العدد 106

رؤية واقعية للشراكة الصينية ـ الخليجية: نمو اقتصاد الصين مرتبط باستقرار الخليج

الأحد، 03 نيسان/أبريل 2016

ــ الصين مطالبة بمعرفة أنها ليست مجرد شريك اقتصادي بل شريك استراتيجي ومصلحتها في دعم استقرار الخليج

ــ 279 مليار دولار التبادل التجاري والصادرات الصينية 142 مليارًا ووارداتها 137 مليارًا مع دول التعاون 2020

ـــ استمرار النمو الاقتصادي للصين يعتمد على تدفق إمدادات الطاقة وأمن الطاقة مرتبط بالأمن الإقليمي الخليجي

ــ الصين لم ترتكب أخطاءً تهدد الأمن الإقليمي لكن سياساتها لا تجعلها صاحبة دور فعال في استقرار المنطقة مقارنة بمصالحها

ـــ الصين تتعامل مع الدول على طريقة "الصناديق المنفصلة" دون النظر للعلاقات الإقليمية البينية أو تفكير كل دولة في مصالحها

 ــ السعودية تصدر للصين 1.6 مليون برميل نفط يوميًاوتمثل المملكة %46 من إجمالي واردات الصين الخليجية

 

 

ترسخ في ذهني عندما كنت صغيرًا أن المسافة التي تفصل بيننا وبين الصين شاسعة في الجغرافيا. إلا أن هذه القناعة تغيرت فيما بعد، وتولدت لدي قناعة بأنه رغم المسافة التي تفصلنا إلا أن الثقافة والاقتصاد والسياسة قلصت هذه المسافة وردمت الفجوة، وأضحت دول الخليج العربية بسبب ارتباط المصالح الاقتصادية مع الصين الأكثر قربًا وحضورًا في علاقات الصين العربية. فنصف واردات الصين من النفط الخام تأتى من منطقة الخليج، إلا أن الصين ورغم تنامي مصالحها بمنطقة الخليج، ظلت تنتهج سياسة النأي بالنفس وتتجنب الدخول في أزمات المنطقة والغرق في مشاكلها، لصالح سياسات تجارية بحته تعود عليها وعلى شركائها بالنفع.  وحتى بعد اضطراب المنطقة ودخولها في فصول الفوضى وعدم الاستقرار السياسي بعد ما يسمى بـ "الربيع العربي"، استمرت الصين في النأي بالنفس وعدم الانغماس المباشر في تداعيات وضع المنطقة المتدهور، إلا أن هذه السياسة كلفت الصين الكثير وأضرت بمصالحها الكبيرة سواء في السودان، أو ليبيا، أو سوريا، أو غيرها من الدول. فجاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ الأخيرة في يناير 2016م، إلى المنطقة والتي تعتبر الأولى منذ توليه السلطة زار خلالها السعودية ومصر، ثم إيران، لتعيد ترتيب سياسة الصين في الشرق الأوسط، والتأكيد على دورها السياسي فيها في ظل تهديد مصالحها هناك. هذا التحول الاستراتيجي في السياسة الخارجية الصينية يحتم على دول الخليج توظيفه لخدمة القضايا السياسية التي تهم مصالحها وتسعى إلى أمن واستقرار المنطقة.

