تركيبة القيادة في السلطة اليمنية تعتمد على الولاءات خارج نظام الدولة الرقص على رؤوس المثلثات: نظام الحكم وسياسات البقاء في اليمن

الثلاثاء، 29 آب/أغسطس 2017

دأب الرئيس السابق علي عبد الله صالح على القول أنه حكم اليمن كمن يرقص على رؤوس الثعابين، وفي هذه الورقة نحاول تأصيل نظرية تفسر كيفية حكم اليمن في الفترة الماضية ومحورها السيطرة على مثلثات سياسية واجتماعية وبالتالي هي "رقص على رؤوس المثلثات وليس الثعابين" وسياسات البقاء وهندسة النظام بما يحقق بقاءه.

اليمن بعد "عاصفة الحزم" سيكون مختلفًا عما قبلها. مختلفًا في نظامه السياسي، وتحالفاته، وقواه السياسية، وتوازناته. ولا تقترح هذه الورقة أي منظومة محددة من المؤسسات لكنها تسعى لتفسير طريقة حكم اليمن التي تبدو غامضة لكثير من المراقبين والباحثين، ولإيجاز الخيارات المختلفة وتقدم إطار عمل لتقييم هذه الخيارات. ولهذا الغرض، سيتم أولاً تصوير بعض الملامح الحاسمة للحكم في اليمن متبوعة ببعض الخيارات وتأثيرها المحتمل على الملامح المحددة للحكم. والسؤال الأول والحاسم هو: ما الذي ينبغي الحفاظ عليه وما الذي يجب تغييره فيما يتعلق بحكم اليمن. ومن هذا المنطلق، يمكن إعداد الملامح الدستورية التي تفضي إلى الحفاظ على ما يجب الحفاظ عليه وتيسير التغيير. 

لم يكتمل بناء الدولة في اليمن حتى الآن على المستويين المؤسسي القانوني والوظيفي، وما نجده ليس سوى سلطات تتراوح بين الاستبداد والمرونة، حيث يتم عادة اتخاذ القرارات خارج نطاق المؤسسات الرسمية. كما أن ضعف الدولة يحد من قدرتها على النفوذ إلى أوساط شرائح المجتمع، الأمر الذي أدى إلى ظهور فراغ تملؤه عناصر وسيطة تستفيد من ديمومة نظام الحكم وتمارس نفوذها في المجتمع نيابة عن ذلك النظام.

وسمحت شرعية النظام السابق على استمرار الولاءات دون الوطنية وهي ثانوية وضيقة الأفق، في حين أدى فشل تحقيق التنمية وضعف الهيآت التمثيلية إلى إقامة قواعد قبلية وجهوية وطائفية عمقت من الانقسامات في المجتمع، ما أضعف السلطة المركزية وعزز من الولاءات المحلية على حساب التماسك الوطني. وكانت نتيجة هذا التشظي وجود أفراد وجماعات في الوظائف الحكومية يقومون بتوجيه مؤسسات الدولة ومواردها وفقًا لولاءاتهم القبلية والجهوية. ولا عجب إذًا، أن كانت اليمن تمارس الديمقراطية وتنفذ التعديلات الهيكلية بصورة انتقائية، مما يؤدي إلى وجود الدولة بوظيفتها القسرية وغيابها في المجالات الإنتاجية والتوزيعية والخدمية. والمجتمع – بالمقابل – سَلَكَ مسلكًا منفصلاً، حيث فشلت مؤسسات الدولة الضعيفة في استيعاب وتنظيم المجتمع، ونظرًا لتعدد الانقسامات عجز المجتمع عن تشكيل منظمات مدنية تستطيع الضغط على الدولة للصالح العام. وفي هذا المحيط يتقيد المجتمع بالهويات المتشظية المبنية على انتماءات دون وطنية.

اليمن من أقل دول المنطقة نموًا، وزاد عدد سكانها منذ عام 1980م، إلى ثلاثة أضعاف، حيث ارتفع من 8.4 مليون نسمة إلى 23 مليون نسمة. وتمثل واردات النفط 70% من إجمالي واردات الدولة، ويشكل النفط 90% من إجمالي صادرات البلاد، وهو المورد الذي من المتوقع نضوبه خلال عقد. وهناك تحديات تنموية تتمثل في مستوى الفقر العالي، والأمية المرتفعة، والمخزون المائي المتضائل، والارتفاع الحاد في معدل الأسعار والتدهور الاقتصادي.

