العدد 102

التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج: المتغيرات والحلول

الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2015

تتناول هذه الدراسة محاور رئيسية هي: أولاً المقصود بمفهوم التوازن الإستراتيجي وأبعاده المختلفة والسمات الرئيسية التي تحقق هذا التوازن، ثم طبيعة التوازن الإستراتيجي بالتركيز على الشق العسكري والأمني والاقتصادي بين دول الخليج وإيران ليس فقط في منطقة الخليج ولكن كذلك التوازن الإستراتيجي في الدوائر المحيطة بالخليج والتي تشهد امتداداً إيرانياً خاصة في دول الجوار الخليجي المباشر (اليمن – العراق – سوريا). كما تتناول الدراسة مواجهة التداعيات المتوقعة للمتغيرات الدولية خاصة الدور الروسي في المنطقة ودخول روسيا كطرف فاعل في قضايا الإقليم بعد تدخلها العسكري في سوريا، وتبلور نوع من التقارب والتنسيق الروسي الإيراني في محاولة لاستكشاف تداعيات ذلك كله على حجم الاستقرار والأمن في الخليج ومستقبل التوازن الاستراتيجي في المنطقة وصولاً إلى رؤية مقترحة بخصوص مجمل هذه التطورات وكيفية تحقيق التوازن الاستراتيجي بأبعاده المختلفة.

أولاً مفهوم التوازن الاستراتيجي:

يرى كثير من الخبراء أن المقصود بالتوازن هو حالة الإستقرار أو التعادل فيما يتعلق بقياس القدرات الشاملة للدول أي القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية كما يرون أن الاستراتيجية وباختصار شديد هي علم وفن استخدام القدرات الشاملة لدولة أو مجموعة من الدول لتحقيق أقصى قدر ممكن لتحقيق الأهداف والسياسات التي تسعى لاتخاذها تلك الدول سواء في زمن الحرب أو زمن السلم، ويرون أن التوازن الاستراتيجي تبعاً لذلك هو الحالة التي تتعادل أو تتكافأ أو تتوازن عندها القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية لدولة أو مجموعة من الدول التي يجمعها اطار واحد مع غيرها ضمن هذا الإطار حيث تكفل لها مواجهة التهديدات التي يمكن أن تتعرض لها سواء منفردة أو مجتمعة وكذلك ردع المخاطر التي تتعرض لها والقدرة على التحرك السريع لإعادة الإستقرار والتوازن عند اختلاله لتحقيق الإستقرار.

مفهوم التوازن الإستراتيجي على النحو السابق يعني تعادل أو تكافؤ مجموعة من المتغيرات التي تساهم في تحقيق حالة الإستقرار في الإقليم وتوصف هذه الحالة بالتوازن الاستراتيجي المستقر أما إذا تغيرت أو اختلت حالة التعادل أو التكافؤ فيصبح التوازن الاستراتيجي غير مستقر أو عدم توافر التوازن الاستراتيجي بصفة عامة. والتوازن الاستراتيجي هنا كما يرى الخبراء له أبعاد ثلاثة أساسية أولها التعادل والتكافؤ بين القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية لدولة أو لمجموعة الدول أو القوة الشاملة للقوى الفاعلة في منطقة أو إقليم وثانيها مرونة وفاعلية الأطراف الفاعلة في هذه المنطقة وقدرتها على التعامل مع محاولات إخلال هذا التوازن، وثالثها مدى رضا أو رفض القوى الإقليمية الأخرى أو الدولية لمرجحات حالة التوازن الاستراتيجي التي تسود المنطقة.

ومن ناحية أخرى فإن تحقيق التوازن الاستراتيجي بأبعاده وسماته السابقة أي تعادل القدرات المرتبطة بالقوة الشاملة للدولة أو مجموعة الدول في الإقليم ومرونة وفاعلية حركة تلك الدول ومواقف القوى الدولية والإقليمية ذات التأثير إنما يستند بالدرجة الأولى على قوة وتأثير تلك المجموعة من الدول المعنية لتحقيق التوازن الاستراتيجي في مواجهة الأطراف الأخرى المنافسة وقدرتها على حشد التحالفات اللازمة لدعم هذا الاستقرار. ونشير هنا إلى أن قوة هذه الدول تقاس بمقارنتها بقوة الدول الأخرى أو الأطراف الأخرى ونعني بالقوة هنا توافر الإرادة والرغبة لتحقيق التوازن الاستراتيجي بغض النظر عن حجم الدولة أو تفاوت قدارتها الشاملة، فالمعيار الشامل هنا هو قدرتها على إنتاج القوة وممارسة التأثير.