أولًا: التغير في موازين القوى

يمر الاقتصاد العالمي بتغيّرات هيكلية عميقة ومن أهم معالم هذا التغير هو انتقال حقيقي وملموس لمقادير القوة الاقتصادية من منطقة عبر الأطلنطي إلى منطقة الباسفيكي. فبينما لم يكن يتجاوز مجمل الناتج القومي للدول الآسيوية في الستينيات 7.8% من مجمل الإنتاج العالمي، فقد ارتفع إلى16.4% بحلول عام 1982م، ونحن نتحدث الآن عن ما يفوق 21.5% من مجمل الإنتاج العالمي ويتوقع له أن يرتفع إلى 31.6% عام 2020م. كان صعود الصين الكبير في مقدمة هذه الانطلاقة الاقتصادية لآسيا. فمنذ عام 2003م، وحتى الآن تمكن الاقتصاد الصيني من الدخول في طريق النمو السريع وتزايد اندماجه في الاقتصاد العالمي على نحو قوي. فبعد أن كان نصيب الصين من إجمالي الناتج العالمي في عام 1980م، لا يتجاوز 2% صعد إلى 7.6% في عام 2001م، وقد استمر نمو الاقتصاد الصيني رغم الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم سنة 2008م. فوفقًا لتقرير أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 30 مايو 2013م، "بأن الصين تصدرت المرتبة الثانية كأكبر اقتصاد عالمي بعد اقتصاد الولايات المتحدة بناتج محلي يقدر بـ 4.91 تريليون دولار حسب مقياس سعر الصرف وثاني أكبر اقتصاد بعد اقتصاد الولايات المتحدة بناتج إجمالي يقدر ب 8.8 تريليون دولار حسب مقياس تعادل القدرة الشرائية.وبذلك تعتبر الصين أسرع اقتصاد كبير نامي في الثلاثين سنة الماضية بمعدل نمو سنوي يتخطى 10 %. ويتوقع تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنه بحلول ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين سوف تبلغ قيمة إجمالي الناتج المحلي لدول رابطة “بريكس”(البرازيل وروسيا والهند وإندونيسيا والصين وجنوب إفريقيا) ما يعادل تقريبًا إجمالي الناتج المحلي لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (حسب عضويتها الحالية)، وذلك مقارنة بقيمته الحالية التي تبلغ نصف قيمة إجمالي الناتج المحلي للمنظمة حاليًا.  وعليه تعد الصين مساهم ديناميكي في الاقتصاد العالمي واستمرارها في الصعود يمكن أن يمثل تغيرًا كبيرًا في طبيعة النظام الدولي وإشارة إلى عالم متعدد الأقطاب.


 

خلق هذا النمو الاقتصادي المستمر والكبير لآسيا ارتفاع الطلب على الطاقة. فاستهلاك آسيا من النفط يشكل 30% من حجم النفط المنتج عالمياً. وجاءت الصين في المركز الثاني كأكبر مستهلك للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة في عام 2011م.  فالصين تستورد ستة ملايين برميل من النفط في اليوم وهو ما يعادل 60% من الاستهلاك العالمي. وفقًا لتقرير وكالة الطاقة الدولية " سيناريو تحول موازين الاستهلاك العام من الطاقة من غرب الأطلنطي في الولايات المتحدة الأميركية والصين إلى الهند والشرق الأوسط" يرى التقرير بأن مركز ثقل الطلب على الطاقة يتحول بشكل كبير نحو الاقتصادات الناشئة، وبشكل خاص نحو الصين والهند والشرق الأوسط، التي تقود الارتفاع في استخدام الطاقة بمعدل الثلث. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن في حالة نمو الاقتصاد العالمي بمعدل 3.6% في العام، سينمو الاستهلاك العالمي للطاقة بنسبة 56% ما بين 2010 و2040م، ونصف هذه الزيادة ستأتي من الصين والهند وحدهما. وفي سيناريو السياسات الجديدة، «السيناريو المحوري للوكالة الدولية للطاقة 2013م» يتوقع أن تصبح الصين والهند أكبر الدول المستوردة للطاقة أوائل عام 2020 م.

 


 

