انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتإفتتاحية دول الخليج والصين: المصالح والتحديات

التحالف الدولي ضد داعش ..ضبابية الرؤية وهلامية التنفيذ

انشأ بتاريخ: الأحد، 07 شباط/فبراير 2016

إن حال التحالف الدولي الذي تشكل ضد داعش اليوم يشبه حال مجلس سيف الدولة الحمداني عندما حضر الفارابي، فأخرج عيداناً لعب فيها فضحك كل من كان في المجلس، ثم ضرب بها لحناً آخر فبكى كل منهم، ثم غيّر ترتيبها وضرب ضرباً ثالثاً فنام كل منهم حتى البوّاب، لقد كان حال التحالف في الأشهر الماضية أشبه ما تكون بعيدان الفارابي، فتارة تضحك كل من دمر أوكار الدواعش، ومرة تبكي باريس وكاليفورنيا، وثالثة سبات ونوم وعدم الحسم.

نستشعر الحاجة إلى أن نطرح السؤال التالي: إلى أين يسير التحالف الدولي؟ فكما قال الفيلسوف الروماني سينيكا: (لا توجد رياح مواتية للذي لا يعرف إلى أي ميناء يبحر).وتظل هذه المقولة ذات أهمية في تحديد الهدف. فرغم التهكم الذي عادة ما تُقابل به طموحات الكبار، تظل قيمة الهدف حقيقة لا مراء فيها، فعلى هديهِ تستنير العقول وفي ضوئه تصاغ التحالفات، وفي نهاية المطاف تتضح الحلول.

بداية ومن خلال استعراض ما قاله الرئيس الأمريكي عند تشكيل التحالف ضد داعش: (ليس لدينا استراتيجية للحرب على (داعش)، وشبه تنظيم الدولة الإسلامية: بأنهم (لاعبو اسكواش صغار)، ومن ثم فإنهم لا يمثلون تهديدا للأمن القومي الأمريكي. ثم اضطر أوباما أن يكون مترددا لا يفضل استخدام الحرب، وأنه لا ضرورة لبناء استراتيجية استباقية لمواجهة التنظيم الذي جعل من سوريا ملاذا آمنا له مكنه من التوحش والتمدد إلى العراق.

 يتضح مما سبق بأن نشأة التحالف الدولي كانت بلا استراتيجية واضحة، وكذلك الحلفاء المشاركين الذين يظهرون الاقتناع والهدف ذاته، فقد شابها الضبابية في الرؤى والمصالح منذ البداية، فلكل حليف تقديره المختلف لمصلحته القومية، والتي لا تتطابق بالضرورة مع التقدير الأمريكي. ونشير إلى أن التحالف يشارك فيه أكثر من ستين دولة، وبالتالي، فإن هذا العدد الضخم من الدول يعطي معنى للضخامة أكثر منه للفاعلية. فدول الاتحاد الأوروبي مثلا لم تستقر على رؤية محددة تجمعها جميعا، ولكن تفاوتت رؤاها بين فرنسا المندفعة، وألمانيا المتحفظة، وبريطانيا التي انتظرت موافقة برلمانها. ومن ثم، فإن كل دولة ترى ما تراه مناسبا لرؤيتها وظروفها. ورغم أن جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، عين الجنرال جون آلن ليكون قائدا لقوات التحالف الدولي، فإننا لا نرى بنية هيكلية للتحالف، فهو بالتأكيد منسق للتحالف، وليس قائدا بالمعنى العسكري المهني. ومن ثم، فإن للتحالف معنى واسع لا نعرف المكان الذي تتموضع فيه قيادته.(كمال السعيد الحبيب)

فتنظيم داعش ككيان له قدرة استراتيجية قابلة للتكييف، خاصة بعد سقوط الموصل والسيطرة على مئات العجلات المدرعة من الجيش العراقي وعلى الأموال من البنك المركزي فرع الموصل حيث أثبت في العديد من المرات قدرته على التفكير لمراحل قادمة، كما أثبت مرونة واضحة في مواجهة الهزيمة على أرض المعركة.

ومن الواضح أن الضربات الجوية، سواء في العراق أو سوريا، غير كافية لإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية. وتتوقف القضية الرئيسة على الخلط بين الحط من القدرة التكتيكية لداعش (الذي حقق نتائج متباينة حتى الآن)، وتقدم بديلا جيدا ذا مصداقية.