وتاريخياً كانت الدول تمارس قوتها لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع الدول المنافسة لها من خلال أداتين رئيسيتين هما الحرب والدبلوماسية وتقرر الدول متى تأخذ بأي من هاتين الأداتين أو كلاهما أو التهديد باستخدامهما وإذا كانت الأداتان وسيلتين لتحقيق القوة فإن مجرد التهديد بهما أصبح أداة للردع، وقد تطورت أشكال القوة والتأثير لتحقيق التوازن الاستراتيجي من خلال الأدوات الاقتصادية والإعلامية والنفسية فتعددت تبعاً لذلك أدوات الدول لتحقيق التوازن الاستراتيجي.

لقد شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً إيرانياً لفرض الهيمنة على المنطقة، وجاء الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية ليوفر نوعاً من الشرعية الدولية لإيران بدأت تسعى لتوظيفها لتنفيذ مشروعها السياسي، ورغم أن هذا الاتفاق قد نزع فتيل التوتر بين إيران والولايات المتحدة بصفة خاصة إلا أنه زاد من حجم القلق الخليجي، وفرض ضرورة التحرك لضبط الحركة الإيرانية الإقليمية حتى لا تخل بالتوازن الاستراتيجي سواء على ضفتي الخليج أو دوائر الجوار الإستراتيجية ذات التأثير المباشر.

لقد سبق أن أوضحنا استحالة أن يكون التفاهم الذي تحقق بين طرفي الاتفاق النووي قد انحصر في القضايا النووية، فالواقع يكشف أنه قد ترافق مع هذا الاتفاق تفاهمات أخرى مباشرة وغير مباشرة تتعلق بالنفوذ الإقليمي لإيران في المنطقة. ولا شك أن قبولها كطرف أصيل فيما يطرح من مبادرات لحل الأزمة السورية يوضح طبيعة هذه التفاهمات التي ترجح مصادر متعددة أن هذه التفاهمات وما تضمنته من تنازلات كانت في إطار إغرائها ودفعها للتجاوب مع شروط الاتفاق النووي.

وبصفة عامة فإن الحركة الإيرانية في مجملها والتي انعكست في تزايد النفوذ في العراق وامتلاك تأثير متزايد على عملية صنع القرار في بغداد والحضور المباشر في أغلب عناصر ومحركات الأزمة السورية ومحاولات الإختراق في اليمن، وتثبيت النفوذ في لبنان وجميعها دول تمثل مجالاً حيوياً لكل من دول مجلس التعاون الخليجي خاصة السعودية ودولة الإمارات وكذلك مصر والأردن.

التوازن العسكري بين دول الخليج وإيران

زادت حدة التوتر في العلاقات بين إيران من جانب وغالبية الدول العربية الخليجية من جانب آخر في الفترة الأخيرة، وقد تصاعدت حدة التوتر إلى مستوى جديد عقب التدخلات الإيرانية في الشأن البحريني واكتشاف منظمات إرهابية تعمل بالتنسيق مع إيران في كل من البحرين والكويت وكذلك عقب المحاولات الإيرانية لتهديد الأمن القومي السعودي بصورة مباشرة من خلال تبني ودعم الإنقلاب الحوثي في اليمن وضرب المؤسسات الشرعية وهو ما فرض التدخل السعودي مدعوماً عربياً ويعمل على استعادة الشرعية في اليمن ومحاصرة التمدد الإيراني الذي هدد الأمن والمصالح الخليجية والعربية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر (باب المندب) بوجه عام وهدد الأمن القومي السعودي والخليجي بصفة عامة.

وقد زاد مستوى التوتر عندما أعلنت إيران تحرك الأسطول الإيراني نحو منطقة التوتر وقريباً من باب المندب وتحرك الأساطيل العربية (السعودية ومصر على وجه التحديد) والطيران العسكري لعدة دول عربية في منطقة الأزمة، الأمر الذي أثار الحديث عن تقييم القوة العسكرية للطرفين الخليجي والعربي من جانب وإيران من جانب آخر وأثيرت التساؤلات حول طبيعة التوازن العسكري الخليجي مع إيران في مستوياته المختلفة.