ثانيا: الصين والخليج ومبدأ الاحتياج الاستراتيجي

نتج عن هذه التغيّرات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، تزايد الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي بالنسبة للصين. فوفقًا للتقرير الأسبوعي لـ"آسيا كابيتال" (أن نصف واردات الصين من النفط الخام تأتى من منطقة الخليج). وتأتي السعودية في صدارة الدول المصدرة للنفط إلى الصين، حيث تصدر السعودية 1.6 مليون برميل من النفط يوميًا، أي 20% من إجمالي واردات الصين من النفط. كما تشكل السعودية حصة %46 من إجمالي واردات الصين القادمة من دول الخليج.  ولتعزيز وجودها في الصين، افتتحت شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) في عام 2012 م، مقرها الإقليمي في العاصمة الصينية بكين بالإضافة لمقرين مساندين في كلٍ من شنغهاي وزيامين. وفي حفل الافتتاح أكد عبد الرحمن الوهيب، النائب الأعلى للرئيس للتكرير والمعالجة والتسويق بأرامكو، على أهمية الصين الاستراتيجية وأن المقر الجديد سيكون ركيزة مهمة لتعزيز العلاقات بين البلدين. أما الكويت فقد وصل حجم صادراتها إلى الصين نحو 276 ألف برميل يوميًا في 2015م، بعد أن كانت تصدر 160 ألف برميل يوميًا في السنوات الماضية. ويقول ناصر المضف، العضو المنتدب للتسويق العالمي في مؤسسة البترول، إن شركة الصين العالمية للبترول ومؤسسة البترول الكويتية وقعت في أغسطس 2014م، عقدًا يقضي بزيادة صادرات الكويت من النفط الخام إلى الصين بأكثر من الضعف أي إلى نحو 300 ألف برميل يوميًا لمدة عشر سنوات ابتداء من أغسطس 2015م، ليحل محل عقد الإمداد القديم الذي يقضي بتصدير 160 إلى 170 ألف برميل يوميًا. وبالتالي سيتم تصدير 10% من إنتاج الكويت إلى الصين، ومن المتوقع كما يرى مسؤولو مؤسسة البترول الكويتية بأن الصادرات قد تزيد إلى ما بين 500 ألف و800 ألف برميل في اليوم بعد ثلاث سنوات. أما قطر فقد ارتفعت حصتها من 5.5% إلى 6.6% من إجمالي الصادرات النفطية إلى الصين. وتعتبر قطر أكبر مصدر للواردات الصينية من الغاز الطبيعي المسال. أما الإمارات فقد شهدت أيضا زيادة ولكن متواضعة في الصادرات إلى الصين. وبالتالي تشغل الطاقة النفطية ومشتقاتها الجانب الأبرز في العلاقات الخليجية – الصينية.

 

 

كما أن التدفقات التجارية بين دول الخليج والصين، شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.فبينما لم يكن يتجاوز حجم التبادل التجاري 1.5 مليار دولار في عام 1991م، سرعان ما ارتفع إلى 11.2 مليار دولار في عام 2002م، ووصل إلى 33.8 مليار دولار في عام 2005م، ثم قفز إلى 70 مليار دولار في عام 2008م، منها 42 مليار دولار للصادرات الخليجية و28 مليار دولار للواردات الصينية، إلى أن وصل إلى 175,25 مليار دولار في عام 2014م، وقُدّرت صادرات دول الخليج إلى الصين بنحو 110 مليارات دولار، والواردات بـ 70 مليارًا. وتعتبر السعودية أهم الشركاء التجاريين بالنسبة للصين حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 390,3 مليار دولار منذ 2004 إلى 2013م. فقد اشترت الصين 14 % من صادرات السعودية في عام 2013م، مقارنة بنسبة 5.5 في المئة قبل عشر سنوات. بينما بلغ حجم الاستثمارات السعودية في الصين 30,61 مليون دولار. وبلغ حجم الاستثمارات الصينية في السعودية في 2014م، نحو 730 مليون دولار. أما الكويت فقد أصبحت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المشتريات الصينية، فقد ارتفعت حصة الصين في إجمالي الصادرات الكويتية خلال عشر سنوات من 2.5 % إلى ما يقرب من 9 %،أما الإمارات فقد أوضح سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد الإماراتي، أن حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين تجاوز 46 مليار دولار في 2014م، مسجلة نمو بنسبة 28% مقارنة بعام 2013م.

 

 

 

 

استنادًا إلى تقرير أعدته وحدة المعلومات التابعة لمجلة «إيكونوميست» بالتعاون مع شركة «فالكون وشركائها بعنوان «تجارة دول مجلس التعاون الخليجي وتدفقاتها الاستثمارية» يتوقعالتقرير "أن تصبح الصين أكبر الأسواق التصديرية لدول مجلس التعاون الخليجي بحلول عام 2020م، بقيمة صادرات تبلغ 142 بليون دولار وواردات تصل إلى 137 بليونًا، ليبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ودول مجلس التعاون نحو 279 بليون دولار عام 2020"م.

