العدد 110

بعد تجربة 20 عامًا من العمل الدبلوماسي في الأرجنتين .. السفير فؤاد ناظر: الاستثمارات الزراعية الناجحة في أمريكا اللاتينية تقودها الحكومات والصناديق السيادية الخليجية

الأربعاء، 03 آب/أغسطس 2016

السفير فؤاد ناظر أحد القامات الدبلوماسية التي عملت لسنوات طويلة في المجال الدبلوماسي وفي العديد من بلدان العالم في مسيرة بدأت منذ عام 1984م، ولذلك يحمل الكثير من الذكريات وله رؤية واضحة حيال العلاقات العربية الدولية وتجاه العلاقات العربية ـ العربية، كما أنه يحمل وجهة نظر مهمة حول كيفية تطوير وتفعيل الشراكة العربية ـ اللاتينية كونه قضى 20 عامًا سفيرًا للمملكة العربية السعودية في الأرجنتين، وفي هذا الصدد يرى أن تطوير العلاقات العربية ـ اللاتينية ضرورة لاستعادة قوة هذه العلاقات التي تراجعت وكذلك لملء الفراغ الذي تركه العرب وملأته قوى أخرى لها أجنداتها الخاصة وفي مقدمتها إسرائيل، ويرى أن الاستثمارات الزراعية الخليجية في أمريكا اللاتينية عامة والأرجنتين خاصة مهمة جدًا لتوفير احتياجات السوق الخليجي من الغذاء ، لكنه يوصي بضرورة وضع خطط متكاملة لهذه الاستثمارات تقودها الحكومات الخليجية لدعم الاستثمارات الحكومية ولدعم القطاع الخاص وتبصيره وإرشاده نظرًا لبعد المسافة بين المنطقتين، إضافة إلى حواجز اللغة والثقافة وضعف حركة النقل .. وإلى نص الحوار مع سعادة السفير فؤاد ناظر حول أمريكا اللاتينية:  

*كيف بدأت علاقتكم بالدبلوماسية عامة ثم الأرجنتين خاصة؟

ـــ بدأت العمل الدبلوماسي عام 1948م، وكانت البداية موظف بسفارة المملكة العربية السعودية في لندن ثم بعد 8 سنوات عدت إلى المملكة، ثم التحقت بالبعثة الدبلوماسية السعودية بالأمم سنة 1955م، وفي 1956م، شاركت في افتتاح السفارة السعودية في إسبانيا وعملت بها سكرتير أول لمدة أربع سنوات ، وبعد ذلك عملت مستشارًا بالمملكة وفي ديسمبر عام 1960 م، تعينت ولمدة عام رئيسًا للتشريفات الملكية في عهد جلالة الملك سعود بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ ثم رجعت مرة أخرى لوزارة الخارجية  وفي نهاية عام 1960م، عينت سفيرًا للمملكة في بلجيكا ولمدة 8 سنوات وعملت خلالها أيضًا سفيرًا  لدى السوق الأوربية المشتركة وأصبحت بعدها سفيًرا بهولندا أيضًا، ثم سفيرًا في القاهرة من عام 1971م، وحتى عام 1976م، ثم من عام 1977م، وحتى عام 1999م، سفيرًا للمملكة في الأرجنتين.

*ما هي ذكرياتكم عن الأرجنتين؟

ـــ الأرجنتين دولة كبيرة جداً من حيث المساحة وقد حباها الله طقسًا يضم الفصول الأربعة في دولة واحدة مترامية الأطراف ومتنوعة التضاريس، فالمسافة بين شمالها إلى جنوبها تصل إلى 6 ساعات بالطائرة أي كالمسافة ما بين لندن وجدة، وقد حاولت كسفير الاستفادة من المنتجات والعمل على تصديرها إلى المملكة العربية السعودية خاصة الإنتاج الحيواني لكن في البداية كانت عملية استيراد لحوم الخراف الحية من الأرجنتين تجد بعض الصعوبات، التي حاولت بالتعاون مع الحكومة الأرجنتينية تجاوزها.

*كيف كانت تجربتكم في تنمية العلاقات بين المملكة العربية السعودية والأرجنتين وهل وجدت صعوبة في تحقيق ذلك؟

ــ نحن حاولنا فعلًا تحقيق ذلك لكن كانت هناك صعوبات نظرًا لطبيعة الحكومات العسكرية التي كانت تحكم في تلك الفترة ثم وصل إلى السلطة فيما بعد الحزب البيروني، وبصفة عامة كان الرؤساء الأرجنتينيين دائمًا يعطون الأولوية للأوضاع الداخلية أكثر من العلاقات الخارجية خاصة الأوضاع الاقتصادية الداخلية، إضافة إلى السياسات النمطية غير المرنة المتعلقة بتصدير اللحوم والمنتجات الزراعية، لكن بصفة عامة الشعب الأرجنتيني لديه رؤية جديدة تجاه الدول العربية ويشعر إننا شعوب تنتمي إلى ظروف متشابهة وهناك من التعاطف الشعبي تجاه القضايا العربية.

