العدد 103

التوازن الخليجي ـ الإيراني بعد التخفيف العسكري الأمريكي: التحديات والبدائل

الإثنين، 28 كانون1/ديسمبر 2015

تبني معظم دول العالم قدراتها العسكرية خلال وقتٍ طويل من الزمن، وهي تعدّ قواتها وأسلحتها العسكرية لأغراض دفاعية، ولغرض الردع، وليس بهدف استخدامها إلا في أوقات الأزمات أو حين تنتهي الحلول الدبلوماسية، وينتهي بها المطاف إلى الخيار الأخير، وهو الخيار العسكري. وحين ينظر أي محلل إلى القدرات القتالية للدول، فإنه لا ينظر فقط إلى حجم القوات العسكرية بأفرعها المتعددة وأسلحتها وذخائرها، فمثل هذه المعلومات يمكن أن تستقى من أي مرجع دولي معتبر، ولكن الإشكالية هي في تقدير القدرة القتالية للقوات المسلّحة والحالة المعنوية للجنود، ووضوح الأهداف القتالية والعقيدة العسكرية للجيش، وكذلك لحجم التدريب ونوعيته، وقدرة التشكيلات العسكرية للعمل معًا تحت قيادة واحدة، وبنظم تسليح متماثلة، أو متقاربة.

كما أنّ التوازن العسكري يعتمد على حنكة القيادة السياسية، وعلى القدرة على رصّ صفوف الحلفاء من خلفها، وغالبًا ما يمكن تقسيم هؤلاء الحلفاء في مصفوفتين متداخلتين، تقسَّم رباعيًا على أربع مجموعات (حليف، صديق، محايد، عدو).  وننظر كمحللين إلى هاتين المصفوفتين بشكلٍ تحليلي، فكلما كان الاستقطاب حادًّا بين مصفوفتي الدولتين المتنازعتين، كلما كانت فرص وقوع الحرب بينهما أكبر. والعكس بالعكس، فكلما كانت هناك مجموعة من الدول متداخلة بين الطرفين (كأن تكون إحدى الدول صديقة لدولة أ، وحليفة لدولة ب المتنافستين)، كلما تقلّصت فرص الحرب بين الدولتين المتنافستين، أو المتنازعتين. ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن وقوع الحرب لا قدّر الله، مع إمكاننا كمحللين النظر إلى احتمالات وقوع أي حرب بين دولتين، أو مجموعتين من الدول، من خلال نماذج متخصصة ليس هذا مجال الخوض فيها.

كما أنّ القدرات العسكرية للدول ليست مجموعة ثابتة من أعداد الجنود والمدرعات والطائرات والسفن الحربية، بل تعتمد كذلك على القدرة على الدعم المالي والاقتصادي للقوات المتقابلة خلال فترةٍ طويلة من الزمن. وفي بعض الأحيان تكون المعايير المعروفة في ميزان القوى العسكري في إقليم معيّن خادعة إلى حدٍّ كبير. فبعض الدول تستخدم القوى الناعمة في صراعها مع الآخرين، كما توظّف متطوعين أو شبه مرتزقة في حروبها الخارجية، وتقلّص بذلك من تكاليف الحروب التي تخوضها. وربما وظّفت أطرافًا ثالثة، أو أحزاباً سياسية، مستخدمةً الايديولوجية كوسيلة فعّالة للحشد العسكري لهذه الأطراف، وبأثمانٍ بخسة. فعلى سبيل المثال، تجنّد إيران العديد من الأحزاب والأقليّات في العراق ولبنان واليمن للعمل من أجل مدّ نفوذها وهيمنتها في هذه الدول، وبتكاليف قليلة لا تتعدّى العشرة مليارات دولار في السنة([1])، دونما أن تقحم قواتها المسلّحة النظامية إلا في حالات قليلة، متّكلة في الغالب على قوات غير نظامية، مثل قوة القدس، أو الحرس الثوري بالتعاون مع الخلايا النائمة، أو تلك الفاعلة التابعة للأحزاب ذات الايديولوجية المتعاطفة معها، أو التابعة لها.

