العدد 103

الشرق الأوسط.. بين التراجع الأمريكي وصعود قوى التغيير في النظام الدولي

الإثنين، 28 كانون1/ديسمبر 2015

تُذيع في التحليلات السياسية والإعلامية العربية فكرتان تتعلقان بمستقبل النظام الدولي وتأثيره على الشرق الأوسط والمنطقة العربية: الأولى، هي أفول القوة الأمريكية أو بعبارة أدق تآكل أو تراجع مصادر هذه القوة، وأن واشنطن لم تعد قادرة على الوفاء بالتزامات القيادة العالمية. والثانية، أنه يترتب على هذا التراجع نشوء "فراغ نفوذ" سوف تسعى قوى كبرى أخرى لشغله مثل روسيا والصين والهند. ويرى البعض أن التغييرات الحادثة في المنطقة هي أعمق من ذلك بكثير، وهو ما أشار إليه السيد/ برنار باجوليه مدير المخابرات الفرنسية في 28 أكتوبر 2015م، بقوله إن "الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة"، وطرحه لتصور حول خريطة جديدة للمنطقة.

 وتثير هاتان الفكرتان عديداً من الأسئلة مثل: ما هي مظاهر تآكل أو تراجع القوة الأمريكية، وفي أي مجالات؟ وهل يؤدي تراجع القوة الأميركية على المستوى العالمي بالضرورة إلى تراجعها على مستوى منطقة الشرق الأوسط، أم أنه يمكن أن يحدث الأول دون حدوث الثاني؟ وما هي حدود التآكل في هذه القوة، والمدى الزمني اللازم لتحقق ذلك؟ وما هي عناصر القوة التي تمتلكها دول أخرى تؤهلها لشغل هذا الفراغ، وهل تستطيع دولة واحدة القيام بهذا الدور أم أن منطقة الشرق الأوسط سوف تشهد تنافساً وصراعاً بين الدول الساعية إلى ملء هذا الفراغ؟  وفي ضوء ذلك كله كيف يجب أن تخطط الدول الخليجية لهذه التطورات؟ وما هي الخيارات المتاحة أمامها للحفاظ على مصالحها وأمنها الوطني؟

والإجابات على هذه الأسئلة محل جدل ونقاش واسعين، ولا يستطيع أحد زعم امتلاكه للإجابات الصحيحة، كما أن هذه الإجابات تتطلب مساحة تفوق حجم هذه الورقة التي تسعى إلى تحليل هذا الموضوع في خمس نقاط.

أولاً: سمات التغير في النظام الدولي

تتعدد سمات النظام الدولي وخصائصه من باحث لآخر، وحسب هدف البحث، ويمكن من منظور هذه الورقة التركيز على السمات الثلاثة التالية:

  1. الترابط والتعقيد وتداخل المصالح في سياق من السيولة وسرعة التغيير، فالسمة الرئيسية للعلاقات بين الدول الكبرى في النظام الدولي الراهن هي تداخل المصالح وتشابكها بحيث تضع قيوداً على رغبة أو قدرة الدولة الكبرى في إلحاق خسائر كبيرة بالطرف الآخر دون أن تؤذي نفسها، فالاستثمارات وحركة الأموال تنتقل من سوق لآخر عبر الحدود ساعية وراء الأسواق وفرص الربح، كما تتداخل عمليات الإنتاج فيتم تصنيع المنتج في أكثر من دولة حسب الميزة التنافسية لكل منها، وتمت عولمة عمليات الاستثمار والإنتاج والتسويق والتوزيع.

وهكذا، فخلافاً للصراعات الدولية في مراحل تاريخية سابقة حيث كان يمكن للصراع أن يأخذ مداه في إلحاق الأذى بالخصم، فإن تداخل المصالح في الوقت الراهن يضع حدوداً وقيوداً على ذلك، ويفرض "سقفاً" للصراعات. ونستطيع أن نتلمس ذلك في سلوك الدول المتصارعة في أوكرانيا وسوريا وفي ردود الفعل المحسوبة لروسيا تجاه حادثة إسقاط إحدى طائراتها المقاتلة بواسطة تركيا. وتعاونت أمريكا وروسيا في سوريا في أكثر من مناسبة، فكان اقتراح موسكو بشأن تدمير السلاح الكيماوي السوري هو طوق النجاة لأوباما وإدارته وإخراجه من ورطته، كما تتقاسم الطائرات المقاتلة لكل من أمريكا وروسيا الفضاء السوري بمقتضى اتفاق مكتوب. وكان من شأن التعاون بين البلدين إعلان موسكو أن بقاء الرئيس الأسد بالنسبة لها ليس مسألة مبدأ، وقيامها بالتنسيق مع الجيش السوري الحر ودعمه.