ويظل الشعب هناك يكن كل التقدير والاحترام للمملكة العربية والدول العربية عمومًا حيث تضم الأرجنتين ما بين 7 و9 ملايين نسمة من أصول عربية خاصة المنحدرين من بلاد الشام ولبنان،  والجالية العربية موجودة هناك منذ أكثر من 100 عام، وكانت اللغة العربية منتشرة في الأرجنتين حتى داخل البرلمان، ووصل العديد منهم إلى المناصب القيادية ومنها منصب رئيس الجمهورية ومن بينهم الرئيس الأسبق كارلوس منعم الذي تعاملت معه مباشرة وكان متعاون معي واستطعنا في عهده أن نحصل على قطعة أرض متميزة وأقمنا عليها مسجداً وهو تعود جذوره إلى أسرة عربية مسلمة، وكان متعاطفًا مع الإسلام والمسلمين وبعد تسلمه السلطة أدخل تعديلات على الدستور سمحت لأي شخص يترشح للرئاسة سواء كان مسلمًا أم مسيحيًا أم يهوديًا.

لكن كانت الجاليات العربية في السابق أفضل مما هي عليه الآن حيث كانت هناك صحف ومجلات تصدر باللغة العربية، بل كان هناك بنك سوري لبناني لكن ذلك اختفى فيما بعد، وفي المقابل كانت دولة الأرجنتين ودول أمريكا اللاتينية مدافعة بقوة عن القضية الفلسطينية، لكن فتر هذا الاهتمام بعد أن فترت الهمم العربية أساسًا مقابل توغل إسرائيل في الأرجنتين بشكل ملفت وواضح.

والأرجنتين كانت ذات اقتصاد قوي خاصة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين وكانت الدولة السادسة في العالم وساعدت أوروبا في الأزمة الاقتصادية والغذائية آنذاك لكن للأسف تغيرت الظروف مع تغييرات الأنظمة الحاكمة هناك.

* متى بدأ التواجد الإسرائيلي هناك وما هي معالمه وتأثيره؟

ــ بدأت إسرائيل تولي اهتمامًا بدول أمريكا اللاتينية منذ سبعينيات القرن العشرين بوجه خاص، ومن ثم تغلغل نفوذها في دوائر كثيرة منها الدوائر المالية وقطاع البنوك ووسائل الإعلام، في حين لا نجد العرب في مثل هذه الدوائر.

ولقد استغلت إسرائيل الغياب أو الفراغ العربي وتمددت بشكل كبير وكونت جماعات ضغط مؤثرة، ومع ذلك ورغم هذا النفوذ الإسرائيلي القوي، فالشعب الأرجنتيني لا يحب الإسرائيليين كثيرًا ولديهم قبول أكثر للعرب، لكن العرب أنفسهم غابوا عن ساحة التأثير، والتغلغل الإسرائيلي فرض نفسه في دوائر المال والأعمال والثقافة والطب  والترفيه وغير ذلك من المجالات الحيوية.

* ما هو المطلوب من العرب في المرحلة القادمة للتواجد في الأرجنتين خاصة وأمريكا اللاتينية عامة؟

هذا السؤال يجب أن يجيب عليه العرب، لكن هنالك بعض الدول العربية لديها رغبة في التعاون مع دول أمريكا اللاتينية ومنها دول الخليج العربية وخاصة المملكة العربية السعودية، وهذا ما أكدت عليه مؤتمرات القمم العربية ـ اللاتينية التي عقدت خلال العقد الأخير بين الجانبين.

وتوجد حاليا رغبة سعودية وخليجية للاستثمار الزراعي خارج الحدود ودول أمريكا اللاتينية على رأس قائمة الدول المرشحة لهذا النوع من الاستثمار وبالفعل لقد حاولنا منذ زمان ولكن كانت هناك عوائق منها المسافة البعيدة وعائق اللغة ومشكلة الاستثمارات الفردية التي لا تستطيع الدخول في استثمار مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

مع العلم أن القوانين المحلية هناك تشجع على الاستثمار الأجنبي وتملك الأراضي الزراعية حيث المسموح حاليًا بشراء ألف هكتار ومع ذلك تعمل الحكومة الحالية على تطوير هذه القوانين لجذب مستثمرين جدد.