ولمـّا كان هدفنا في هذا المقال هو النظر بدايةً إلى القدرات العسكرية الحالية لدول مجلس التعاون، مقابل القدرات العسكرية الإيرانية، فإنه سيتم تقسيم هذه القدرات على أفرع القوّات المسلحة البرية منها، والبحرية، والجوية. ومن ثمَّ ستدلف المقالة إلى تحليل التحديات والبدائل التي تقابل دول المجلس لتحقيق التوازن العسكري مع إيران في فترة تخفيف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

(شكل رقم 1)

الميزان العسكري بين دول مجلس التعاون وإيران (2014-2015م)

 

دول مجلس التعاون

إيران

السكان

41,644,000 نسمة

80,000,000 نسمة

الجيوش البرية

الجنود

159,500 جندي

350,000 جندي

دبابات

1691 دبابة

1663 دبابة

مدرعات

1882 مدرّعة

610 مدرّعة

ناقلات جنود

4132 ناقلة

640 ناقلة

مدفعية

2023 مدفعية

8798 مدفعية

القوات البحرية

الجنود

24,700 جندي

18,000 جندي

السفن

258 سفينة

289 سفينة

القوات الجوية

الجنود

26,000 جندي

30,000 جندي

طائرات مقاتلة

737 طائرة مقاتلة

334 طائرة مقاتلة

هيليكوبتر

348 هيليكوبتر

36 هيليكوبتر

المصدر: IISS, The Military Balance 2014, London: Routledge and IISS, Feb 2014.

ويظهر الميزان العسكري بين إيران ودول الخليج العربية، أنّ إيران تمتلك ضعف الجيوش البرية التي تمتلكها دول مجلس التعاون مجتمعة، أما عدد الدبابات التي يمتلكها الجانبان فيبدو أنها متكافئة، وتتفوق دول التعاون في حجم ناقلات الجنود المجنزرة، بينما تتفوق إيران في حجم مدفعيتها بأربعة أضعاف حجم مدفعية دول المجلس. أما في مجال القوات البحرية، فهناك تكافؤ بين الجانبين. وفي مجال القوات الجوية، تتفوق دول مجلس التعاون بعدد الطائرات المقاتلة بالضعف على إيران، أما إيران فإنها تعاني من نقصٍ حادّ في عدد طائرات الهيليكوبتر في الخدمة لديها. ويبدو أنّ الجيش الإيراني هو جيشٌ برّي بطبعه، ويعتمد كثيرًا على الجنود النظاميين وعلى الحرس الثوري، وكذلك على عددٍ كبير من المتطوعين (الباسيج). وهي سمات بدأت مع بداية الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينات، واستمرت حتى الوقت الحاضر، برغم قانون صدر في التسعينات من القرن الماضي يقرر دمج قوات الحرس الثوري مع القوات العسكرية النظامية، إلا أنّ مثل هذا القانون لم يُنَفَّذ حتى الآن، لحرص مرشد الثورة على ربط هذه القوات به شخصيًا، بعكس القوات المسلّحة المرتبطة برئيس الجمهورية.

تمتاز إذًا قوات مجلس التعاون في التفوق العسكري الجوي أمام إيران، وبسبب العقوبات الدولية على إيران خلال فترةٍ طويلة، اعتمد الجيش الإيراني على الصواريخ القصيرة منها والاستراتيجية، كسلاح رادع، أمام ضعفه في سلاح الطيران. وتمتلك إيران أيضًا قوة للغواصات تتألف من 29 غواصة، بينها ثلاث غواصات من طراز (كيلو الروسية)، وتعمل في ميناء بندر عباس المطلّ على بحر عمان، حيث تحتاج هذه الغواصات الثقيلة إلى مياه عميقة لا تتوافر في مياه الخليج العربي الضحلة.

وفي الماضي، كانت إيران تعاني من نقصٍ في دفاعاتها الجوية، إلا أنها عملت خلال الأعوام الثلاثة الماضية على تدعيم دفاعاتها الجوية بعتادٍ روسي وصيني، وستتيح لها صفقة (S-300)، الجديدة مع روسيا، قدرةً دفاعية جوية تغطّي معظم منطقة الخليج العربي.

وفي المقابل، لا تمتلك دول الخليج، إلا دولة الإمارات العربية المتحدة، قوة غواصات، ويبلغ تعدادها 10 غواصات صغيرة. وتعتمد المملكة العربية السعودية على طائرات (الأواكس) للاستطلاع الجوي والحرب الألكترونية، وقد أثبتت هذه الطائرات جدارتها في الحرب ضد الحوثيين وقوات علي عبدالله صالح في أول أيام الحرب، بتحييد دفاعاته الجوية وراداراته وسلاح الطيران لديه. وهناك برنامج فضائي في بداياته لدى المملكة، بينما حصلت الإمارات العربية المتحدة على عدد 2 ساتلايت للاتصالات والاستطلاع الجوي.