وتدّل الأرقام السابقة على أن مصالح الصين الأساسية المتعلقة بالنفط والتجارة ترتبط إلى حد كبير بتفاعلاتها مع منطقة الخليج. ومثل هذا الاحتياج الاستراتيجي يجب ألا يقتصر على المجال الاقتصادي فحسب مع دولة أصبحت لاعبًا اقتصاديًا مهمًا على الساحة العالمية، بل يجب أن يمتد ليشمل الجوانب السياسية بما يخدم مصالح الطرفين. فهناك مجموعة من القضايا الجوهرية التي تشكل أولويات يمكن للعلاقات الخليجية -الصينية أن تستند عليها في جانبها السياسي والأمني مثل قضايا الأمن والطاقة.

ثالثا: دول الخليج والصين: مصالح وتحديات مشتركة

 هناك عدد من القضايا الرئيسية التي تشكل أساسًا متينًا يمكن للعلاقات الخليجية الصينية أن ترتكز عليها في جانبها السياسي والأمني، مع الأخذ في الاعتبار أن أهمية هذه القضايا لا تعني بالضرورة تطابق المواقف حيالها، بل قد يكون لكل طرف منهما وجهة نظر قد لا تتطابق بالضرورة مع الأخرى في بعض الأحيان، إلا أنه يظل التنسيق وتقريب وجهات النظر أمرًا ضروريًا.

الطاقة والأمن في منطقة الخليج

إن استمرار النمو الاقتصادي للصين سيعتمد بشكل كبير على استمرار إمدادات الطاقة من الخليج بأسعار معقولة. وكما تمت الإشارة فإن الصين ستكون من أكبر الدول المستوردة للطاقة في الفترة القادمة، وأن معظم إمداداتها النفطية ستكون من منطقة الخليج. وبالتالي إن زيادة الطلب على الطاقة سوف يعمل على زيادة حساسية الصين إزاء منطقة الخليج.  فأمن الطاقة على صلة وثيقة بالأمن الإقليمي الخليجي. وأن من شأن أي انقطاع في الإمدادات النفطية قد يؤثر على الاقتصاد الصيني ويتسبب في عواقب كارثية. ومع ذلك فإن السياسة الصينية في المنطقة لا تبدو مواتية إلى حد كبير مع مصالحها. فعلى الرغم من أن الصين لم تقم بخطوات يمكن تصنيفها بشكل مباشر على أنها تهديد، إلا أنها لا تتبع سياسات يمكن أن تدفع دول الخليج إلى تصنيفها على الأقل صاحبة دور إيجابي في استقرار المنطقة يتناسب مع مصالحها العريضة فيها.

ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الصين ليس لديها سياسة خارجية بالمعنى الواقعي الحقيقي إلا فيما يتعلق بالمنطقة المحيطة بها في جنوب وشرق آسيا، والتي ترتبط بمصالحها الحيوية، أما بالنسبة للمناطق الأخرى، فإن سياستها الخارجية تسير وفق خطوط عامة تتعلق بمواجهة الولايات المتحدة، والحفاظ على مصالحها الثنائية، وذلك في إطار خشية الصين من تصفية الولايات المتحدة للبؤر المناوئة لها في المنطقة، بما قد يتيح لواشنطن مستقبلًا ترتيب أوضاع الشرق الأوسط، بصور قد تضر بمصالحها. فالسياسة الخارجية الصينية خارج المنطقة الحيوية في جنوب وشرق آسيا، تتعامل مع الدول على طريقة «الصناديق المنفصلة، آي دولة ـ دولة دون النظر لعلاقات تلك الدول الإقليمية البينية، ودون النظر للكيفية التي تفكر فيها كل دولة في مصالحها الخاصة. فهم يركزون فقط على مصالحهم مع الدولة الهدف والتي تتمثل في التجارة والاستثمار واستيراد المواد الخام. فالصين يمكن أن تدخل مع أي دولة في اتفاقات تجارية دون حسابات معقدة للاعتبارات السياسية المحيطة بها، وذلك في ظل قناعة داخل النخبة الصينية، إنه طالما أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول فإن مصالح الصين التجارية سوف تستمر. لهذا بدأت الصين تتفاجأ بتهديد مصالحها في أكثر من منطقة، ومنها ما حدث بتأثر مصالحها في السودان، أو اضطرارهم لتنفيذ عملية إخلاء رعاياهم في ليبيا أو سوريا أو تعرضهم لانتقادات حادة في عدة دول إفريقية، تمس سياستهم الاقتصادية ذاتها.

