر الزمنية لتحقيق تلك القدرة. ولكي يتم كسب ثقة عامة الناس يجب تنفيذ برامج معقولة تحقق لهم فوائد.

دور الاتحاد الأوروبي

إن الدور الذي يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يلعبه مهم لتسهيل بناء الدولة في اليمن، ويتراوح بين تقديم الاستشارات والتدريب والخبرة العميقة، إلى المساهمة المباشرة في العملية.

فقد يكون الاتحاد الأوروبي حافزاً لما يلي:

-         زيادة الحوار السياسي، والتعاون الاقتصادي، والتعاون التنموي والإصلاح الديمقراطي.

-         تحسين الوضع الأمني، ومعالجة النمو السكاني، وشح المياه، وخلق التنوع الاقتصادي.

وأعتقد أن على القادة المحليين والاتحاد الأوروبي التوصل إلى اتفاق بشأن استراتيجية مشتركة طويلة المدى، وهذا العمل يضع القوى الفاعلة الداخلية والخارجية خلف أجندة مشتركة، وبهذا يتم استغلال الطاقات وخلق الكفاءات وتحقيق نجاح مشترك.

المنهجية

يشكل هذا المشروع استراتيجية شاملة لبناء دولة فعالة وتتضمن تطوير:

  • أطر عمل لتحديد وفهم الوظائف التي لابد أن تقوم بها الدولة، ولكل وظيفة يجب تحديد الآتي:

-      تحديد (مؤسسات) الدولة المسؤولة.

-      تشخيص أوجه القصور.

-      اقتراح الحلول الممكنة.

-      وضع الفترة الزمنية لعملية التنفيذ.

-      تحديد المنفذين المحليين، والمساعدين الخارجيين.

-      تنفيذ خطة مراقبة وتقييم.

  • وضع مؤشر لقياس مدى فعالية الدولة وتشخيص دقيق للعوامل الدافعة أو المانعة لقدرة الدولة.
  • الاهتمام بالتدريب وتشكيل تطبيقات لتزويد القادة والمدراء بأدوات تحليلية من أجل قيادة البلد خلال عمليات التحولات.
  • التواصل لتحفيز فهم أعمق للقضايا المرتبطة ببناء الدولة الفعالة.

أعمال استراتيجية

  • تقديم الدعم من خلال الحوار الدبلوماسي والوسائل التقنية لتطوير رؤية لمستقبل اليمن.
  • الإصلاح يتم من المستويات الأعلى. وهذا مهم ليس لتقديم الدافع السياسي فحسب بل لضمان معالجة الإصلاحات السياسية والتقنية.
  • دعم النمو الاقتصادي الذي لا يعتمد على النفط والقادر على توفير فرص العمل والإيرادات المتنوعة.
  • الاهتمام بالقطاعات الواعدة (الزراعة والثروة السمكية والسياحة والمعادن).
  • استكشاف سبل جديدة، ومنها تعزيز المشاريع التجارية الخاصة الصغيرة والمتوسطة.
  • إعادة هيكلة برنامج الاستثمار العام لتخفيف الفقر.
  • الهجرة مجال سريع ضد تنامي البطالة، ويمكن للتدريب المهني أن يساعد في زيادة الهجرة، إلا أن ذلك بحاجة إلى إصلاحات من أجل متطلبات سوق العمل. مع الأخذ في الاعتبار أن الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي لن يتم قريباً، وقد لا يتم، لذا ينبغي أن نسلك مسارات أخرى مثل طريق الهجرة التقليدي بين حضرموت والهند وشرق آسيا.
  • الحوار على مستوى عال مع دول الخليج يعتبر أولوية استراتيجية لليمن.
  • إصلاح الميزانية، وتقليل الإنفاق "المسيس" في سلم أجور ومخصصات كبار مسؤولي الدولة ودعم الوقود.
  • تحسين المجالات الخدمية للاستثمار بما في ذلك توفير المياه والتعليم والصحة الإنجابية.
  •  دعم اللامركزية بما يضمن تخليص الميزانية من المركزية من نفقات عالية، مع محاسبة المسؤولين المحليين بشكل كبير أمام الشعب بدلاً من السلطات المركزية فقط.
  • تعزيز المجتمع المدني.
  • دعم تمكين وإشراك المرأة والشباب.
  • معالجة الصراع وترسيخ الاستقرار.
  • لكن لا يجب إغفال التالي:

o      تنفيذ أي برنامج تنمية بصورة غير ملائمة قد يشجع على انعدام الأمن.

