العدد 110

الدول العربية لم تحقق الاستفادة من جالياتها وقوتها الناعمة التعاون الثقافي اللاتيني ــ العربي: من منظور برازيلي

الأربعاء، 03 آب/أغسطس 2016

في عملية شابها قدر كثير من الاضطرابات والنزاعات تم إقصاء ديلما روسيف، رئيسة البرازيل المنتخبة، عن منصبها للمثول أمام القضاء، وذلك ردًا على الاتهامات التي وجهت إليها بالتلاعب بالمال العام والمطالبة بإقالتها. وتبعًا لذلك تم تعيين نائبها، عضو الكونجرس البرازيلي ذو الأصول اللبنانية، والبالغ من العمر 75 عامًا، ميشال تامر، رئيسًا مؤقتًا. وفى تلك المساء احتفلت مدينة باتابورا الصغيرة، الواقعة شمال طرابلس بلبنان، باعتلاء أحد أبنائها منصب الرئيس لإحدى بلدان أمريكا اللاتينية.

إلا أن الرئيس المؤقت ميشال تامر لا يعد أول رئيس ذو أصول عربية في منطقة أمريكا اللاتينية، فهناك العديد من الرؤساء ممن حكموا بلدان مثل كولومبيا وهوندوراس والأرجنتين والسلفادور، ينحدرون من أصول عربية. بل في الواقع من السهل تحديد العديد من الأسماء التي تنتمي إلى عائلات فلسطينية أو سورية أو لبنانية ممن يحتلون مراكز مرموقة، ليس على الصعيد السياسي فقط، بل كذلك في قطاعات الأعمال والفنون والعمل الخيري، وذلك في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، خاصة الأرجنتين وتشيلي والبرازيل. فالمنطقة اللاتينية تضم أكبر عدد من السكان العرب خارج منطقة الشرق الأوسط. ومعظمهم يأتي من لبنان وفلسطين وسوريا. ويرجع ذلك إلى موجة الهجرة التي وقعت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما هاجر العديد من المسيحيين والمسلمين تاركين الإمبراطورية العثمانية المتداعية، باحثين عن بيئة أكثر تسامحًا، والتي عثروا عليها في نهاية المطاف.

وقد تكيف المهاجرون العرب بسهولة مع بلدان أمريكا اللاتينية، على الرغم من الفروق الثقافية واللغوية. ويحتج بعض الباحثين بأن الإرث الأيبيري للمنطقة (نسبة إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، والتي كانت تسمى شبه جزيرة الأندلس أو شبه الجزيرة الأندلسية أثناء فترة الحكم الإسلامي للأندلس، وتقع في الجزء الجنوبي الغربي من قارة أوروبا. تتكون من إسبانيا والبرتغال وأندورا ومنطقة جبل طارق)، والتأثير الكامن للمغرب العربي بها جعل تلك البلاد مألوفة للمهاجرين. وعليه فقد ازدهرت عائلات عربية كثيرة على الصعيد التجاري، خاصة مجال صناعة المنسوجات، وأضحوا أعضاء فاعلين في المجتمع، واكتسبوا نفوذًا بالغًا داخل وخارج مجتمعاتهم. وفى إطار من الحوار الثقافي، استطاعوا التكيف مع بلادهم الجديدة، مستفيدين من بيئة تتسم بمزيد من التسامح وتهب لهم مزيدًا من الفرص والإمكانيات. وقد أضافوا بدورهم لمستهم الخاصة إلى تلك البلاد، سواء بصورة مباشرة من خلال إدخالهم لمهارات جديدة و المساهمات الإبداعية والأعمال الخيرية والمبادرات المدنية، أو بشكل غير مباشر من خلال إضافة آفاق وأراء وعادات جديدة إلى ثقافة تلك البلاد، فثقافة الدولة والكيفية التي تراها بها بقية الدول تعد عاملاً أساسيًا في رسم هويتها وسمعتها. وهنا يبقى السؤال: لماذا تحمل ثقافة الدولة أهمية كبيرة لسياستها الخارجية؟

