الخليج وإفريقيا: الفرص والتحديات

الأربعاء، 29 حزيران/يونيو 2016

اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي بإفريقيا جنوب الصحراء ليس جديدًا، حيث هناك العديد من الروابط التاريخية، الجغرافية، الدينية، والثقافية وغيرها من الأواصر التي تجمع بين الطرفين منذ القدم والتي توثقت بعد الإسلام، ثم زادت قوتها في التاريخ الحديث والمعاصر، كون إفريقيا جاره لدول مجلس التعاون الخليجي وللدول العربية عامة، إضافة إلى كونها ثاني أكبر قارة في العالم من حيث المساحة، وتضم 53 دولة ويقطنها ما يقترب من مليار نسمة، وتعد سوقًا استهلاكيًا واسعة، وتضم بين جنباتها الكثير من الفرص الاستثمارية المتاحة والممكنة، وأيضًا لثقلها السياسي على المسرح الدولي، إضافة إلى الاهتمام الدولي والإقليمي الذي يزداد بهذه القارة الغنية بالموارد الطبيعية المهمة، وذات الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية.

ولعل دعم دول الخليج وفي مقدمتها السعودية لحركات التحرر الإفريقية منذ ستينيات القرن العشرين يعد أحد وجوه هذا الاهتمام الذي سرعان ما تحول إلى الدعم المادي والاقتصادي وتطوير الخدمات والمرافق بما يخدم التنمية في إفريقيا عند بداية الطفرة النفطية في منتصف سبعينيات القرن العشرين حيث أسست الدول الخليجية الصناديق التنموية بغرض تقديم المساعدات والمنح والقروض للعديد من الدول النامية وفي مقدمتها الدول الإفريقية بشقيها العربي وجنوب الصحراء، وعلى سبيل المثال قام الصندوق السعودي للتنمية منذ عام 1975م، ومازال بتمويل الكثير من المشروعات في 44 دولة إفريقية بمبالغ اقتربت من 23 مليار دولار، وقدمت الصناديق التنموية في دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت بدعم مماثل، إضافة إلى الدور المتميز الذي يقوم به البنك الإسلامي للتنمية في تقديم القروض والمنح غير المستردة للدول الإفريقية، وكذلك جهود هيأة الإغاثة الإسلامية العالمية، والجمعيات الخيرية.

وأولى مركز الخليج للأبحاث أهمية كبيرة للعلاقات الخليجية مع إفريقيا جنوب الصحراء وخصص برنامجًا لهذه العلاقات أثمر عن عقد مؤتمرين الأول في كيب تاون بجنوب إفريقيا في فبراير 2009م، تحت عنوان (الخليج وإفريقيا: استراتيجية جديدة)، والثاني بالرياض في ديسمبر 2010م، تحت عنوان (الاستثمار الخليجي ـ الإفريقي : تعزيز العلاقات الاقتصادية) وشارك فيه 4 رؤساء دول إفريقية و40 مسؤولاً رفيعي المستوى من مختلف دول جنوب الصحراء، وتمخض عن هذا المؤتمر العديد من المقترحات والتوصيات المهمة التي تؤسس لشراكة على كافة الجوانب الاقتصادية بما يعزز الاستثمارات المشتركة ويزيد من حجم وقيمة التبادل التجاري بين الجانبين.

وعلى المستوى الرسمي، شهدت العلاقات الخليجية ـ الإفريقية اهتمامًا كبيرًا منذ مطلع العام الماضي حيث استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ  20 رئيسًا إفريقيًا زاروا المملكة، كما شهدت الفترة ذاتها توقيع العديد من الاتفاقيات مع الدول الإفريقية، إضافة إلى مشاركة 10 دول إفريقية في المناورة العسكرية الكبرى (رعد الشمال) التي استضافتها المملكة العربية السعودية العام الحالي وتم تنفيذها في حفر الباطن بمشاركة 20 دولة إسلامية أي نصف الدول التي شاركت في المناورة كانت إفريقية، كما أن ثلاث دول إفريقية شاركت في عاصفة الحزم ووافقت دولة رابعة على المشاركة وهي السنغال، وهذا يؤكد أن التحديات والأهداف مشتركة، وأن التعاون والتلاحم بين المملكة ودول الخليج من ناحية، ودول القارة الإفريقية من جهة أخرى مطلب للطرفين.

