العدد 103

قمة الحزم بالرياض: تعزيز التكامل الخليجي ومحاربة جماعية للإرهاب

الإثنين، 28 كانون1/ديسمبر 2015

جاءت قمة دول مجلس التعاون الخليجية في دورتها السادسة والثلاثين برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ في مدينة الرياض يومي التاسع والعاشر من شهر ديسمبر الماضي، لتضيف لبنة مهمة في بناء صرح التكامل بين دول المجلس والتوجه نحو الاتحاد ، بعد أن قطعت الدول الست خطوات مهمة تحت مظلة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي بدأ مسيرته قبل أكثر من 35 عاماً، حقق خلالها الكثير من الإنجازات في مجالات عدة، ما مهد الطريق إلى خطوات أكثر سرعة نحو  تحقيق المزيد وفي مقدمتها التكامل والتحول من صيغة التعاون إلى صيغة الاتحاد، وكان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز قد استهل أعمال القمة  بكلمة شاملة مثلت رؤية لتعزيز العمل الخليجي المشترك واعتمدها قادة دول المجلس كورقة أساسية للقمة وكلفوا المجلس الوزاري واللجان الوزارية المختصة والأمانة العامة بتنفيذ ما ورد فيها على أن يتم استكمال التنفيذ خلال عام 2016م، وجاءت هذه الرؤية معبرة عن الواقع الخليجي بما في ذلك المستجدات والتحديات التي تواجه دول المجلس في الداخل والخارج، مع الأخذ في الاعتبار المتغيرات الدولية والإقليمية سواء استراتيجية وأمنية ودفاعية، اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، إضافة إلى الوضع الإقليمي ومتغيراته خاصة ما تشهده الدول العربية في اليمن، أو سوريا، أو ليبيا، وغيرها، وتضمنت كلمة خادم الحرمين الشريفين أمام القمة رؤية شاملة لما يدور في المنطقة وحملت توصيفاً دقيقاً للتحديات القائمة ورؤية دول مجلس التعاون الخليجي حيال مواجهة هذه التحديات، وجاء في هذه الكلمة" إن منطقتنا تمر بظروف وتحديات وأطماع بالغة التعقيد، تستدعي منا التكاتف والعمل معاً للاستمرار في تحصين دولنا من الأخطار الخارجية ، ومد يد العون لأشقائنا لاستعادة أمنهم واستقرارهم. ومواجهة ما تتعرض له منطقتنا العربية من تحديات وحل قضاياها، وفي مقدمة ذلك قضية فلسطين واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. وبالنسبة لليمن فإن دول التحالف حريصة على تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن الشقيق تحت قيادة حكومته الشرعية، ونحن في دول المجلس ندعم الحل السياسي، ليتمكن اليمن العزيز من تجاوز أزمته ويستعيد مسيرته نحو البناء والتنمية. 
وفي الشأن السوري تستضيف المملكة المعارضة السورية دعماً منها لإيجاد حل سياسي يضمن وحدة الأراضي السورية ووفقاً لمقررات ( جنيف 1). إن على دول العالم أجمع مسؤولية مشتركة في محاربة التطرف والإرهاب والقضاء عليه أياً كان مصدره ، ولقد بذلت المملكة الكثير في سبيل ذلك، وستستمر في جهودها بالتعاون والتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة بهذا الشأن، مؤكدين أن الإرهاب لا دين له وأن ديننا الحنيف يرفضه ويمقته فهو دين الوسطية والاعتدال. 
يأتي لقاؤنا اليوم بعد مرور خمسة وثلاثين عاماً من عمر مجلس التعاون، وهو وقت مناسب لتقييم الإنجازات، والتطلع إلى المستقبل، ومع ما حققه المجلس، فإن مواطنينا يتطلعون إلى إنجازات أكثر تمس حياتهم اليومية، وترقى إلى مستوى طموحاتهم. 
وتحقيقاً لذلك فإننا على ثقة أننا سنبذل جميعاً - بحول الله - قصارى الجهد للعمل لتحقيق نتائج ملموسة لتعزيز مسيرة التعاون والترابط بين دولنا، ورفعة مكانة المجلس الدولية، وإيجاد بيئة اقتصادية واجتماعية تعزز رفاه المواطنين، والعمل وفق سياسة خارجية فاعلة تجنب دولنا الصراعات الإقليمية، وتساعد على استعادة الأمن والاستقرار لدول الجوار، واستكمال ما بدأناه من بناء منظومة دفاعية وأمنية مشتركة، بما يحمي مصالح دولنا وشعوبنا ومكتسباتها." 