  1. عدم قدرة الولايات المتحدة بمفردها على تحمل تكلفة دور القيادة العالمية، فمع أنها مازالت القوة العسكرية الأولى في العالم دون منازع، فإن إمكاناتها الاقتصادية تتقلص بشكل نسبي مما دفعها ابتداءً من حرب تحرير الكويت في 1991م، إلى طلب مشاركة حلفائها في أوروبا والخليج في "تحمل الأعباء"، وأصبح ذلك نمطاً متكرراً في السياسة الأمريكية.

ترافق ذلك مع ظهور دول أخرى مثّلت تحدياً مباشراً لواشنطن، تمثل ذلك في الصين على المستوى الاقتصادي، وفي روسيا على المستوى السياسي، وفي الشراكة الاستراتيجية بينهما، وذلك في سياق دولي يسوده الاعتقاد بعدم مصداقية الولايات المتحدة، واتباعها لممارسات ازدواجية المعايير وعدم الوفاء بالتعهدات.

  1. عدم احترام القوى الكبرى لقواعد النظام الدولي الذي تأسس على مبادئ معاهدة وستفاليا 1648م، والتي أكدت على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فمن نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي ازداد انتهاك السياسة الأمريكية لهذه القواعد، وتدخلت في شؤون الدول الجديدة في أوروبا، كما تدخلت في شئون كثير من دول العالم تحت شعار المشروطيات السياسية والاقتصادية حتى تتمكن من فتح أسواقها وتوجيه سياساتها نحو الأخذ بالاقتصاد الرأسمالي وحرية السوق، وفرض النموذج السياسي الغربي تحت شعار "نشر الديمقراطية".

أدت هذه التغيرات إلى جو من الاضطراب والارتباك وأحياناً الفوضى في إدارة العلاقات الدولية، وبرز ذلك في منطقة الشرق الأوسط بشأن المفاوضات الخاصة بالاتفاق النووي مع إيران، والحرب في سوريا، وتمدد التنظيمات الإرهابية المسلحة في دول المنطقة.

ثانياً: مظاهر تراجع القوة الأمريكية

تتعدد مظاهر تراجع القدرات الأمريكية، فعلى المستوى الاقتصادي انخفضت نسبة اسهام أمريكا في الناتج العالمي الإجمالي لصالح دول أخرى كالصين وألمانيا، وانخفض معدل نموها الاقتصادي مقارنة بهذه الدول، كما ارتفع حجم ديونها. وترتب على ذلك تراجع قدراتها على تحمل تكلفة تحركاتها العسكرية وحروبها في العالم. أضف إلى ذلك ارتفاع نسبة البطالة فيها، وحاجتها إلى تحديث البنية التحتية الصناعية والتكنولوجية.

 وعلى المستوى السياسي، أدت الخلافات بين الرئيس أوباما والكونجرس الذي تسيطر عليه أغلبية ديمقراطية إلى إعطاء صورة سلبية عن عملية صنع القرار الأمريكي، وكان أكبر دليل على ذلك عدم موافقة الكونجرس على اقرار الموازنة الفيدرالية عام 2013م، مما أدى إلى إغلاق المؤسسات والهيئات الحكومية الفيدرالية لأبوابها -ما عدا تلك المتصلة بالدفاع والأمن - لمدة 16 يوماً، وبدت أمريكا في صورة لا يصدقها أحد.

وعلى المستوى الاجتماعي، اتضح قصور نظام التعليم الأمريكي وضعف قدرته على المنافسة، والاتجاه نحو تركيز الثروة في يد الطبقة العليا، وتبلور مشاكل النظام الاجتماعي وخصوصاً العلاقة بين البيض والسود، والتي انفجرت في سلسلة من المواجهات عام 2015م.

بالطبع، فإن القيادة الأمريكية لم تقف ساكنة إزاء هذه التطورات، ويدور حوار عام بشأن كيفية وقف مظاهر هذا التراجع، وازداد إدراك النخبة السياسية بأن هذه الأوضاع تؤثر سلباً على مكانة أمريكا العالمية، وهو ما ظهر في عنوان الكتاب الذي أصدره ريتشارد هاس بعنوان "السياسة الخارجية تبدأ من الداخل". ولا يمكن القطع سلفاً بأن الولايات المتحدة سوف تخسر سباق تحديث مصادر قوتها وإعادة تأهيل بنيتها التحتية المادية والاجتماعية في تنافسها مع الدول الأخرى.