* ما هي أنواع الزراعات المناسبة للتربة والمناخ في الأرجنتين وتصلح لزراعة ما تحتاجه المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي؟

ــ الأراضي والمناخ في الأرجنتين تساعد على زراعة العديد من المحاصيل التي تحتاجها منطقة الخليج ومنها الصويا، والقم، والذرة، والتفاح، والعديد من أنواع الفاكهة والثمار، وتوجد نماذج ناجحة للاستثمار الزراعي السعودي في دول أمريكا اللاتينية فمثلا شركات الشربتلي تستثمر في شيلي الملاصقة للأرجنتين وتمون السوق السعودي المحلي بحوالي 75% من الفواكه، وأيضًا شركة زيني تمون السوق السعودي بحوالي 60 % من الخضار وكل هذا قادم من أمريكا اللاتينية، لكن بموضوعية على الأرجنتين عبء مهم لتطوير ثقافتها وقوانينها المتعلقة بالتصدير والاستثمارات الخارجية.

* بماذا تنصح الجانب السعودي والخليجي في التوجه للاستثمار في الأرجنتين؟

ــ من الضروري التوجه بجدية من جانب الحكومات الخليجية لدعم القطاع الخاص من حيث إبرام الاتفاقيات مع الجانب الأرجنتيني لحماية المستثمرين ، أو تواجد استثمارات تابعة للصناديق السيادية الخليجية حيث المطلوب استثمارات كبيرة خاصة في المجال الزراعي الذي يتطلب مساحات شاسعة حتى يكون المردود مناسب , أنا أعتقد في شركات ومسؤولين في وزارة الزراعة بالمملكة ذهبوا خلال الخمس والست سنوات الماضية، ولذلك يجب تكثيف هذه الزيارات للوفود الحكومية والغرف التجارية والمستثمرين مع الاستفادة من التجارب الوفود السابقة حيث سبق أن زارت وفود من رجال الأعمال السعوديين الأرجنتين أكثر من مرة ولكن محاولاتهم لم تكن ناجحة بنسبة كبيرة، والآن يجب الاهتمام بهذا الجانب خاصة أن دول الخليج هي الأكثر احتياجًا لهذه الاستثمارات وليس الجانب الأرجنتيني. والمهم أن تكون لدينا رؤية للاستثمارات في هذه الدول وخطط مدروسة وليس مجرد استثمارات فردية أو عشوائية.

 وأكرر المطلوب دعم القطاع الخاص السعودي والخليجي للتوجه للاستثمار في أمريكا اللاتينية فهذا القطاع يحتاج إلى دفعة وعزيمة للعمل وعلى الأقل يجب أن نوفر ما نستهلك من سلع أساسية مثل القمح والحبوب، وعليه يجب أن ندخل في شراكة استراتيجية مع دول أمريكا اللاتينية، وعلى الغرف التجارية دور مهم أيضًا في استكشاف الفرص وتحليلها وتوجيه المستثمرين وعقد مؤتمرات للتعريف بالفرص الاستثمارية والقوانين والتشريعات لدى الجانبين

*بعد تجربة 20 عامًا سفيرًا للسعودية في الأرجنتين بماذا توصي لتفعيل التعاون بين الجانبين في المجال الاستثماري؟  

ــ اقترح أن يزور وفد حكومي دول أمريكا اللاتينية خاصة الأرجنتين، وأن يرافقه وفد من القطاع الخاص، وممثلين عن مجلس الغرف التجارية الصناعية بتوجيه ودعم من سمو ولي ولي العهد رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية لاستكشاف الفرص والتهيئة للقطاع الخاص وهذا الوفد يقدم تصورًا كاملًا مع مقترحات لوضع رؤية استثمارية واضحة أمام القطاع الخاص أو الصناديق السيادية للاستثمار في أمريكا اللاتينية.

*بعد هذه التجربة الدبلوماسية التي بدأت قبل منتصف القرن العشرين .. هل نحن نحتاج إلى تجديد الخطاب الديني والثقافي مع الآخر؟ 

ــ نعم وبكل تأكيد لكي نؤثر في الأخير ونزيل الحواجز والعوائق ونستطيع أن نكسب الجاليات العربية في الخارج والأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين العرب إلى الدول الأجنبية حتى يستمر التواصل، وفي ذات يوم سألت الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم: عندما تنظر إلى المرآة هل ترى وجهك العربي أم الأرجنتيني؟ فقال أرى وجهي الأرجنتيني وذلك لعدم التواصل مع أحفاد وأبناء الجاليات العربية في المهجر.

مجلة آراء حول الخليج