وبالتالي فعلى الصين إعادة التفكير في أنها ليست مجرد شريك اقتصادي وإنما شريك استراتيجي لديه مصلحة واضحة في دعم أمن واستقرار منطقة الخليج في مواجهة التهديدات، خصوصًا وأن هناك استعداد صيني داخلي لتقبل مراجعة الأوضاع الحالية في اتجاه بناء سياسة خارجية مختلفة تعمل على الجمع بين مصالحها في الخليج وسياساتها تجاه منطقة الخليج.  

تعزيز الأمن البحري

يمثل الأمن البحري أحد أهم التحديات الرئيسية التي تهدد سيادة الصين ومصالحها الحيوية في منطقة الخليج العربي، وذلك لارتباط موضوع الأمن البحري بأمن الطاقة، خاصة في ظل تنامي الترابط العضوي بين المحيط الهندي والخليج العربي من ناحية وبحر العرب من ناحية أخرى على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي. فالخليج العربي يعد من أهم المناطق الجيو-استراتيجية في العالم، فعبر منفذه الحصري مضيق هرمز يمر سدس انتاج النفط العالمي. ومن خلال المضيق يمكن الوصول إلى بحر العرب فالمحيط الهندي. وبالتالي فإن هذا المضيق يربط أكبر منطقة مصدرة للنفط في العالم مع المحيط الهندي والتي من خلاله تستورد الصين إمدادات الطاقة الحيوية وتنجز تبادلاتها التجارية.  فالأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز لا تقتصر باعتباره ممرًا لناقلات النفط فقط وإنما أيضا لطبيعته التجارية حيث إن جانبًا كبيرًا من تجارة دول المنطقة الواقعة على طول سواحل الخليج تمر من خلاله وعبر مياهه.  حتى أصبحت سلامة وأمن الملاحة في المحيط الهندي مرتبطين بسلامة وأمن الملاحة في مضيق هرمز. فحادثة احتجاز 15 عنصرًا من جنود البحرية البريطانية في شط العرب كرهائن في مارس م2007، وحادثة يناير 2008م، حين استفزت خمسة زوارق للحرس الثوري الإيراني ثلاث سفن تابعة للبحرية الأمريكية في مضيق هرمز والتهديدات الإيرانية المتكررة بغلق مضيق هرمز وعمليات القرصنة البحرية والسطو المسلح التي من شأنها إعاقة طرق الملاحة الدولية، توضح بما لا يدع مجالاً للشك مدى أهمية الأمن البحري لمنطقة الخليج. وحسب التقرير الأسبوعي الصادر عن شركة «الشال» الكويتية للاستشارات، أنه في حال "أغلق المضيق فسيكون ضرره أكبر على مستهلكي النفط، اذ من المفترض أن يمنع نحو 17 مليون برميل يوميًا من المرور إلى الأسواق، تمثل نحو 20% من إنتاج النفط العالمي، ونحو 40% من صادرات النفط أو من تجارة النفط العالمية". وأوضح التقرير أيضا "أن أكبر المتضررين من المستهلكين ستكون دول آسيا أكبر الدول المستوردة لنفط الخليج، وأهمها الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية". وبالتالي فحرية تدفق إمدادات الطاقة عبر الممرات المائية في الخليج العربي عامل جوهري لتفادي الانهيار الاقتصادي والصناعي في العديد من دول العالم من ضمنها الصين التي تعتمد بشكل أساسي على إمدادات الطاقة من دول الخليج. وعليه يفترض على الصين المساهمة أكثر في حماية الممرات المائية وتكون لاعبًا بارزًا في تعزيز الأمن البحري.