 ومع ذلك، فإن أغلبية الباحثين الأمريكيين لا يأملون في عودة الولايات المتحدة إلى مكانتها السابقة عندما تصدرت المشهد العالمي في كل المجالات، وإنما أقصى ما يبتغونه أن تنجح واشنطن في أن تكون "الأول بين متساوين". وبالطبع، فإن قدرة الولايات المتحدة على تحقيق هذا الهدف لا يتوقف فقط على ما سوف تقوم به، وإنما أيضاً على تطور اقتصادات الدول الحليفة لها في أوروبا واليابان.

ثالثاً: مظاهر صعود قوى التغيير

إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الابقاء على بنية النظام الدولي وأنماط تفاعلاته ومؤسساته، والتي تضمن لها مكانة متميزة، فقد أدت التغيرات في خريطة العالم الاقتصادية والسياسية إلى ظهور دول تجد مصالحها في تغيير بنية النظام السائد وأنماط تفاعلاته ومؤسساته، وتجد لديها مصادر القوة اللازمة والمطلوبة لإحداث هذا التغيير.

يأتي في مقدمة هذه الدول في المجال السياسي روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين. لقد مرت هذه الدولة من عام 1991م، بدورة كاملة انحدرت فيها إلى مهاوي الفقر والفوضى والتبعية للمعسكر الغربي، وعدم القدرة على صيانة مصالحها وأمنها القومي .. انكفأت على نفسها ولعقت جراحها لفترة حتى أيقظ بوتين روحها القومية، فأعادت بناء صناعاتها وتحديث الأساليب التكنولوجية فيها، وتطوير جيشها وأجهزة استخباراتها ثم كشفت عن ذلك للعالم في سلوكها تجاه أزمتي أوكرانيا وسوريا في 2013-2015.

لا يمكن الحديث عن روسيا كقوة اقتصادية منافسة للولايات المتحدة، ففي 2014م، بلغ ناتجها القومي الإجمالي 2.6 تريليون دولار أي أقل من ربع نظيره الأمريكي، ووصل احتياطيها النقدي إلى ما يناهز 516 بليون دولار أي ثُمن نظيره الصيني، ومازال الجزء الأكبر من صادراتها يتمثل في مواد خام باعتبارها أكبر الدول المنتجة للبترول والغاز الطبيعي في العالم.

تظهر أهمية الدور الروسي في الخطاب السياسي للرئيس بوتين، والذي يتحدى فيه صراحة الهيمنة الأمريكية على العالم، ويعتبر السلوك الدولي الأمريكي مصدراً لانتشار الحروب والفوضى فيه، وهو يرفض التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى رافعاً لواء مبدأ "سيادة الدولة" الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، ونهض على أساسه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ودعا بوتين دول العالم إلى المشاركة معاً في بناء نظام دولي جديد يقوم على أسس التعددية والعدالة والمساواة بينها، ولا شك أن مثل هذه الأفكار تلقى آذاناً صاغية في مختلف أرجاء العالم.

وفي المجال الاقتصادي تتمثل قوة التغيير الأساسية في الصين الذي حقق اقتصادها انجازات مبهرة في العقود الأربعة الأخيرة، فقد بلغ ناتجها القومي الإجمالي في 2014م، مبلغ 14 تريليون دولار مقارنة بـ 16 تريليون دولار في الولايات المتحدة، ووصل معدل نموها الاقتصادي السنوي إلى 7% مقارنة بأقل مـن 2% للولايات المتحدة، وأصبحت القوة التجارية الأولي في العالم، ووصل احتياطيها النقدي إلى 4 تريليونات دولار. كما تمتلك أكثر من 8% من الدين الأمريكي البالغ 16 تريليون دولار. ويلاحظ هنا ضخامة حجم الدين الأمريكي مقارنة بروسيا والصين التي لا تمثل ديونهما نسبة محسوسة من حجم ناتجهما القومي.