في أواخر الثمانينيات لفت الباحث في العلاقات الدولية، جوزيف ناي، الانتباه إلى نموذج القوة الدولية الذي لا يعتمد على الوسائل القهرية، وقد صاغ تعبير القوة الناعمة في مقابل المقدرة العسكرية والاقتصادية: وقد رأى البروفيسور ناي أنها تعد عاملاً رئيسيًا في التأثير الكبير للسياسة الخارجية خلال الحرب الباردة، إذ كانت ترتكز على الثقافة والقيم والسمعة، وتعتمد على وسائل الجذب أكثر من وسائل القوة.  وفى الوقت نفسه، أكد باحث آخر في العلاقات الدولية على أهمية الدور الذي تلعبه الثقافة في العلاقات الدولية، قائلاً بأن كلا من ثقافة الدولة وهويتها القومية يتم صياغتهما على أسس اجتماعية، ويخضعان لعمليات من التغيير وإعادة التشكيل بشكل مستمر. ويتعارض المنهج البنائي (the constructivist approach ) مع النظرية الواقعية أو المؤسساتية (Realist or Institutionalist theorists) وكليهما يتجاهلان الثقافة والهوية بوصفهما عوامل مساهمة في السياسة الخارجية، أو ينظرون إليها بوصفها عوامل غير متغيرة. وقد أصبحت عوامل الثقافة والهوية في عصر الثورة المعلوماتية أكثر تعقيدًا وأهمية، ويمكن لنا أن نفهم من خلالهم العلاقات الثقافية بين أمريكا اللاتينية والبلاد العربية: كيف هي الآن، وما هي آفاقها المستقبلية ؟.

 

وغالبًا ما يهتم التبادل الثقافي بنشر اللغة والفنون والتعليم. وهو أيضًا أداة لتحفيز الحوار السياسي والاقتصادي، وتعزيز التفاهم والثقة المتبادلين، بما يتيح الفرصة للتعاون في بقية المجالات الأخرى. وقد يشمل التعاون الثقافي المنظمات متعددة الأطراف، مثل منظمة اليونسكو، والمنظمات الإقليمية أو تلك المبنية على أساس اللغة، مثل مجموعة الدول الناطقة باللغة البرتغالية (CPL). ويمكن أن يشمل كذلك البرامج  والمشروعات الثنائية، والتي تتم غالبًا من خلال القنوات الثقافية في السفارات والقنصليات، أو في المعاهد اللغوية والثقافية المتخصصة. ومع ذلك يمكن للتعاون الثقافي أن ينبثق عن المبادرات غير الحكومية، والكثير منها بدأها أعضاء من المهجر، وقد حملت تأثيرًا بالغًا سواء في بناء السمعة أو تدميرها.

وتعد الجالية العربية في أمريكا اللاتينية هي المسؤولة عن العديد من المبادرات التي كان لها تأثير كبير، سواء تمت بدعم حكومي أو بدونه. فعلى سبيل المثال  تم تنظيم مهرجان السينما اللاتينية العربية الدولي من قبل مؤسسة أرجنتينية غير حكومية، يرأسها شاب ينحدر من أصول لبنانية. ومنذ عام 2011م، أخذ المهرجان في عرض الأفلام العربية في بوينس آيرس، وهو الآن يعرض كذلك الأفلام اللاتينية في البلاد العربية. وعلاوة على ذلك، دخلت تلك المؤسسة في شراكة مع مؤسسات برازيلية مثل المعهد الخاص للثقافة العربية في البرازيل (Icarabe )[1]، بهدف توسيع نطاق المبادرة إلى الدول اللاتينية الأخرى، وكذلك استثمرت جهودها في مجال التبادل الأكاديمي بين المعاهد والجامعات السينمائية.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى دور البرامج التليفزيونية، حيث تم عرض المسلسلات الفنزويلية والمكسيكية والبرازيلية في العديد من الدول العربية ودول شمال إفريقيا، حيث لاقت نجاحًا كبيرًا، بما تعرضه من قيم ونمط الحياة اللاتينية المعاصرة. وفي الآونة الأخيرة تم كذلك عرض مسلسلات تركية على قنوات تليفزيونية لاتينية مثل مسلسل "فاطمة جول" و "سيلا" و " سجين الحب" حيث لاقت أيضًا نجحًا كبيرًا.

