العدد 110

(آراء حول الخليج) تتابع تحليل الانتخابات الأمريكية 2016(6) ترامب يتهم كلينتون بدعم الاخوان في مصر وخراب ليبيا وانتشار الفوضى بالعراق

الأربعاء، 03 آب/أغسطس 2016

تشهد الولايات المتحدة حاليًا أكثر الانتخابات الرئاسية تأثيرًا على مر تاريخها؛ حيث قام الحزبان الجمهوري والديمقراطي بتسمية مرشحيهما للانتخابات خلال المؤتمر الانتخابي الذي نظمه الحزب الجمهوري في كليفلاند، والمؤتمر الذي عقده الحزب الديمقراطي في فيلادلفيا، وسط مشهد تعمه الفوضى والانقسامات داخل معسكر كل حزب.

 وقد تزامنت الحملات الانتخابية مع ظهور عدد من الاتجاهات السياسية والثقافية والاجتماعية التي أظهرت لأول مرة بذور الشقاق داخل المجتمع الأمريكي، وهو ما عكسته الانقسامات داخل الحزبين. وامتزج التوتر بين تطبيق القانون مع تصاعد نغمة العنصرية، وبصفة خاصة مع المجتمع الأسود. فضلاً عن الاتجاه المضطرد نحو القومية والانعزالية في البلاد.

وزاد من حدة تلك الانقسامات أولئك السياسيون الذين يستغلون غضب الشعب على الأوضاع في البلاد، وقد أزكت خطاباتهم نيران الريبة والتطرف. واتهم مراقبو الانتخابات حملة الحزب الجمهوري بأنها تُغذي الخوف وكراهية الأجانب المسيطرة على شريحة من الشعب، ترى بأن واشنطن قد تخلت عنها وسلبتها حقوقها. وقد هالها تغيّر التركيبة السكانية والذاتية لبلادهم. فهناك شريحة كبيرة من الأمريكيين يشعرون بأن بلادهم التي طالما عرفوها لم تعد كما كانت من قبل، ويلقون في ذلك باللوم على المهاجرين. كما يتهمون الإدارة الأمريكية الحالية بافتقارها إلى خصائص القيادة، وأنها تسببت في إضعاف الولايات المتحدة ونزعت عنها الاحترام والهيبة أمام العالم.

وعلى هذا، يختار هؤلاء المواطنون رئيسًا يستجيب لمخاوفهم بمزيد من الخوف والفزع، ليتحول حزب لينكولن إلى حزب منقسم لا يشبه صورته القديمة إلا قليلًا.

وعلى الجانب الآخر، يشهد الحزب الديمقراطي انقسامًا بين جناحيه الممثلين في هيلاري كلينتون، وهي أول امرأة يتم ترشيحها من قبل أحد الأحزاب الرئيسية لمنصب رئيس الجمهورية، والسيناتور بيرني ساندرز، والذي نجح في تشجيع الشباب على التصويت بسبب مواقفه التقدمية والمنحازة إلى الشعب.

ويحتج الجمهوريون بأن إدارة الحزب الديمقراطي للبلاد جعلت أمريكا تفتقر إلى الأمن على المستوى المحلي، وإلى الاحترام على المستوى الدولي. فهم يلقون باللائمة على الديمقراطيين بسبب موجة العنف التي تجتاح البلاد، ويرون أن السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تدافع عنها إدارة أوباما، تمزّق نسيج المجتمع الأمريكي كما يعرفونه.

ولم يحدث من قبل أن سمع أو قرأ الأمريكيون ما يقرؤونه ويسمعونه اليوم عن المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة من كلا الحزبين. حيث يُوصف ترامب بأنه "تهديد للديمقراطية الأمريكية"، وبأنّه "خطر جاثم وفريد من نوعه"، و"خطر موبق على الدستور". وفي المقابل أُطلق على كلينتون لقب المحتالة، وتعالت صيحات هاتفةً " اقبضوا عليها"

وقد تجلت كل تلك الأمور والأحداث في المؤتمرات الانتخابية للمرشحين.