ومع أن الصين تركز على نموها الاقتصادي، فإنه لا يمكن تجاهل البواعث السياسية لهذا الجهد، فالصين دولة قومية مركزية قديمة ويعتز الصينيون بتاريخ أمتهم، ويشعرون بالإهانة التي وجهها الغرب لهم بشن حروب الافيون في أعوام 1839-1842 و1856-1860، ووقوف الغرب موقف المتفرج من الغزو الياباني لبلادهم في ثلاثينيات القرن العشرين. ومن الأرجح أن الصين سوف تتبع سياسة خارجية أكثر نشاطاً ومبادرة مع اطراد تقدمها الاقتصادي وازدياد قوتها العسكرية. ويمكن ملاحظة ذلك في سعى الصين إلى فرض سيادتها على الجزر محل النزاع مع اليابان، والحملة السياسية والإعلامية التي نظمتها في2015 م، بمناسبة مرور سبعون عاماً على صدور إعلان القاهرة الذي شارك فيه زعماء أمريكا وبريطانيا والصين والذي أشار إلى حق الصين في استرداد "الجزر السليبة" التي احتلتها اليابان، وأدى ذلك إلى قيام السفن الحربية الأمريكية بزيادة وجودها العسكري البحري في المنطقة للحيلولة دون تصاعد الطموحات الصينية.

وتزداد أهمية قوى التغيير عندما ندخل في الحسبان إنشاء تجمع دول البريكس الذي يضم الصين وروسيا والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، والذي يجتمع قادته كل عام لتطوير العلاقات الاقتصادية بينها، وكان من أهم ما تم الاتفاق عليه إنشاء البنك الأسيوي للاستثمار ومقره شنغهاي الذي انضمت إليه أكثر من 50 دولة من بينها بريطانيا وألمانيا وأستراليا وكوريا الجنوبية، وذلك رغم المعارضة الأمريكية واليابانية لهذا الانضمام. وفي أحدث اجتماع لقمة البريكس التي انعقدت في مدينة أوفا الروسية في 8 يوليو 2015 م، أعلن بوتين عن تطلعه لتشكيل تكتل اقتصادي وسياسي قوي يكون قادراً على مواجهة الهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي.

رابعاً: الشرق الأوسط كساحة للتنافس الدولي

في ضوء ما تقدم، فإن منطقة الشرق الأوسط تمثل إحدى الساحات الرئيسية للتنافس بين قوى المحافظة وقوى التغيير في النظام الدولي، وتحديداً بين الولايات المتحدة وروسيا، فمن ناحية ظل الغرب هو القوة المسيطرة في المنطقة في السبعين عاماً التالية على الحرب العالمية الثانية. وتمثل ذلك أساساً في بريطانيا وفرنسا ثم في الولايات المتحدة. وظهر هذا النفوذ في صور الشركات الغربية العاملة في استكشاف النفط وإنتاجه ونقله، وفي القواعد والتسهيلات العسكرية الغربية، وفي صفقات التسلح الضخمة مع الدول العربية النفطية، وفي جذب أموال النفط العربي للاستثمار في الأسواق الغربية.

تعرضت هذه المكانة لتحدي الاتحاد السوفيتي من منتصف الخمسينيات إلى منتصف السبعينيات في القرن الماضي من خلال علاقات موسكو مع القاهرة ودمشق وبغداد ومنظمة التحرير الفلسطينية والجزائر، ولكن سرعان ما تراجع هذا التحدي، وعادت الولايات المتحدة – والدول الغربية - لوضعها المتميز.

ومع الأخذ في الاعتبار كل مظاهر تراجع وتآكل بعض عناصر القوة الأمريكية، إلا أنها مازالت تمتلك أكبر رصيد من عناصر القوة الشاملة، ومازالت تحظى بأكبر قدر من القوة الناعمة المتمثلة في نمط الحياة ونموذج المعيشة والحلم الأمريكي في مجالات الفنون والآداب والسينما والمسلسلات التليفزيونية.

مع ذلك، تعاني واشنطن في الشرق الأوسط من عدة مشاكل، منها حالة الريبة وعدم الثقة التي أصابت دول الخليج العربية بشأن الاتفاق النووي مع إيران، وعما إذا كان اتفاقاً فنياً وحسب أم أنه مقدمة لتفاهم استراتيجي يعطي لإيران حرية أكبر في مد نفوذها في منطقة الخليج.