وفي الإجمال، فإنّ أغلب الأسلحة والعتاد العسكري الموجود في الخدمة لدى دول مجلس التعاون هو عتادٌ غربي حديث، بينما تعتمد إيران على الأسلحة الروسية والصينية والكورية الشمالية، وتصنِّع بعض العتاد محليًّا. ويتدرّب جنود دول مجلس التعاون مع نظرائهم من الجنود الغربيين، وكذلك مع القوات الجوية والبرية المصرية والأردنية، بينما تقوم القوات الإيرانية بتدريبات ومناورات عسكرية سنوية، يصل تعدادها إلى خمسين مناورة، بعضها في محيط الخليج العربي، والبعض الآخر على حدودها الشمالية المطلّة على بحر قزوين.

التحدّيات والبدائل:

واجهت قوات دول مجلس التعاون ولازالت تواجه نقصًا في عدد الجنود المؤهّلين للخدمة في قواتها العسكرية، واضطرّت بعض هذه الدول إلى إلحاق النساء في الخدمة العسكرية، وبأنشطة مدنية ومساندة وليس في الخدمة الميدانية. كما اعتمد عددٌ من دول المجلس نظام الخدمة العسكرية، الذي يجبر الشباب على الالتحاق بخدمة العَلَم من سنة إلى سنتين، بعد إنهائهم للدراسة الثانوية.

وجاء الاعتماد على الأسلحة والعتاد العسكري المكثَّف كبديل للأسلحة والعتاد الخفيف ليخفّف الضغط على الموارد البشرية المتاحة في هذه الدول، والتي تفضِّل بطبعها العمل في مجالات اقتصادية متعددة، وفي القطاع الخاص، أو القطاع الحكومي غير العسكري.

من جهةٍ ثانية، اعتمدت دول المجلس على التعاون الثنائي مع بعضها البعض بإنشاء قوات درع الجزيرة منذ عام 1982م، كما اعتمدت على التعاون مع عددٍ من الدول الكبرى كحلفاء يُعتمد عليهم لمواجهة التحديات والاعتداءات المحتملة من دول جارة كبرى، مثل إيران. أما في مجال الأمن الداخلي، فكان الاعتماد الكلّي على القدرات الذاتية، مع وجود خبراء أجانب للتدريب والمساندة، وإن كان بأعدادٍ قليلة.

وجاء اعتماد دول المجلس على العتاد الحربي المشترى من الدول الغربية ليمثّل تكلفة اقتصادية عالية، ولكنها ضرورية لضمانها لمواقف تلك الدول المساندة، وكذلك اعتمادها على عدد أقلّ من الجنود للتشغيل والصيانة، والاستخدام. وهو ما يلبّي الاحتياجات الفعلية لدول المجلس.

في الماضي، كان التعهّد الغربي لحماية دول المجلس صلبًا كالحديد، وأثبت جدارته في حرب تحرير الكويت، المكلّفة ماديًا وفي الأرواح. ولم تكن تلك الدول لتتراجع قيد أنملة عن حماية مصادرها من الطاقة من المنطقة. غير أنّ هذا الالتزام قد تآكل عبر الزمن لأسباب عديدة، أهمها تراجع اعتماد الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، على مصادر الطاقة من منطقة الخليج العربي، بحكم إنتاجها لكميات متزايدة من النفط الصخري. إضافةً لذلك، فإنّ تجربة الولايات المتحدة وحروبها في العراق وأفغانستان قد أنهكتها اقتصاديًا وسياسيًا، وجعلت القادة السياسيين يتخوفون من الإقدام على عمليات عسكرية جديدة. ولقد شهدنا في الحالة السورية كيف أنّ الرئيس باراك أوباما قد تراجع عن تهديداته بضرب قوات الأسد بعد استخدام تلك القوات للأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري، والمعارضة السورية. أضف إلى ذلك أنّ إعلان أوباما بالتوجه نحو القارة الآسيوية في أكتوبر 2011م، لا يعني انكفاء السياسة الدفاعية الأمريكية بشكلٍ كامل في المنطقة، حيث لا يزال هنا في منطقة الخليج العربي حوالي 28 ألف جندي أمريكي وغربي مرابطون في أربع دول خليجية للدفاع عنها، في حال تعرّضها لعدوان عسكري خارجي، وجاء مَيل الولايات المتحدة وتوجهها نحو آسيا انعكاسًا لرغبتها في الاستفادة من الزخم الاقتصادي والنمو الذي تشهده تلك البلدان بسبب ازدهار الاستثمار والصناعة فيها، وتوجه الشركات الغربية للاستثمار فيها، وجاء التواجد العسكري المتزايد للولايات المتحدة فيها كذلك للضغط على الصين عسكريًا، ولحماية الاستثمارات الأمريكية في شرق وجنوب شرق آسيا.