o      عملية الإصلاح سوف تخلف خاسرين لتقليص المحسوبية. ولتفادي هذه الصراعات يتطلب اقتطاع جزء من قاعدة دعم أي قوى محلية محتملة، وذلك من خلال العمل المعزز من قبل الدولة.

  • لذلك ينبغي التحقيق في عدد من المجالات منها:

o      توصيف الدولة الموازية، مع فهم أفضل لتوازن المتغيرات بين اللاعبين الأساسيين، ومصالحهم ومنافسيهم، وكذلك فهم العوامل القبلية التي تكمن وراء التسوية السياسية.

o      فهم ثقافة الشباب وتصميم البرامج التي تساعدهم على أن يلعبوا دوراً بناءً في صياغة مستقبل اليمن.

o      التحقيق في اليمن "التقليدي": كيف يستطيع الناس العيش وحل النزاعات لكي يتم التعرف على البرامج الداعمة الممكنة.

بناء الدولة الفعالة

عملية التعرف على التحديات الخاصة بالقطاعات مهمة جداً "للحوكمة"، أي كيف تعمل مؤسسات وأجهزة الدولة، وكيف ترتبط الدولة بالمواطنين والقطاع الخاص فيما يتعلق بالشفافية والمحاسبية.

  • سوف تتطلب التحسينات الهامة في تقديم الخدمات إصلاحات أساسية في إدارة المال العام والإدارة العامة. فينبغي على الدولة أن: (1) تزيد الإيرادات (2) تحسن أداء الميزانية وتوفير التمويل المالي (3) تكييف النفقات العامة بحسب الأولويات (4) تحسين سلم الأجور.
  • يعتبر الفساد من أعراض ضعف الدولة. لكن حجم المشكلة في نظر المواطنين والشركات التجارية والجهات المانحة كبير جداً وتستحق الاهتمام. والفساد يؤدي إلى الفقر ، كما أن الفوائد المقصود أن توجه للشعب تستخدم لأغراض أخرى، ويتم سلبها في الصراعات.
  • لا يمكن حل مشاكل الحكم كاملة من خلال الإصلاحات من القمة إلى القاعدة داخل الدولة. لكن استغلال مدخلات المواطنين سوف يساعد على خلق آليات الشفافية والمحاسبية.

وكما أشار مكدونالد وخليل،[2] فان الإصلاحات الضرورية والأساسية معروفة:

  • توفير الميزانية الوطنية للاستثمار وتقديم خدمات أفضل.

o      تقليل أعداد موظفي الخدمة المدنية.

o      تقليص أو رفع الدعم للوقود والمشتقات النفطية.

  • تقليص دائرة الفساد والعقاب عليه.
  • توفير المناخ الملائم للاستثمار.
  • تطوير نظام ضريبي شفاف وعادل كقاعدة للعقد الاجتماعي بين الدولة والشعب.
  • زيادة معدل المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية، خاصة المرأة والشباب.

إيرادات ونفقات الدولة

تظل قدرة الدولة على رفع معدل إيراداتها محدودة، أما الإيرادات الضريبية فلم تشكل سوى حصة قليلة من الدخل، والقليل منها عبارة عن ضرائب دخل مباشرة مع احتمال وجود حوالي ستة مليار دولار كضريبة دخل. ولنفرض أن اعتماد الدولة الزائد على النظام الضريبي سيعزز وثاق العقد الاجتماعي الذي بموجبه يوافق المحكومين على دفع الضريبة مقابل تقديمها لهم على شكل خدمات، بالمقابل عندما تشمل الإيرادات الضريبية أقل من 10% من الدخل الحكومي فهذا يعتبر دليلا على الهشاشة.