وبالرجوع إلى موقع "جلوبال فاير باور" والذي تتضمن دراسته فحوى بيانات عن الجيوش والقوة الشاملة لـ ١٢٦ دولة من أنحاء العالم كشفت المقارنة بين القدرات الإيرانية من ناحية والخليجية وفق "مقياس القوة العسكرية" الخاص بالموقع والذي يستند إلى ٥٠ عنصراً مختلفاً لتقييم القوة العسكرية فى مختلف الدول إلى ما يلي:

‎احتلال إيران للمرتبة الـ ٢٣ على مستوى العالم بينما احتلت السعودية المرتبة الـ ٢٨ والإمارات المرتبة الـ ٥٠ والكويت المرتبة الـ ٧١.

تعداد الجيش

 

التعداد الرسمي للجيش العامل

قوات الاحتياط العاملة

إيران

545.000

1.800.000

السعودية

233.000

25.000

الإمارات

65.000

لا يوجد

الكويت

15.500

31.000

 

التجهيزات

 

الطائرات من كافة الأنواع

المروحيات

المروحيات الهجومية

الطائرات الهجومية (جناح ثابت)

مقاتلات

طائرات تدريب

طائرات نقل

مطارات فى الخدمة

دبابات

مركبات قتال مدرعة

مدفعية ذاتية الحركة

المدفعية المسحوبة

نظم الصواريخ متعدد الإطلاق (إم إل آر اس)

إيران

471

123

12

119

137

78

196

319

1658

1315

320

2078

1474

السعودية

675

182

18

236

155

168

187

214

1210

5472

524

432

322

الإمارات

497

185

30

114

96

160

183

43

545

2204

177

105

54

الكويت

106

42

16

27

27

29

31

7

368

861

98

لايوجد

27

 

القطع البحرية

 

إجمالى عدد القطع البحرية

فرقاطة

الطرادات

الغواصات

زوارق حماية السواحل

وحدات مكافحة ألغام بحرية

إيران

397

6

3

32

111

7

السعودية

55

7

4

لايوجد

39

3

الإمارات

75

لايوجد

11

لايوجد

34

2

الكويت

38

لايوجد

لايوجد

لايوجد

10

لايوجد

 

ميزانية الدفاع

 

ميزانية الدفاع/ دولار سنويا

إيران

6 مليارات و300 مليون

السعودية

٥٦ مليارا و٧٢٥ مليون دولار

الإمارات

١٤ مليار و٣٧٥ مليون

الكويت

٥ مليارات و٢٠٠ مليون

 

أولا: إيران

يبلغ التعداد الرسمي للجيش العامل ٥٤٥ ألف فرد، وقوات الاحتياط العاملة مليون و٨٠٠ ألف فرد. الطائرات من كافة الأنواع ٤٧١ طائرة، المروحيات ١٢٣، المروحيات الهجومية ١٢، الطائرات الهجومية (جناح ثابت) ١١٩، مقاتلات ١٣٧، طائرات تدريب ٧٨، طائرات نقل ١٩٦، مطارات فى الخدمة ٣١٩، دبابات ١٦٥٨ دبابة، مركبات قتال مدرعة ١٣١٥، مدفعية ذاتية الحركة ٣٢٠، المدفعية المسحوبة ٢٠٧٨ مدفعا، نظم الصواريخ متعدد الإطلاق (إم إل آر اس) ١٤٧٤، إجمالى عدد القطع البحرية ٣٩٧، فرقاطة ٦، الطرادات ٣، الغواصات ٣٢، زوارق حماية السواحل ١١١، وحدات مكافحة ألغام بحرية ٧، و‎تقدر ميزانية الدفاع الإيرانية بستة مليارات وثلثمائة مليون دولار سنوياً.