وعلى الرغم من أن برامج التبادل الأكاديمي والشبكات التليفزيونية تعد واحدة من أكثر الأساليب التقليدية للتعاون الثقافي، فهناك عدد قليل نسبيًا من المبادرات المنظمة بين الجانبين: فلا يوجد في البلدان العربية إلا جامعتين فقط تضمان مراكز بحثية مخصصة للدراسات التي تهتم بشؤون دول أمريكا اللاتينية، وكلتاهما متصلتان بأحد أعضاء هيأة التدريس من المهاجرين، وليس ببرنامج بحثي ممنهج تابع للمؤسسات الرسمية. وعلى الجانب الآخر تضم جامعات أمريكا اللاتينية أكثر من عشرة مراكز بحثية تهتم بدراسة الشؤون والثقافة العربية. وبينما تعد المبادرات القائمة على التعاون المشترك قليلة، إلا أن إنشاء " شبكة الأبحاث متعددة التخصصات المهتمة بدراسة العالم العربي وأمريكا اللاتينية العربية"( RIMAAL)[2] يعد إشارة إيجابية على الاهتمام المشترك من الجانبين، خاصة في مجالي العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتعد قوة جذب المؤسسات الأكاديمية عاملاً جوهريًا في تقييم القوة الناعمة[3]، ومن هنا تتضح أهمية دعم البرامج المتبادلة بين تلك المؤسسات. فعلى سبيل المثال نجد "المدينة التعليمية"[4] ، أحد الانجازات البارزة لدولة قطر، تستضيف العديد من جامعات أمريكا الشمالية  في ضواحي مدينة قطر، وتَعقِد المؤتمرات الدولية حول الانجازات الإبداعية، مانحةً جوائز ضخمة للممارسات التعليمية المميزة، بما فيها تلك التي تقدمها دول أمريكا اللاتينية.

 

وتتسم الدبلوماسية الثقافية المغربية فيما يخص دول أمريكا اللاتينية بملمحين رئيسيين: أولهما إنشاء مركز محمد السادس لحوار الحضارات في كوكيمبو (تشيلي)، وثانيًا معهد دراسات أمريكا اللاتينية المقترح إنشاؤه في مدينة طنجرة، بالتعاون مع الأرجنتين، وذلك ضمن الفعاليات الثقافية لقمة الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية ( ASAP).  ويعد مركز محمد السادس لحوار الحضارات مجمعًا ثقافيًا يتألف من مسجد ومركز ثقافي، وقد بُني على الطراز التقليدي للعمارة المغربية، ويتم تكريسه للأنشطة الثقافية، بدعم من السفارة ووزارة الثقافة المغربية.

 

وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، اضطرت المملكة العربية السعودية ودول أخرى في المنطقة للتعامل مع الصور النمطية التي تم ربطها بالإسلام والدول العربية. وقد حاولت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة بما لها من مكانة بوصفها قوة اقتصادية وإصلاحية في المنطقة، أن تفرض وجودها بشكل أقوى على الساحة الدولية، فأصبحت عضوًا في مجموعة العشرين، ساعيةً إلى تنمية المزيد من العلاقات خارج النطاق الإقليمي. وانطلاقًا من دورها الدبلوماسي قامت السعودية بدعم إنشاء المنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية[5]، والتي يقع مقرها الرئيسي في بوينس آيرس بالأرجنتين، وهي تهدف إلى الجمع بين المؤسسات الإسلامية في دول أمريكا اللاتينية. وهناك كذلك "جمعية الصداقة بين تركيا والأرجنتين ( ATFF)"، وهي منظمة غير حكومية و مقرها بوينس آيرس، حيث أقامت تلك الجمعية "مركز ألبا للحوار بين الثقافات"[6] ، المُستَوحَى من أفكار الكاتب والمعلم التركي فتح الله جولين. ويهدف مركز البا إلى تعزيز التعاون والاحترام وتنمية التبادل الثقافي من خلال الحوار بين الأديان.

 

البرازيل والبلاد العربية: تعاون ثقافي بين بلدان الجنوب؟

تضم البرازيل ما يقدر بنحو 16 مليون شخص من أصول عربية، بما يجعلها الجالية العربية الأكبر على مستوى العالم. وتتألف غالبيتها من اللبنانيين والسوريين . ويعيش معظم المهاجرين وذرياتهم في مقاطعة ساو باولو وفي منطقة الحدود الثلاثية بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي. ومن بين الموجات العديدة من المهاجرين، تشكلت الموجة الأولى بشكل أساسي من المسيحيين الذين غادروا بلادهم-خاصة من سوريا ولبنان وفلسطين- بحثًا عن فرص اقتصادية أفضل، وابتعادًا عن الاضطهاد الديني من الإمبراطورية العثمانية. و في أوائل القرن العشرين امتدت أيضًا موجات الهجرة إلى منطقة الأمازون، حيث تمكنوا من تأسيس مجتمع تجاري متماسك، وقد جالوا خلال العديد من المناطق في البرازيل بوصفهم تجارًا، وعلى الرغم من تمركزهم حاليًا في ساو باولو والمنطقة الجنوبية، فإن أحفادهم متواجدين في كافة المناطق البرازيلية تقريبًا.