في اليمن لم يكن لدى الدولة المركزية سوى سيطرة محدودة على مناطقها، تنحصر على المناطق الحضرية الكبرى. أما بعد عاصفة الحزم وفي ظل وجود ثلاثة أرباع السكان في الأرياف سيصعب جدًا توفير وتوصيل الخدمات إلى المناطق الطرفية. وبما أن القبائل تقوم بملء الدولة فستظل تلعب دورًا قويًا في مؤسسات الدولة، في الهيآت التشريعية والتنفيذية في اليمن والقوات المسلحة وأجهزة الأمن والنظام السياسي. لهذا فإن صناعة القرار السياسي تتطلب الانصياع للتشاور وتقديم التنازلات والمساومات في التحالفات المتقلبة بصورة مستمرة. لكن ثقة المواطن اليمني في قدرة الحكومة القائمة على معالجة التحديات الاقتصادية المستقبلية بنجاح ستتضائل كثيرًا بمرور الوقت. وفي نظر الشعب فإن شرعية الدولة ضعفت نتيجة لنظام الوراثة في الوظيفة العامة الذي اختار الشخصيات القبلية وبعض مسؤولي الأمن والجيش في مفاصل الدولة. وهذه الجماعة لا تفرض سيطرتها على صنع سياسة الدولة فحسب بل وعلى قطاعات الاقتصاد والأعمال. لذا ينظر المواطن اليمني إلى إقصائه من الفرص الاقتصادية والتجارية على أنه أكبر تهديد لأمنه. كخطوة أولى، سيتم النظر في بعض الملامح المهيمنة للحكم في اليمن.

 

نظرية المثلثات السياسية

لا شك في أن اليمن تعاني من تشوه واختلال وظيفي في هيكل الدولة ولهذا أسباب عديدة تتجاوز مساحة هذه الورقة. ويشكل هذا الملمح خاصية مزمنة ومستوطنة في التاريخ السياسي الحديث لليمن. إحدى الظواهر البارزة في السياسة اليمنية تتمثل في تبني سياسات البقاء، وبما أن قاعدة الاقتصاد صغيرة وضعيفة والدولة هي المصدر الرئيسي للثروة، يحتدم الصراع للفوز بالسلطة. ومن أجل البقاء في السلطة، درج القادة على استمالة أعدائهم أو إزالتهم إن تمكنوا، وهذا يستوجب امتلاك القائد لموارد وفيرة تحت تصرفه من أجل الاستمالة وتوطيد أركان حكمه. وقد أنشأ هذا نظامًا من التوافقية وسيطرة التضامنيات أو المصالح المبنية من الأعلى إلى الأسفل.

في هذا النظام الذي أسميه "نظرية المثلث السياسي"، والذي توجد بداخله آلاف المثلثات المتوالية كلها داخل مثلث عملاق، يتربع على رأس المثلث العملاق القائد وتحته مثلثات أخرى يقودها من يأتون بعد القائد في السلطة مثل الدائرة الضيقة المحيطة به. وتحت هذه المثلثات تأتي مثلثات أخرى أكثر عددًا وأقل قوة. وعلى طول المجتمع توجد شخصية مؤثرة على رأس كل مثلث، وهذه الشخصية قد تكون سياسية أو قبلية أو عسكرية أو دينية أو اجتماعية، ويسيطر هذا الشخص على الناس ضمن منطقته ويضمن ولاءهم للنظام أو على الأقل سلبيتهم في عدم مقاومته عبر استخدامه للمحسوبية مع النظام ما يمنحه العديد من الأدوات للتحكم بالثواب/ العقاب مثل الوظائف العامة وامتيازات الترخيص وغيرها، أو خلاف ذلك حرمان الناس من هذه الخدمات. الفرضية هنا هي أن القائد يتحكم ويتواصل مع رؤوس المثلثات على المستوى الأعلى وربما المتوسط فيما يقوم هؤلاء بدورهم بالتحكم والتواصل مع المستويات التي تليهم وهكذا. وعلى هذه الصورة الهرمية، يسيطر النظام في اليمن على المجتمع ويبقى في سدة الحكم.

الثواب/ العقاب

بحسب درجة الولاء والخضوع، يقوم النظام بمكافأة أو معاقبة اللاعبين السياسيين، وسادت السيطرة الرأسية في اليمن على مدى العقود الثلاثة الماضية للحفاظ على استدامة النظام. وتطلبت هذه المنظومة وفرة الموارد لدعم التابعين والمنافسين تم سحبها من عائدات الدولة وهذا حدث على حساب التنمية. وجعلت عملية إعادة توزيع وتوجيه الموارد بصورة مستمرة الحاجة إلى تفكيك الروابط بين عناصر المثلث الواحد أمرًا حتميًا، وتسبب هذا في تفتيت المجتمع أكثر في سياق شديد التقلب إذ جرّده من مميزاته التاريخية في الاستفادة من الدور الذي تلعبه القبيلة كمنظّم، وفي الوقت ذاته لم تقدم الدولة بديلاً. لقد عززت هذه الاستراتيجية من سيطرة الدولة على المجتمع لكنها للأسف أوجدت مجتمعًا شديد التشظي والهشاشة.