ثانيا: السعودية

يبلغ التعداد الرسمي للجيش العامل ٢٣٣ ألف فرد، وقوات الإحتياط العاملة ٢٥ ألفا، الطائرات من كافة الأنواع ٦٧٥ طائرة، المروحيات ١٨٢، المروحيات الهجومية ١٨، الطائرات الهجومية (جناح ثابت) ٢٣٦، مقاتلات ١٥٥، طائرات تدريب ١٦٨، طائرات نقل ١٨٧، مطارات فى الخدمة ٢١٤، دبابات ١٢١٠ دبابات، مركبات قتال مدرعة ٥٤٧٢، مدفعية ذاتية الحركة ٥٢٤، المدفعية المسحوبة ٤٣٢ مدفعا، نظم الصواريخ متعدد الإطلاق (إم إل آر اس) ٣٢٢، إجمالى عدد القطع البحرية ٥٥، فرقاطة ٧، الطرادات ٤، الغواصات : لايوجد، زوارق حماية السواحل ٣٩، وحدات مكافحة ألغام بحرية ٣، و‎تقدر ميزانية الدفاع السعودية ٥٦ مليارا و٧٢٥ مليون دولار سنوياً.

 

ثالثا: الإمارات

يبلغ التعداد الرسمي للجيش العامل ٦٥ ألف فرد، وقوات الإحتياط العاملة "لايوجد"، الطائرات من كافة الأنواع ٤٩٧ طائرة، المروحيات ١٨٥، المروحيات الهجومية ٣٠، الطائرات الهجومية (جناح ثابت) ١١٤، مقاتلات ٩٦، طائرات تدريب ١٦٠، طائرات نقل ١٨٣، مطارات فى الخدمة ٤٣، دبابات ٥٤٥ دبابة، مركبات قتال مدرعة ٢٢٠٤، مدفعية ذاتية الحركة ١٧٧، المدفعية المسحوبة ١٠٥ مدفع، نظم الصواريخ متعدد الإطلاق (إم إل آر اس) ٥٤، إجمالى عدد القطع البحرية ٧٥، فرقاطة "لايوجد"، الطرادات ١١، الغواصات "لايوجد"، زوارق حماية السواحل ٣٤، وحدات مكافحة ألغام بحرية ٢، و‎تقدر ميزانية الدفاع الإماراتية ١٤ مليار و٣٧٥ مليون دولار سنوياً.

رابعاً: الكويت

يبلغ التعداد الرسمي للجيش العامل ١٥٥٠٠ فرد، وقوات الإحتياط العاملة ٣١ ألف فرد، الطائرات من كافة الأنواع ١٠٦ طائرات، المروحيات ٤٢، المروحيات الهجومية ١٦، الطائرات الهجومية (جناح ثابت) ٢٧، مقاتلات ٢٧، طائرات تدريب ٢٩، طائرات نقل ٣١، مطارات فى الخدمة ٧، دبابات ٣٦٨ دبابة، مركبات قتال مدرعة ٨٦١، مدفعية ذاتية الحركة ٩٨، المدفعية المسحوبة "لايوجد"، نظم الصواريخ متعدد الإطلاق (إم إل آر اس) ٢٧، إجمالى عدد القطع البحرية ٣٨، فرقاطة "لايوجد"، الطرادات "لايوجد"، الغواصات "لايوجد"، زوارق حماية السواحل ١٠، وحدات مكافحة ألغام بحرية "لايوجد"، و‎تقدر ميزانية الدفاع الكويتية ٥ مليارات و٢٠٠ مليون دولار سنوياً.

‎ومن الجدير بالذكر هنا، أن المقياس المذكور وما تضمنه من الترتيب الخاص بالدول لم يتطرق إلى ما تمتلكه تلك الدول من الأسلحة غير التقليدية كما لم يتطرق إلى التحالفات العسكرية التى تنضم لها الدول، والتي تمثل عامل إضافة ودعم يجب وضعها في الحسبان في إطار هذه المقارنة أو عند حساب التوازن الإستراتيجي. ومن المعروف أن مصر تعد حليفاً رئيسياً للقوات العربية فى عملية "عاصفة الحزم" باليمن وتدخل في تحالف واضح مع دول الخليج ويؤكد الرئيس السيسي أن أمن الدول الخليجية جزء أساسي من الأمن القومي المصري، وتحتل مصر وفق مقياس "جلوبال فاير باور" المذكور المرتبة الـ ١٨ عالمياً من حيث القوة العسكرية، كما تشارك الأردن أيضا والتى تحتل المرتبة الـ ٦٤ عالمياً والبحرين ٨٣ وقطر ٧٧ والمغرب ٤٩ والسودان ١٠١. فهناك تعاون عسكري وثيق بين دول مجلس التعاون الخليجي وتلك الدول من خلال صيغ تحالف وتعاون متعددة، بالإضافة لوجود تعاون خليجي ـ غربي عسكري رفيع المستوى (مع الولايات المتحدة تحديدا). إذًا لقياس أو مقارنة التوازن العسكري يجب أن تؤخذ هذه الأمور على أنها قوة تضاف للقوة الخليجية عند الضرورة.