 

المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري

 

 كان اليوم الافتتاحي لمؤتمر الحزب الجمهوري، الذي عُقد في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو، مشوها بالمعارك والفوضى والخطب المثيرة للمخاوف؛ حيث رسم المتحدثون صورة لحزب ودولة يعمهما الانقسام. وتزامن اليوم الأول مع حادث مقتل ثلاثة من ضباط الشرطة في مدينة باتون روج، بولاية لويزيانا، الأمر الذي أضفى مزيدًا من السلبية على الأجواء. كما شهدنا محاولة أخيرة من قبل حركة "لا لترامب" من أجل تغيير قواعد المؤتمر، وغلق عملية التصويت الأولية بحيث لا يتسنى إلا للجمهوريين فقط التصويت بها. ولكن في النهاية خسر "الثوار"، وتم سحقهم من قبل إدارة الحزب وحملة ترامب الذين تكاتفوا سويًا. ووصفت مذيعة قناة "سي إن إن "، دانا باش، ما حدث بأنه "الرمق الأخير لحركة لا لترامب"، ولكن الحقيقة هي أن الحركة لم تكن أبدًا قوية، أو منظمة، أو جادة. ونظر إليها الآخرون على أنها "فرصة ضائعة" لتوحيد الحزب.

 

وشهد المؤتمر أيضًا انقسامات بين قيادة الحزب وترامب. وقاطعت كل الأسماء الكبيرة والقيادات التقليدية للحزب المؤتمر؛ حتى أن جون كاسيتش، حاكم ولاية أوهايو، التي انعقد فيها المؤتمر، لم يحضر المؤتمر ولم يؤيد مرشح حزبه على الإطلاق. وكانت الموضوعات المُتداولة على مدار أيام المؤتمر هي "عودة الأمن إلى أمريكا مرة أخرى، وعودة أمريكا إلى العمل مرة أخرى، وعودة أمريكا لتحتل المكانة الأولى بين الدول". ولكن خلال انعقاد المؤتمر، سمعت أمريكا الكثير من الأحاديث حول مدى افتقادها إلى الأمن، والأزمات الضخمة التي تجتاحها، وكيف تؤول وظائف الأمريكيين للمهاجرين غير الشرعيين، وكيف أنها قد خسرت مكانتها وسط العالم، في حين لم يتم تقديم أي برنامج أو خطة عمل حول كيفية تغيير تلك الأوضاع المتأزمة، اللهم إلا من إلصاقها فوق ما يرفعونه من شعارات. فقد شهد المؤتمر الكثير من الكلام، والقليل من السياسة.

ورسم المتحدثون الواحد تلو الآخر صورة قاتمة للبلاد، قائلين بأن أمريكا تمر بأزمة محققة، وأنها في حالة حرب، وأن أعداءها يتربصون بها في الداخل والخارج، وهو ما دفع الرئيس أوباما للرد معترضًا على تلك المزاعم.

 

وانصب مؤتمر الجمهوريين على شخص هيلاري كلينتون، إذ من الواضح أنهم يعتقدون أن شن حملة ضدها هي أفضل استراتيجية للفوز بالانتخابات الرئاسية والوصول إلى البيت الأبيض. وأعاد المتحدثون تكرار وصف ترامب لكلينتون بـ"هيلاري المحتالة"، وحثوا المندوبين على الهتاف "اقبضوا عليها".

 ووصف المتحدثون كلينتون بأنها لا تصلح لتولي منصب القائد الأعلى، زاعمين بأنها قد فشلت في حماية الأمن القومي للولايات المتحدة. كما قام الحزب الجمهوري بدعوة باتريشيا سميث، والدة أحد الجنود الأمريكيين، والذي لقى حتفه في بنغازي، لكي تقول للشعب الأمريكي كيف أنها تلوم "هيلاري كلينتون" شخصيًا على وفاة ابنها في ليبيا.