إن وجود الخدمة المدنية ليس لتقديم الخدمات ولكن كمصدر للرعاية الوظيفية وكسب الولاء. وقد شكلت الأجور والرواتب نسبة 32% من موازنة 2008م وشكل دعم الوقود نسبة 36.8%. وإصلاح هذه النفقات أمر حساس سياسياً وتمت معارضته بشدة. فعلى سبيل المثال لو أن إصلاح الخدمة المدنية تم من خلال نظام قياس فترة الحياة لتم حذف ما بين 27.000 و60.00 موظف حكومي من قائمة الأجور. وهذا العدد لا يشكل سوى رقم بسيط في عدد موظفي الدولة البالغ 500.000 موظفاً، وهي القوة الوظيفية التي يجب تقليص على الأقل نصفها أو ثلثيها. والأكثر حساسية هو حجم قوات الأمن. وبالإجمال فإن القوة الوظيفية للدولة تبلغ حوالي 1.2 مليون موظف.

ويمكن مقارنة الإنفاق المسيس بالإنفاق على الصحة الذي يصل إلى 1.9% والإنفاق على التعليم 9.6% من الميزانية العامة. ويُقال إن ميزانية الدفاع وصلت إلى 6.6% من إجمالي الإنتاج المحلي عام 2006م. وتميل أرقام الموازنة إلى الغموض، ومن بين الأسباب وراء ذلك إقرار موازنات تكميلية. كما أن هناك عناصر في الميزانية إضافية وغير خاضعة للفحص تأتي من إيرادات النفط. إضافة إلى ذلك تواجه الميزانية ضغوط تكاليف خدمة المديونية والحفاظ على قيمة العملة اليمنية مقابل الدولار.

العلاقة بين الحكم الفيدرالي والمجتمع المدني والنظام الضريبي

إن المبرر وراء تبني حكم فيدرالي مخول تخويلاً كاملاً كأساس لترسيخ الديمقراطية هو أن ذلك عبارة عن مقاربة أكثر دقة في محتواها وأقل عرضة للفساد وأكثر ملاءمة للمشاركة. ولهذا فهي قد تمثل أساساً أكثر ملاءمة لعملية التنمية وسيادة القانون.

وأكثر شيوعاً في نظام الحكم الفيدرالي التأكيد على توزيع السلطة والقيم والممارسات التي لا تعتبر مطلقة. وفي هذه الحالة، يكون التشديد على المحاسبة والشفافية، والتنمية، بدلاً من التركيز على إصلاحات مؤسسية محددة، وهو الأمر الذي من خلاله تستطيع أدوات المحاسبة رفع صوتها. ويشكل الحكم الفيدرالي، الذي يتكون من عناصر واضحة ومحددة في أهدافها، أسلوباً أكثر إسهاباً للممارسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويسمح للديمقراطية الإعراب عن نفسها من خلال قنوات مباشرة. فالحكم الفيدرالي لا يهتم بالفعالية الإدارية فحسب بل بكيفية علاقة الشعب بعمليات تسيير الدولة.