لقد دفعت الأوضاع الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط عموماً والخليج بشكل خاص، إلى التوجه إلى بناء تحالفات عربية -عربية أو عربية – إقليمية وذلك في ضوء ما يكتنف الوضع الراهن. ويُشير المشهد الجيوسياسي الراهن في الشرق الأوسط إلى وجود تهديدات أمنية، وتحولات جوهرية في أدوار القوى الرئيسة الفاعلة وتحالفاتها ومصالحها، وهو الأمر الذي يفرض تداعياته على طبيعة ومستقبل التوازنات الإقليمية والدولية خاصة في منطقة الخليج.

ورغم ما كشفته المقارنة السابقة من نوع من التميز للقوة الإيرانية مع القوة العسكرية لكل دولة خليجية منفردة، إلا أن هذه النظرة تتجاهل اعتبارات أخرى من أهمها سوء نوعية المعدات العسكرية الإيرانية، ومقارنة الإنفاق الدفاعي وكفاءة القوات المسلحة حيث يتضاعف حجم الإنفاق العسكري للدول الخليجية بصورة كبيرة عبر إيران، بل إن الإنفاق العسكري لدولة الإمارات ضعف الإنفاق العسكري الإيراني كما أن القوات الجوية لدولة الإمارات تتجاوز كفاءة وحداثة تسليح القوات الجوية الإيرانية بصورة كبيرة، وذلك دون الحديث عن القدرات السعودية والقدرات المصرية والأردنية الداعمة.

وإذا كانت إيران تتميز فيما يتعلق بقدراتها البحرية، وقدرة الحرس الثوري على شن حروب غير متماثلة أو القيام بأنشطة إرهابية أو إغلاق مضيق هرمز أو التحرك نحو مضيق باب المندب فإن هذا المستوى لن يتعلق بدول الخليج ولكنه سيدفع إلى انخراط قوى إقليمية ودولية تفرض على إيران ضبط حركتها وتعيد التوازن الاستراتيجي الذي يعبر عن محاولات الإخلال به.

وبصفة عامة يمكن القول إن النموذج الإيراني للتصنيع العسكري سواء فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية أو القطع البحرية الصغيرة، وما اكتسبته خلال هذا النموذج من خبرات تكنولوجية ليس منخفضاً بصورة كبيرة، فدول الخليج ومعها مصر بما لديها من الخبرات والقدرات التكنولوجية العسكرية والقدرات الاقتصادية ما يمكن أن يتجاوز القدرات الإيرانية ويفقد إيران القدرة على تغيير التوازن الاستراتيجي بأبعاده العسكرية.

الخلاصة هنا أن القدرات العسكرية الخليجية مقارنة بالقدرات العسكرية الإيرانية تؤكد أن لدى دول الخليج القدرة على حرمان إيران من تحقيق أي انتصار سريع في أي مواجهة عسكرية وأن ذلك يفقد إيران الكثير من أدوات الضغط أو الردع التقني لدول الخليج، بل أن تجربة عاصفة الحزم أكدت بصورة كبيرة أن تحقيق التوازن العسكري من خلال قوة خليجية مدعومة عربياً أمر قابل للتحقيق وأكدت كذلك أن الأوضاع الجيوسياسية في الخليج والمشرق العربي بصورة أساسية تدفع إلى التوجه الجاد لبناء تحالفات عربية في ضوء ما يكتنف الوضع الراهن في تلك المناطق من تهديدات أمنية وتحولات جوهرية في حركة القوى الإقليمية والدولية الفاعلة وهو ما يفرض تداعياته على طبيعة ومستقبل التوازنات الإقليمية خاصة في منطقة الخليج.