مكافحة الإرهاب والتطرف

نجح تنظيم داعش الإرهابي خلال الفترة الماضية في توجيه ضربات مؤلمة لعدد من الدول الكبرى، لا سيما روسيا وفرنسا والولايات المتحدة. ورغم أن الصين، لم تشهد حوادث مماثلة حتى الآن، إلا أن هناك معلومات وتقارير تشير إلى اتجاه بوصلة تنظيم داعش الإرهابية نحو الصين بشكل خاص، ودول جنوب شرقي آسيا بشكل عام. ففي يوليو 2014م، فقد أعلن تنظيم داعش عن خريطة الدولة التي يسعى لإقامتها، والتي ضمت غرب الصين كأحد الامتدادات المستقبلية للتنظيم خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما أكدته تصريحات زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي حول سعي التنظيم "للدفاع عن حقوق المسلمين المهدرة في الصين والهند وفلسطين". وقد حذرت كثير من المؤسسات البحثية الصينية من اختراق تنظيم داعش للمجال الحيوي للصين، ومن وجوده في دول مثل الفلبين وإندونيسيا وماليزيا والدول المحيطة بالصين. وفي 8 ديسمبر 2015م، بث "مركز الحياة للإعلام" الذي يعد الذراع الإعلامي للتنظيم داعش، عبر الإنترنت لأغنية باللغة الصينية بعنوان "أنا المجاهد"، يدعو فيها الصينيين للالتحاق بـ«جيش الخلافة» المزعوم. ويشير وو سايكي، مبعوث الصين الخاص للشرق الأوسط، في نوفمبر 2014م، إلى وجود ما يُقارب 100 مواطن صيني -انضموا إلى تنظيم داعش في العراق وسوريا- يُحاربون في الشرق الأوسط أو يتدربون على القتال غالبيتهم من حركة تركستان الشرقية.

دول مجلس التعاون الخليجي عانت كثيرًا خلال السنوات الماضية من انتشار الفكر المتطرف استهدف تنظيم داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية لأراضيها، لذلك فإن كل طرف – الصين ودول الخليج- لديه مصلحة واضحة في توحيد الجهود والتعاون بشكل مؤسسي من خلال مكافحة الإرهاب والتطرف والتشدد بكافة أشكاله وتطويقه وتجفيف مصادر تمويله.  وكما أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ، في كلمته خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سبتمبر 2014م، على ضرورة تنسيق الجهود لمواجهة «قوى الشر الثلاث: الإرهاب، والتطرف، والانفصالية».

رابعًا: التطلع لدور أكثر فاعلية في القضايا السياسية

في ظل التغيرات الكبيرة التي عصفت بمطقة الشرق الأوسط، خصوصًا بعد أحداث ما يسمى بـ «الربيع العربي» وانتشار الفوضى وتلاحق الأزمات، واندلاع الحروب الأهلية في عدة مناطق، وسياسات بعض الدول الإقليمية مثل إيران وسعيها إلى تكريس الفوضى من خلال تمويل ودعم وتسليح الميليشيات في المنطقة، وسياسات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وتحول اهتمامها من منطقة الشرق الأوسط والتركيز على منطقة آسيا والمحيط الهادي في محاولة لمحاصرة نمو قوة الصين، والتي قد تؤثر بشكل كبير على أمن منطقة الخليج، فدول الخليج مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بأن تسعى إلى بناء تحالفات إقليمية ودولية متعددة، وشراكات استراتيجية، خصوصًا مع الدول المؤثرة التي يهمها أمن منطقة الخليج واستقرارها كالصين.فلا بد لدول الخليج من السعي للتواصل الاستراتيجي والسياسي مع الصين، بطريقة تمكن دول المجلس من تسخير مصالح الصين المتنامية في المنطقة لخدمة القضايا السياسية التي تهم مصالحها وتسعى إلى تعزيز السلم والأمن في المنطقة. فالصين يمكن أن تلعب دورًا إيجابيًا في عدد من القضايا التي تهم دول الخليج، منها على سبيل المثال الأزمة مع إيران: فالصين ترتبط مع إيران بعلاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية وثيقة، كما أن بينهما تعاونًا كبيرًا في قطاع الطاقة ولعبت بكين دورًا فعالًا في الضغط على الولايات المتحدة وإيران من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي. وبالتالي فالصين يمكن أن تتولى مهمة إقناع إيران بانتهاج سلوك "أكثر مسؤولية" بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، واحترام سيادتها. كما يمكن للصين أن تلعب دور الوسيط بين دول الخليج العربية وإيران في بعض القضايا الخلافية كمسألة الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى). وكذلك الاضطلاع بدور أكثر إيجابية بخصوص الأزمة السورية والتي أصبحت أكبر أزمة إنسانية في العالم. فالصين دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وسياستها تجاه المسألة السورية كانت للأسف سياسة داعمة لنظام الأسد، فقد استعملت الصين حق الفيتو أربع مرات لإحباط وإفشال صدور قرارات عن مجلس الأمن، اثنان منها تدعوان إلى تنحي الرئيس بشار الأسد، وثالث طالب بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على النظام السوري، والرابع سعى إلى إفشال إحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية. وبالتالي يمكن لدول الخليج التأثير على الموقف الصيني للضغط على الأطراف المتضررة والمعيقة لحل الأزمة السورية. وكذلك لعب دور إيجابي في الأزمة اليمينة والسعي بتجاه تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2216م، لإحلال السلام في اليمن وغيرها من القضايا التي تدعم أمن واستقرار المنطقة.  