 

وتصدّر مصطلح "الإسلام المتطرف" مؤتمر الحزب الجمهوري، حيث دارت الكثير من النقاشات حول الخطر الذي يشكله الإسلام المتطرف على البلاد. وكانت هناك ادعاءات تفيد بانتشار تنظيم داعش، حيث قال السيناتور جوني ارنست "إن أعضاء تنظيم داعش الإرهابي يتواجدون في كل ولاية من ولايات أمريكا الخمسين". وأثناء حديث رئيس مجلس النواب السابق نيوت جينجريتش، عن كيفية إعادة الأمان إلى أمريكا مرة أخرى، ركّز جينجريتش على خطر الإسلام المتطرف؛ حيث قال: "إننا في حالة حرب مع الإسلاميين المتطرفين، نحن نخسر الحرب، ويجب علينا تغيير المسار لكسبها". وتمادى قائلاً "إنّ أسوأ سيناريو يمكن تصوره هو أن تقع إحدى المدن الأمريكية تحت سيطرة إرهابيين مسلحين بأسلحة دمار شامل"، إلا أنه وبينما كان يحاول أن يصوب من موقفه سياسيًا بقوله "إننا لا نخشى شيئًا من الأغلبية المسلمة المقيمة في الولايات المتحدة وحول العالم"، استمر على موقفه من إثارة المخاوف من الأقلية المسلمة التي تشكل تهديدًا على السلم الأمريكي؛ قائلا بأن "9% فقط من الباكستانيين يؤيدون تنظيم الدولة"، وأضاف قائلاً "ولكن ذلك عددًا كبيرًا للغاية".

 

وفي الوقت الذي رأت فيه حملة ترامب أن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءًا، حدث ما هو أسوأ بالفعل، فقد ألقت السيدة ميلانيا، زوجة ترامب، كلمة خلال المؤتمر، وُصفت بأنها أبرز ما جاء في اليوم الأول من المؤتمر. لكن وسائل الإعلام اتهمت السيدة ميلانيا ترامب بالسرقة، قائلين بأن أجزاءً من كلمتها قد تم انتحالها من خطاب ميشيل أوباما في مؤتمر عام 2008م، ولم تقدم حملة ترامب إلا القليل من الأعذار لما حدث، وفي النهاية حمَّلوا موظفة من فريق ترامب المسؤولية الكاملة عمّا حدث، والتي قامت بدورها بتقديم استقالتها. غير أن السيد ترامب رفض قبولها. وبرغم ذلك استمرت الحملة وكأن شيئًا لم يكن، إذ يبدو أن المرشح الذي لا يلتصق به أي نقد، لا يزال محصنًا هو وعائلته ضد أي تهمة من أي نوع كانت.

 

 وكان هناك -كما يفترض -تواجدا للمسلمين الأمريكيين في هذا المؤتمر تحت رعاية إحدى المنظمات التي تُدعى "الأمريكان المسلمين لدعم ترامب"، ويرأسها السيد / ساجد طرار. وجاء في بعض التقارير قيام أحد الأشخاص في القاعة بالهتاف قائلاً "لا للإسلام" أثناء إلقاء السيد ساجد لإحدى تصريحاته الموجزة. وتضم المنظمة التي يرأسها السيد ساجد 400 عضو فقط، كما ورد في حواره مع قناة "سي إن إن".

 

ودفعت تلك الانقسامات التي سادت المؤتمر برئيس مجلس النواب، بول ريان، إلى القول بأنّ هذا النقاش حول ترشيح ترامب يشير إلى أن الحزب "لا زال ينبض بالحياة".

وقال إن الشعب يريد "تغييرًا كبيرًا في التوجّهات الأمريكية، والانفصال التام عن نظام فاشل"، وأن ما يقدمه الحزب الديمقراطي، حسب قوله، هو "فترة رئاسية ثالثة لرئاسة أوباما، يقدمها لكم كلينتون آخر".

 

وقرر السيناتور تيد كروز التوقف عن تأييد ترامب، وقد كان ينافس ترامب على الترشح لمنصب الرئاسة وخسر أمامه، وطالب الشعب بأن يحتكم إلى ضميره أثناء التصويت، وأن يعطوا أصواتهم لشخص مخلص للدستور  ، كما استأنف ترامب هجومه عليه مجددًا.