وقد كان معظم المهاجرين يعملون في الزراعة في أوطانهم الأصلية، ولأنهم كانوا معتادون على العمل في المزارع الصغيرة، فلم يستطيعوا التكيف مع البيئة الزراعية الضخمة في البرازيل، حيث يتعين عليهم العمل في مجموعة ممتدة من الأراضي الزراعية الكبيرة لصالح ملاك الأراضي المحليين، بما لا يتيح أمامهم فرص حقيقية للتقدم. ولهذا شرعوا في العمل في الأعمال التجارية الصغيرة، أو في العمل لحساب رفقائهم من المهاجرين ممن جاءوا إلى البلاد في وقت سابق.

ويعتبر وجود تلك الشبكة من المهاجرين عاملاً جوهريًا في نجاح اندماجهم في المجتمع. ومع انتشار قصص نجاحهم في بلاد المهجر، شرعت المزيد والمزيد من العائلات في إرسال شبابهم، خاصة غير المتزوجين منهم، إلى العالم الجديد. وفي أول الأمر كان ذلك بالنسبة لهم وضعًا مؤقتًا، يعولون فيه على الحوالات المالية التي يتم استخدامها لشراء أرض جديدة في أوطانهم، إلا أنهم، ومع مرور الوقت، لم يجدوا في تلك البلاد الجديدة البيئة المواتية فحسب، بل وجدوا كذلك دعمًا كبيرًا من أبناء وطنهم، الأمر الذى شجعهم على البقاء، وقد انجذبوا إلى ما رأوه من بلاد  يسودها التسامح وتقبل الاختلاف، بلاد تحمل سمات وجدت صداها داخل أنفسهم، وفي آمالهم وقيمهم. إن سمعة البلاد على المستوى الدولي تعتمد على وضع الجالية المهاجرة، التي قد ترفع من قدرها أو تقلل منه. ويبدو أن وضع الجالية العربية في البرازيل يؤكد على تعزيز دور "التحويلات العاطفية emotional remittances" وأهميتها في عملية الهجرة – وهي أحد السمات الهامة في مفهوم القوة الناعمة، والذي غالبًا ما يستهان به.

وإلى جانب نجاحهم على صعيد النشاط التجاري، فقد أثبت الجيل الثاني من المهاجرين ذوي الأصول السورية واللبنانية وجودهم في المهن الحرة، وأصبح منهم المحامون والأطباء والمهندسون. وقد برعوا في مجالات عدة: من الجغرافي البارز وعالم البيئة عزيز أبو صابر، إلى الكاتب رضوان نصار، الحائز على جائزة كامويس للآداب عام 2016م (أهم جائزة أدبية في اللغة البرتغالية). ومن اليسير التعرف على مساهمات المهاجرين العرب في مختلف المجالات في الثقافة والتنمية البرازيلية. وقد ارتقوا كذلك في السلم السياسي على الصعيدين المحلى والقومي بوصفهم أعضاء بارزين في المجتمع. وفي عام 2015م، بلغت نسبة أعضاء البرلمان ذوي الأصول اللبنانية 8%، وهي نسبة أعلى بكثير من نسبة تمثيلهم في التعداد العام للسكان.

 

وعلى المستوى الحكومي، أثمرت الجهود المتواصلة من جانب البرازيل عن عقد قمة الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية (ASPA)، وهي تعد منتدى للتعاون فيما بين بلدان الجنوب، يهدف إلى تعزيز العلاقات بصورة أوثق بين القادة السياسيين والمجتمعات المدنية في دول أمريكا الجنوبية وجامعة الدول العربية. وقد أولت القمة اهتمامًا خاصًا إلى موضوع التعاون الثقافي. وفي اجتماعها الثاني رفيع المستوى الذي تم في داكار عام 2009م، أقامت لجنة مخصصة للتعاون في مجالي الثقافة والتعليم تكون مسؤولة عن إنشاء مكتبة ومركز أبحاث لدول أمريكا الجنوبية والدول العربية (BibliASPA)، يقع مقرها في مدينة ساو باولو في البرازيل، وتكون مهمتها نشر الأعمال الأدبية باللغات البرتغالية والإسبانية والعربية، وأن تقوم كذلك بتعزيز الفعاليات والمهرجانات السينمائية والثقافية. وقد أظهرت الجزائر اهتمامًا كبيرًا بقيادة قاطرة التعاون الثقافي بين دول أمريكا اللاتينية والدول العربية، والتزمت بإنشاء قطاع مكتبي للدول العربية وأمريكا الجنوبية في الجزائر العاصمة، وذلك من خلال مشروع المهندس المعماري البرازيلي أوسكار نيماير.