فالولايات المتحدة لم تورط العراق، بغزوها عام 2003م، فحسب، بل ورطت العالم العربي بكامله. فما تعيشه المنطقة اليوم ليس سوى تحولات الحالة العراقية، التي أنتجت أبشع أنواع الإرهاب باسم الـدين، ممثـلا في جماعة الزرقاوي التي ولد منها تنظيـم “داعش” الحالي. حيث أظهرت الحروب السابقة في العالم العربي أن التحالفات الدولية التي تقودها الإدارة الأميركية تكون نتيجتها المزيد من الحروب والتهديدات الإرهابية، وهو ما يُخشى وقوعه اليوم. والقاعدة في السياسة الدولية الأميركية أن واشنطن إذا ربحت فهي تربح بمفردها، لكن إذا تورطت تورط معها الآخرين.

ويذكر رايان كروكر، السفير الأمريكي المخضرم في العراق وأفغانستان، أن "داعش" هو قدر الولايات المتحدة الأمريكية الذي لا يمكنها الفرار منه، وعليها مواجهته".  ثم توجه بمفهوم التوحش ذلك إلى العراق، حيث سقطت أمامه منظومة المالكي الطائفية التي أسس الجيش العراقي على أساسها في مواجهة السنة، وليس من أجل المصالح العليا للدولة العراقية. توسعت أطرافها بالدخول الروسي المباغت، الذي يعتبر أن “التحالف الإيراني الروسي لدعم نظام بشار” هو البديل، وهو أمر يصطدم بالرفض السعودي التركي.

دروس التجارب الماضية الحاضرة لا تشير إلى أن الحرب على (داعش) ستضع أوزارها سريعاً بالقضاء على هذه الدولة. العناصر والقوى التي تدفع إلى التحالف الدولي الذي تشكل لمواجهته لكل منها حسابات ومصالح وتطلعات وشبكة من العلاقات تلتقي جميعها بتشتيت المنطقة العربية. تعاونت أميركا مع إيران في الحرب على أفغانستان ثم في العراق. وإذا كانت الحرب على (داعش) في العراق وسوريا تستدعي التعاون مع طهران ومع النظام في دمشق، فلا شيء يؤشر إلى أن هذا التعاون سينسحب على كثير من القضايا والأزمات والملفات. فالحرب على (داعش) لن تكون عسكرية فحسب. إنها سياسية بامتياز. ولن تنجح الحرب على الإرهاب ما لم تجد أزمات المنطقة تسويات وحلولاً مرضية لكل اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، فالتحالف الدولي الذي تشكل لمواجهة (داعش) فرضته الضرورة القصوى وليست القناعات والسياسات الواقعية. قام على صفيح ساخن وتداعى مواقع هنا وهناك. كأن ظروف الصفقة الكبرى لم تنضج بعد.. (جورج سمعان، الحياة،25/8/2014)

ولقد صرح أوباما بنفسه عند تسلمه جائزة نوبل للسلام سنة 2009 م، في أوسلو أنه ينظر إلى العالم كما هو عليه في الواقع وليس كما يريده أو يتمناه هو أو غيره من القادة. وهو يعي مكامن القوة في بلده ويعرف أيضاً مناطق الضعف الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية ولا يخفيها وبالتالي يعترف بمحدودية القوة الأعظم في الأرض. فلقد صرح لصحيفة نيو ريبوبليكا بعد فوزه بالولاية الثانية في يناير 2013 م، أن أولوياته هي الداخل الأمريكي وليس السياسة الخارجية الأمريكية. ففي عهده وصل الدين الأمريكي رقماً مذهلاً هو 16000ستة عشر ألف مليار دولار مما يعني أنه لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك الوسائل لفرض زعامتها الدولية كقطب أوحد يقود العالم كما كان الحال في عهد بيل كلينتون حيث لم تتجاوز الديون الأمريكية عتبة الــ 240 مليار دولار. لاحظ المحللون للولاية الأولى لباراك أوباما أنه حوّل اهتمام بلاده نحو آسيا وأعاد بسط نمط العلاقات القائمة مع روسيا فيما يتعلق بمبدأ الزعامة الدولية والتفرد بالقرارات وهذا ما بدا واضحاً في التعاطي مع الملف السوري والملف الأوكراني، وكذلك استنباطه لصيغة القيادة من الخلف في العالم العربي والشرق الأوسط ما يعني عدم التدخل المباشر في تقلبات الصراعات الشرق أوسطية، والعمل على سحب العدد الأكبر من القوات الأمريكية المنتشرة فيما يقارب الــ 140 بلداً. لم تتخل أمريكا في عهد أوباما عن الزعامة الدولية لكنها أعادة تعريفها فأمريكا لم تتدخل على نحو مباشر في ليبيا على سبيل المثال ولكن تم كل شيء بمباركتها وموافقتها ومساعدتها اللوجستية والجوهرية والتكنيكية إلى جانب حلفائها الأوروبيين كفرنسا وبريطانيا للإطاحة بنظام معمر القذافي. في حين أنها رغم التهديدات لم ترغب في التدخل المباشر في سوريا بل اكتفت بلعب دور أساسي في تأليب الرأي العام ضد نظام الرئيس الأسد وتقديم الدعم المالي والتسليحي للمعارضة السورية المسلحة.(جواد بشارة،إيلاف)