 

وقدم نائب الرئيس المُختار من قبل ترامب، وهو حاكم ولاية إنديانا، مايك بنس، والعضو السابق في مجلس النواب الأمريكي، خطاب قبوله باعتباره نائب الرئيس المفترض لترامب، واصفًا كلينتون بأنها "وزيرة الوضع الراهن"، معبرًا عن السباق نحو الرئاسة في هذه المعادلة: "التغيير مقابل الوضع الراهن".

وكان ترامب قد أعلن عن اختياره بنس لمنصب نائب الرئيس خلال مسيرة حاشدة في نيويورك. وأجمع أولئك الذين يعرفون بنس والتقوا به خلال المؤتمر على أن شخصيته على النقيض من ترامب تمامًا. فهو شخص محافظ، بما يعد أمرًا مطمئنًا للأفراد العاديين من الحزب الجمهوري، منضبطًا، وذو مصداقية، ولديه القدرة على جلب التبرعات إلى الحملة. وقد وصفته صحيفة واشنطن بوست بأنه "أصولي أيديولوجي، ولديه علاقات عميقة ومتشعبة مع حركة المحافظين.

 كما ألقى ثلاثة من أطفال ترامب كلمة للأمة متحدثين فيها عن أبيهم، وكم هو رجل عظيم وأنه سوف يكون رئيسًا أعظم.

 

وأثناء إلقائه خطاب قبوله كمرشح رسمي للحزب، قدم دونالد ترامب صورة قاتمة عن أمريكا، وكيف أنها في حالة حرب مع نفسها، ترزح تحت طائلة من الهجمات وتعيش أزمةً جاثمة. واعتبر النقاد أنّ الخطاب ذو نزعة قومية ويدعو إلى الحرب. بينما أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة سي إن إن بعد الخطاب مباشرةً، الانفصال بين الناس من جهة والنقاد والمحللين من جهة أخرى، إذ وٌجد أن 73٪ من الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون بأن ترامب سوف يقود الولايات المتحدة نحو الاتجاه الصحيح، وقال 56٪ منهم أنهم على الأرجح سوف يصوتون لصالح ترامب بعد سماعهم لخطابه. وكان ترامب قد قدم نفسه على أنه مرشح "القانون والنظام"، متعهدًا أنه سيرجع الأمان إلى أمريكا مرة أخرى، دون أن يقدم أية تفاصيل حول كيفية تخطيطه للقيام بذلك.

واستطرد واصفًا أمريكا بأنها في حالة انحدار حيث تتسم طرقها وجسورها "بالانهيار"، وأن " المطارات عندنا تشبه مطارات دول العالم الثالث".

 

وشن ترامب هجومًا عنيفًا على السياسة الخارجية التي يتبناها كلا من أوباما وكلينتون قائلاً إنها تفتقر إلى خصائص القيادة وجعلت أمريكا أقل أمنًا، وعرضّت الولايات المتحدة "لعار دولي تلو الآخر". وذكّر الحاضرين بصور "بحارتنا الذين تم إجبارهم على الجلوس على ركبهم من قبل خاطفيهم الإيرانيين تحت تهديد السلاح". وقال إن ذلك حدث قبل اتفاق إيران النووي الذي منح إيران 150 مليار دولار، ولم يقدم لنا شيئًا".  وأضاف بأن "تلك الصفقة سوف تُسجل في كتب التاريخ باعتبارها واحدة من أسوأ الاتفاقيات التي تم عقدها على الإطلاق". وكان الخزي الآخر حسب قوله، عندما "رسم الرئيس أوباما خطًّا أحمر لا يمكن تجاوزه في سوريا -وكان العالم كله يعرف أنّ هذا الأمر لا يعني شيئًا"

 