وقد أولت القمة الخليجية في دورتها السادسة والثلاثين اهتماماً كبيراً لقضايا: الدفاع والأمن والتصدي للإرهاب ومحاربته بشكل جماعي وبالتعاون مع المجتمع الدولي، وهذا ما تضمنه البيان الختامي للقمة الذي حمل بنوداً أكدت على اهتمام وتوجهات وطموحات دول مجلس التعاون الخليجي حيال التكامل بصفة، وتجاه تفعيل التكامل الدفاعي والأمني على وجه الخصوص، وكذلك جسد البيان التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون، وما تشهده المنطقة مع تقديم رؤية خليجية جماعية حيال هذه المجريات خاصة في المنطقة، وتمثلت اهتمامات القمة في القضايا الآتية:.

1-   على صعيد مسيرة العمل الخليجي المشترك، والعمل على التحول إلى التكامل والاتحاد، فقد كلفت القمة الأمانة العامة لمجلس التعاون بالاستمرار في عقد لقاءات تعريفية، وحملات توعوية في دول المجلس لهذا الغرض عبر مختلف وسائل الإعلام، مع ضرورة التركيز على ما يقوم به المجلس لتحقيق رفاهية المواطن الخليجي والحفاظ على أمنه ومكتسباته، باعتبار أن التكامل الخليجي مطلب شعبي وحكومي معاً، وليس مجرد رغبة حكومية فقط، بل تكامل له أسس ومنطلقات، ويرتكز على رغبة شعبية إضافة إلى طموح القيادات.

2-   وفي الشأن الاقتصادي ناقشت القمة مسيرة التعاون الاقتصادي والتنموي الخليجي المشترك، بهدف تحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة، حيث وجه زعماء دول الخليج بأن تقوم الأمانة العامة بتشكيل لجنة من المختصين والمفكرين من أبناء دول المجلس لاقتراح مرئيات للوصول إلى المواطنة الاقتصادية الكاملة، على أن يؤخذ في الحسبان متطلبات واحتياجات التنمية المستدامة في دول المجلس، ورفع تنافسية القوى العاملة الوطنية، واعتبار القانون الموحد لحماية المستهلك بدول المجلس كقانون إلزامي.

3-   فيما يخص العمل الدفاعي والعسكري الخليجي المشترك فقد أكد الزعماء على قرارات مجلس الدفاع المشترك في دورته الرابعة عشر بشأن مجالات العمل العسكري المشترك، وكان في مقدمتها الخطوات الجارية لتفعيل القيادة العسكرية الموحدة، واعتماد الموازنة المخصصة لها ومتطلباتها من الموارد البشرية، وكذلك الاستفادة من العسكريين المتقاعدين من دول مجلس التعاون من ذوي المؤهلات العلمية المتخصصة وذوي الخبرة والكفاءة، للقيام بدور ومهام تقديم الخدمات الاستشارية للإدارات والمكاتب التابعة للأمانة العامة.

4-    وفيما يتعلق بالتعاون الأمني ومحاربة الإرهاب فقد أكدت القمة على نبذ الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله وصوره، ومهما كانت دوافعه ومبرراته، وأياً كان مصدره، وتجفيف مصادر تمويله، وأكد التزامه بمحاربة الفكر المنحرف الذي تقوم عليه الجماعات الإرهابية وتتغذى منه، بهدف تشويه الدين الإسلامي البريء منه، كما أكد أن التسامح والتعايش بين الأمم والشعوب من أسس سياسة دول المجلس، الداخلية والخارجية، مشدداَ على وقوفه ضد التهديدات الإرهابية التي تواجه المنطقة والعالم.