ولاشك أن تحقيق التوازن الاستراتيجى بين دول الخليج وإيران لا يقف فقط عند تحقيق هذا التوازن بأبعاده المختلفة داخل منطقة الخليج لكنه يقتضي وبالضرورة تحقيق هذا التوازن في مناطق الإشتباك بين الطرفين خاصة مناطق الاهتمام المشترك فى دوائر الأمن المباشر للجوار الخليجي فى اليمن وسوريا والعراق ولبنان وتحقيق هذا التوازن يتطلب مواقف خليجية تسعى لموازنة الإمتداد الإيراني داخل ملفات تلك القضايا وتحاول أن تحاصر هذا الإمتداد من خلال زيادة حضورها هناك والمشاركة فى تهدئة الصراعات العسكرية فيها بما يكفل ويدعم الاستقرار ويحول دون الإختراق الإيراني المتزايد لها، كما أنه من الضروري لتحقيق هذا التوازن أن تسعى الدول الخليجية لصياغة تحالفات مع قوى فاعلة داخل تلك الدول وبغطاء دولي وإقليمي مناسب لعدم توفير الفرصة لمهددات الأمن والإستقرار فى تلك الدول وتبرز الأزمة السورية كأهم نقاط المواجهة بين دول الخليج وإيران، حيث تتعارض أجندة الطرفين. وإذا كانت الفترة الأخيرة قد شهدت قبولاً دولياً بالمشاركة الإيرانية فيما يُطرح من مبادرات لحل الأزمة وتبلور نوعاً من الحرص الإيراني على صياغة تحالفات تدعم نفوذها وتعطي شرعية لأجندتها في مستقبل سوريا.

  ويرى الكثير من المراقبين للتطورات الإيرانية أن التداعيات الإيجابية المتوقعة على الاقتصاد الإيراني سوف تكون لها انعكاسات سلبية على الأزمات المثارة في المنطقة حيث كما أنه متوقع أن تزايد القدرات والإمكانيات الاقتصادية الإيرانية بعد إلغاء العقوبات والإفراج عن الأرصدة والتجاوب مع الاندفاعات الأوروبية لزيادة الإستثمار في إيران وهو ما سيتيح لإيران في النهاية زيادة الإنفاق على الحلفاء والأطراف المرتبطة بها والأذرع الإيرانية داخل تلك الأزمات، الأمر الذي يعني أن المناخ سيصبح مواتياً لإيران لممارسة مزيد من التأثير وبالتالي يتوقع تصاعد مزيد من التأثير وبالتالي يتوقع تصاعد الثقل والنفوذ في دول الجوار الإقليمي وهو ما يرتب لإيران قدرات واسعة للإخلال بالتوازن الإستراتيجي ليس فقط في منطقة الخليج ولكن في المنطقة العربية بأبعادها المختلفة. ومن الواضح أن الإمتداد الإيراني خاصة في المشرق العربي واليمن ينعكس سلبياً على الأمن في الخليج والأمن في البحر الأحمر.

إن لدى إيران استراتيجية واسعة تستهدف زيادة الحضور والإنتشار في معظم ملفات وأزمات المنطقة وتستهدف في النهاية توفير كافة المتطلبات لتصبح قوة إقليمية عظمى تمتلك أدوات الحركة في الدوائر المحيطة بها سواء في الخليج أو المنطقة العربية أو غرب آسيا بصفة عامة. وإذا كان الاتفاق النووي قد أتاح لها التخلص من الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية التي كانت تحد من إمكانية تفعيل استراتيجيتها في هذا الخصوص وأبقى الخيار النووي مفتوحاً -وإن كان مؤجلاً - فإن تحقيق التوازن الاستراتيجي الخليجي مع إيران يتطلب بالضرورة من الدول المعنية في المنطقة أن تتحسب لذلك وتتعامل معه كواقع قادم.

هكذا نرى أن تحقيق التوازن الإستراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران وإن كان يتركز في البداية على منطقة الخليج فإنه يمتد كذلك لمنطقة الجزيرة العربية والبحر الأحمر والمشرق العربي، ولكن كما أشرنا من قبل فإن الواقع الإيراني الجديد الذي بدأت معالمه تتضح حالياً بأبعاده المختلفة النووية والسياسية والاقتصادية سوف يصبح مغايراً إلى حد كبير كما كان عليه في الماضي. المهم هنا الإشارة إلى أن الاتفاق النووي الإيراني وخاصة ما تضمنه من مكاسب استراتيجية لإيران والتي من أهمها المحافظة على البنية التحتية لبرنامجها النووي خاصة تأجيل حصولها على القنبلة النووية ما بين عشرة أعوام إلى خمسة عشر عاماً الأمر الذي يحتم ضرورة أن يشمل التخطيط الإستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي والدول المتحالفة معها خاصة مصر بصورة أساسية على التعامل الجدي مع هذا الواقع الجديد دون الإنتظار، وهو ما يتيح الفرصة لطهران للإخلال بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة بأكملها.