وهنا من المهم التمييز بين الديمقراطية الليبرالية والديمقراطية الانتخابية. فالأولى لا تقتصر على الانتخابات ولكنها تفرض قيود على مدى صلاحيات وسلطات السلطة التنفيذية؛ وتشترط أنظمة قضائية مستقلة؛ وتحمي حقوق الفرد وحرية التعبير والمعتقدات والمشاركة؛ وتأخذ في الاعتبار حقوق الأقليات؛ وتحد من قدرة الحزب الحاكم إذا ما أراد التلاعب بالانتخابات؛ وهي ضامنة لحقوق المواطن ضد الاعتقال العشوائي وقسوة رجال الشرطة؛ ولا تسمح بالرقابة على المطبوعات؛ وتحد من سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام. أما الديمقراطية الانتخابية – كما هو الحال في اليمن – فهي حكومة تأتي من انتخابات أقل حرية، وتفتقر للضمانات. وبرغم ظهور شكل من أشكال الديمقراطية في اليمن إلا أن فيها تعددية سياسية مشلولة والواقع هو أن المؤسسة الحاكمة تحتكر الدولة. وأن الحزب الحاكم لا يحكم ولكن يمثل واجهة شرعية لهيأة الحكم الفعلية، المؤسسة الحاكمة، كما أوضحنا سلفاً. وفي مثل هذا النظام تسيطر المؤسسة الحاكمة على موارد الدولة والجيش والاستخبارات والخدمة المدنية ووسائل الإعلام، وتستغل كل ذلك لبلوغ غاياتها السياسية. أما أحزاب المعارضة فليس لديها فرص مماثلة ولا مجال للمناورة، ولهذا السبب تظل تحت رحمة الحزب الحاكم، إن غياب التوازن، ليس في المجتمع السياسي فحسب، بل بين الدولة المجتمع المدني أيضاً، وهذا يعرقل التطور الديمقراطي. وفي هذا الإطار فإن أي انتخابات لن تنتج سوى نفس النظام.

والمؤسسة الحاكمة في اليمن ليست مستعدة للسماح لعناصر الديمقراطية الليبرالية أن تهدد بقاءها، لهذا فهي تميل لمظهر الديمقراطية الزائف. ولكن في ظل الاختلالات داخل الدولة والضغوط الخارجية ربما يفرض نظام الحكم نوعا من المشاركة أقل خطراً عليه. ومن هذه الناحية، فإن إقرار شكل مشوه للحكم الفيدرالي لن يجدي نفعاً، وإصلاحه له كلفة سياسية واجتماعية باهظة. والبديل المنطقي هو إنشاء نظام أقل جدلاً وأكثر فعالية والبدء في عملية تراكمية تنويرية بين عامة الناس، الأمر الذي لا يمكن فعله إلا في ظل نظام حكم فيدرالي حقيقي.  

والآن لماذا نحتاج إلى ربط الحكم الفيدرالي بإنشاء نظام ضريبي فعال؟ إن نظام الحكم الفيدرالي ينطوي على إعادة ترتيب العلاقات بين الدولة والمجتمع من ناحية، وبين الوحدات المجتمعية من ناحية أخرى. ويجب أن يحكم هذه الترتيبات إطار عمل توافقي يمثل عقد اجتماعي جديد يذهب إلى ما وراء القانون. فالمجالات الهيكلية والثقافية تمثل إشكالات حقيقية، ولا يمكن الرقي بها إلا من خلال تطوير مجتمعات مدنية حقيقية. والمجتمعات المدنية تنشأ من مطالب كُتل متعددة لتمثيل المصالح المختلفة في محيط علاقات متغيرة. والعلاقة بين الحكم الفيدرالي والمجتمع المدني جلية هنا، والمجتمعات المدنية لا تأتي من العدم، وإلا لكانت مجرد دمى، ولكن يمكن تعزيزها بالحوافز التي منها النظام الضريبي الفعال.

وللتوضيح فإن المشكلة تعود إلى بدء نشوء وتطور الدولة في اليمن التي بدأت وهي مفتقره إلى موظفين ماهرين. فكلا اليمنين، سابقاً، واجها صعوبة في إنشاء دولة بكادر إداري فاعل وكانا يميلان إلى تفضيل بناء الأجهزة القهرية وتطوير القدرات العسكرية والأمنية. ومنذ البداية لم يتم الاعتماد على الموارد المحلية فقط في دفع رواتب الموظفين العسكريين والأمنيين والمدنيين، وتم الاعتماد شبه الكامل على مبدأ الريع. ولهذا فإن الانقسامات داخل المجتمع التي كانت تعكس الاختلافات الداخلية في الدولة لم تكن مبنية على نظام ضريبي محلي، لذا لم يتطور أي تمايز بين المواطنين أو اصطفاف سياسي أو مؤسسي يعكس السياسات الضريبية.