 ونعتقد أن هذا التعاون المهم يمثل بداية مشجعة للتكامل الخليجي ـ الإفريقي يجب البناء عليه وتطويره نظرًا للعديد من الاعتبارات والمنافع المتبادلة للجانبين الخليجي والإفريقي معًا، فعلى صعيد التعاون الاقتصادي: تشرع القارة السمراء أبوابها للاستثمارات الخارجية خاصة الاستثمار الزراعي والصناعات الغذائية والتعدين واستكشاف واستخراج النفط والغاز، إضافة إلى كونها سوقًا واسعة للتسويق والاستهلاك، في حين دول مجلس التعاون الخليجي تبحث عن مثل هذه الفرص خاصة لتوفير احتياجاتها من الغذاء والمحاصيل الزراعية، كما لديها خبرات متراكمة في صناعة النفط، وكذلك لديها قدرات كبيرة في إعادة التصدير إلى القارة السمراء.

والبعد الأمني في العلاقة الخليجية ـ الإفريقية غاية في الأهمية أيضًا خاصة بعد زيادة رقعة الإرهاب وانتشاره في العديد من الدول الإفريقية لا سيما التنظيمات الإرهابية الخطيرة العابرة للحدود والمرتبطة بقيادات وفروع دولية. لذلك يجب تكثيف التعاون الأمني والاستخباراتي لمواجهة هذه الظاهرة التي أخذت تتنامى جنوب الصحراء الإفريقية وشمالها.

العلاقات العسكرية بين الطرفين لا تقل أهمية عن التعاون الأمني خاصة أن هناك تجارب ناجحة بين بعض دول الخليج والدول الإفريقية في مجال التصنيع العسكري ومنها تجربة المملكة العربية السعودية مع جنوب إفريقيا التي جاءت في وقت تسعى فيه دول مجلس التعاون إلى توطين الصناعات العسكرية، إضافة إلى ضرورة العمل المشترك لتأمين مضيق باب المندب ومدخل البحر الأحمر وخليج عدن حيث توجد جهود دولية محمومة للتواجد العسكري خاصة في شرق إفريقيا هذه المنطقة التي تعد من أهم حلقات الأمن الخليجي والعربي.

ويأتي ذلك في ظل توجه دول مجلس التعاون الخليجي إلى تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الاقتصادية والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، وهو ما ترجمته رؤية 2030 التي طرحتها المملكة العربية السعودية وتعمل بجدية على تنفيذها حيث تعتمد على التوسع في الاستثمارات الداخلية والخارجية وتحقيق زيادة معدلات النمو، والاستمرار في تحقيق الرفاهية دون الاعتماد على النفط كسلعة وحيدة أو رئيسية في الدخل الوطني.

ولتفعيل الشراكة مع إفريقيا جنوب الصحراء من الضروري وضع أسس لهذه الشراكة بين الحكومات عبر اتفاقيات بعيدة المدى تؤطر لمنع الازدواج الضريبي، والتحكيم، وانتقال رؤوس الأموال، والسلع، والعمالة، وتفعيل دور القطاع الخاص وتحفيزه للاستثمار في إفريقيا على ضوء استراتيجية واضحة المعالم وليس مجرد اجتهادات فقط من بعض شركات القطاع الخاص.

ومن الضروري أن تقوم جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي برفع مستوى التنسيق مع الاتحاد الإفريقي لتعزيز التعاون العربي والخليجي الجماعي وفقًا لرؤية تخدم الأمن الجماعي لا سيما أن هناك تواجد دولي وإقليمي متعدد الأوجه والأبعاد والأهداف لتحقيق غايات دينية، وطائفية، وعرقية علاوة على المصالح السياسية والاقتصادية في إفريقيا جنوب الصحراء وهذا يؤثر بشكل مباشر على الأمن العربي والخليجي والأمن الإقليمي برمته نظرًا لحساسية وأهمية الموقع الجغرافي للقارة الإفريقية وقربها من الممرات الملاحية الدولية وبذلك لا بد أن تكون إفريقيا في صلب التخطيط الاستراتيجي الخليجي نظرًا لأهمية المنافع وخطورة التحديات.

وفي بعدها الاستراتيجي، فإن تطوير العلاقات الخليجية – الافريقية يهدف إلى احتواء التمدد الإيراني في القارة السمراء، حيث عملت طهران خلال العقدين الماضيين على توسيع دائرة نفوها السياسي، والثقافي، وركزت بشكل خاص على النشاطات التبشيرية ذات الصبغة الطائفية.   

  ــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس مركز الخليج للأبحاث 

مقالات لنفس الكاتب