 ومنها الارتباك الأمريكي في التعامل مع الأزمة السورية، ففي 2011 دعا أوباما الرئيس السوري إلى التنحي فوراً، وربما كان في ذهنه أنه سوف يكرر ما حدث في مصر مع الرئيس حسني مبارك، وفي 2012 حذر أوباما سوريا من استخدامها للسلاح الكيماوي واعتبر ذلك خطاً أحمر، وهدد بتوجيه ضربة عسكرية إذا ما تم استخدامه. وعندما ظهرت مؤشرات لاحتمال أن يكون النظام السوري قد قام باستخدامه، وقعت واشنطن في ورطة، فلم يتحمس أقرب حلفائها لاتخاذ أي إجراء عسكري، وصّوت مجلس العموم البريطاني ضد مشاركة بلادهم في أي عمل عسكري في سوريا، وانقسم الرأي العام الأمريكي حول جدوى التدخل، وجاء الاقتراح الروسي بتدمير السلاح الكيماوي كطوق نجاة كما ورد من قبل. وتراوحت مواقف المسؤولين الأمريكيين ما بين أن خروج بشار الأسد هو شرط مسبق لبدء الحل السياسي أو أنه يمكن أن يكون طرفاً في بداية المرحلة الانتقالية.

ومنها التغيير السياسي الذي حدث في مصر في يونيو 2013م، فقد تنوعت ردود الفعل الأمريكية الرسمية بشكل يدعو إلى الارتباك، فكان من رأى أن ما حدث هو انقلاب عسكري ضد رئيس منتخب وأنه يتطلب تنفيذ القانون الأمريكي الخاص لوقف كل المساعدات، وكان من رأى أن الأمر غير ذلك وأنه لا يمكن اختزال الديمقراطية في مجرد صندوق الانتخاب، وكان من رأى أن التغيير سبقه حركة تعبئة شعبية واسعة النطاق دعت إليه، وأن الأحداث في مصر قبل يونيو 2013م، كان يمكن أن تقود إلى حرب داخلية، ومنها الموقف الأمريكي تجاه داعش والذي اتسم بالمفارقة بين القول والفعل، فقد كانت البدايات الأولى لداعش تحت سمع الوجود الأمريكي بالعراق، ولم يكن الدور التركي في دعم هذا التنظيم ومده بالسلاح وشراء النفط منه خافياً على الإدارة الأمريكية، وتراوح تقدير القادة العسكريين الأمريكيين بشأن المدة اللازمة للقضاء على داعش ما بين 15-20 سنة. وطرحت كل هذه الأمور ظلالاً من الشك حول مضمون الموقف الأمريكي من داعش وبواعثه.

أما روسيا فقد وجدت في الشرق الأوسط مجالاً للكشف عن قدراتها السياسية والعسكرية. برز ذلك في الدعم الروسي للنظام السوري على مدى سنوات، ففي خطاب بوتين أمام الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 سبتمبر 2015م، كشف بوضوح عن قلقه وانزعاجه مشيراً إلى أن روسيا لا يمكن أن تسمح باستمرار أوضاع الاضطراب العالمي، وبعدها بيومين تم الإعلان عن القرار بالتدخل العسكري المباشر في سوريا، وهو قرار "إقليمي" في نطاقه الجغرافي و"عالمي" في دلالاته السياسية. فقد سعت منه موسكو إلى تحقيق عدة أهداف:

  • صدق الالتزام الروسي بدعم الحلفاء، وذلك خلافاً للموقف الأمريكي تجاه الشاه في إيران ومبارك في مصر، وأنها لن تسمح لقوى خارجية بإسقاط نظام حليف لها.
  • تغيير توازن القوة العسكري على الأرض بعد الهزائم التي منَّى بها النظام في 2015م، وذلك تمهيداً للبحث عن حل سياسي لأن خارطة توازن القوى على الأرض تؤثر في شكل الحل ومحتواه.
  • إثبات القدرة اللوجستية الروسية على نقل المعدات العسكرية بكفاءة، والقدرة الاستخباراتية على إتمام النقل بسرية دون أن تكشفه أجهزة مخابرات الدول الغربية والإقليمية.
  • التأكيد على جدية روسيا في مكافحة الإرهاب باعتباره خطراً على الأمن الدولي، وعلى الأمن الروسي بالنظر إلى وجود هذه التنظيمات الإرهابية في المناطق الإٍسلامية فيها.
  • تعزيز الوجود في المياه الدافئة بالبحر الأبيض المتوسط، وأن هذه المنطقة تمثل الحزام الجنوبي لأمن روسيا.
  • أخذ زمام المبادرة وإثبات القدرة على تغيير الخرائط السياسية وتوازنات القوى الإقليمية وتعزيز الموقف الروسي في أوكرانيا، ووضع حدود للتدخل الأمريكي في الجوار الروسي.
  • إحراج الولايات المتحدة وإبراز تخاذل موقفها وعدم جديتها في مكافحة الإرهاب الداعشي، فقد حققت الضربات العسكرية الروسية في أسابيع ما لم تحققه تلك الأمريكية في 16 شهراً .