وشددت على ضرورة التعامل بكل حزم مع ظاهرة الإرهاب الخطيرة، والحركات الإرهابية ومن يدعمها، مشيداَ بجهود الدول الأعضاء في هذا الخصوص على كافة المستويات الدولية والإقليمية، وأكد على تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته في دعم المركز الدولي لمكافحة الإرهاب بنيويورك وتنسيق الجهود وتبادل المعلومات، ووجه زعماء دول الخليج الجهات المختصة في المجلس للقيام بعمل منظم بكل الوسائل الدبلوماسية والتوعوية والإعلامية لإبراز الصورة الحقيقة للإسلام، وقيمه الداعية للوسطية، والنهج المعتدل لدول المجلس، وتوظيف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بشكل فعال لهذا الغرض، وعقد المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات مع القوى الفاعلة داخلياً وخارجياً، ومضاعفة الجهود لنبذ خطاب التحريض على العنف والإرهاب، والتصدي لدعوات التطرف والعنصرية والكراهية والفتنة الطائفية، وتجنيد الأتباع والمقاتلين للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة.

وأدان القادة الخليجيون بشدة التفجيرات الإرهابية التي استهدفت مساجد في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، كما أدان الأعمال الإرهابية التي تعرضت لها مملكة البحرين وراح ضحيتها عدد من رجال الأمن والمدنيين الأبرياء، وأشاد المجلس الأعلى بإحباط الأجهزة الأمنية لعمليات تهريب لمواد متفجرة شديدة الخطورة، وأسلحة وذخائر مصدرها إيران إلى مملكة البحرين، وأكدوا وقوف دول المجلس ومساندتها في كل ما تتخذه المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ومملكة البحرين من إجراءات لحماية أمنها وضمان سلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها، معربا عن ثقته بقدرة الأجهزة الأمنية على كشف ملابسات هذه الجرائم الإرهابية وتقديم مرتكبيها للعدالة والمساءلة.

كما أكدوا على استمرار الدول الأعضاء في المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، ومساندة كل الجهود المبذولة دولياَ وإقليمياَ، لمحاربة التنظيمات الإرهابية واجتثاث فكرها الضال، وشدد المجلس على ضرورة تكثيف التنسيق والتعاون الثنائي والدولي من أجل مواجهة التحديات التي تمر بها المنطقة والقضاء على الإرهاب، وتهديداته العابرة للحدود والعمل على تجفيف منابعه، تعزيزاَ لأمن المنطقة واستقرارها.

وأدانت القمة الخليجية الهجمات الإرهابية التي شنها تنظيم داعش الإرهابي في العاصمة الفرنسية باريس في 13 نوفمبر 2015م، والتي أوقعت العديد من الضحايا المدنيين الأبرياء. وأعربت القمة عن وقوف دول المجلس ومساندتها لجهود فرنسا وشعبها الصديق في كل ما تتخذه من إجراءات، كما أدان الأعمال الإرهابية التي ارتكبها التنظيم وغيره من التنظيمات الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية وتونس، ومصر، ومالي، وبيروت، وبغداد وغيرها، وأكدت مواصلة مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وأنواعه، واجتثاث تنظيماته المعادية لكافة الشرائع السماوية والقيم الإنسانية. وفي هذا الشأن رحب قادة دول مجلس التعاون الخليجي بقرار مجلس الأمن رقم 2249 ( 20نوفمبر 2015م) الذي صدر بشأن مكافحة الإرهاب والتصدي لتنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى، ودعوا ذوي الاختصاص إلى توضيح الصورة الناصعة للإسلام دين التسامح والسلام، ودعوة الشباب العربي والإسلامي إلى إعمال صوت العقل وعدم الانجرار وراء قوى الظلام والإرهاب.