أمن واستقرار المنطقة مطلب ضروري لكي تحافظ الصين على مصالحها المتنامية هناك. وبالتالي فالصين لديها مصلحة واضحة في دعم أمن واستقرار منطقة الخليج في وجه التهديدات. ودول الخليج في الجهة المقابلة يجب التعامل مع الصين بجدية شديدة كما يحدث مع القوى الرئيسية الأخرى في العالم، كما أنها لن تجد مستهلك مماثل للصين مع توقعات ارتفاع حجم الطلب منها في السنوات القادمة.

 

 

هوامش

  1. فرانسيسكو كينتانا. موقع صحيفة الرياض. 03 /1/ 2014م
  2. كارن أبو الخير. آسيا وملامح نظام عالمي جديد - مجلة السياسة الدولية. مجلة السياسة الدولية.
  3. محمـود خليفـة جــودة محمـد. أبعاد الصعود الصيني في النظام الدولي وتداعياته 1991م – 2010م.المركز الديمقراطي العربي
  4. موقع أرقام. 01/02/2016
  5. أحمد طاهر. أمن الطاقة.. بين إغلاق مضيق هرمز ومشروع قناة الحجاز. مجلة آراء حول الخليج .
  6. علي حسين باكير. تحولات الطاقة وجيوبوليتيك الممرات البحرية: "ملقا" نموذجًا. مركز الجزيرة للدراسات 09/06/2014
  7.  أحمد دياب. «داعش» في الصين.. وتوقعات بعمليات إرهابية ببكين. مجلة المجلة. 20/01/2016
  8.  جريدة اخبار الخليج البحرينية. 03/01/2016.
  9. صحيفة الرياض. 03/01/2014
  10. صحيفة الاقتصادية السعودية . 30/04/2015
  11. صحيفة الوسط البحرينية . 06/07/2014
  12. صحيفة الوسط البحرينية . 17/11/2013
  13. يسرا الشرقاوي. التوجهات التصالحية للسياسة الخارجية الصينية. المركز الاقليمي للدراسات الاقليمية . 14/02/2015
  14. جريدة الحياة. 31/ 08/ 2014
  15. وليد خدوري. نفط المنطقة واستهلاك الصين. جريدة الحياة. 04/ 05/ 2014
  16. صحيفة الرياض. 19/08/2013
  17. CNBC  العربية . 06/09/2014  
  18. نايف علي عبيد. العلاقات الخليجية – الصينية: مجالات وآليات التعاون. مجلة آراء حول الخليج .
  19. مجلة الخليج الجديد. 28-02-2016
  20. صحيفة الشرق الأوسط. 12/03/2014 
  21. صحيفة الرياض. 31/07/2014
  22. مايكل سينغ. تواجد الصين العسكري في الخليج. معهد واشنطن. 26/09/2014 
  23. أيمن علي. فرصة للصين لدخول أكبر في قطاع الطاقة السعودي. جريدة النهار اللبنانية. 3/7/2016
  24. جريدة الجريدة . 22/07/2012

مقالات لنفس الكاتب