في الجنوب كان الوضع أسوأ من ذلك، فقد تبنت الدولة قبل الوحدة سياسات هدفت إلى خلق مجتمع لا طبقي عبر تطبيق سياسات غير مناسبة اجتثت الهيكل التقليدي والاجتماعي وفشلت في إيجاد بديل له. وهكذا، دخل الجنوب في الوحدة وهو يعاني تفتت اجتماعي وتشرذم سياسي وفراغ كبير، واليوم لا توجد مرجعية سياسية أو اجتماعية يمكنها أن تزعم أنها تمثّل كل الجنوب، وهناك فراغ عمدت إلى ملئه مجموعات صغيرة طموحة التي لا تستطيع الحفاظ على أو تعبئة دعم كبير مثل تنظيم القاعدة أو الفرقاء السياسيين الآخرين.

هياكل التحكم

ميّزت خاصيتان رئيسيتان السياسة اليمنية: أولاهما الصراع على السلطة بين النخبة السياسية حيث ساد الصراع عوضًا عن التعاون، وقد تم تطبيق طيف واسع من المناورات بدءاً بالتحالفات إلى الحرب الشاملة. ولهذا السبب أعطيت سياسة البقاء الأولوية فيما تراجع بناء الدولة إلى الخلف. أما الخاصية الثانية فتتمثل في أنه منذ بداية الوحدة وحتى اليوم، عانت الدولة من ركود اقتصادي حاد. وكان لهذا، إضافة للأداء الضعيف للحكومات المتعددة والعائدات المتواضعة المشتقة من القطاعات الهيدروكربونية مع حالة عدم اليقين بشأن المستقبل، تداعيات كبيرة على الاقتصاد وعلى الناس بالنتيجة. يعتبر توزيع السلطة في الدولة اليمنية الحديثة ومحاولة التغلب على ضعف الدولة في مواجهة تفتت السيطرة الاجتماعية هو المشكلة الرئيسية، وفي هذا الإطار نشأت مؤسسات عديدة أو تم حلها، واعتبرت المنافسة بين النخب وسياسة البقاء بشكل جماعي جزءًا من العلاقات بين الدولة والمجتمع.

جاء إنشاء هيكل جديد للقيادة والسيطرة على المجتمع معه بتغييرات مؤسسية حيث تم إعادة توزيع السلطة، وشهدت فترة ما بعد حرب 1994م، صراعًا ضمنيًا جديدًا زاد وضوحًا بعد إجراء الانتخابات البرلمانية الثانية التي جرت في 27 أبريل 1997م. تمحورت استراتيجية النظام في إعادة ترتيب وتوحيد هيكل السيطرة وكذلك تعبئة الموارد والأشخاص. يمكن تلخيص المشكلة الرئيسية في اليمن في التخلف التنموي، الذي يغطي جوانب عديدة للحياة الشخصية والعامة على السواء، وأحد جوانب هذه المشكلة حددته بدقة وتحدثت عنه هذه الورقة على وجه الحصر وهو تنافس النخبة على تولي السلطة في بلد واهن ومجتمع متشظي، ما أثر على عملية التنمية واستنزاف موارد البلاد.

كان يمكن ليوم الوحدة أن يشكل بداية للاندماج السياسي والانصهار الوطني. إن حقيقة أن اليمنيين الجنوبيين والشماليين شعروا بحس الهوية المشتركة على الصعيد الثقافي والتاريخي والاجتماعي لم يكن ضمانة بحد ذاته على أنه يمكن التسليم بحدوث الاندماج السياسي. ففي الواقع، وتحت السطح، كانت مؤسستا السلطة اللتان تم دمجهما دون اندماجهما، تناوران من أجل الحفاظ على و/أو توسيع استقلاليتهما وسلطتهما كلٍ على حساب الأخرى.[1]