ولعلّ النقطة الأهم في تحوّل السياسة الأمريكية بشكلٍ عام، وكذلك السياسة الدفاعية للدول الأوروبية، هو عدم وجود تهديد حقيقي يهدد تلك الدول في منطقة الخليج العربي. وعدم وجود الرغبة لدى تلك الشعوب الغربية لإرسال أبنائها للقتال في مناطق مضطربة مثل منطقة الشرق الأوسط. وحتى لو تمّ التدخل العسكري، مثلما هو الحال في الحرب اليوم ضد داعش، فإنّ مثل هذا التدخّل سيكون في الغالب جويًّا، ولن يكون بصفة تدخّل برّي مباشر.

وهذا يعني أنّ البدائل المتاحة لدول الخليج العربية تنقسم إلى قسمين؛ إحداهما يُعنى بالمحافظة على صورةٍ إعلامية إيجابية لهذه الدول في البلدان الغربية، وبين شعوبها، حتى يمكن توظيف مثل هذه الصور الإيجابية لتشكيل رأي عام ضاغط داخلها، يمكن أن يؤيِّد أي عمليات تدخّل عسكري، لو تعرّضت دول الخليج، لا قدَّر الله، لتهديدات إيرانية أو تهديدات من دول أخرى في المستقبل.

أما الأمر الثاني، فهو زيادة اعتماد دول الخليج على القدرات الذاتية، أو قدرات دول حليفة عربية وإسلامية أخرى يمكن أن تقدِّم العنصر البشري لدعم أي عمليات عسكرية دفاعية في المستقبل. وقد أظهرت قدرة المملكة العربية السعودية في حربها ضد الحوثيين وقوات علي عبدالله صالح، أنّ السعودية قد نجحت في بناء تحالف عربي وإسلامي عريض من أكثر من 11 دولة لدعم العمليات العسكرية، ووظّفت قدراتها الدبلوماسية للحصول على دعم من الأمم المتحدة، ومن مجلس الأمن لمثل هذه العمليات التي تدعم الحكومة الشرعية في اليمن.

وهذا يعني أنّ القوة السياسية وحتى العسكرية للدول لا تقتصر على القوة الصلبة بالرغم من أهميتها، بل تتعداها إلى القوة الرخوة، مثل الدبلوماسية النشطة، وبناء رأي عام مساند في عددٍ كبير من الدول، وكذلك إلى بناء تحالفات سياسية وعسكرية مع عددٍ أكبر من الدول لضمان سلامة الأراضي العربية في الخليج، ولضمان سلامة الأراضي المقدّسة.

ولقد تجاهلنا بُعدنا الإسلامي بسبب الضغوط الأمريكية القاسرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وانتهزت إيران غياب دور المملكة التاريخي في هذا المجال، وتوسّعت في عددٍ من الدول العربية والإسلامية على حساب المملكة، وآن لنا أن نستعيد ما فقدناه في هذا المجال الحيوي، وإن بطرائق ووسائل وآليات جديدة.

ولاشكّ أنّ إيران قد اعتمدت في سياستها الإقليمية على القوة الناعمة المتمثّلة في تحريض الأقليات داخل الدول العربية والإسلامية، وكذلك بناء أحزاب وجماعات متعسكرة موالية لها في هذه البلدان. واستخدام هذه القوى كوكلاء لها، وخلايا نائمة يمكن الاعتماد عليها في حال تأزمت علاقاتها مع دول الجوار العربي. ولعلّ الأحداث الدائرة في المنطقة، ودعم الحكومة الإيرانية لأحزاب وجماعات إرهابية، سنيّةً وشيعية، أصبحت السياسة المفضّلة لديها، لرخص تكلفتها الاقتصادية والبشرية عليها، ونجاحها في تحقيق الأحلام الامبراطورية التي تتطلّع لتحقيقها.