 

وعلى الرغم من البدايات المبكرة للعلاقات بين البرازيل والدول العربية، فلم يحدث التقارب الدبلوماسي بشكل قوى إلا في فترة السبعينيات، وذلك خلال فترة الحكم العسكري في البرازيل. وقد أصبحت السياسة الخارجية تعرف في تلك الفترة "بالبراجماتية الشاملة والمسؤولة ecumenical and responsible pragmatism ": بما يعني أنها كانت تفضل إضفاء الطابع العالمي على العلاقات الدولية للبلاد، مع الأخذ في الاعتبار أهداف التنمية القومية. وقد أفضى ذلك إلى تخليها تدريجيًا عن دعمها الدائم لإسرائيل، للاقتراب من العالم العربي خلال أزمة النفط. وتعد البراجماتية هي المبدأ الثابت في العلاقات البرازيلية الخارجية، باعتبارها عاملاً أساسيًا في التنمية الوطنية، بغض النظر عن أية اختلافات ثقافية أو أيديولوجية.

وكما يدور التعاون الثقافي حول المهاجرين وما يتعلق بهم من تراث ولغة وفنون ومعارف، فإنه كذلك ينبع من القيم والمبادئ والمسالك، إنه يتعلق بطراز خاص للحياة وأسلوب مميز للقيام بالأمور. وتُعرف البرازيل بتنوعها العرقي والثقافي، وتفضيلها للتعددية وعدم التدخل والمساواة والحلول السلمية للنزاعات. وليست تلك مجرد سمات واضحة في هويتها القومية فحسب، بل إن غالبيتها منصوص عليه في دستورها القومي.  وخلال العقد الماضي وحتى وقت قريب، تمتعت البرازيل باستقرار سياسي نسبي ونمو اقتصادي معقول، وأصبحت لاعبًا أكثر إسهامًا في أجندة التنمية العالمية. ولطالما دعت إلى إدارة عالمية أكثر عدلاً وإحقاقًا، واتخذت دورًا أكثر فعالية في مجال التعاون الإنمائي والبعثات الإنسانية.

 

وتعتمد الدبلوماسية الثقافية البرازيلية بشكل كبير على ما يمثلها من مؤسسات في الخارج مثل القنصليات والسفارات التي تقوم بنشر المهرجانات السينمائية والأدبية، ودروس تعليم اللغة البرتغالية للأجانب، والرقصات الفلكلورية مثل رقصة كبوريا إلخ. ففي عام 2011م، على سبيل المثال أقيم "المركز الثقافي البرازيلي اللبناني"[7]، بوصفه جزءًا من السفارة البرازيلية الواقعة في حي الأشرفية في بيروت. وهو يهدف إلى أن يكون بمثابة معرض للثقافة البرازيلية في لبنان، مقدمًا العديد من الأنشطة المخصصة لنشر اللغة البرتغالية والثقافة البرازيلية، ومنظمًا لعروض سينمائية منتظمة، متيحًا فرصة الدخول المجاني إلى مكتبة السفارة وسجل الوسائط الإعلامية لديها من الأفلام السينمائية والوثائقية والعروض الموسيقية البرازيلية.

وفي العقد الأول من الألفية الجديدة افتتحت البرازيل أكثر من 35 مركزًا دبلوماسيًا، كان معظمهم في المنطقة الجنوبية من العالم، فضلاً عن استثمارها أكثر من 400 مليون دولار خلال عام 2020م، في مشروعات وبرامج التعاون الإنمائي. وهكذا حاولت البرازيل إحداث مزيدًا من التوازن مع مبدأها التقليدي بعد التدخل، مضيفة في العقد الأخير مبدأ  "عدم-اللامبالاة non-indifference ". وأخذت على عاتقها المزيد من المسؤوليات الإقليمية، بل والعالمية أيضًا.