وبما أنه لم يتم فرض الضرائب مباشرة على الشعب مقابل نفقات الدولة فهم لم يطالبوا بالاشتراك في صنع القرارات. وكان ديدن السياسة، قبل الوحدة، حشد العناصر المعارضة للإمبريالية الجماعية في الجنوب، والعناصر المعارضة للشيوعية في الشمال. وكان الصراع السياسي على الحقوق الفردية غائباً فعلياً، وهو ما يعني أن الحشد الجماهيري إلى خلق مجتمع جماعي سبق ومنع تأمين الحريات الفردية. وهذا أدى إلى مشاركة كبيرة دون تحرير سياسي ودون سياسة ليبرالية.

بالطبع هناك نظام ضريبي في اليمن لكن الدولة لا تعتمد على الضرائب كمصدر إيراد، لهذا فالنظام المالي يعتبر عتيقاً جداً. والنتيجة لعدم دفع الضرائب هو عدم التمثيل في صنع القرار. لكن الأزمة المالية التي تواجهها اليمن هي أزمة حقيقية لأن المصادر السابقة للدخل الخارجي بدأت تجف. وبالتالي فالخيارات بسيطة جداً وهي: إما أن تقلص الدولة نفقاتها، أو تزيد الدخل، أو كلاهما. وليس من الغريب أن يستمر ما يسمى بالهامش الديمقراطي في اليمن، فمقابل فرض سياسات إصلاح اقتصادية تستجيب الدولة لعملية التمثيل في أدنى مستوى. وهذه نقطة تحول هامة، وإذا ما تم الدفع بها إلى الأمام ستصبح صفقة مربحة قد تبدو متواضعة في بادئ الأمر لكن أثرها على الاقتصاد السياسي واضح. وهنا تتضح العلاقة بين الحكم الفيدرالي والنظام الضريبي: فمع تطوير المجتمع المدني الذي يلعب دور الوسيط تتجلى العلاقة بين نظام الحكم الفيدرالي والنظام الضريبي والمجتمع المدني.

إصلاح العلاقات المدنية العسكرية

من بين المشاكل التي يواجهها اليمن هو إخضاع القوات العسكرية للسلطة المدنية. وقبل الوحدة كانت دولة الحزب الواحد في الجنوب تنظر إلى الجانب العسكري على أنه أداة للحزب: فكان على الضباط الانتماء إلى الحزب، وكان المفوضون والخلايا الحزبية توازي سلسلة القيادة العسكرية، وكان الولاء للحزب وليس للدولة، وداخل صفوف الحزب كان الولاء ينقسم إلى جماعات معينة، وهو ما سيس الجيش إلى درجة عالية. كما تم تجنيد المجتمع في ميليشيات شعبية سادت الحياة اليومية في كل القرى.

وعلى غرار ذلك، ولكن بنمط مختلف، كان اليمن الشمالي لأكثر من ألف عام يتصف بالطابع العسكري. ومع أن الأئمة لم يكونوا يمتلكون جيوشا نظامية متخصصة إلا أنهم كانوا يشنون حروبهم من خلال حشد القبائل المقاتلة. وكانت حرب 1962 – 1970م الأهلية هي نقطة التحول، فقد دفعت بالمعسكرين المتحاربين (الملكيون والجمهوريون) إلى الاعتماد كثيراً على القوى القبلية. ومنذ تلك الفترة تواصلت هذه الحالة تحت ظل ضغط بعض العناصر القبلية لتولي مناصب مؤثرة في الدولة وحاجة نظام الحكم إلى دعم تلك العناصر، مثلما حدث في حروب 1972م و 1978 – 1979م و 1994م. وهذا أدى إلى وجود مراكز قوى من العناصر القبلية والعسكرية تفرض سيطرتها، ليس فقط على أجهزة وإدارات الدولة، بل أيضاً على الأنشطة السياسية والتجارية.