البُعد النووي:

اعتمدت إيران منذ عهد الشاه على التخطيط لبناء قوة نووية رادعة، غير أنّ الضغوط الغربية والأمريكية عليها والعقوبات، قد أجبرتها، بناءً على اتفاق يوليو 2015م، على تجميد هذا البرنامج، بسبب تكاليفه السياسية والاقتصادية والعسكرية في الوقت الحاضر، وتأجيل تنفيذه لعشر سنوات قادمة.

ولاشكّ أنّ وجود هذه المهلة (العشر سنوات)، يعطي دول الخليج الفرصة الملائمة لبناء برنامج نووي سلمي يساعد على توفير الطاقة المبتغاة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه. وليس من الضروري أن يكون هذا البرنامج برنامجاً عسكريًا، لأنّ الأعباء والعقوبات المحتملة ستجهضه بالتأكيد، كما أجهضت من قبل برنامج إيران النووي. ولكن البرنامج الخليجي النووي السلمي سيكون رادعًا بطبعه متى ما هيّأ الكوادر الوطنية اللازمة لتشغيله، ومتى ما نجح في نقل التقنية، وتطوير مصادر اليورانيوم الخام المتوافرة في بعض دول الخليج العربية.

ولنا خير مثال في تجربة كوريا الجنوبية، التي طوّرت برنامجاً نوويًا تجاريًا ناجحًا ليكون عنصر ردع أمام تهديد جارتها الشمالية، ذات الطابع العسكري. فالأصل ليس في بناء القدرات النووية ذات الطابع العسكري، بل في تهيئة الكوادر، والمحطات التي يمكن الاستفادة منها في نقل التقنية النووية المطلوبة، واستخدامها في المجالات المدنيّة المتعددة، سواءً في مجال الطاقة، أو مجالات النظائر الطبيّة المشعّة، وغيرها.

وهنا، فإنّ مثل هذا الخيار ينبغي اعتماده بكل حذر نظرًا للأخطار البيئية المحتملة، ولتكاليف التشغيل والبناء، وكذلك تكاليف التخلّص النهائي من المفاعلات والمخلّفات النووية. لذا، فإن الاعتماد على خيار الطاقة النووية هو أحد البدائل المختارة للطاقة البديلة، مثله مثل الطاقة الشمسية النظيفة. وهذا يعني تشغيل محطة أو محطتين فقط للطاقة النووية، بدلاً من العدد الكبير الذي تمّ التخطيط له.

خاتمة:

لاشكّ أنّ الانسحاب الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي لن يكون انسحابًا كاملاً نظرًا لوجود الأسطول السابع الأمريكي، ووجود عدد من القواعد والتسهيلات الأمريكية والفرنسية والبريطانية في عددٍ من دول مجلس التعاون. ويمثّل هذا الوجود المحدود والوعود التي قدّمها الرئيس باراك أوباما في قمة كامب ديفيد في مايو 2015م، عنصر ردع فاعل في أي مواجهة عسكرية، أو تهديدات إيرانية مستقبلية.

غير أنّ إيران تطمح كذلك في هيمنتها السياسية المستقبلية بناءً على برنامجها النووي المؤجَّل، وكذلك تواجد بعض القوى الناعمة التي تدعم تدخلاتها السياسة والعسكرية في المنطقة، وهو ما ينبغي دراسة الطرائق المتعددة للتصدّي له.

 

المراجع:

([1]) يضع باتريك كلاوسون هذا الرقم كحدٍ أعلى للدعم العسكري واللوجستي الذي تدفعه إيران لحلفائها في المنطقة العربية، وبعضًا منه على شكل منتجات نفطية، أما (مائير جافند فار)، فيضع حجم هذه المساعدات بحدود 4,5 مليار دولار سنويًا، انظر:

Rachel Hoff, "Iran's military Budget: After the Nuclear Deal", American Action Forum, Aug. 5, 2015, and Meir Javedan far, "The Middle East After  an Iran Deal", IDC, Herzelia Conference, 2015.

مجلة آراء حول الخليج