على المستوى الرسمي، تم إنشاء هياكل لكيان سياسي متكامل: دستور وبرلمان وانتخابات واندماجات بيروقراطية، وتم فتح مساحة للتعبير السياسي الحُر كثرت وسائل الإعلام ولأحزاب سياسية وجمعيات وانعقاد لمؤتمرات عامة. مع ذلك، على مستوى السياسة التطبيقية، كان كلا النظامين الشموليين السابقين ينظر إلى الاندماج بقليل من حسن النية أو الثقة في الآخر.[2] وفي الوقت الذي اتفق فيه حزب المؤتمر الشعبي العام، الحزب الحاكم في الجمهورية العربية اليمنية والحزب الاشتراكي اليمني، الحزب الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ظاهريًا على معادلة لتقاسم السلطة على أساس 50-50 تقريبًا، (بالرغم من وجود نسبة 80-20 في السكان)[3] كان هذان الكيانان يعدّان كذلك استراتيجيات التراجع وخطط الطوارئ لحدوث صراع متوقع، فسعى كل طرف إلى تطوير قدراته العسكرية وإلى المداهنة فقط في مبدأ التوحيد العسكري. وسعى كلاهما للحصول على الدعم من الخارج وبدا على كلاهما أنهما يتشاركان في مصلحة ضمنية في إحباط نمو القوى السياسية المستقلة وفي إفساد محاولات المجتمع المدني الصاعد في الدخول إلى الحلبة السياسية بصورة فعالة. وقاد هذا إلى حرب عام 1994م، ومن ثم تم اتخاذ العديد من الإجراءات لإقصاء الجنوبيين من الجيش والخدمة المدنية ما ساهم بمجمله في نشوء المطالبة بالانفصال. وبدلاً من السياق التعاوني، ساد سياق تنازعي، فقد استخدم الفرقاء السياسيون اليمنيون كل القدرات التي يملكونها لكسب الهيمنة والبقاء ابتداء من التحالفات إلى الحرب الشاملة. وقد بلغت هذه المنافسة على السلطة والسيطرة ذروتها وانعكست فيما بعد على التغييرات المؤسسية والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي. وفي الوقت ذاته، كانت مراكز القوى منخرطة في تمثيل وتشجيع مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والدينية. 

 

واليوم يمكّننا توقع المشهد بعد عاصفة الحزم بأن تتوزع وسائل وأدوات السلطة والضبط الاجتماعية بين عدد كبير من مراكز القوى واللاعبين والمنظمات المختلفة في المجتمع. فالدولة القوية هي القادرة على التغلغل في المجتمع وضبط العلاقات الاجتماعية واشتقاق الموارد وتحديد كيفية استخدامها، وهي قادرة على إعادة تشكيل المجتمع عبر الترويج لبعض الجماعات والطبقات وتمثيل الآخرين في الوقت ذاته. وعلى سبيل المقارنة فإن دولة ضعيفة مثل اليمن لديها مؤسسات أمنية قوية وفي الوقت ذاته لديها تنمية ومؤسسات إدارية شديدتا الضعف ووظائف متردية. وتنعكس هذه الازدواجية في قوة تغلغل الدولة مقرونة بضعفها في تحقيق التغيير الاجتماعي.

غير أن ثلاث مشاكل ستنتج قصورًا سياسيًا: أولها تشظي الهيكل الاجتماعي الذي سينتج عن توزيع السلطة الاجتماعية بين مجموعات متعددة ومستقلة، والثانية تشتمل على الكوارث مثل الحروب الأهلية التي تقلل السيطرة الاجتماعية عبر سحب الثواب والعقاب من أيدي القادة، مصحوبة بالتغييرات المؤسسية. والمشكلة الثالثة تحدث عندما يكون المجتمع أشبه بالشبكة وله روابط محسوبية وعملاء بدلاً من النموذج الهرمي أو المركزي تحت سلطة الدولة، وهكذا توجد حواجز هائلة في إدراك وتحقيق السياسات.[4]

لهذه الملامح تأثير تبادلي على المركز والأطراف لأن المجتمع يصيغ أو يشكّل الدولة عميقاً بقدر ما تؤثر الدولة على المجتمع، وتتم تعبئة وحدات المجتمع على المستوى الأدنى عبر الولاء والمكافآت والعقوبات وبشكل مختلف عما كانت الدولة تنوي تحقيقه، وستكون النتيجة أن المتنفذين سيستخدمون موارد الدولة ومؤسساتها لبناء سلطاتهم.[5] وسيجبر هذا الدولة على الانخراط في عمليات تسوية ومراضاة وهي كانت السياسة الفعلية في اليمن قبل عاصفة الحزم، وهي كذلك بالضبط ما وصفه الرئيس السابق بـ"الرقص على رؤوس الثعابين" وما نسميها هنا "الرقص على رؤوس المثلثات".

