العدد 114

دول الخليج: التحديات .. والإصرار على النجاح

الإثنين، 05 كانون1/ديسمبر 2016

مع نهاية العام الميلادي 2016م، يمكن القول أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية شهدت خلاله بعض الصعوبات والتحديات على أكثر من صعيد، إلا أن همم دول المجلس وعزيمة قادتها وإصرار شعوبها زادها قوة على مواجهة التحديات كما هي عاداتها، كونها تعمل دائما وفقًا لخطط تنموية طموحة واستراتيجيات بعيدة المدى وواضحة، من أجل مستقبل أفضل لشعوبها تحت أي ظرف من الظروف الإقليمية أو الدولية، أو تحت تأثير المتغيرات والأزمات الاقتصادية العالمية.

 لقد أثبتت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قدرة ومرونة عالية في تخطي الصعاب وتجاوز الأزمات، فعلى الصعيد الاقتصادي، اجتازت دول المجلس الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008م، وما تبعها من أزمات أخرى لكونها تطبق سياسات اقتصادية متوازنة وشفافة، وإدارة ناجحة للموارد وفقًا لرؤية صائبة للتنمية وتوظيف عوائد النفط دون مغامرات تهدر الموارد.

وعلى صعيد الاضطرابات والحروب الإقليمية، اجتازت دول مجلس التعاون العديد من الأزمات خلال العقود الثلاثة الماضية بدون خسائر كبيرة أو التعرض لمخاطر مباشرة، بفضل سياساتها الواضحة وحكمة زعمائها ورؤيتهم الثاقبة، حيث شهدت المنطقة خلال هذه الفترة العديد من الحروب والأزمات والقلاقل منذ حرب الخليج الأولى، كما استطاعت دول المجلس في ظل الحرب الباردة والاستقطاب الدولي وصراع النفوذ، أن تتبنى سياسات متوازنة، واضعة المصالح العليا للأوطان والأمة فوق أي مصالح أخرى، الأمر الذي جنبها الكثير من المخاطر وحافظ على استقلالها وسيادتها واستقرارها وثرواتها.

 إن إرث دول مجلس التعاون وتجاربها في التعامل مع التحديات المختلفة خلال العقود الماضية، يؤكد قدرتها على التعامل مع المخاطر المستقبلية والمحتملة مهما كانت قوتها أو حجمها ومصادرها، بل يمنحها المزيد من القوة واتساع الرؤية وزيادة المرونة لمواجهة ما يطرأ على المنطقة من تحديات، وقد واجهت دول المجلس، بكل قوة وجدارة، التحديات التي حملها عام 2016م، وأثبتت مهارة عالية في التعامل معها، سواء على مستوى تداعيات انخفاض أسعار النفط، ومن ثم تراجع مداخيلها، أو على صعيد الأزمة اليمنية وتعنت قوى الانقلاب وعدم احترامها للقرارات الدولية والجهود الإقليمية الرامية إلى تسوية الأزمة اليمنية سلميًا،وبخاصة جهود دول مجلس التعاون، أو من حيث التعامل مع الأزمة السورية وتداعياتها الخطيرة، وكذلك تجاه محاولات إيران المتكررة التي تسعى دائما للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة تحت ممارسات وشعارات خادعة. كما تعاملت دول المجلس مع متغيرات سياسة الدول الكبرى تجاه منطقة الخليج والشرق الأوسط، وغير ذلك من التحديات التي شهدتها المنطقة خلال عام 2016م.

إن دول مجلس التعاون تعاملت مع مسألة انخفاض أسعار النفط وتراجع قيمة مبيعاته بإجراءات مدروسة لتنويع مصادر الدخل، وتوسيع القاعدة الاقتصادية، وتشجيع القطاع الخاص، وترشيد الانفاق الحكومي وتقليل الهدر، مع إيجاد فرص استثمارية جديدة لجذب رؤوس الأموال في مجالات كثيرة، مع وضع خطط لتشغيل العمالة الوطنية لمواجهة البطالة وتوطين فرص العمل.

وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري ارتادت دول المجلس أسواقًا جديدة إضافة إلى الأسواق التقليدية، حيث زاد تعاونها مع الدول الناشئة في جنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، لا سيما أن أكثر هذه الدول تستورد النفط الخليجي وتصدر لدول المنطقة مختلف المنتجات الصناعية والزراعية وغيرها، وسوف تستمر دول المجلس في تطبيق هذه السياسات والتوجهات الإيجابية من أجل ازدهار اقتصادها والحفاظ على معدلات النمو، ورفاهية شعوبها. 