إن ارتقاء البرازيل في الفترة الأخيرة بمكانتها الدولية، يتسق مع ثقافتها وهويتها الأصليتين. وقد دعت، بوصفها قائدًا للتعاون فيما بين بلدان الجنوب، إلى عقد مزيد من الشراكات على المستوى الأفقي، وإلى عملية من التعلم المتبادل بين الدول المتكافئة القوى، في محاولة للتغلب على النموذج الرأسي للتعاون بين دول الشمال ودول الجنوب، وهو النموذج السائد في المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة من دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنميةOECD".

 وبرغم ذلك، ففي السنوات القليلة الماضية أُغرقت البلاد في أزمة اقتصادية وسياسية، أفضت إلى شل العديد من سياسات التعاون. ولا يزال تأثير إيقاف تلك الحركة الدبلوماسية الواسعة محل تقييم.  وبرغم ذلك فقد يكون من المفيد اغتنام هذه اللحظة من الأزمة لتعزيز الموارد وتنسيق المبادرات الحكومية وغير الحكومية.

فعلى سبيل المثال، قام "منتدى قمة الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية (ASPA) "بخلق آلية رسمية لتعزيز العلاقات الثقافية، إلا أنها تسلط الضوء على أحد نقاط الضعف: ألا وهي تهميش أو غياب مسائلة المجتمع المدني. ويمكن لتجارب المؤسسات الإقليمية الأخرى، مثل قمة ميركوسور(السوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية) [8] وما تقدمه من مشاركة مجتمعية، أن تصبح مصدر إلهام لإنشاء منتدى المجتمع المدني  لقمة الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية (ASPA) في المستقبل.

وقد تستفيد العلاقات الثقافية بين أمريكا اللاتينية والدول العربية من الاستثمار في المبادرات غير الحكومية، والتي تعتبر أقل تطلبًا وأكثر فعالية: وينص مبدأ القوة الناعمة أن تعزيز تلك القوة يتطلب النظر إلى أنشطة الدولة بوصفها مشروعة. إن روح التعاون فيما بين بلدان الجنوب، ومبادئ المعرفة المشتركة والمساواة، التي دعا إليها رجال السياسة في البرازيل، يمكن لها أن تقدم شبكات أقوى للجهات الفاعلة، سواء كان ذلك على المستوى الحكومي أو غير الحكومي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مركز الدراسات وصياغة التعاون فيما بين بلدان الجنوب

 

 

 

قائمة المراجع:

 

CERVO, Amado Luis. A Cúpula América do Sul – Países Árabes: um balanço. Boletim Meridiano 47, vol. 6, n° 58, 2005.

 

FARAH, Paulo Daniel. Presença Árabe na América do Sul.

 

GALINDO, Alejandra (Ed.). The Gulf and Latin America: An Assessment of Expectations and Challenges. Gulf Research Centre Cambridge, 2013

 

GALVÃO, Thiago Gehre. América do Sul e países árabes: ensaio de um diálogo de civilizações. Boletim Meridiano 47, vol. 6, n° 59, 2005.

 

NYE, Joseph S. The Information Revolution and Soft Power. Current History, 2014.

 

SADDI, Fehmi. The Arab World and Latin America: Economic and Political Relations in the Twenty-First Century.

 

SADDIKI, Said. El Papel de la Diplomacia Cultural en las Relaciones Internacionales. Revista Cidob D’afers Internacionals 88.

 

WENDT, Alexander. Anarchy is what States Make of It: the Social Construction of Power Politics. International Organization 46, no. 2 (Spring 1992).

 

 

 

[1] The Institute for Arab Culture is a Brazilian private institute created by diaspora members inspired by the work of Edward Said and dedicated to the promotion of culture and education. In partnership with universities and educational institutions, it aims at clarifying misconceptions about the Arab world in the local media. http://www.icarabe.org

[2]http://rimaal.org

[3]The Soft Power 30 is a ranking of countries' soft power produced and published by the media company Portland in 2015. The ranking is based on "the quality of a country’s political institutions, the extent of their cultural appeal, the strength of their diplomatic network, the global reputation of their higher education system, the attractiveness of their economic model, and a country’s digital engagement with the world.

 

[4]http://www.qf.org.qa/education

[5]http://www.islamerica.org.ar/index.html

[6] http://www.dialogar.org.ar.

[7] http://brasiliban.itamaraty.gov.br/pt-br/

 

[8] http://www.secretariadegoverno.gov.br/iniciativas/internacional/mercosul-social-e-participativo/conselho-brasileiro-do-mercosul-social-e-participativo

مجلة آراء حول الخليج