سياسة البقاء

تتطلب سياسات البقاء الفعّالة منظومة من المؤسسات من أجل إدارة المكافآت والعقوبات بشكل ذي جدوى. ويمكن مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية من خلال التعبئة السياسية التي تتحقق عبر بناء هيآت الدولة ثم تعزيز هذه الهيآت. وعلى النقيض من ذلك، يمكن أن تفرز هذه بعض المخاطر على قادة الدول مع سعيهم للعثور على قنوات كافية للتعبئة ما يسفر عن عدم قدرة أي هيأة حكومية على السيطرة على قدرة التعبئة الخاصة بالدولة.[6] مع ذلك، تتنافس مؤسسات الدولة من أجل تخصيص الموارد والمكانة والتأثير والتفاعل، ما يوجد ولاءات داخلية بين كبار المسؤولين ويهدد تماسك واستقرار البلاد. وبالتالي فإن القادة بحاجة إلى إيجاد قوى جاذبة لمواجهة النزعات الطاردة من أجل استمرار الهيآت في العمل بشكل متماسك.

تتمثل المفارقة التي يواجهها القادة باليمن في أنهم بحاجة إلى هيآت فعالة، ما قد ينطوي على مخاطر عليهم، وهذه المفارقة تجبر القادة على السعي لبناء قوى جاذبة بشكل مستمر من أجل تقليل المخاطر المحدقة ببقائهم. وقد تم بالفعل استخدام الكثير من هذه الخيارات والتقنيات في السابق وسيجد أي رئيس قادم نفسه مضطرًا لاستخدامها. أحد الخيارات يتمثل في الموازنة بين اثنين أو أكثر من هيآت الدولة ضد بعضها البعض، مثلاً عبر وضع العسكر ضد الأمن أو إيجاد أكثر من قوة عسكرية واحدة بحيث تواجه بعضها البعض.

والخيار الثاني يتعلق بعزل الوحدات عن بعضها البعض، أو القيام بالتعيين أو الترقية على أساس الولاء. وقد باتت هذه الوسائل إضافة إلى إيجاد وظائف متداخلة وسائل رئيسية في خفض مخاطر الإطاحة بالقيادة. ولهذا الغرض، تأتي بعض القوى عسكرية وشبه عسكرية، ليس تحت سيطرة وزارة الدفاع، بل تتم إدارتها مباشرة من القائد وأقاربه.[7]

أحد الخيارات الأخرى للقائد يتمثل في الاعتماد على مجموعة بعينها مثل طبقة اجتماعية معينة أو طائفة أو غيرها من أجل إحداث توازن في مراكز القوى غير الرسمية وللسيطرة على المجتمع بشكل أفضل. إضافة لذلك، قد تكون لدى القادة خطط للحيلولة دون تركز السلطة. ولتعزيز البقاء السياسي، تُنحّى فكرة قدرة التعبئة جانبًا بالرغم من المخاطر الداخلية أو العالمية وذلك من أجل التخفيف من أي قوة جاذبة محتملة قد تهدد الحاكم.

هناك أنواع مختلفة من الأدوات والتحركات السياسة في اليمن. وهي: أولاً عملية النقل الوظيفي حيث يلجأ فيها القائد الى التدوير الوظيفي أو التعيين أو الفصل من الوظيفة الرسمية فيقوم بشكل دوري باستبدال كبار المسؤولين للحيلولة دون تشكل ولاءات داخل الهيآت القوية قد تهدد القائد. وهذه مجموعة من التحركات الاستباقية التي تمنع حدوث تكتل أو ائتلاف للقوة، وهي عملية تنطوي على تدوير مستمر للنخبة وهي أشبه بلعبة الكراسي الموسيقية السياسية.[8]

ثانيًا، هناك تكنيك التعيينات غير القائمة على الجدارة والاستحقاق والتي يتم تعيين المسؤولين بموجبها في الوظائف الرئيسية لقاء ولائهم الشخصي العميق لقائد البلاد. وفي الوضع الحالي تم استخدام الخصائص المبنية على صلات القرابة كمعيار في الترقية بالوظائف الحكومية.[9] وقد ترتبط الصلات الشخصية كذلك بالخلفيات المناطقية والعرقية والقبلية أو الطائفية.[10]

ثالثًا، توجد الوسائل المتعلقة بالخدع القذرة، بما فيها الوسائل غير القانونية أو التغييرات السريعة في القوانين من أجل إزاحة شخصيات رئيسية في الدولة، أو استباق ظهور مراكز قوة مهددة عبر إضعاف أو تدمير المجموعات في مؤسسات الدولة التي هي قوية بما يكفي لتهديد صلاحيات الحاكم. وتشتمل تحركات من هذا القبيل على الحبس غير القانوني والتعذيب والاغتيالات. ويمكن أن تتعرض مراكز القوى التابعة للدولة وغير التابعة لها معًا لحيلٍ قذرة.