5 ـ فيما يتعلق بالشأن السياسي ناقشت القمة الخليجية العديد من القضايا الإقليمية المهمة التي تمس السياسة الخليجية الخارجية، ففيما يخص العلاقات مع إيران، أكد زعماء دول الخليج على الرفض التام لاستمرار التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المجلس والمنطقة، وطالبوا بالالتزام التام بالأسس والمبادئ والمرتكزات الأساسية المبنية على مبدأ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، ورفض تصريحات بعض المسؤولين من الإيرانيين، ضد دول المجلس والتدخل في شؤونها الداخلية، ومحاولة بث الفرقة وإثارة الفتنة الطائفية بين مواطنيها في انتهاك لسيادتها واستقلالها. كما طالبت القمة، إيران بضرورة الكف الفوري عن هذه الممارسات والالتزام بمبادئ حسن الجوار والقوانين والمواثيق والأعراف الدولية بما يكفل الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

6 ـ وحول البرنامج النووي الإيراني أكدت القمة الخليجية على ضرورة الالتزام بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومجموعة دول (5 + 1) في يوليو 2015م، وشددت على أهمية دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهذا الشأن وضرورة تطبيق آلية فعالة للتحقق من تنفيذ الاتفاق والتفتيش والرقابة، وإعادة فرض العقوبات على نحو سريع وفعال حال انتهاك إيران لالتزاماتها طبقاً للاتفاق. 
وأكدت  القمة أيضاً على أهمية تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2231 (يوليو 2015م) بشأن الاتفاق النووي، بما في ذلك ما يتعلق بالصواريخ البالستية والأسلحة الأخرى. كما عبرت عن قلقها البالغ بشأن إطلاق إيران لصاروخ بالستي متوسط المدى قادر على حمل سلاح نووي (10 أكتوبر 2015م) وأوضحت في هذا الصدد على أن ذلك يعتبر انتهاكاَ واضحاَ لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929، كما أكدت القمة على أهمية جعل منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط منطقة خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة النووية، مؤكدةَ على حق جميع الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وضرورة معالجة المشاغل البيئية لدول المنطقة، وتوقيع إيران على كافة مواثيق السلامة النووية.

وفيما يتعلق بسياسة دول مجلس التعاون الخليجي تجاه دول الجوار العربي التي تشهد تصعيداً أو تشهد قلاقل وأوضاع غير مستقرة، فجاء البيان الختامي للقمة الخليجية معبراُ عن السياسة الخليجية في هذا الشأن، فعلى صعيد الوضع في سوريا أكدت القمة على المواقف الخليجية الثابتة في الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها وسلامتها الإقليمية، وأعربت عن قلقها البالغ إزاء تفاقم الأزمة السورية وتدهور الأوضاع الإنسانية في ظل استمرار نظام الأسد والميليشيات الداعمة في القصف والقتل، وبشأن اليمن أشاد زعماء دول مجلس التعاون الأعلى بالانتصارات التي حققتها المقاومة الشعبية والجيش الموالي للشرعية ضد ميليشيات الحوثي وعلي عبدالله صالح، وتحرير عدن وعدد من المدن والمحافظات اليمنية، مؤكدين استمرار الدعم والمساندة لفخامة الرئيس عبدربه منصور هادي وحكومته الشرعية ومواصلة العمل لإعادة الأمن والاستقرار لكافة ربوع اليمن الشقيق، مع تأكيد التزام دول مجلس التعاون بوحدة اليمن واحترام سيادته واستقلاله ورفض أي تدخل في شؤونه الداخلية، مع التأكيد على أهمية الحل السياسي وفق المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل ومؤتمر الرياض، والتنفيذ غير المشروط لقرار مجلس الأمن رقم 2216 (2015)، مع الإدانة الشديدة لانتهاكات ميليشيات الحوثي وصالح الجسيمة بحق المدنيين، من قتل واختطاف واحتجاز، وتجنيد الأطفال، ومحاصرة المدنيين واستخدامهم دروعاَ بشرية، واستهداف الأحياء المدنية بالقصف والتدمير، وتعذيب الأسرى، والاعتداء على الحريات السياسية والإعلامية، وانتهاكات بحق الممتلكات الخاصة والعامة والمؤسسات التعليمية والطبية، وممارساتها غير المسؤولة لعرقلة المساعي الدولية لإيصال المساعدات الإنسانية إلى كافة أنحاء اليمن، مما يعتبر خرقاَ واضحاَ للقانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان .

مجلة آراء حول الخليج