استراتيجية تعتمد على قوة شمال إفريقيا وعودة الدور المصري ثلاث قوى عالمية تتصارع في غرب إفريقيا.. والدور الخليجي تحكمه المصالح والسياسة

الثلاثاء، 28 حزيران/يونيو 2016

يشمل غرب إفريقيا الدول العربية المشكلة لشمال القارة الإفريقية، لكن لاعتبارات تتماشى مع أهداف التحليل في هذا الموضوع فإن القصد هو منطقة جغرافية لا تشمل هذه الدول، وبذلك يمكن تحديدها في مجال يعرف بمنطقة الساحل والصحراء، وذلك بناء على مرتكزات متعددة منها ثلاثة أبعاد على الأقل؛ البعد الجغرافي الذي ينهل من المعاني اللفظية للكلمتين العربيتين الدالتين على المجال الممتد من الساحل والذي يطوق الصحراء الإفريقية الكبرى، وهذا يشمل الكتل السياسية التي تمتد من موريتانيا والسنغال غربًا إلى الحدود السودانية غربًا، وهذا البعد يفترض عدم ارتباط التنطيق بالمجال السلطوي لهذه الكتل السياسية بل بالبعد الجغرافي الذي يحددها مجاليًا، لكن ذلك لا يتناقض مع تحديد يقوم على الكتل السياسية أو الدول والذي يعتبر هذه المنطقة هي مجموعة الدول التي شكلت لجنة ما بين الدول لمكافحة الجفاف التي أنشئت سنة 1971م، والتي كانت تضم كلًا من السنغال وغامبيا وموريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينافاسو ثم أضيفت كل من غينيا بيساو و الرأس الأخضر ونظرًا لزحف الصحراء انضمت كل من السودان وأثيوبيا والصومال[1].

موضوع من قبيل تفاعل السياسة والاقتصاد والتواجد الأجنبي بغرب إفريقيا والعلاقات العربية يثير إشكالا يتبع التنطيق السابق وسائل السياسات العربية وتفاعلاتها مع المنطقة هو حدود ومآلات وإمكانية بناء رؤية استراتيجية حضارية في ظل وجود تصورات واستراتيجيات قوى إقليمية ودولية مهيمنة على المنطقة؟ وكذا ماهية الإمكانيات المتاحة لبناء نسق متناغم بين الدول العربية وأيضًا إمكانيات تنزيل تصور خليجي بأبعاد تراعي المحددات والعراقيل السابقة؟

 

أولًا: غرب إفريقيا وإشكال توحيد الرؤية الاستراتيجية العربية

 

يثير موضوع التعاون العربي عمومًا والخليجي على وجه التحديد مع غرب إفريقيا مسألة تصنيف المدخل الذي يجمع الأبعاد القارة في التحليل مع الأبعاد المتغيرة، وانسجام آلياته التي يمكن أن تؤسس لرؤية متكاملة بين كتلتين متحركتين وغير متناغمتين لا في علاقتهما ببعض ولا في بناها الداخلية، والقصد هنا المجموعة العربية التي تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين، هما دول شمال إفريقيا من جهة ودول الخليج من جهة أخرى، والتي بدورها لا تحوز رؤية إستراتيجية موحدة، وكذا دول غرب إفريقيا التي لا توحدها في غالب الأحيان سوى الجغرافيا. وهو ما يثير استشراف إمكانيات التعاون أو الشراكة الإستراتيجية.

ترتبط الدول العربية منذ زمن طويل بإفريقيا وغربها على وجه التحديد بالعديد من الآليات لكن معظمها لم يعد يؤدي دورًا حاسمًا مع تحول المعطيات الجيوسياسية في القارة بعد الحرب الباردة[2].

 

1-المحددات الإستراتيجية بين دول شمال إفريقيا العربية وفضاء غرب إفريقيا

يعتبر الجوار الجغرافي محددًا مهمًا في تصور الترابط بين الدول العربية لشمال إفريقيا وغربها، وبذلك كان الامتداد على مر عصور طويلة مرتبطًا بالتحكم الفعلي في الأرض، حيث عرفت تلاقح حضارات جعلت من الفضاء، في أغلبه وإلى اليوم، فضاءً حضاريًا إسلاميًا[3].

وتلعب الجغرافيا دورًا حاسمًا في تحديد الرؤية الإستراتيجية للدول العربية لشمال إفريقيا اتجاه غرب إفريقيا طبقا للمحددات العامة التالية:

-               التأثير والتأثر الاجتماعي والثقافي، بحيث أن الانصهار القبلي جعل من التلاقح بين الأنساب والثقافات أمرًا واقعًا بالنظر إلى المعطيات القبلية، ومثال ذلك تأثير قضية الطوارق على كل من الجزائر وليبيا، والهوية الأفريقانية على موريتانيا، إضافة للمشاكل التي كانت تعرفها الحدود الليبية التشادية والتي يمكن أن تعرف تجددًا في التأثير بعد تراجع نفوذ القوة المركزية في طرابلس.

-               التأثير السياسي، الذي من خلاله ترتبط بإشكاليات حقوق الأقليات والإدماج السياسي في المنتظمات العربية في شمال إفريقيا من جهة، وأيضا المواقف المتباينة من القضايا السياسية والاستراتيجية بين الدول العربية ودول غرب إفريقيا في المحافل الجهوية والدولية، وهو ما يؤثر على البناء الاقتصادي الذي يرتهن للمواقف السياسية ولا يستطيع تجاوزه نظرًا لطبيعة البنى السياسية غير الديمقراطية في الغالب.

-               التأثير الاقتصادي، حيث تعتبر المنطقة في علاقتها مع شمال إفريقيا مجالًا للامتداد الاقتصادي، لكن أيضا الإشكالات المرتبطة بكون الفضاء هو مجال جيوسياسي يخص قوى أخرى غير إقليمية، وما يجعل الارتباط لا يقوم على مفهوم الاندماج. ففي هذا الإطار التجاري والاقتصادي تتفاوت العلاقات التي تربط بين الدول العربية لشمال إفريقيا وغرب إفريقيا؛ ففي حين يعتبر المغرب أول مستثمر إفريقي بالمنطقة[4] هناك دول لا ترتبط مع غرب إفريقيا إلا بأسس ضعيفة. وسياسة المغرب مثلا هي نتيجة اعتماد تصور يجمع بين ترسيخ العلاقات الثنائية بعد انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984م، وكذا سياسة التجمعات الإقليمية؛ وهي على الخصوص اتحاد  المغرب العربي، المجمد منذ حادث أطلس أسني بمراكش الذي عقبه فرض التأشيرة من طرف المغرب على الرعايا الجزائريين، وتجمع دول الساحل والصحراء (CEN-SAD)، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO) ، والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا((UEMA، المجموعة الاقتصادية والنقدية لدول وسط إفريقيا(CEMAC) ، والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (COMESA)، ومجموعة تنمية دول إفريقيا الجنوبية (SADEC) والهيأة الحكومية للتنمية .(IGAD)

-               لقد تراجعت أدوار ليبيا الإفريقية بعد مرحلة القذافي التي كانت قائمة على ريع مالي بهدف جلب الولاء السياسي للقادة والمسؤولين الأفارقة، وهو عكس نهج المغرب مثلا القائم على مفهوم التنمية والاستقرار السياسي لدول غرب إفريقيا، ومع الاعتماد على الرأسمال الخاص، وخاصة في طاعات الفلاحة والبنوك والمعادن والسكن. كما أن حضور تونس والجزائر قائم على العلاقات السياسية، ومستوى التبادل مع هذه الدول يرتبط بالطاقة ويقوم على فرض المجال الاستراتيجي لتفادي انتقال المشاكل نظرًا للترابط الاجتماعي والثقافي، وهو ما يفسر أحيانا التدخل لفرض رؤى سياسية من طرف الجزائر مثلا في مالي على سبيل المثال[5]. ونفس الأمر يمكن أن يقال عن الاستراتيجية المصرية خاصة بعد أزمة الحراك العربي لما بعد 2011م، حيث تراجع الدور المصري بشدة في القارة وفي غربها على وجه الخصوص اعتبارا لكون شرق إفريقيا المجال الحيوي الطبيعي لمصر.

 

2- دول الخليج وغرب إفريقيا: الأدوار الاقتصادية المتجددة

تعتبر إفريقيا واحة لتنمية الاقتصاد الخليجي، فهي قارة تحقق نسبة نمو واعد يتجاوز عمومًا 5 بالمائة، وتتميز بموقعها الجغرافي، وتمتلك أكبر مخزون للعديد من الثروات والمعادن المهمة والنفيسة؛ فمن بين 50 معدنًا هامًا في العالم يوجد 17 معدنًا منها في إفريقيا باحتياطيات ضخمة. وهي تمتلك النسبة الأكبر من احتياطي "البوكسيت، والفروكروم، والكوبلت، والماس، والذهب، والمنجنيز، والفوسفات، والمعادن البلاتينية، والتيتانيوم، والفاناديوم".

وإلى غاية سنة 2008 م، كان حجم الاستثمارات الخليجية في إفريقيا يصل حوالي 25 مليار دولار، وبنسبة نمو سنوية لا تقل عن 10 بالمائة بينما في سنة 2000م، لم يتجاوز 7 مليارات دولار[6]. وإلى أواخر سنة 2014م، ارتفعت مساهمة الدول الخليجية في الاستثمار في البنية التحتية لوحدها في إفريقيا إلى حوالي 30 مليار دولار منها النصف في شكل مساعدات وقروض ومنح[7]. وقد زادت شركات دول الخليج نصيبها من مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا سنة 2014م، إلى 9.1 بالمائة وكانت المملكة العربية السعودية قد حازت على 11 مشروعًا بدل 3 حازتها في السنة السابقة، وفي الوقت الذي أصبحت فيه الإمارات رابع أكبر مصدر للمشاريع الاستثمارية في إفريقيا في نفس السنة حائزة على مرتبة أول مشغل بهذه القارة[8].

ويحقق الوجود الاستثماري الخليجي في إفريقيا عمومًا غايات متعددة:

-               يمكن أن يجعل القارة، وخاصة في غربها احتياطيًا غذائيًا لهذه الدول، وهو ما يضمن الأمن الغذائي لها؛

-               يجعل التحكم في الطرق البحرية التي تتحكم بدورها في خطوط النقل البحرية التي تتضمن تصدير الطاقة ولاسيما البترول، المصدر الأساسي للموازنات الاقتصادية لدول الخليج، أكثر أمانًا؛

-               يسهل تطبيق الرؤى الاستراتيجية الكبرى لهذه الدول في المجالات الاستراتيجية تبعًا للتحكم في المستوى الاقتصادي.

وعلى الرغم من بداهة هذا الطرح إلا أن دول الخليج تعترضها صعوبات متعددة، منها ما يرتبط بذاتيها ومنها ما يرتبط بطبيعة الاستثمار في منطقة غرب إفريقيا:

ففي المستوى الأول هناك توقع لانخفاض النمو في دول المجلس إلى 2.2 مقابل 3.1 في سنة 2015م، وذلك لا شك سيؤثر في حجم الحضور الاقتصادي الخليجي في القارة[9].

أما المستوى الثاني فهو مرتبط بطبيعة الدول التي تعنى بالاستراتيجية الخليجية حيث ضعف التكوين وضعف البنى التحتية وسوء التدابير الإدارية والبيروقراطية، وانعدام الاستقرار السياسي.

الجانب المهم في بنية الارتباط الاقتصادي السابق في ظل انعدام رؤية عربية شاملة، أو حتى خليجية، يبقى تنزيل الاستراتيجية وفقًا لرؤى القوى الكبرى المهيمنة، فيستحيل أن تنجح المقاربة العربية والخليجية دون الأخذ بعين الاعتبار مسألة التوافق مع تصور قوة من القوى الكبرى المهيمنة، وهي في هذه الحالة الولايات المتحدة الأمريكية والصين ودول الاتحاد الأوربي، خاصة أن منطقة غرب إفريقيا تستحوذ عليها الديانة الإسلامية التي تربط قهرًا بمسألة مكافحة الإرهاب، وهو ما يجعل أي رؤية ترتبط بالجانب الاستراتيجي العام الذي يقحم تصورًا أو تصورات القوى المهيمنة الكبرى السالفة الذكر.

 

ثانيًا: غرب إفريقيا في الرؤى استراتيجية للقوى الكبرى

 

تتراوح هذه الرؤى بين الرؤية الأمريكية، والرؤية الصينية، ورؤية دول الإتحاد الأوربي، وبذلك يمكن وضع التصور العربي والخليجي بالخصوص في نسق واحد من هذه الرؤى والتصورات، وتحديد جوانب التقارب والتمايز معها.

-               رؤية الولايات المتحدة الأمريكية: يعتبر تأمين مصادر الطاقة والمواد الخام من أهم ركائز استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تحتاج لجلب 25 %من استهلاكها اليومي من البترول من إفريقيا بحلول 2020م، كبديل عن نفط الشرق الأوسط بسبب ما تعتبره الإدارة الأمريكية واقعا يرتبط بالاضطرابات الأمنية هناك. ويتماشى ذلك مع التقرير الوطني حول السياسة الطاقية الذي صدر في سنة 2001م، من البيت الأبيض، الذي نوه بجودة وسهولة نقل الموارد الطاقية لخليج غينيا، وتوقع استيراد 25% من بترول إفريقيا في أفق 2025 م[10]. كما تصدر نيجيريا أكثر من %40 من إنتاجها النفطي نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يشكل نسبة %10 من الواردات النفطية الأميركية، وتسعى نيجيريا للارتقاء بدبلوماسيتها لتؤهلها لأن تكون الناطقة باسم إفريقيا[11].

إن هذا التناقض بين التصور الخليجي والأمريكي القائم حول الطاقة يوحي أن بناء أي تصور متجانس مع السياسة الأمريكية في غرب إفريقيا هو من قبيل التنسيق من أجل إنقاص الوجود الخليجي بالمنطقة، ذلك أن أصل التدخل الأمريكي في المنطقة قائم على التناقضات التي استنتجتها الولايات المتحدة الأمريكية في إطار علاقتها بدول الخليج على مستوى إنتاج الطاقة التي تعد العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي، وبالتالي لن تسمح الولايات المتحدة لدول الخليج بالتحكم أكثر في مصادر الطاقة البديلة التي ترهن اقتصادها[12].

-               الرؤية الاستراتيجية الصينية: تقوم بدورها على مركزية الطاقة وعلى رأسها البترول، ولقد بلغت من جهة، سنة 2010م، حاجة الصين 55% من البترول، و57% من الحديد، و70 % من النحاس و80% من الألمنيوم. كما ارتفع استهلاك الخشب من 7.2 إلى 30.4 مليون م3بين 1996 و2005م[13].

ومن جهة أخرى، ستنتقل الصين من استهلاك 3.5 مليون برميل يوميًا من النفط عام 2006م، إلى 13.1 مليون برميل عام 2030م، أي 80% من استهلاكها. وتستورد الصين نصف حاجياتها من النفط من الشرق الأوسط، وهو ما جعلها تبحث عن موارد جديدة، فإفريقيا التي تشكل 9%من الاحتياطي العالمي يمكنها حسب الصين أن تكون مصدرًا جديدا للطاقة[14].

لا يظهر إذن، أنه بالنظر للتصورات المتطرفة القائمة على بنية الطاقة، أن دول الخليج لها مكانة في الاستراتيجيتين الأمريكية أو الصينية في غرب إفريقيا.

-               الرؤية الاستراتيجية الأوربية: تقوم الاستراتيجية الأوربية على مقاربة تجمع بين التنمية والأمن، ويعتبر ذلك طبيعيًا بحكم القرب والتأثير النسبي الذي تمارسه هذه المنطقة على الازدهار الاقتصادي والأمن الاجتماعي بدول الاتحاد. وتنسج الاستراتيجية الأوربية ثلاثة محاور كبرى:

* ربط المشاريع والمقترحات التنموية بالرؤى والسياسات التعاونية الأمنية.

* تنزيل رؤى قائمة على دعم التعاون الإقليمي، وسعي الاتحاد أحيانا لتفعيل الاندماجات الاقتصادية بما يخدم التنمية التي تؤدي للاستقرار السياسي.

* بقاء مداخل التحكم في القدرات الاقتصادية والثروات الطبيعية لهذه الدول ونسج سياسات قائمة على الاستمرار في هذا التحكم.

وتجد دول الاتحاد من جهة أخرى مجموعة من المشاكل في تنزيل السياسات الأوربية بمنطقة غرب إفريقيا، لأنه من جهة يتضمن تناقضات كبيرة على مستوى تصور كل دولة من دوله على حدة، ولأنه يجابه تحديات عملية تهم أساس:

* مشاكل الحكامة وسبل التنمية وطرق حل النزاعات في مجال مستعصي بين الدواعي السياسية والثقافية والدينية؛

* أولوية المستوى الأمني يؤدي إلى إشكالات عملية في تنسيق السياسات وتوحيد التصورات، نظرا لتباين المشاكل من دولة لأخرى وصعوبة توحيد الرؤية؛

* النقص المهول في بنيات الأمن ونسيج دولة القانون القائمة على وجود مؤسسات قارة وانعدام الجاهزية والاستقرار السياسي.

* إشكال العنف الأصولي والديني الذي تداخل مع أبعاد جيوستراتيجية تتحكم فيها قوى محلية ودولية.

وتضع دول الاتحاد الأوربي إلى جانب ذلك سياسة قائمة على البعد التجاري والاقتصادي حققت تقدمًا أدى إلى ترابط كبير بين دول غرب إفريقيا ودول الاتحاد، نظرًا للعامل التاريخي الاستعماري والثقافي الذي يربط الجانبين[15].

خلاصة ما سبق أن الدول العربية ودول الخليج إذا كانت تتبنى رؤية تقوم على التعاون مع قوة دولية اقتصاديًا وسياسيًا فالأقرب لتنزيل رؤية متكاملة هو إطار الاستراتيجية الأوربية، نظرًا لارتباط الرؤية الأمريكية والصينية بالمقومات الطاقية ولنزعتها الأحادية وغير التعاونية، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار المعطيات التالية:

* أن الاستراتيجية الأوربية غير متجانسة وغير موحدة إلا في الجوانب الاتفاقية التي تحاول بدورها أن تحوز الريادة الاقتصادية بمنطقة غرب إفريقيا.

*أن دولا بعينها كفرنسا مثلا أكثر حضورًا من غيرها من دول الاتحاد الأوربي، وذلك راجع لعوامل تاريخية وثقافية واجتماعية ومصلحية.

* أن البعد الأمني يأخذ مكانًا أكبر في رؤية الدول الأوربية لمنطقة غرب إفريقيا.

* أن أوربا، وفرنسا على وجه التحديد، تجد حرجا في نسج سياسة تعاونية مع الدول الأخرى، وتعتبر نفسها أولى بتنفيذ السياسات الإقليمية، وأي تعاون يجب أن ينخرط لخدمة مصالحها أولا.

إذن هل يمكن للدول العربية أن تقيم سياسة خاصة ورؤية ذاتية حضارية بمنطقة غرب إفريقيا؟

الجواب إيجابي لعدة اعتبارات:

* كون المغرب يمكن أن يكون قاعدة لوضع استراتيجيات ناجحة لخبرته وعلاقاته مع دول المنطقة.

* وجود علاقات دينية وروابط اجتماعية قوية بين المنطقتين.

* نظرًا للإمكانيات المادية المتاحة وكثرة المجالات القابلة للاستثمار بالمنطقة وهو ما يدخلها في مقارنة بين الاستراتيجية السلمية التنموية للدول العربية والاستراتيجيات الاستغلالية للدول والقوى الكبرى.

 

ثالثًا: تهديدات إقليمية

 

كل التصورات التي يمكن نسجها استراتيجيًا بمنطقة غرب إفريقيا يعترضها نوع آخر من التهديد قادم من التسابق الذي بدأته منذ فترة طويلة كل من إيران وإسرائيل.

ترتكز السياستين الإسرائيلية والإيرانية في منطقة غرب إفريقيا على مقومات متشابهة، وعلى اختلاف في المنطلقات للتنزيل؛ ففي حين تلعب إسرائيل على وتر التنمية والانسجام والتبعية الاقتصادية، تضيف إيران لذلك البعد العقدي.

تقوم الدولتان معًا بإيفاد رجال السياسة ورجال الأعمال والتقنيين والمهندسين والأطباء قصد نسج علاقات ثقافية خاصة، وتقومان من جهة أخرى بإبرام عقود مرتبطة بقطاعات إنتاجية وتصدير السلاح أيضًا.

وتتنامى العلاقات التجارية بين إسرائيل وإيران من جهة ودول القارة من جهة أخرى في اتجاه يضمن ولاءات خاصة لهاتين الدولتين من طرف دول القارة، ناهيك عن الصراع للتحكم في الثروات الطبيعية التي تزخر بها القارة ولاسيما المعادن النادرة والنفسية.

ومن جهة أخرى، يمكن التأكيد على ضرورة إيلاء اهتمام خاص لمدخل الصراع الديني بين الإيرانيين والدول العربية السنية وعلى رأسها دول الخليج، حيث تستثمر إيران ما تسميه اتجاهات التطرف السني في إفريقيا للتحول نحو المذهب الشيعي، ويجد ذلك صدى مقبولا حتى لدى بعض القوى الدولية.

الخلاصة أن المدخل الأساسي للتعاون بين الدول العربية عمومًا ودول الخليج على وجه التحديد ودول غرب إفريقيا هو المدخل الاقتصادي الذي يشمل تعزيز الاستثمارات والتجارة الخارجية وكافة أشكال التعاون، نظرًا لكون المنطقة الأقرب لوضع رؤية محكمة تشمل أيضا التعاون في المجالات السياسية والأمنية الأخرى وهو ما سيعود بالنفع الكبير على اقتصاديات الدول العربية، ويساهم في تنويع مداخيلها المرتكزة بشكل كبير على النفط.

كما أن الاستراتيجية العامة يمكن أن تقوم على جناحين وقوتين؛ جناح غرب إفريقيا بالتركيز على مكامن قوة الدول العربية لشمال إفريقيا ولاسيما المملكة المغربية، وجناح شرق إفريقيا باستعادة الدور المصري التقليدي، لكن برؤى منطقية وقابلة للتحقيق وتنسيقية تأخذ بعين الاعتبار المحددات التي تنجح الاستراتيجية وتتجاوز العراقيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • أستاذ العلاقات الدولية، جامعة محمد الأول، وجدة، المملكة المغربية.

 

[1]- مع تحييد الدول الثلاث الأخيرة لعدم انسجامها مع التحديد الجغرافي المرتبط بغرب إفريقيا في علاقتها بالدول العربية نظرا لارتباطها بشرق إفريقيا أساسا.

راجع فيما سبق:

Mehdi Taje, « Sécurité et stabilité dans la Sahel Africain » ,college de defence de l’OTAN,NDC occasionel paper 19, Decembre 2006, p 6.

[2]- من هذه الآليات: الاستثمارات التكاملية في قطاعات الإنتاج الزراعي والبنية التحتية المصاحبة، والاستثمارات الداعمة كالبنى التحتية المرتبطة بشبكات الطرق والنقل والاتصالات والكهرباء والتعليم والصحة، والاستثمارات الإنتاجية خاصة في قطاع البترول والمعادن. وقد أنشأت الدول العربية لذلك عددًا من الصناديق للتمويل.

[3]- راجع في ذلك مثلا:

- إبراهيم حركات، طبيعة العلاقات المغربية مع إفريقيا الغربية، مجلة دعوة الحق، العدد 269، 1988.

- شوقي الجمل، الحضارة الإسلامية العربية في غرب إفريقيا؛ سماتها وانتشارها، مجلة الدراسات الإفريقية، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، عدد 8، 1979.

[4]- يعد المغرب ثاني أكبر مستثمر في إفريقيا بعد الصين بأكثر من عشرة مليارات دولار، وبمساهمة القطاع الخاص المغربي التي تقدر بنحو ملياري دولار في منطقة غرب أفريقيا تجعله أول مستثمر بهذه المنطقة قاريا.

وقد تنوعت الاستثمارات المغربية لتشمل الاتصالات والمصارف والتأمين والعقار والبناء والنقل الجوي والمعادن والكهرباء والصحة والصيدلة والتجارة والصناعة والإسمنت. وما يزيد عن 40 بالمائة من القروض في دول إفريقيا جنوب الصحراء ممنوحة من قبل المصارف المغربية.

راجع في ذلك: مجلة المالية، وزارة الاقتصاد والمالية، المملكة المغربية، مديرية الشؤون الإدارية والعامة، العدد 28، غشت 2015.

[5]- ترتكز استثمارات الجزائر في غرب إفريقيا والساحل أساسا في مشاريع نفطية توكل لشركة "سوناطراك" الوطنية، وذلك عبر عقود للتنقيب عن النفط في هذه الدول.

[6]- مداخلة رئيس مركز الخليج للدراسات في مؤتمر مجلس الغرف السعودية، 4-5 دجنبر 2010، الرياض.

[7]- دراسة قامت بها غرفة دبي وإيكونوميست، 30 شتنبر 2014.

[8]- غرفة دبي، الاستثمار في إفريقيا في 2014، لإفريقيا في أفق سنة 2016.

[9]- تقرير البنك العالمي، 2015.

[10]- يبلغ الاستهلاك اليومي للولايات المتحدة 20 مليون برميل من البترول.

[11]- هارون باه، دول غرب إفريقيا في ميزان الجيوبوليتيك، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا، 2007/2008، ص.37

ذكره: لحسن بسباس، الصراع الأمريكي الصيني في إفريقيا، رسالة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2015.

[12]- تقوم الإستراتيجية النفطية الأمريكية على عدة مبادئ أهمها:

- استخدام النفط كورقة مساومة لفرض الهيمنة الأمريكية على بقية الدول الكبرى كالصين واليابان وأوربا.

- الحصول على النفط بأسعار مناسبة رخيصة.

- تنويع مصادر النفط والطاقة؛ أي عدم الاعتماد بصفة أساسية على بترول الخليج الذي يشكل ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط وهنا نجد بحر قزوين الذي يقدر بحوالي 200 مليار برميل هو الداعم الأساسي لأمن طاقتها.

- حرمان أعداء واشنطن من تكنولوجيا النفط.

 المرجع السابق، ص 37.

[13]- Thierry VIRCOULON , «La nouvelle question sino africaine » Etudes 2007/5, Tome 407, p.452.

[14]- Stephanie HANSON ‘’China Africa and oil’’, council on foreign relations, Washington Post, 09/06/2008.

[15]- تم توقيع اتفاق الشراكة الاقتصادية في فبراير 2014 بين الجانبين، وهو يعد بحق تتويجا لمسار من التعاون والإعانات التي جمعت الطرفين، فغرب إفريقيا يمثل 38% من حجم التبادل التجاري بين الاتحاد ودول منطقة إفريقيا والكاريبي والباسيفيك (ACP)، ويعد السوق الأساسي لصادرات دول غرب إفريقيا خاصة المنتجات الفلاحية و والصيد البحري، وأول ممون لهذه الدول، فصادراته تقدر سنويا بحوالي 31 مليار أورو، بينما تقدر وارداته ب 37 مليار أورو.

- European Commission, L'Accord de Partenariat Economique avec l'Afrique de l'Ouest: Faits et chiffres, 18/09/2015.

مقالات لنفس الكاتب