تعكس كافة أنواع سياسات البقاء ضعفًا في مؤسسات الدولة وتحد من صلاحيات هيآتها. وبالرغم من أن استخدام سياسات البقاء قد يساهم في إطالة عمر الأنظمة والحكام فإنها تسبب في الوقت ذاته في استمرار الفوضى في الجهاز البيروقراطي، وهي تهدر الوقت وتحد من كفاءة مؤسسات الدولة والترشيد الإداري. وقد تمخض هذا عن إيجاد مأزق مزمن في البيروقراطية الحكومية في اليمن نشأ عنها مستوى متدنٍ جدًا من القدرة الاستيعابية للدولة. وهذا يحول دون تطوير مؤسسات الدولة التي، إذا وضعنا جميع الحقائق في الاعتبار، ضرورية للحاكم باعتبارها وسائل للدفاع ضد العنف الداخلي والخارجي. وهذا يعني أنه تعين على الحكام أن يقدموا مخصصات كافية لهذه الهيآت لكي تقوم بمهامها الضرورية. 

مع ذلك، يمكن أن تنبثق بعض مراكز القوة خارج منظمات الدولة، وهي تشكل خطرًا إضافيًا على القيادة. وقد تكون هذه مدارة من قبل أشخاص أقوياء في المناطق الحضرية والريفية. ويحدث الأمر ذاته في هيآت الدولة حيث يحتاج القادة إلى خدمة هؤلاء الأشخاص الأقوياء باعتبارهم شيوخ قبائل أو قادة مليشيات أو مالكين لرؤوس أموال أو خطباء دينيين أو قادة مجتمعيين أو غيرهم. وفي الوقت عينه، يحتاج القادة إلى الحد من صلاحيات هؤلاء الأشخاص الأقوياء من أجل الحيلولة دون تخطي نفوذهم لحدود معينة قد تؤثر على قدرة الدولة على التعبئة. وفي هذه الحالة، يفتقر حكام الدولة لسلطة القيام بتعيينات أو تعديل كبير في المناصب، ولكنهم قد يستخدمون بعض الحيل القذرة على نطاق واسع ضد مراكز القوة من هذا النوع. وحيثما كان التنظيم الاجتماعي كبيرًا وكان للحيل القذرة تأثير محدود فقط، يحاول القادة دمج هذه التنظيمات أو وظائفها في تنظيم الدولة أو في مؤسسات متحالفة مع الدولة، وتشتمل هذه المناورة بشكل ثابت على الإكراه والخيار المشترك والتسوية أو المراضاة.

مثلث الاحتــــواء

في مثل هذه البيئة المتوقعة بعد عاصفة الحزم والتي ستكون فيها الدولة متشظية سنجد أن السياسات ستنفذ من قبل المنفذين وهم أولئك المسؤولون عن تطبيق البرامج في مناطق محددة ومحصورة على المستويات الدنيا في الدولة. وهم في العادة بعيدين عن قادة الدولة، وغالبًا خارج مجال رؤية كبار الأشخاص في مؤسساتهم. يوضع هؤلاء المنفذون بصورة استراتيجية بين صناع السياسة الكبار ومعظم سكان البلاد. تُخضع اللعبة السياسية هذه الأدوار الوسيطة إلى ضغوطات ومخاطر من مختلف المجموعات، وأولها المشرفين أو الأشخاص الموجودين مباشرة فوقهم والثانية هي العملاء المستهدفين بالبرنامج أي من يستفيدون أو ينتظمون تحت قواعد البرنامج. والثالثة مكونة من الجهات الفاعلة الإقليمية داخل الدولة من البيروقراطيين والسياسيين فيما تشمل المجموعة الأخيرة الرجال الأقوياء من خارج إطار الدولة. لتركيبة المجتمع، مع ذلك، تأثير مهم وغير مباشر على تنفيذ السياسة. تنشأ سياسة البقاء في المجتمع الذي لديه سيطرة اجتماعية مفتتة، وبدورها تقلل سياسة البقاء من الدعم القادم من المنفذين وخطر العقوبات من المشرفين ما يجعل المنفذين أكثر يقظة وانتباهًا لتكاليف العمل المحتملة من المتنفذين والنظراء. بمعنى آخر: يكون المنفذون منفتحين على طيف واسع من الضغوطات ويسفر هذا عن إضعاف قدرة الدولة على وضع القواعد التي تحكم سلوك الناس أكثر.[11]