 مدى نجاح التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب من عدمه:

لقد كانت هجمات باريس نقطة تحول منطقية في سياسات البعض مؤخرا، إلا إن الحشود العسكرية الضخمة، و(الاكتشاف المفاجئ) لأهمية وجود قوات برية لإنجاز مهمة القضاء على تنظيم (الدولة) ترجح أن المشهد أصبح أقرب إلى أجندات دولية تتزاحم وتتصارع في العراق وسوريا، منه إلى مشروع تحالف دولي موسعلمكافحة الإرهاب. فالتنظيم تأرجح بين القوة والضعف، والهزيمة والنصر، والتمدد والانحسار، بلغ تنظيم (داعش) عامه الثاني منذ إعلان ما أسماه (دولة الخلافة الإسلامية).

لا شك أن العمليات الحربية الجوية على داعش بعد واقعة باريس في 13 نوفمبر 2015 م، ودخول بريطانيا قد يضعفان التنظيم الإرهابي لكنهما لن ينهيا وجوده. باعتقادي لا يوجد حل قريب ما دام الوضع العراقي سائرا إلى التفكك، وعدم وجود إرادة أميركية لتغيير الوضع السياسي العراقي وكذلك السوري في ظل وضع فوضوي قائم على التفكك والحروب الطائفية. الحل السوري مرتبط بالحل العراقي، وكلاهما يخضع لمساومات معقدة لأطراف الصراع: الإقليمية من جهة،وروسيا وإيران وحلفائهما من جهة أخرى. قد تنتهي ولاية أوباما ولا يحصل تغيير في العراق وسوريا (ماجد السامرائي، العرب، مصير العراق).

لعدم وجود ارادة حقيقية لحسم الأزمات في المنطقة العربية. فعلا لو كانت إرادة حقيقة في حل الأزمات، فمن الأولى أن ينتبه لما يحدث في الأراضي العربية المحتلة في فلسطين، والإرهاب الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي بشكل شبه يومي ضد شعب أعزل يحاول جاهداً أن يحصل على قدر يسير من حقوقه المشروعة وبهذا الصدد يقول الأمير تركي الفيصل في المنتدى الاستراتيجي العربي: (إن هناك توجهاً إلى إدارة الأزمات بدلا من إنهائها أو حسمها. والمثال الأكبر فلسطين الأزمة القائمة منذ أكثر من 70 عاما، ولا تزال قائمة، بينما الحلول واضحة وهو حل الدولتين بالاتفاق على الحدود المشتركة، ولكن ليس هناك إرادة سياسية، فشخص مثل وزير خارجية أميركا يقضي نصف وقته من أول سنتين في عمله في العمل على هذه القضية، ويقوم بعشرات الرحلات إلى المنطقة دون نتيجة، لأن همه إدارة الموضوع بما يحفظ مصالح الإدارة الأميركية وليس حسمه).(الأمير تركي الفيصل، ،دبي،2015) .وهكذا حال التحالف الدولي ضد داعش.