ولمواجهة الأزمة اليمنية، وفي إطار البحث عن حلول لصالح الشعب اليمني، دعمت دول مجلس التعاون مفاوضات السلام اليمنية التي عقدت في دولة الكويت، والجهود التي قام بها المبعوث الخاص للأمم المتحدة السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وشجعت الحوار بين الأطراف اليمنية، مع حرصها على حماية حدودها ووقف العمليات العسكرية التي تقوم بها عناصر التمرد الانقلابية ضد الشعب اليمني وضد دول مجلس التعاون. وسوف تستمر جهود ومساعي دول المجلس في عام 2017م، من أجل وضع حد للأزمة اليمنية بما يحفظ للشعب اليمني وحدته، وتثبيت نظامه الشرعي وأركان دولته، وسلامة دول الجوار، وفقا للمبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن رقم 2216.

وعلى صعيد الوضع في سوريا، فإن دول مجلس التعاون تؤمن بأهمية الحل السياسي وإنهاء الحرب الدائرة في هذه الدولة الشقيقة التي عانى شعبها الكثير من الويلات خلال الخمس سنوات الماضية ما أدى إلى مقتل وإصابة وتشريد الملايين من أبناء الشعب السوري الشقيق، وتحول هذا البلد العربي إلى ساحة للحرب بالوكالة بين دول من خارج المنطقة ودول إقليمية لها مصالحها وأجنداتها السرية والمعلنة، ونأمل أن يحمل العام الجديد ما يخفف المعاناة الإنسانية غير المسبوقة للشعب السوري، وإنهاء المأساة المؤلمة التي يعانيها.

ويظل الإرهاب آفة العصر ومن أخطر تحدياته، ولقد حققت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية نجاحات مشهودة في مواجهته، وهي تسير على طريق دحره بضربات استباقية، وصد هجماته، وكشف خلاياه النائمة، وتجفيف منابع تمويله، وسوف تستمر على هذا النهج لاستئصال  هذه الآفة الخطيرة ، وإن كان الأمر يتطلب تضافر الجهود الدولية لانتزاع فتيل الإرهاب الذي تمارسه جماعات  ضالة مارقة تتذرع بالدين وهو منها براء، وتمولها دول وجماعات تهدف من وراء ذلك إلى زعزعة أمن واستقرار الدول العربية في المقام الأول وتشويه صورتها، وهذا يتطلب المزيد من التنسيق الدولي لمواجهة الإرهاب بحزم وصرامة.

وإيمانًا من دول المجلس بالعيش السلمي لجميع دول المنطقة في إطار من العلاقات الدولية السليمة التي تقوم على مبادئ الاحترام المتبادل وحُسن الجوار، فقد دعت دول مجلس التعاون الجمهورية الإيرانية الإسلامية الى تأسيس علاقات تعاون بناءة تحقيقًا للمصالح المشتركة، ونأمل أن تكون مشاركة إيران في المنطقة مشاركة إيجابية قائمة على احترام حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادتها وسلامة أراضيها، وأن تتصرف وفقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. باختصار فإن سلوك إيران هو المفتاح لاستقرار المنطقة مستقبلًا.

إن دول مجلس التعاون تسعى إلى إقامة علاقات دولية إيجابية، وتؤمن بأن السلام والأمن والاستقرار من أهم وسائل تحقيق التنمية، وتسعى إلى حل القضية الفلسطينية وفقا لقرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية، وتعمل على إيجاد أسعار عادلة للنفط، وإلى تعاون عربي وإسلامي يساهم في استقرار العالم ونبذ الكراهية والعنف في إطار قبول الآخر والتعاون معه مهما اختلفت العقائد والثقافات والألوان واللغات واللهجات. 

وأخيرًا نأمل أن تكون قمة قادة دول مجلس التعاون التي ستعقد في مملكة البحرين في ديسمبر2016م، خطوة متقدمة في مسيرة التعاون الخليجي حافلة بالخطوات والمشاريع البناءة، وأن يكون العام المقبل عامًا مبشرًا بالسلام والأمن والازدهار لكافة شعوب المنطقة والعالم.

مقالات لنفس الكاتب