تشهد الدولة هنا مستويين من التسوية: في الأول: تقوم القيادة العليا في الدولة بالتسوية بين نوعين من التحكم الاجتماعي: الأول يسمح فيه للمتنفذين بتطوير تحكم اجتماعي لغرض كسب الاستقرار المجتمعي على المستوى المحلي والثاني على المستوى الوطني من خلال مراكز القوى حيث يقوم القادة بعقد صفقاتهم من خلال سياسات تمييزية و/أو تفضيلية.[12]

يحدث المستوى الثاني من التسوية على الصعيدين المحلي والإقليمي داخل الدولة حيث يقوم المنفذون ونظراؤهم من المسؤولين والرجال الأقوياء في الدولة بالتسوية أو مراضاة بعضهم البعض في شبكة من التبادل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وتحدد مساوماتهم المخصص النهائي من موارد الدولة للمنطقة أو الإقليم.[13] هاتان المنظومتان من المساومة تسميان معًا بـ"مثلث الاحتـــــــواء"، والنتائج غير متوقعة وغالبًا مختلفة عن تلك التي يرسمها صناع سياسة الدولة، وتؤدي المساومة دومًا إلى انحراف في استخدام موارد الدولة حيث تحيد سياسات الدولة عن مسارها وتتم إعادة توجيه الموارد مع تغلغل هؤلاء في المجتمع واستخدامهم موارد الدولة لغاياتهم الخاصة وتعزيزهم للتشظي الاجتماعي. ولهذا السبب، لا يتوقع أن يتغير توزيع السيطرة الاجتماعية بصورة جذرية من الشكل الشبكي إلى الهرمي.[14]

المنظور المستقبلي لتوازن السلطات

مع الدعم الدولي الكبير ستتركز السلطة في أيدي الجهات التنفيذية دون أن يعني ذلك مركزية الدولة التي تتشارك فيها قوى طرفية عديدة، حيث تضمن الترتيبات المؤسسية إشراك أطراف عديدة مع السلطة التنفيذية في كل القرارات الهامة. وتعمل شبكة الرعاية المرتبة بعناية على الولاء الشخصي على تعزيز نفوذ السلطة التنفيذية. وفي ظل غياب الفصل الواضح بين السلطات تفلت الكثير من أعمال السلطة التنفيذية من الرقابة، وهو ما أنتج ثقافة سياسية تظهر سمات تركيز السلطة (عدم الشفافية؛ اللامسؤولية, الفساد, الحصانة غير القانونية من المساءلة). والطريقة التي تُمارس بها السلطة في اليمن لها تبعات هامة على عملية صنع القرار، الأمر الذي جعل من الصعب على نظام الحكم أن يتعامل مع تحديات المدى البعيد الاستراتيجية. والمشكلة الحقيقية لا تكمن في عدم معرفة ما هو مطلوب القيام به ولكن في نوعية الدوافع والحوافز التي تواجه من لهم سلطة ونفوذ وتمنعهم من الرقي إلى مستوى التحدي بعكس التوجهات الحالية. وقد وصفت ذلك باختصار سارة فيليبس في قولها:

"يعتبر نظام المحسوبية في الأساس طريقة لإدارة الأزمات – وهي طريقة جيدة لاحتواء الأزمات أو على الأقل حصرها، ولكنها غير كافية لاستباق الأزمات من خلال وضع السياسات البديلة. فحلول المشاكل تكون من خلال توزيع الموارد والفوائد والمكانات، وطريقة جذب هذه الأشياء هو عن طريق خلق الأزمة ومن ثم الخوض في مفاوضات مع القيادة للتوصل إلى حل".[15]

ومن الأوضاع التي خلقتها الوحدة وجود قطاع عام مكتظ، فمع وجود حوالي 1.200.000 وظيفة حكومية نجد أن تكلفة قوة عمل بهذا الحجم شيء مذهل. وهذا ما هو إلا نتيجة مكافأة المخلصين لنظام الحكم الذي عليه إبقاء الموظفين في وظائفهم. لكن هذا أدى إلى خلق قطاع عام متضخم مع مهارات متواضعة، وبالتالي ظلت القدرات الإدارية متدنية والمؤسسات لا تعمل في الغالب إلا بطريقة ردة الفعل للأزمات الناشئة. وبذلك يصبح ديدن نظام الحكم الحفاظ على استقراره من خلال المحسوبية والاختيار، ومنع ظهور أي خطر فعلي يهدد سلطته المركزية، وهذا الوضع هو ما يفرض التركيز التكتيكي قصير المدى ويعيق مشروع بناء الدولة القادر على معالجة التحديات الاستراتيجية على المدى البعيد، وهي تحديات حقيقية وتزداد نموًا. وهذا الوضع البيروقراطي سيزداد سوءًا بإعادة ما يقارب 150.000 موظف عسكري ومدني جنوبي من الذين تم إبعادهم من وظائفهم في الفترة السابقة، مع ما يضاف سنويًا لقطاع العمل من الشباب والخريجين الجدد.