خامساً: الخيارات الخليجية

بماذا نخلص من هذا التحليل؟

نخلص أولاً إلى أن عناصر القوة الأمريكية لم تتراجع إلى الدرجة التي تفقد فيها واشنطن موقعها على الخريطة العالمية أو في الشرق الأوسط، وأن الدول الساعية إلى التغيير لا تمتلك القوة اللازمة التي تستطيع بها أن تغير الوضع القائم.

ونخلص ثانياً إلى أن هذه المرحلة من تطور النظام الدولي تتسم بالسيولة، وأحياناً بحالة من الانفلات والفوضى، واتساع مساحة عدم اليقين. وأن هذا الوضع يؤدي بالدول إلى فك وإعادة تركيب تحالفاتها الإقليمية والدولية بحيث تصبح تلك التحالفات أكثر مرونة، وبحيث تقتصر على بعض المجالات دون غيرها، وإمكانية أن تختلف درجة التحالف من مجال لآخر.

وتأسيساً على ذلك، فمن من المهم للغاية للدول الخليجية العربية أن تقوم بتنويع تفاعلاتها وتحالفاتها، وأن تزيد من تعاونها مع القوى الصاعدة في النظام الدولي والتي يتسع وزنها الاقتصادي وشأنها السياسي عاماً بعد عام.

ولا يؤدي هذا التوجه، والذي تمارسه أغلب هذه الدول بالفعل، وتطوير علاقاتها مع روسيا والصين إلى استدعاء غضب الولايات المتحدة وعدائها، فهي نفسها تتعاون مع هذه الدول وتنسق معها في إطار مصالحها الوطنية، وتتفهم أن تقوم الدول الأخرى باتباع نفس النهج. ومن الأرجح أن التعاون في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية هو مسلك آمن ولا تترتب عليه تأثيرات سلبية في العلاقات الخليجية الأمريكية. ولكن ما يقلق الولايات المتحدة فعلاً هو التعاون الأمني والاستخباراتي بما يمكن أن يخلق تهديداً للأمن الأمريكي.

وسوف يكون الاتجاه الخليجي نحو توسيع مجال التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع هذه الدول نهجاً أمناً إذا اتسم بوضوح التصور وأنه تعاون اقتصادي وفني، وليس موجهاً ضد أي دولة أخرى.

أما إذا لم يحدث ذلك، واستمر تآكل مصادر القوة الأمريكية أو تغيرت أولوياتها في المنطقة لحساب إيران، فإن الدول الخليجية سوف تجد نفسها في موقف صعب للغاية جوهره تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها أو على الأقل الاستمرار في إسباغ حمايتها العسكرية لهم حسب تصورها لأدوار الأطراف الإقليمية، وخصوصاً إيران. أما إذا تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة، وهو السيناريو الذي يروج له كثيرون تحت اسم سياسة "الانتقال إلى أسيا" - وهو احتمال لا نرجحه، وإن كان ليس من حق الباحث استبعاده كلية – فالأرجح أن تتنافس الدول الكبرى على إيجاد مصادر نفوذ لها في بعض دول المنطقة وفقاً لحجم مصالحها معها. ويمكن تصور السيناريو المعاكس لتراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط، فقد تتراجع القوة العالمية لأمريكا دون أن يترتب عليها بالضرورة تراجع مماثل في المنطقة إذا كانت مصالحها فيها كبيرة.

من المهم للغاية أن نتابع ما يحدث في العالم، وأن ندرس ما يقوم به الآخرون، ولكن الأهم أن ندرس أيضاً ما نقوم به نحن كدول عربية، والدرجة التي تتجاوب فيها سياساتها الخارجية مع التحولات الجارية في العالم. ويزيد من القدرة الخليجية والعربية أن يتم التعامل مع هذه التغيرات بمنظور تكاملي يتجاوز الدور الذي تقوم به كل دولة على حدة، وكل إجراء تكاملي على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي يدعم من هذه القدرة، وكل إجراء تكاملي بين دول المجلس ومصر يدعم من هذه القدرة، وبحيث يكون التحالف الخليجي المصري نواة لقدرة عربية صاعدة ومتطورة.

مجلة آراء حول الخليج