الحضور الروسي فى المنطقة:

جاء التدخل العسكري الروسي في سوريا، والذي جاء مرتبطاً بنوع من التفاهم والتنسيق مع إيران ليطرح الكثير من الإحتمالات حول تأثير ذلك على الحراك الإيراني ليس في الأزمة السورية فقط ولكن في دول المنطقة وجوارها الإقليمي، ورغم أن هذا الحضور الروسي لا يتوافق بصورة كاملة مع طبيعة وأهداف المشروع الإيراني في المنطقة وسوريا، إلا أن استثماره لصالحها وتجاوزها عن نقاط التباين والخلاف قد زادت من حجم قلق دول المنطقة من هذا الحضور خاصة مع تزامن ذلك مع تقارب رؤى ومواقف كلاً منها تجاه قضايا تشهد نوعاً من الإهتمام المشترك في آسيا الوسطى والقوقاز ومحاولات الحصار الأمريكي للسياسة الروسية فضلاً عن التعاون العسكري والنووي بين البلدين.

إن تحقيق التوازن بين دول الخليج وإيران في ظل التقارب الروسي الإيراني المصلحي، يتطلب توجيه مزيد من الإهتمام للحوار مع روسيا ومحاولة توفير بدائل تسحب من أرضيات التقارب الروسي الإيراني، ولعل زيارة ولي ولي العهد السعودي لموسكو وكذلك زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى روسيا وما يُشار حول الزيارة المرتقبة لخادم الحرمين الشريفين إلى موسكو وكذلك الزيارة الأخيرة لأمير الكويت ولقائه مع القيادة الروسية تمثل تحركاً استراتيجياً إيجابياً يمكن أن يساهم في إغلاق بعض الأبواب الروسية المشرعة على إيران وستحقق في النهاية توازناً استراتيجياً في دوائر الإهتمام التي تمس الأمن القومي الخليجي بصورة كبيرة.

وكما ترى الدكتورة نورهان الشيخ (أستاذة العلوم السياسية وأحد الخبراء المرموقين في الشؤون الروسية الاستراتيجية) في عدة مقالات لها أن تطوير الموقف الروسي والتأثير على التقارب الإيراني من روسيا سيظل مرهوناً بطبيعة الحجم والجهد العربي خاصة الخليجي والمصري وربط روسيا بشبكة مصالح مع الدول العربية لتوازن السياسات الإيرانية وذلك من خلال التعاون والتنسيق في قضايا ذات الإهتمام المشترك خاصة في قطاع الطاقة بأبعاده المختلفة وبما يتفهم المصالح الروسية على هذا المستوى. كما أن الضغوط العربية على روسيا يمكن أن تعطي ثمارها الإيجابية إذا تركزت على قضية محددة كما حدث في تغيير الموقف الروسي من الأحداث في اليمن وانعكس واضحاً خلال التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2216 الذي فرض الحظر على توريد السلاح للحوثيين وجاء الموقف الروسي على هذا النحو على غير الهوى والرغبة الإيرانية ليصبح نموذجاً يمكن الإحتذاء به.

ولتحقيق التوازن الإستراتيجي مع إيران خاصة في دول المنطقة خاصة التي تشهد أزمات سياسية وحضوراً إيرانياً مكثفاً وخلافات وتباين وجهات النظر بخصوص تقييم تلك الأزمات والمبادرات المطروحة لإيجاد حلول لهذه الأزمات، فالواقع يشير إلى ضرورة الاهتمام من جانب دول مجلس التعاون الخليجي بزيادة حضورها وتأثيرها داخل القطاعات والدوائر المؤثرة فيها بفاعلية، الأمر الذي يمكن أن يساهم في وقف الإختراق والتمدد الإيراني فيها أو زيادة الهيمنة والإستقطاب السياسي داخلها وحتى لا يوفر لها ذلك المزيد من أوراق المساومة وأدوات الحركة بالإخلال بالتوازن الاستراتيجي بالمنطقة.