وبعد الوحدة ساد نمط اليمن الشمالي، ما خلق علاقات نسبية عكسية بين قوة الجيش النظامي وتأثير مراكز القوى القبلية. وتدرك العناصر القبلية، التي تشكل مخزون الجيش غير الرسمي، أنه لا يجب السماح لقوة الجيش النظامي أن تتجاوز حدود معينة. وقد دفعت مقاومة تعزيز الجيش النظامي بنظام الحكم إلى التعويض عن ذلك من خلال ثلاثة أشياء. أولاً، عملت السلطة كل ما في وسعها لتضمن اختراق القوات العسكرية والسيطرة عليها من خلال نظام زبائني يقوده أهم العملاء، وخلق الانقسام في صفوف هذه القوات وإحكام قبضة السلطة عليها بالاعتماد على نخبة من القوات ووحدات عسكرية خاصة يقودها مباشرة القائد ولا تخضع لوزارة الدفاع. ثانياً، تميل السلطة إلى إدارة كل وزارات الدولة الأساسية ودوائرها، المدنية والعسكرية، عن طريق مسؤولين عسكريين يتميزون بالولاء الشديد للمؤسسة الحاكمة. ثالثاً، وبما أن القوات العسكرية تفتقر للتماسك ونظام الحكم يفتقر للشرعية، ظل المجتمع وحيداً يعصف به العنف والصراعات المسلحة حتى تتشظى وتضعف وحداته وتبقى سيادة المؤسسة الحاكمة هي العليا، وما أضفى على المجتمع الطابع العسكري حيث تتطلع الفئات الاجتماعية للقوة المسلحة، نظامية وشعبية وقبلية، من أجل ضمان الأمن في الأطراف.

وبهذا تواجه الديمقراطية في اليمن تحدياً كبيراً يتطلب إصلاحا جذريا للعلاقات المدنية العسكرية. وقد أوجد الأداء غير العقلاني والفاقد للحيوية الذي تقوم به إدارة الضباط العسكريين لإدارات الدولة المدنية الحنين والشوق بين أوساط الشعب إلى الحكم غير الديمقراطي السابق الذي وفر الاحتياجات الأساسية والأمن وسير الأمور أفضل مما هي عليه اليوم. لذا لابد من بذل الجهود من أجل إعادة هيكلة وتوجيه القوات العسكرية تجاه المهام العسكرية وتعزيز المهارة العسكرية وتقليل الدور الذي تلعبه في المجتمع، حيث أن واجب القوات العسكرية الدفاع عن المجتمع وليس تحديده وتعريفه. إن السيطرة المدنية مهمة جداً: إذ يجب أن يتخذ ويقر القرارات الحكومية بما في ذلك الأمن القومي متخصصون من خارج دائرة القوات المسلحة. وهذا يتطلب نظام حكومي مستقر وشرعي لمنع التدخل العسكري بحجة حماية المجتمع من الفوضى. كما يجب إخضاع القوات العسكرية للمساءلة أمام مجلس النواب، وفرض مناقشة عامة وفحص لسياسات الدفاع والموازنات وحالات الأخطاء العسكرية وارتكاب المحظور.

ولا ينبغي لموظفي الدوائر العسكرية بالاشتراك بأي حال من الأحوال في الشؤون السياسية كأعضاء لأحزاب سياسية أو حتى في إدارة سياسية على المستوى المحلي أو الوطني، وهذا يشمل وزارات الدفاع والداخلية والمخابرات. وحين لا تستطيع السلطات التنفيذية والتشريعية ضبط أين ومتى وكيف يتم استخدام القوات العسكرية فلا يمكن القول إن هناك سيطرة مدنية. فيجب تقديم الدعم الفعال والعلني لمبدأ الإخضاع العسكري للحكومة المدنية من قبل أدوات الفكر: وسائل الإعلام والجامعات والأحزاب السياسية والجمعيات التجارية والمتخصصة وغيرها من الأدوات. وبينما من الممكن وجود سيطرة مدنية على القوى العسكرية بدون الديمقراطية إلا أنه لا يمكن وجود الديمقراطية بدون السيطرة المدنية على القوى العسكرية.

 

[1]سارة فيلبس، "الرقص على رؤؤس الثعابين"، 2008م، ص5.

[2]Neil MacDonald and Rana Khalil, 'Report of the assessment towards a 'whole of EU' approach to state building in Yemen: addressing fragility to prevent state failure', European Commission, July 2009.

مجلة آراء حول الخليج