ثم قدّم صورة وردية عن العالم قبل أن تكون هيلاري كلينتون على رأس السياسة الخارجية، واتهمها بأنها سبب المصائب التي حّلًت على العالم: "كانت ليبيا متعاونة. وكان السلام يعم مصر. وشهدت العراق انخفاضًا في معدلات العنف. وكانت إيران تختنق بالعقوبات. وسوريا تحت السيطرة ". ثم استطرد قائلًا إن بعد مجيء هيلاري كلينتون: "عم الخراب بليبيا، وتُرك سفيرنا وموظفيه بلا حول ولا قوة، ليتم قتلهم على أيدي قتلة متوحشين. وتولت جماعة الإخوان المسلمين المتطرفة حكم مصر، مما دفع بالجيش لاستعادة السيطرة على الحكم. أما العراق فقد عمتها الفوضى".

 وأضاف بأن إيران "في طريقها لامتلاك السلاح النووي. واجتاحت الحرب الأهلية سوريا. وأضحى الغرب الآن مهددًا بأزمة اللاجئين. وقال إنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تتخلي عن سياسة تغيير النظم وبناء الدول في الخارج، "وهو الأمر الذي سعت إليه هيلاري كلينتون في العراق وسوريا".

وتتمثل خطة ترامب التي يقدمها لأمريكا في "أمريكا أولاً، ستكون عقيدتنا هي الأمركة وليست العولمة ".

وقد قال ترامب أن لديه خطة، وأنها سوف تبدأ "بالأمن داخل الوطن". وقال مخاطبًا الشعب الأمريكي "سوف أكون صوتكم".

كما كرر ترامب وعده ببناء الجدار، إلا أنه لم يقل في هذه المرة أن المكسيك سوف تتحمل تكلفته.

 

وواصل هجومه على هيلاري كلينتون حول قضية اللاجئين السوريين قائلاً بأنها "قد دعت إلى زيادة هائلة بنسبة 550٪ في أعداد اللاجئين السوريين، فضلًا عن التيار الضخم من اللاجئين المتدفق إلى بلادنا في عهد الرئيس أوباما".

 

وكرر هجومه على الناتو (حلف شمال الأطلسي)، واصفًا إياه بأنه قد "عفا عليه الزمن" لأنه "لم يواجه الإرهاب بالشكل الصحيح، كما أن العديد من الدول الأعضاء لم تقم بسداد حصتها المفروضة". وأضاف بأنه " كالعادة تحملت الولايات المتحدة التكلفة وحدها".

 

 وتحولت قضية حظر المسلمين من دخول الولايات المتحدة إلى تعليقٍ للهجرة من أي بلد شهدت عمليات إرهابية: " نحن لا نريدهم في بلادنا" وقد قال ذلك وسط تصفيق من مندوبي المؤتمر. ودافع لاحقًا عن هذا الموقف نافيًا أن يكون ذلك تراجعًا عن فرض الحظر على جميع المسلمين. وقال " بل إن هذا يعد توسيعًا للمعنى. فأنا أراقب الإرهابين الآن، إذ انزعج الناس كثيرًا لاستخدامي لفظ مسلم ". وأضاف موضحًا أنه "يتحدث الآن عن المناطق والدول بدلاً من المسلمين".

 

 

السياسة الخارجية لدونالد ترامب: الانفصال التام عن السياسة الأمريكية؟

 

 كل يوم يخرج علينا المرشح الجمهوري بسياسة خارجية جديدة أو موقف يتعلق بالسياسة التجارية يزلزل بها مؤسسة الحزب الجمهوري، ويربك مجتمع السياسة الخارجية ويزرع الخوف والقلق في جميع أنحاء العالم. وإليكم بعض الأمثلة على ذلك:

أولاً يبدو أنّ ترامب يدعو إلى "إعادة كتابة السياسة الخارجية للحزب الجمهوري"، كما ورد في مجلة بوليتيكو . ويدور ذلك التغيير حول تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط، والتدخل العسكري، والحصول على حلفاء استنادًا  إلى القيم المشتركة. وبدلًا من دعم الحزب الجمهوري، الذي امتد لعقودٍ طويلة، لنشأة الديمقراطيات الجديدة ومساندة حملات التغيير في هذه البلدان، أظهر ترامب رفضه لمحاولات تغيير النظام وبناء الدولة التي جرت في المنطقة بدءًا من العراق وامتدادًا إلى ليبيا، ومصر وسوريا.