فإن الولايات المتحدة هي أحوج ما تكون إلى معالجة مشكلة رئيسة في الحرب على (داعش)، وهي ما يتعلق في الإشكال والاختلاف، أو التناقض بين الوسائل والغايات في استراتيجيتها، وذلك:

أولاً: بأن تنظر إلى الأسباب الموضوعية التي أدت إلى صعودها وتناميها في المنطقة، والتي من أهمها حال العجز والفشل السياسي المتمثلة في السياسات الطائفية الممنهجة في العراق وسوريا، إذ لم يتغير شيء منذ مجيء رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي، الذي لم يختلف كثيراً عن سلفه المالكي في سياسة الإقصاء والتهميش للسنّة في العراق.

ثانياً: من أكثر العناصر خللاً في استراتيجية التحالف الدولي هي تلك المتعلقة بحال عدم التنسيق بين عنصري الغارات الجوية والقوات البرية؛ وبصورة أوضح عدم وجود شركاء يمكن الاعتماد عليهم في محاربة التنظيم، وطبيعة هؤلاء الشركاء وتمثيلهم، فإطلاق يد الحشد الشعبي المكون من ميليشيات تتبع لإيران من حيث الأيديولوجية والتسليح وحتى التدريب والمستشارين، وفي المقابل وضع العوائق والموانع كافة أمام تشكيل قوة سنية أو تسليح العشائر السنيّة، وهو ما ينعكس بالسلبية على بقاء السنّة على الحياد في الحرب ضد (داعش)، هو ما أصاب الاستراتيجية بالشلل وعدم الفاعلية،.(حسن بن سالم ، الحياة، بتصرف)

هذه المعركة العالمية بين قوى الإرهاب من جهة، وبين شعوب العالم وشعوب المنطقة من جهة ثانية، لا بدّ أن تدار بشمولية وبعمق جديين. وينبغي التخلي عن سياسات المصالح الأنانية للدول الكبرى التي تستثمرها الأنظمة المستبدة الطائفية في المنطقة لمصالحها الخاصة، وأن يتم طرح الحلول العالمية المقترنة بإجراءات من مجلس الأمن الدولي كمؤسسة حامية للأمن العالمي.

بالنتيجة فتنظيم (داعش) من حيث نشأته وتسليحه وتطوره والخدمات اللوجستية التي حصل عليها هو ابن شرعي لأجهزة الاستخبارات الغربية، خصوصاً الأميركية (مصطفى الفقي، الحياة)،

 لذا فإن تجربة التحالف الدولي ضد داعش أثبتت هلامية في التنفيذ وفي حسم المعارك لضعف دوره وعدم المصداقية في القضاء على الإرهاب فالذي يستعرض التحالفات العسكرية يرى أن معظمها بل جميعها حسمت برا لا جواً.

فداعش هو الحجة التي تسمح للأطراف بالتدخل لمحاربة خصومها، ففي حالة روسيا كانت قلة ضئيلة من الضربات موجهة ضد تنظيم داعش والباقي ضد المعارضة. أما النظام السوري فأقل من 10 في المئة من ضرباته موجهة ضد التنظيم الإرهابي، وفي العراق كانت هناك مشكلة أخرى هي تفضيل حشد طائفي ضد تنظيم داعش يقوي التنظيم على الجيش العراقي الوطني، فطريقة المحاربة قد تزيد الخصم قوة. (غسان سلامة، المنتدى الاستراتيجي العربي،2015)

فلا بد من اجتهاد جديد في السياسة والثقافة، يأخذ العالم العربي نحو حداثة لا تعادي الدين، وتدين لا يخاصم العصر والإنسان. وباعتقادي فإن الإعلان عن تشكيل تحالف إسلامي عسكري لمحاربة الإرهاب بقيادة المملكة العربية السعودية تطور مهم تنتظره أحداث كبرى.جاء انطلاقا من أحكام اتفاقية منظمة التعاون الإسلامي لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره والقضاء على أهدافه ومسبباته، وقررت الدول 35 الموقعة على البيان تأسيس مركز عمليات مشتركة مقره الرياض، لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب. ويأتي هذا التحالف بعد نجاح التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لدعم الشرعية في اليمن وإنهاء الانقلاب الحوثي، بحسب كثير من المراقبين العرب يعد أهم نموذج لتحالف عربي مشترك منذ حرب أكتوبر عام 1973.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة