نموذجان لمستقبل العلاقات السعودية - الإفريقية إفريقيا: الأكثر جذبًا لتحقيق الاستثمارات والمصالح الخليجية

الثلاثاء، 28 حزيران/يونيو 2016

حققت دول إفريقيا جنوب الصحراء في السنوات الأخيرة أقوى معدلات النمو وأدنى معدلات التضخم المسجلة منذ ثلاثين عامًا، وكثير من البلدان الإفريقية تجاوزت المرحلة الحرجة، وأنها في سبيلها لتحقيق معدلات نمو اقتصادية أشدّ ثباتًا وأكثر سرعة، وهي معدلات ضرورية لتخفيض مستويات الفقر المرتفع"، فقد سجلت إفريقيا معدل نمو متوسط بلغ 5,4% على مدى العقد الماضي.

اهتمت الدول الإفريقية بتهيئة بيئاتها الاستثمارية، وخاصة دول إفريقيا جنوب الصحراء التي ظلت تعاني أوضاعًا سياسية غير مستقرة، إضافة إلى ضعف معدلات النمو، وعدم ملاءمة كثير من السياسات الاقتصادية المطبقة فيها؛ لذلك سارعت الحكومات الإفريقية من خلال أجهزتها المعنية إلى إيجاد بيئة استثمارية مناسبة، فقامت بمراجعة سياساتها الاقتصادية، وسنَّت العديد من التشريعات والقوانين والأنظمة واللوائح الجديدة التي تشجع الاستثمار وتدعمه، واستحدثت الهيآت والمؤسسات التي تخطط له وتنظمه. ووضعت امتيازات كثيرة، منها: تيسير شروط الاستثمار وتخفيف القيود على تدفقاته، والحد من المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الاستثمارات، والشفافية في توفير المعلومات الضرورية للمستثمر وكسب ثقته، وتبسيط الإجراءات، وتقديم ضمانات متعلقة بنقل الأموال إلى الخارج، والإعفاءات من الرسوم الجمركية. وفي ظل هذه التوجهات الجادة للحكومات، وحرصها على جذب الاستثمارات الخارجية وتشجيعها، تسابقت الدول والشركات والمؤسسات نحو إفريقيا.

تهدف هذه الورقة إلىالتعرف على تطور حجم الاستثمار في إفريقيا والفرص الاستثمارية الأكثر جذبًا والتحديات التي تواجه الاستثمار في إفريقيا، وتقديم نماذج للاستثمارات الخليجية والسعودية في إفريقيا، وأخيرًا عرض عدد من السيناريوهات المستقبلية للعلاقات السعودية الإفريقية، وذلك من خلال النقاط التالية:

أولًا: الفرص الاستثمارية والقطاعات الجاذبة في إفريقيا.

ثانيًا: التحديات التي تواجه الاستثمار في إفريقيا وسبل مواجهتها.

ثالثًا: نماذج للاستثمارات الخليجية في إفريقيا.

رابعًا: نماذج للاستثمارات السعودية في إفريقيا.

خامسا: السيناريوهات المستقبلية للعلاقات السعودية الإفريقية.

 

أولًا: الفرص الاستثمارية والقطاعات الجاذبة في إفريقيا

يُشير تقريرُ الاستثمار الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD عام 2014م، إلى التنامي الواضح في مستويات الاستثمارات الموجهة للقارة الإفريقية رغم تواصل المعوقات السياسية والأمنية التي يفترض أن تعوق تدفق الاستثمارات إليها. وحسب التقرير، تضاعف حجم استثمارات القطاع الخاص في القارة خمس مرات خلال العقد الماضي، من 14 مليار دولار عام 2002 إلى 67 مليار دولار عام 2012م، بينما ارتفع حجم المعونات الحكومية من 18 مليار دولار إلى 43 مليار دولار خلال الفترة نفسها. وبلغت قيمة الاستثمارات الواردة إلى القارة الإفريقية 57 مليار دولار عام 2013م، وشهد العام نفسه زيادةً في صفقات الدمج والاستحواذ لتسجل ألف صفقة، بقيمة إجمالية 30 مليار دولار. وتبرز في هذا الإطار دول البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا) التي تشكل مصدراً لأكثر من ربع الاستثمارات في القارة.[1]

وقد حدث تحول تدريجي من التركيز على قطاعات الصناعات "الاستخراجية" والمتعلقة بمصادر الطاقة والموارد الطبيعية، إلى قطاعات الصناعات الاستهلاكية. جاء هذا التحول مدفوعًا بنتائج التنمية الاقتصادية في الدول الإفريقية، وزيادة الكثافة السكانية، واتساع نطاق الطبقة الوسطى، مما ساهم في رفع مستويات المعيشة، وأحدث تحولا في أنماط الاستهلاك. فتنامت قطاعات الصناعة الاستهلاكية بمقدار 30% خلال العقد الماضي، لتصل إلى قاعدة تشمل 120 مليون مستهلك. ساهم ذلك في تدفق الاستثمارات إلى قطاعات الزراعة، وتصنيع المواد الغذائية، وتكنولوجيا المعلومات، والسياحة، والخدمات المالية، وتجارة التجزئة. وانعكست هذه التحولات على الاستثمارات الموجهة إلى مشروعات البنية التحتية. فيلاحظ زيادة الاستثمارات بالقطاعات الخدمية (التشييد، والنقل، والتخزين، والاتصالات، وخدمات الأعمال، وإمدادات المياه والكهرباء والغاز) إلى 8,1 مليار دولار عام 2013م، مقارنة بـ 3,2 مليار دولار عام 2012م. كما ازدادت الاستثمارات الموجهة إلى القطاعات التصنيعية إلى 7,6 مليار دولار مقارنة بـ 4 مليار دولار عام 2012م. لكن الاستثمارات في الصناعات القائمة على الموارد الطبيعية مثل الصناعات البترولية، تراجعت بنسبة 70%، لصالح زيادة الاستثمارات في قطاعات صناعية أخرى، أبرزها النسيج، وصناعة السيارات.[2]

ويعرض الشكل البياني التالي تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر لإفريقيا وفقا للقطاعات عام 2014م، ويتضح من الشكل أن قطاع الخدمات يحتل المرتبة الأولى حيث يمثل 48% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا عام 2014م، يليه قطاع التصنيع يمثل 31%، ثم قطاع السلع الأساسية 21%، والقطاعات الأخرى 1%.

 

شكل رقم (1) الاستثمار الأجنبي المباشر وفقا للقطاعات في إفريقيا عام 2014

United Nations Development Program, African Economic Outlook 2015, Regional Development and Spatial Inclusion, (New York, UNDP, 2015).

 

وتتمثل الفرص الاستثمارية الأكثر جذبا في إفريقيا في قطاع الاتصالات ويرجع ذلك إلى انخفاض المخاطر في هذا القطاع مقارنة بغيره من قطاعات البنية التحتية. هذا بالإضافة إلى قطاع النقل حيث تستقطب الموانئ اهتمام الشركات يتبعها قطاع الطيران وبدرجة أقل بناء المطارات والطرق. ولعل أبرز المشروعات في هذا القطاع، إدارة موانئ دبي العالمية لمحطة حاويات دوراليه عام 2000م، حيث استثمرت موانئ دبي العالمية 1,5 مليار دولار مما جعل جيبوتي التي تعتبر البوابة البحرية لأثيوبيا، ثالث أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا، وجعلها تساهم بحوالي ربع الناتج المحلي الإجمالي في جيبوتي. كما تابعت موانئ دبي العالمية الاستثمار في الموانئ في الجزائر ومصر والسنغال وموزمبيق، مما منحها تغطية واسعة في جميع أنحاء القارة وعزز من تكامل الاقتصادات الإفريقية ضمن منظومة التجارة العالمية. كما أن إمكانات قطاع البنية التحتية تبعث على التفاؤل، فلا تزال هناك فجوة تمويلية تتمثل في الحاجة لنحو 93 مليار دولار سنويًا لتلبية احتياجات البنية التحتية للقارة الإفريقية حتى عام 2020م، في حين أن نصف هذا الرقم متوفر حاليًا، وفقا لبنك التنمية الإفريقي.[3]

ويعتبر سوق الصكوك في إفريقيا سوقًا ناشئًا متواضعًا، حيث يشكل 0.6% فقط من إجمالي إصدارات الصكوك العالمية القائمة. ومع ذلك، فقد توقع العديد من المؤسسات، بما في ذلك وكالة "ستاندرد آند بورز"، والمركز الماليزي المالي العالمي أن تسجل سوق الصكوك في إفريقيا نموًا محتملًا.[4]

إن البلدان الإفريقية تمتلك موارد كبيرة في جميع المجالات مثل: الموارد المعدنية والنفطية، والموارد الزراعية، والموارد السمكية، وموارد الغابات، إن هذه الموارد تمثل مجالات استثمارية قوية، بجانب فرص أخرى متاحة في مجال بناء المنشآت الأساسية والبنية التحتية، كبناء الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ، وتوليد الكهرباء والسدود والخزانات وإمداد الماء.

وتعد الموارد البشرية من أهم مجالات الاستثمار التي تقاس بها ثروة الأمم، وقد أصبح العنصر البشري ودرجة كفاءته هو العامل الحاسم لتحقيق التقدم، وإفريقيا التي يبلغ عدد سكانها قرابة 1,17 مليار نسمة، لا يزال الاستثمار فيها محدودًا في مجال التنمية البشرية، برغم اهتمام بعض الجهات المستثمرة بالتنمية الحضارية للمجتمع، والبيئة والصحة، وزيادة معرفة الفرد، والارتقاء بدرجة وعيه وقدراته عن طرق التعليم والتدريب. وبالنسبة للموارد الأخرى غير البشرية، فإن إفريقيا التي تتميز بموقعها الجغرافي، وبمساحة إجمالية تبلغ 30,190 مليون كم2، وتمتلك أكبر مخزون للعديد من الثروات والمعادن الاستيراتيجية، فمن بين 50 معدنًا هامًّا في العالم يوجد 17 معدنًا منها في إفريقيا باحتياطيات ضخمة. فهي تمتلك النسبة الأكبر من احتياطي "البوكسيت، والفروكروم، والكوبلت، والماس، والذهب، والمنجنيز، والفوسفات، والمعادن البلاتينية، والتيتانيوم، والفاناديوم".[5]

كما أنها تتمتع بإمكانيات هائلة في مجال الزراعة، تؤهلها لأن تكون سلة الغذاء العالمي كما يرى كثير من الخبراء؛ فهي تشتهر بمواردها المائية حيث يجري فيها 13 نهرًا ، هي: (زامبيزي، شيري، بونجولا، لونجوا، أوجوي، نهر ساند، ليبمبوبو، روفيجي، أوكافانجو، مارا، فكتوريا، النيل، أوليفانتس)، وأطولها نهر النيل الذي يبلغ طوله 6695 كم)، إضافة إلى ارتفاع معدلات سقوط الأمطار في بعض مناطقها المناخية المتنوعة، ومخزونها الضخم من المياه الجوفية، وتقدّر الطاقة الكامنة للريّ في القارة الإفريقية بأكثر من 42,5 مليون هكتار، مع مراعاة الطاقة الكامنة للريّ لكلّ من الأحواض والموارد المائية المتجددة. ونظرًا لاتساع رقعة إفريقيا الجغرافية فإنها تتميز بتنوع أقاليمها المناخية، وبمستويات ونوعيات مختلفة من التربة الغنية، وبمواسم زراعية متنوعة، وهو ما يجعل منها " بيئة ملائمة لزراعة وإنتاج جميع المحاصيل والحبوب والخضروات. وتقدر نسبة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة فيها بحوالي 35% من إجمالي مساحة القارة، يستغل منها 7% فقط في الزراعة بشتى أنواعها، ولا تزيد مساحة الزراعة المروية في الجزء الواقع جنوب الصحراء من إفريقيا عن 50 كم2 من إجمالي 23 مليون كم2. فإن الاستثمار في المجال الزراعي يعد من أفضل الخيارات التي تقدمها إفريقيا للمستثمرين للإسهام في تحقيق النمو الاقتصادي والأمن الغذائي في إفريقيا.[6]

وفي مجالات الطاقة ومصادرها، فرغم ضخامة الطاقة الكهرومائية الكامنة في إفريقيا، والتي تناهز 1750 تيراواط ساعة، ورغم إمكانية ضمان أمن الطاقة من خلال توليد الطاقة الكهرومائية، إلا أنه لم يُستغلّ سوى 5% من هذه الطاقة الكامنة. أما بالنسبة للنفط والغاز فيقدر الخبراء حجم النفط الإفريقي ما بين 7 – 9% من إجمالي الاحتياطي العالمي، أي ما يوازي 80 -100 مليار برميل خام، حيث تنتشر حقول النفط داخل القارة في كثير من دولها وعلى شواطئها الغربية، وهو الأسهل والأسرع في استخراجه، بحيث تصبح مشتقاته جاهزة للتحميل والتصدير مباشرة، وهو ما يحقق وفرًا اقتصاديًا، ويعد النفط الخام المستخرج من إقليم خليج غينيا من النوعية الممتازة.[7]

تحرص إفريقيا في مجال الصناعة على تعميق وتطوير شراكات استثمارية، وقد جاء مؤتمر القمة الإفريقية العاشر تحت شعار "التنمية الصناعية في إفريقيا"، تأكيدًا لأهمية التوجه نحو تطوير قطاع الصناعة الذي لا يزال الاستثمار فيه ضعيفًا؛ حيث إن "مخرجات القطاع الصناعي بالقارة لا تتعدى 2% من الإنتاج العالمي، وصادراتها الصناعية تبلغ 1% فقط من إجمالي الصادرات العالمية"، فالقطاع الصناعي في إفريقيا أكثر القطاعات حاجة إلى الإمكانات الفنية والمالية، والمعلومات والخبرات حول تنفيذ البرامج الخاصة بالتنمية الصناعية.[8]

وعن توزيع الاستثمارات على مستوى الأقاليم الفرعية في القارة، يلاحظ تراجع معدلات جذب الاستثمار في أقاليم شمال وغرب ووسط إفريقيا، لأسباب تتعلق إما بالقلاقل السياسية والأمنية، أو غموض الإجراءات والتشريعات الاقتصادية، مقابل تناميها في أقاليم جنوب وشرق إفريقيا. فقد تراجعت الاستثمارات في إقليم شمال إفريقيا بنسبة 7%، ولكن هناك مؤشرات على عودة مرتقبة وقوية للاستثمارات. كما تراجعت الاستثمارات في غرب إفريقيا بنسبة 14% لتسجل 14,2 مليار دولار عام 2014م. وتعتبر الأوضاع في نيجيريا سببًا رئيسيًّا في ذلك التراجع، بسبب عدم وضوح القواعد الحاكمة لقطاع الصناعات البترولية، بالإضافة إلى استمرار توتر الأوضاع الأمنية. وانخفضت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في وسط إفريقيا بنسبة 18% لتسجل 8,2 مليار دولار، بسبب استمرار القلاقل السياسية والنزاعات المسلحة في دول مثل جمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونجو الديمقراطية.[9]

في المقابل، تزايدت الاستثمارات بنسبة 15% و50% في شرق وجنوب إفريقيا على التوالي. فقد ساهم صعود كلٍّ من كينيا وإثيوبيا في شرق إفريقيا كمراكز جديدة للأعمال في انتعاش الاستثمارات التي بلغت 6,2 مليار دولار. واتجهت الاستثمارات في كينيا إلى مجالات الطاقة التقليدية، والمواصلات، بالإضافة إلى القطاع الصناعي، وكانت الاستثمارات الصينية هي الأبرز في إثيوبيا. وفي الإقليم الجنوبي توالى تدفق الاستثمارات إلى جنوب إفريقيا وموزمبيق.[10]

ثانيًا: التحديات التي تواجه الاستثمار في إفريقيا وسبل مواجهتها

تبرز قضية البنية التحتية الضعيفة في معظم الدول الإفريقية كأبرز التحديات، وبشكل خاص ما يتعلق بتدهور الطرق التي تربط بلاد القارة بعضها ببعض، وفي قطاع الطاقة يعتبر التحدي الرئيسي هو ضعف الطاقة الكهربائية المتاحة وارتفاع أسعارها. ويمثل تجاوز هذه المعضلة في إفريقيا، خاصةً فيما يتعلق بمشروعات البنية التحتية التي تشترك فيها أكثر من دولة، تحديًا كبيرًا نظرًا للتعددية الكبيرة التي تتميز بها القارة، والتي بها 34 لغة رسمية، والعشرات من اللهجات المحلية، وأكثر من 40 عملة، بالإضافة إلى التفاوت الكبير في القدرات المالية والبنية المؤسسية القائمة بين دولها، وكذلك غياب مؤسسات لها القدرة على تنفيذ الاتفاقيات المشتركة في مجال مشروعات البنية التحتية.[11]

من ناحية أخرى، فإن اعتماد القارة على تصدير المواد الأولية يجعلها عرضة للتأثر بتقلبات أسعار هذه المواد في السوق العالمية، والذي يرتبط بعوامل خارج نطاق القارة نفسها. وتشير دراسة للبنك الدولي حول النمو الاقتصادي في إفريقيا إلى أنه إذا تراجع طلب الصين على المواد الأولية، مثل النحاس الذي يمثل الطلب الصيني عليه 45% من إجمالي الطلب العالمي، بينما يستمر إنتاجه في الارتفاع؛ فإن أسعار النحاس قد تتراجع بشكل حاد، مما يكون له آثار سلبية شديدة على الدول التي تعتمد على تصديره. ولهذا فإن تحقيق التنوع في صادرات دول القارة، والبعد عن الاعتماد على تصدير المواد الأولية، خاصة البترول؛ يُعد من أهم التحديات التي يجب أن تواجهها لمواصلة نموها الاقتصادي.[12]

تتسابق الدول نحو إفريقيا في تنافس محموم، في مقدَّمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والصين وروسيا إضافة إلى إيران وتركيا وماليزيا والهند وكوريا وتايوان والبرازيل، جميعها تسعى للنفاذ إلى ثروات القارة، وخاصة مصادر النفط فيها. وقد سارعت الولايات المتحدة في محاولتها لتعزيز السيطرة على النفط الإفريقي من خلال المجلس الاستشاري لإفريقيا، وهو تحالف يضم شركات أمريكية عملاقة، ويعد هذا المجلس شريكًا أصيلاً للحكومة الأمريكية في كل ما يخص إفريقيا، وهو وراء تضخم الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط في غرب إفريقيا حتى تجاوزت 7 مليار دولار بعد أن كانت مليارًا واحدًا في بداية التسعينيات. كما دعا أفارقة إلى إعداد إستراتيجية إقليمية وقارية للعلاقة مع الصين لتجنب الاختلال في علاقاتهما الثنائية مشيرين إلى أن "الاستثمارات الصينية مرتبطة بالاحتكارات الكبرى للدولة الصينية" وأنها تركز على قطاع المناجم والمسح الجيولوجي أو على البنية التحتية.[13]

سبل مواجهة التحديات

إن تحقيق الاستفادة القصوى من الاستثمار الخارجي في تطوير الاقتصاد وتحقيق ثباته واستقراره في الدول الإفريقية، يتطلب وضع إستراتيجية شاملة وسياسات راشدة توجه تدفقاته، ومن ذلك وضع محددات وشروط أساسية أهمها:

• التعاون مع الدول الإفريقية كمجموعة واحدة يتم التنسيق بينها من خلال استراتيجية تنموية متوازنة ومتكاملة للقارة عبر مؤسساتها القارية كمفوضية الاتحاد الإفريقي وغيرها.

• ربط الاستثمارات الخارجية بخطط التنمية المحلية للاستفادة منها بصفتها موارد تمويلية، وتحقيق التوازن والتكامل بينها وبين الخطط الإستراتيجية للدول، وبينها وبين الاستثمارات المحلية.

• توظيف الاستثمارات للمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة، وتنفيذ المشرعات الاستراتيجية، وخاصة ما يتعلق بالأمن الغذائي والبنية التحتية لإفريقيا.

• المشاركة في تنمية رأس المال البشري في الدول الإفريقية من حيث التخطيط والتنمية والتوظيف.

• المساهمة في تحقيق الجانب الأمني للمجتمعات الإفريقية بمعالجة المشكلات المزمنة كالفقر، والبطالة، والمرض، وتوفير الخدمات الأساسية لحياة الإنسان.

• وضع الموازنة السليمة لتدفقات رؤوس الأموال الخارجية بالنسبة للناتج القومي الإجمالي، تجنبًا لتعرض اقتصاديات الدول الإفريقية للانهيار في حال انسحاب هذه الأموال عند ظهور أية بوادر لعدم الاستقرار، مع التركيز على الاستثمارات طويلة الأجل.

• إتاحة الفرص على نطاق واسع للشراكة مع القطاع الخاص في التخطيط والتنفيذ لتلك الاستثمارات.[14]

 

ثالثإا: نماذج للاستثمارات الخليجية في إفريقيا

لقد أدركت دول الخليج العربي أنه لتحقيق الأمن الغذائي فلا بد أن تتجه إلى التنمية الزراعية، وهو ما جعل الخيار الاستراتيجي للخليج هو تحقيق تنمية زراعية بشراء الأراضي أو تأجيرها أو توجيه الاستثمارات نحو دول حوض النيل. فبادرت المملكة العربية السعودية بإعلان أنها على استعداد لشراء المياه من أية دولة بها فائض مائي، وتعدى هذا الأمر إلى شراء الأراضي أو تأجيرها، لاسيما في القارة الإفريقية، مع توجه السياسات الإفريقية نحو الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

ولهذا رأت دول الخليج أن تدفع مواطنيها وشركاتها للاستثمار الزراعي صوب دول حوض النيل، وعقد اتفاقيات شراكة مع عدد من التجمعات الاقتصادية الإفريقية، مثل الكوميسا التي تضم 19 دولة إفريقية في شرق وجنوب القارة. وتداعت إلى عقد مؤتمر الاستثمار الخليجي الإفريقي الأول بالرياض، في أبريل 2010م، بمشاركة سبع دول إفريقية منها تنزانيا، وكينيا، والكونغو الديمقراطية. ونظمت غرفة تجارة وصناعة الشارقة، في فبراير 2009م، لقاءات في كل من كينيا وإثيوبيا، بهدف تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وأهمها المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، والبدء في مشاريع ومبادرات بين رجال الأعمال والهيآت الاقتصادية، وتشجيع التبادل التجاري على نطاق واسع، وكذا في المجال الزراعي.[15]

وتستحوذ كل من الإمارات والسعودية على أكثر من 40% من التدفقات الواردة إلى إفريقيا من الدول العربية. وتصدرت الإمارات مجموعة الدول العربية في هذا المجال، بقيمة 10.5 مليار دولار، وبحصة بلغت 21,6%، تليها السعودية في المركز الثاني بقيمة 9,3 مليار دولار، وبحصة بلغت 19,2%.[16]

تشهد الاستثمارات الخليجية في مجال الغذاء في دول إفريقيا تناميًا كبيرًا منذ عام 2008م، عقب الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء على أصداء الأزمة المالية العالمية. وتبدو الإستراتيجية التي وضعتها دول الخليج التي تقوم على شراء أراضي في بعض الدول الإفريقية بحيث تستفيد هي كمستثمر وتفيد الدول التي تشتري فيها هذه الأراضي، وتأتي أثيوبيا على رأس قائمة هذه الدول بسبب ارتفاع عدد سكانها الذين يقيمون في مناطق ريفية ويعملون بالزراعة. وحظت السودان باهتمام خليجي كبير، حيث بادر عدد كبير من رجال الأعمال الخليجيين إلى شراء مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية موزعة على معظم ولايات السودان. حيث يمتلك السودان حوالي 48% من جملة الأراضي الزراعية في الوطن العربي، أي نحو 90 مليون هكتار.[17]

وتُعد الاستثمارات الزراعية الإماراتية هي الأكبر بين دول الخليج العربي في السودان، حيث تُقام على مساحة كبيرة تقارب المليون فدان في عدة ولايات، أهمها مشروع زايد الخير على مساحة 40 ألف فدان في ولاية الجزيرة. كما أن شركة الروابي الإماراتية تعمل أيضًا في شمال السودان بالتعاون مع الهيأة العربية للاستثمار الزراعي.[18]

كما قامت حكومة قطر بتأسيس مشروع مشترك مع الحكومة السودانية لإنتاج القمح والذرة والحبوب الزيتية. وقد وقع مستثمرون كويتيون من القطاع الخاص اتفاقًا مع حكومة السودان لاستزراع نحو 40 ألف فدان في ولاية النيل الأبيض. وفي إثيوبيا يقوم عدد من رجال الأعمال السعوديين بالاستثمار في الأراضي الزراعية بمساحات كبيرة تقارب عشرة ملايين فدان. وفي دلتا نهر تانا بكينيا، تمكنت مؤسسة قطرية من الحصول على 140 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، من خلال صفقة وُقعت عام 2008م، حيث تتمكن قطر بموجبها من حق استغلال هذه الأراضي، بينما تحصل كينيا على تمويل قطري لاستكمال منشآت بحرية.[19]

رابعًا: نماذج للاستثمارات السعودية في إفريقيا

تسعى المملكة العربية السعودية في الفترة الراهنة إلى تطوير حجم ومجالات علاقاتها مع العديد من الدول الإفريقية، لتحقيق جملة من الأهداف السياسية والإستراتيجية والاقتصادية منها: الحفاظ على أمن البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي، وهي مناطق حيوية للأمن القومي السعودي، خلق مناطق نفوذ ذات تأثير في المنظمات الإقليمية والدولية، تحقيق مصالح اقتصادية يتوفر من خلالها الأمن الغذائي السعودي.

وتتمتع السعودية بموارد مالية ضخمة، سواء الاحتياطات المالية للدولة، أو الثروات الخاصة للأفراد والمؤسسات، وتسعى لإيجاد فرصًا مناسبة للاستثمار في الخارج. ويعتبر خبراء اقتصاد أن السعودية تمثل شريكًا مثاليًا لدول شرق إفريقيا، منها خمس دول هي: أثيوبيا، أوغندا، تنزانيا، كينيا، جيبوتي، وتعتبر الدول الإفريقية الخمس، سوقًا ضخمة تضم نحو 190 مليون مستهلك، وهي أسرع الاقتصادات الإفريقية نموًا، وهي في حاجة ماسة إلى استثمارات ضخمة تساعدها على تفعيل طاقتها ومواردها، وتمكنها أيضًا من خلق فرص عمل للمواطنين، نظرًا إلى كونها من أكثر الدول تمتعًا بالاستقرار السياسي والأمني.[20]

إن الاستثمار السعودي في السودان غطى جميع المجالات، خاصة المجال الزراعي والصناعي والخدمي، حيث تعد السعودية صاحبة أكبر الاستثمارات الزراعية في السودان، منها شركة سكر كنانة واستثمارات سليمان الراجحي في الزراعة والصناعة، بجانب استثمارات صالح كامل. وتوجهت الاستثمارات السعودية الزراعية في السودان لنحو 250 ألف فدان في ولاية نهر النيل، وشمال السودان. وقد تمكنت مجموعة حائل للتنمية الزراعية السعودية من استغلال نحو 10 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية السودانية المطلة على نهر النيل. وعمومًا تعد السعودية شريكًا استراتيجيًا أصيلا للسودان في استثماراته، كما أن السودان بما لديه من موارد طبيعية خاصة في مجال الزراعة، هو الأكثر تأهيلًا ليس فقط لسد فجوة العالم العربي الغذائي التي فاقت الـ40 مليار دولار، بل لسد جزء كبير من الفجوة الغذائية العالمية، وذلك بالتضامن مع رؤوس الأموال العربية الشقيقة.[21]

      إن السعودية تدعم عملية زراعة الأعلاف في الخارج ومن ثم جلبها إلى الأسواق المحلية، مما يشجع المستثمرين للدخول في هذا الاستثمار. وتعتبر الدول الإفريقية لها الأفضلية لدى المستثمر السعودي، خاصة في السودان وإثيوبيا وبعض الدول التي تتمتع بمزايا نسبية في وفرة المياه وملائمة المناخ. كما التزمت السعودية بضخ 109 مليار دولار لتطوير 41 جيجاواط من الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وإفريقيا كجزء من خطة واسعة النطاق لنشر 54 جيجاواط من الطاقة النظيفة بحلول عام 2032، ومن المتوقع نمو استثمارات الطاقة المتجددة في دول إفريقيا جنوب الصحراء وبخاصة جنوب إفريقيا وكينيا وإثيوبيا.[22]

       يعد الاستثمار السعودي في أثيوبيا واحدًا من أكبر الاستثمارات في منطقة شرق إفريقيا، حيث تنتج أحد الشركات السعودية في أثيوبيا ما يزيد على عشرة آلاف طن من البن من مزارعها التي تبلغ 25 ألف هكتار في جنوب إثيوبيا وتصدر 70% من الإنتاج للخارج. وتستثمر السعودية بكثافة في مجالات البناء والزراعة والتعدين والفنادق والمستلزمات الطبية والصحية والتعليم في إثيوبيا، ومن المجالات التي تشهد نموًا إنتاج الشاي، ويتوقع أن تبلغ عائدات شركة «سعودي ستار» 60 مليون دولار عام 2016م، بعد الانتهاء من إقامة نظام للري المتقدم في هذه الأراضي، وتصدير 60% من الأرز المنتج إلى الدول العربية. وقد عقدت السعودية نحو 16 اتفاقية زرعت بموجبها 1.713.357 هكتار خمس اتفاقيات منها في إثيوبيا وحدها، بالإضافة إلى السودان والسنغال وجنوب السودان.[23]

خامسًا: السيناريوهات المستقبلية للعلاقات السعودية ــ الإفريقية

من المتوقع أن تزداد كثافة العلاقات السعودية الإفريقية بشكل عام لتفعيل منظومة الشراكة مع الدول الإفريقية، رغبة في تحقيق مصالحها الإستراتيجية، التي تتمثل في إيجاد سوق لمواد خام رخيصة، ومصدر لعمالة أقل أجرًا، وتحقيق هدفها في مراقبة الإنتاج النفطي عن قرب في الدول الإفريقية، وهناك سيناريوهان محتملان للعلاقات المستقبلية بين السعودية والدول الإفريقية.

1-  السيناريو الأول: نجاح التجربة السعودية في تفعيل وتنويع علاقاتها بدول القارة الإفريقية خاصة أنها تمتلك الدور الديني، والقوة الاقتصادية، والدور الإقليمي، والثقل الدولي الذي يؤهلها للقيام بدور القائد للعلاقات العربية الإفريقية، وذلك من خلال زيادة حجم التبادل التجاري والتركيز على الفرص الاستثمارية الأكثر جذبًا في إفريقيا.

2-  السيناريو الثاني: تشكيل تحالف عربي في القارة الإفريقية يتكون من مصر-السعودية – الإمارات، وهذا التحالف يحمل عناصر النجاح والاستمرارية لعدة أسباب منها غياب التعارض في المصالح الإستراتيجية والاقتصادية بين الدول الثلاث، وهو الأمر الذي يضمن التنسيق والفاعلية لتحركاتها مجتمعة، والدرجة العالية من التنسيق الاستراتيجي بين الدول الثلاث في العديد من الملفات الإقليمية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدرس اقتصاد – معهد البحوث والدراسات الإفريقية ــ جامعة القاهرة

 

 

 

الهوامش

 

[1]United Nations Conference on Trade and Development: World Investment Report 2014, Investing in The SDGs: an Action Plan, (New York and Geneva: United Nations, 2014), P. 37.

 

[2] Common Market for Eastern and Southern Africa, Report of the Twenty-Ninth Meeting of the Trade and Customs Committee, (Kampala, Uganda: COMESA Secretariat 24 - 27 June, 2013(, P.3.

 

[3]United Nations Conference on Trade and Development: Op.Cit., p. 38.

 

[4] United Nations Development Program, African Economic Outlook 2015, Regional Development and Spatial Inclusion, (New York, UNDP, 2015), P. 70.

 

 [5] تقرير بعنوان "البيئة الاستثمارية في إفريقيا وكالة انباء الصين الجديدة / شينخوا".

 

[6] البنك الدولي: تقرير "توسيع نطاق النمو ومواصلته في إفريقيا" http://go.worldbank.org/J7TZWQ6KG

 

 [7] مجلة قراءات إفريقية - العدد الرابع - سبتمبر 2009م.

 

[8]مذكرة المؤتمر الثامن عشر لوزراء الصناعة الإفريقيين24 - 28 أكتوبر 2008م دوربان، جنوب إفريقيا.

www.africa-union.org

 

[9]United Nations Conference on Trade and Development: Op.Cit., p. 42.

 

[10] http://www.rcssmideast.org/Article

 

[11] د. سالي محمد فريد: العلاقات الاقتصادية المصرية الإفريقية: الفرص والتحديات، التقرير الاستراتيجي الإفريقي 2011-2012، (جامعة القاهرة: معهد البحوث والدراسات الإفريقية، 2013)،ص105.

 

[12] المرجع السابق مباشرة، ص 106.

 

[13] النفط والدولار.. ومهمة تسليح الدول الكبرى إعداد: علي الطالقاني شبكة النبأ المعلوماتية-الخميس 20 آذار/2008 - 12/ربيع الأول/1429.

 

 [14] المقومات الاقتصادية ومتطلبات الاستثمار في دول إفريقيا، الدكتور: علي محمد سعود.

 

[15] جامعة الدول العربية: موسوعة التكامل الاقتصادي العربي الإفريقي

http://cert.byethost6.com/asleague/pgs/details3d04.html?id=238&ckattempt=1

 

[16] http://www.cnbcarabia.com/?p=173001

 

[17] جامعة الدول العربية: مرجع سبق ذكره.

 

[18] وزارة الاقتصاد بالإمارات http://www.economy.gov.ae/Arabic/Pages/default.aspx

[19] جامعة الدول العربية: مرجع سبق ذكره.

 

[20] http://www.sauress.com/alhayat/70587

 

 [21] إدارة الترويج والاستثمار، نقطة التجارة السودانية، التكتلات الاقتصادية منظومة الكوميسا، التقرير 23 (الخرطوم: إدارة الدراسات، 2013)، ص 25.

 

[22] تحقيق الأمن الغذائي بقلم د.جون اسفكياناكيس مدير عام وكبير الاقتصاديين لمجموعة ساب (البنك السعودي البريطاني) الرياض الاقتصادي الاثنين 24 ربيع الآخر 1430هـ - 20 ابريل 2009م - العدد 14910.

 

[23]https://fuad1983.wordpress.com/2015/

مقالات لنفس الكاتب