ودعا أمريكا إلى التوقف عن وعظ العالم حول الحريات المدنية: "عندما ينظر العالم إلى مدى السوء الذي وصلت إليه الولايات المتحدة، نأتي نحن ونتشدق بالحديث عن الحريات المدنية.. لا أظن أننا خير من يحمل هذه الرسالة ".

 

ويرغب ترامب في تأسيس العلاقات مع الدول استنادًا إلى المصالح، وأن تكون مع حلفاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم. حيث قال موجهًا حديثه إلى حلفاء أمريكا: "إذا لم تقوموا بدفع نصيبكم فسوف تضطرون إلى الدفاع عن أنفسكم ".ويبدو أن وجهات نظره تلك قد انبثقت عن اعتقاده بأننا نعيش في عالم جديد حيث "لم تعد بلادنا نفس البلاد، ولم يعد العالم نفس العالم".

 أما فيما يتعلق بحماية دول البلطيق في حال شنَّ روسيا هجومًا عليها، فلم يقدم ترامب أية تعهدات بالدفاع عنها، إلا إذا أوفت بالتزاماتها تجاه الولايات المتحدة ودفعت فاتورة ذلك.

 

وهدد ترامب أيضًا بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة التجارة العالمية "إذا أثرّت عضوية منظمة التجارة العالمية على خطة معاقبة الشركات التي تنقل الإنتاج الأمريكي إلى الخارج"، كما صرح بذلك في برنامج (لقاء مع الصحافة) الذي يُعرض على قناة إن بي سي. ووصف خبراء السياسة التجارية تصريحاته حول التجارة "بالجنون" وتلقاها العالم بقلق.

 وفيما يخص السياسة الخارجية، كتبت صحيفة واشنطن بوست أن حملة ترامب قد سعت للتأكد من أن البرنامج الانتخابي للحزب الجمهوري لا يتضمن أي لغة تدعو إلى مد أوكرانيا بالسلاح لمحاربة القوات الروسية والمتمردين.

مؤتمر الحزب الديمقراطي

 

وأثناء مؤتمر الحزب الديمقراطي في فيلادلفيا، انطلقت الخلافات بين مرشحة الحزب هيلاري كلينتون وأنصار بيرني ساندرز في الشوارع، حتى وصلت إلى قاعة المؤتمر. حيث أدى انفجار فضيحة البريد الإلكتروني في وجه قيادة الحزب عشية المؤتمر (فضيحة بريد إلكتروني أخرى للسيدة كلينتون)، إلى استقالة رئيسة الحزب الديمقراطي وعضو الكونغرس الأمريكي، ديبي واسرمان شولتز. وفي ليلة افتتاح المؤتمر، رفض أنصار بيرني ساندرز خفض أصواتهم وجعلوها منها فوضوية مع اطلاقهم لصيحات الاستهجان ضد هيلاري كلينتون. كما قاطعوا بريني ساندرز, قائد "ثورتهم", حين طلب منهم دعم هيلاري. وفاضت أعين الكثير منهم أثناء المؤتمر عندما ألقى ساندرز كلمته، صائحين باسمه " بيرني ..بيرني" ، رافضين قبول واقع خسارة مرشحهم، وإن كانوا في الغالب غاضبين من قيادة الحزب الديمقراطي. فقد زاد من غضب أنصار بيرني تسريب ويكيليكس لعشرين ألف رسالة بريد إلكتروني تم اختراقها للحزب الديمقراطي، يُزعم أنها تُظهر "تآمر" قيادة الحزب وكبار المسؤولين فيه لمنع ساندرز من الحصول على الترشيح". وثمة مكيدة دولية وراء فضيحة رسائل البريد الإلكتروني، فقد أظهرت التقارير وجود دور روسي محتمل في تسريب رسائل البريد الإلكتروني.