ففي العراق على سبيل المثال رغم ما أتاحه الاحتلال الأمريكي لزيادة النفوذ الإيراني في مختلف فصائل الدولة العراقية ومراكز اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والعسكرية والمذهبية، إلا أن ما يسمى بالحملة الدولية لمواجهة تنظيم داعش قد أتاحت لإيران فرصة إضافية لدعم وتطوير النفوذ والتأثير داخل العراق خاصة بعد تشكيل ما يسمى بقوات الحشد الشعبي التي تضم أكثر من عشرة تنظيمات عسكرية مذهبية ترتبط استراتيجياً بإيران وعضوياً بالحرس الثوري الإيراني، ونجحت في فرض إرادتها وتأثيرها ولا تزال على الحكومة ودوائر صنع القرار على اختلافها في العراق مع تراجع واضح للمكون السني (تنظيمات وقيادات) وهو ما أخل بالتوازن السياسي داخل العراق، الأمر الذي يتطلب بالضرورة ويقتضي التزاماً خليجياً لموازنة ذلك التأثير والتمدد والنظر في صياغة علاقات متطورة مع الحكومة العراقية والقوى السنية على اختلافها وبعض القوى والأحزاب الشيعية العراقية والمكونات الأخرى التي من أهمها الأكراد لزيادة الحضور العربي والخليجي ومحاولة ضبط السياسة الإيرانية.

وتعتبر سوريا هي ميدان الصراع الأوضح على النفوذ بين عدد مهم من دول الكتلة الخليجية وإيران وتعترض إيران نقطة ارتكاز استراتيجي لها في منطقة المشرق العربي ويجب الإنتباه إلى أنه من الثابت حتى الآن رغم كل ما يجري من مواجهات عسكرية إلا أنه لن يكون حلاً عسكرياً للأزمة السورية ولن يتمكن طرف من أطراف الصراع من فرض إرادته على الآخرين بصفة كاملة، وأن الحل السياسي ضمن المبادرات المطروحة لا يزال يحتاج إلى حوارات وتفاهمات. وفي تقديري أنه من المهم التركيز على كيفية زيادة الحضور العربي والخليجي في سوريا دون التصادم الحاد مع إيران ولكن من خلال تحركات للإستيعاب الهادئ للحركة الميدانية والتأكيد على المحافظة على كيان الدولة السورية دون مزايدات ومواجهة الإرهاب المتصاعد داخلها والذي يمكن أن تمتد تأثيراته إلى كافة دول المنطقة.

وفيما يتعلق باليمن، فإذا كانت المبادرة الخليجية لتكوين تحالف عاصفة الحزم قد نجحت حتى الآن في إيقاف الإختراق والتمدد الإيراني داخل اليمن بما تمتلكه من أهمية استراتيجية بحرية ونقطة ارتكاز حيوية لأمن الطاقة ومسار الطاقة إلى أوروبا، فإن التطورات الجارية هناك يجب أن تظل ضمن اهتمام دوائر صنع القرار ليس فقط في دول مجلس التعاون الخليجي خاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ولكن كذلك في كل من مصر والسودان، فالأمن في البحر الأحمر يعد عنصراً أساسياً للأمن في الخليج والأمن القومي العربي بصفة عامة.

ولا شك أن الطموح الإيراني لتثبيت النفوذ في شرق أفريقيا والبحر الأحمر بصفة خاصة والتي ظهرت ملامحه في الفترة الأخيرة يجعل من هذه المنطقة ميداناً للصراع ولفرض النفوذ ويتطلب اتخاذ كافة الإجراءات والسياسات اللازمة لضمان تحقيق التوازن الاستراتيجي في تلك الدائرة ومن الواضح أن تنامي القدرات البحرية لكل من مصر والمملكة العربية السعودية والصفقات العسكرية البحرية في كلا البلدين مؤخراً تؤكد حجم الإنتباه والإلتفات إلى التحركات الإيرانية في تلك الدائرة.

هكذا نرى أن تحقيق التوازن الإستراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران أمر ممكن التحقيق ويمكن المحافظة عليه من خلال بلورة رؤية استراتيجية للتعاون الاستراتيجي الخليجي المدعوم بتحالف من بعض الدول العربية المؤثرة ذات الاهتمام بالقضية خاصة مصر والأردن. ولا شك أن التحالف المصري والخليجي والأردني لم يدعم فقط التوازن في منطقة الخليج ولكنه يساعد على تحقيق التوازن في الدوائر المحيطة بالخليج وفي الأزمات المثارة فيها ويؤكد ويدعم هذا التوازن في المستقبل. 

مجلة آراء حول الخليج