وقد أوعزت حملة كلينتون بأن روسيا لعبت دورًا في تسريب رسائل البريد الإلكتروني. حيث اتهم مدير حملة كلينتون، روبي مووك "عناصر من الدولة الروسية" باختراق الرسائل، وصرّح في مقابلة أجراها مع قناة أيه بي سي: "إنه لأمر مقلق أن يقول بعض الخبراء الآن أن الروس قاموا بذلك من أجل مساعدة دونالد ترامب" وأعلن مكتب التحقيق الفيدرالي شروعه في التحقيق في "الاختراق الإلكتروني المتعلق بالمؤتمر الوطني الديمقراطي، وأنه سيعمل على تحديد طبيعته ونطاقه".

 

وعلق دونالد ترامب ساخرًا من المؤتمر الوطني الديمقراطي عبر حسابه على تويتر قائلاً: "آخر نكتة في بلادنا هي أن تكون روسيا قد سربت رسائل البريد الإلكتروني الكارثية الخاصة بمؤتمر الحزب الديمقراطي، والتي ما كان ينبغي لها أن تُكتب من الأساس (منتهى الغباء)، وأن روسيا قد فعلت ذلك لأن بوتين معجب بي". وألقت رسائل البريد الإلكتروني بظلالها على افتتاح المؤتمر بعد استقالة رئيسة مؤتمر الحزب الديمقراطي، وقررت عدم الظهور في المؤتمر والإشراف على وقائعه. واختار مؤتمر الحزب الديمقراطي دونا برازيل، وهي محللة لدى شبكة سي إن إن ونائب رئيس الحزب الديمقراطي، لتكون رئيسًا مؤقتًا لمؤتمر الحزب الديمقراطي أثناء انعقاده.

 

 وعلى الرغم من الضوضاء التي سببها ثوار ساندرز المُحبطين، استمر متحدثي مؤتمر الحزب الديمقراطي بقوة موضحين أهمية أن تكون أمريكا دولة متسامحة ومتنوعة عرقيًا وثقافيًا. وأسهب الحزب الديمقراطي في عرض خلافه مع المرشح الجمهوري ورسالته من خلال عرض سلسلة من الشهادات المناهضة لترامب بدءًا من قضايا اللاتينيين، وذوي الاحتياجات الخاصة وحتى المهاجرين المهددين بالترحيل خارج البلاد في حال أصبح ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. وقد خُصصت الليلة الأولى للجناح التقدمي التابع للحزب بدءًا من السيناتور إليزابيث وارن وحتى بيرني ساندرز نفسه. ولكن أبرز ما جاء في هذه الليلة هي كلمة السيدة الأولى، ميشيل أوباما، التي أحيت بها الحشد بقولها بأن عليهم التصويت لصالح الرئيس الذي ستكون لديه المقدرة على "تشكيل حياة أطفالنا لمدة 8 سنوات من أعمارهم ".

كما احتفظت ميشيل أوباما بأقسى نقد لترامب دون أن تذكر اسمه. حيث خاطبت حشود الحزب الديمقراطي والشعب الأمريكي قائلةً "لا تدعوا أحدًا يخبركم بأن أمريكا ليست عظيمة. .إنها الآن أعظم أمة على وجه الأرض ". كما شنّ عضو مجلس الشيوخ وارن هجوماً على ترامب منتقداً إياه لأنه لم يقدم خطة حقيقية، وقال "لن نسمح بأن تكون أمريكا دولة تملأها الكراهية في ظل قيادة ترامب".

 

ووسط الصراخ والدموع وصيحات الاستهجان من أنصاره، أعلن السيناتور بيرني ساندرز عن تأييده القوي للمرشحة كلينتون. وقد حاول ساندرز تهدئتهم، ولبعض الوقت بدا وكأنه قد فقد السيطرة عليهم، لكنه في النهاية، تمكن من إلقاء كلمته وأكد لهم بأنهم قد قاموا بالعديد من الإنجازات التاريخية خلال تلك الانتخابات. وصرح قائلاً "إننا شرعنا في ثورة لتغيير أمريكا، والثورة مستمرة". وأضاف "لقد وضعنا البرنامج الانتخابي، الأكثر تقدمًا في تاريخ الحزب الديمقراطي".

وأخيرًا قال ساندرز أن هيلاري كلينتون يجب أن تصبح الرئيسة المقبلة للولايات المتحدة.

ويدرك الديمقراطيون أنه لكي يمكنهم الفوز بالانتخابات، فعليهم جلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، نظرًا لأن إقبال الناخبين في المرحلة القادمة من الانتخابات سيكون حاسمًا.

ووجه ساندرز كلامه إلى مؤيديه وإلى أعضاء الحزب الديمقراطي "إذا كنتم تعتقدون أنه يمكنكم التنحي جانبًا، فلتفكروا في قضاة المحكمة العليا الذين ينوي ترامب تعينهم."

ومن جانبها، حثت السيدة ميشيل أوباما أعضاء الحزب الديمقراطي على العمل على دفع الناس للإقبال على صناديق الاقتراع، كما حدث في عامي 2008 و2012م، قائلةً: "نحن نحتاج لأن نطرق كل باب. نحن بحاجة إلى إخراج كل صوت. نحن بحاجة إلى بذل كل طاقتنا وحماسنا وقوتنا وحبنا لهذا البلد لانتخاب هيلاري كلينتون رئيسةً للولايات المتحدة الأمريكية. دعونا نبدأ في العمل."

ومن المقرر أن يتحدث الرئيس أوباما والسيدة هيلاري كلينتون خلال المؤتمر بالإضافة إلى إعلان اختيار كلينتون للسيناتور تيم كين من ولاية فيرجينيا لمنصب نائب الرئيس. ويعد اختيار كين، المحامي الجاد والمخضرم في مجال الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية، اختيارًا موفقًا من قبل كلينتون، واكتسب كين خبرة في السياسة الخارجية بحكم عضويته في لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ، وكان قد تصدر للدفاع عن العديد من القضايا من خلال موقعه فيها، من ضمنها القضية السورية. ويعتبر كين مدافعًا قويًا عن دور الكونجرس في إجازة استخدام القوة العسكرية. وقد صرح بأن "هاجسه الحقيقي" هو كيف يمكن لدولة أن تتخذ قرارًا بخوض الحرب".

وكان كين قد عمل رئيسًا للجنة الوطنية الديمقراطية التابعة للحزب الديموقراطي، خلال الفترة الأولى من حكم الرئيس أوباما، كما أنه معروف بموقفه ضد "لوبي السلاح" في أمريكا.

ولا يزال مؤتمر الحزب الديموقراطي قيد الانعقاد حتى وقت كتابة هذا التقرير، ولكنه يعتبر بمثابة عرض ومقارنة بين أمريكا التي يريد الديمقراطيون الاستمرار في تشكيلها حتى بعد مرور 8 سنوات من حكم أوباما، وبين أمريكا التي يريد الجمهوريون استعادتها بسبب زعمهم بأن ما حلَّ عليها كان بسبب السنوات التي قضاها أوباما والديمقراطيون في البيت الأبيض.

ويبدو أن ترامب قد بدأ في تصدر استطلاعات الرأي بعد انعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري؛ إذ جاء أعلى من كلينتون محققًا نسبة 44% مقابل 39%، وذلك في آخر استطلاعات الرأي لقناة سي إن إن. فهناك قلق متزايد من تمكن ترامب من الفوز في حالة فشل الديمقراطيين في التوحد وجمع مناصري ساندرز تحت مظلة كلينتون.

وتتوقف العديد من الأمور والقضايا على انتخابات هذا العام، كما أن العديد من القضايا لا زالت عالقة فيما يخص علاقة أمريكا ببقية العالم. وسوف تكون الثلاثة أشهر القادمة حاسمة لكلا الطرفين لإقناع أمريكا بأنهم أفضل خيار لمستقبلها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*خبيرة في العلاقات الدولية ـ واشنطن 

مجلة آراء حول الخليج