متلازمة الضعف المؤسسي في اليمن

لن يتحقق الاستقرار في اليمن إلا إذا ترسخت الثقة بين الدولة ومواطنيها، فقد أدت عقود الصراع المتواصل إلى انعدام الأمن وضياع فرصة بناء الدولة والسقوط في ويلات الفقر. وفشل الدولة أو هشاشتها هو ما يقف وراء أزمة الحوكمة هذه. ويعتبر انخفاض مستوى الشرعية هو المنفذ الرئيسي لهشاشة وضعف الدولة في اليمن. وتبدأ الحلقة المفرغة مع انعدام ثقة المواطنين في قدرة دولتهم على خلق نظام سياسي واجتماعي واقتصادي شامل يمكن تحقيقه بتطبيق سياسة القانون. وهناك دلائل تشير إلى فقدان الشرعية، منها: زيادة الممارسات الغير قانونية والغير رسمية والإجرامية في الاقتصاد؛ عدم فعالية تقديم الخدمات الأساسية مثل الصحة والصرف الصحي والتعليم؛ التقاعس في الحفاظ على أو توسيع البنية التحتية الأساسية؛ تفشي الفساد؛ الاستيلاء على الأملاك العامة وتخصيصها للمصلحة الخاصة. ونتيجة لذلك تضعف السيطرة الإدارية وتُستخدم البيروقراطية كوسيلة لإساءة استخدام السلطة، وبالتالي تؤدي إلى حدوث أزمة في الأموال العامة، حيث يصبح من الصعب توقع الواردات والنفقات ويصبح وضع الموازنات الطارئة والإضافية ممارسة دائمة في إدارة دولة الطوارئ. أما العلامة الجوهرية فتكمن في عدم احتكار العنف المشروع من قبل الدولة وظهور الجماعات المسلحة التي من خلال اللجوء إلى العنف تسخر علنًا من سلطة الدولة وتفرض سيطرتها على العديد من المناطق.

في البلدان التي تعاني من صراع مستمر تتطور سلسلة من العلاقات الرسمية والغير رسمية تثير أعراض مرضية مؤسسية، ومن الواضح أن هذه العلاقات أصبحت تشكل عائقًا لمشروع عملية الاستقرار والسلام الاجتماعي وبناء الدولة. والاستيعاب الواضح لهذه الأعراض المؤسسية أساسي لإعداد الاستراتيجيات من أجل التغلب على هذه العوائق التي تؤدي إلى خلق دولة، وتصبح بمثابة آليات للاستقرار والازدهار. ومن العوامل المساعدة على التغلب على هذه العوائق هو فتح المجال أمام المواطنين للمشاركة في العملية السياسية وخلق مجال واسع للقطاع الخاص المشروع للظهور. وبدون ذلك فإن مخاطر الإقصاء والأعمال غير القانونية سوف تزيد من فرص تعرض بناء السلام الاجتماعي وعملية الاستقرار إلى الخطر الملازم لمثل هذه التصرفات.

ويتصف تزامن مثل هذه الأعراض بالتالي:

(1) ظهور الجماعات المسلحة التي تدخل في صراعات مع بعضها ومع الدولة؛ (2) بروز نزعة مناطقية قوية داخل الوطن، مع التركيز بشكل خاص على المناطق (الجنوب) الغنية بالموارد والمساحة، و(الشمال) ذات التضاريس الوعرة المناسبة لتحركات التمرد؛ (3) تنامي شبكات الدعم اللوجستي وعمليات التمويل والتهريب التي تعمل خارج القانون؛ (4) عدم الشفافية في صنع القرار وهيمنة النخب والأقليات على عملية صنعه؛ (6) تلاشي وفقدان الثقة في المؤسسات من ناحية، والرغبة الشديدة للحصول على دولة فعالة من ناحية أخرى.

بناء الدولة واستقرار اليمن (زيادة فعالية الدولة)

هناك ثلاث عشرة وظيفة جوهرية مقترحة هنا والتي على دولة اليمن القيام بها حتى تستطيع البقاء والمنافسة في العالم الحديث. وهذه الوظائف هي: (1) الاحتكار المشروع لوسائل العنف؛ (2) السيطرة الإدارية؛ (3) كفاءة وشفافية إدارة المال العام؛ (4) الاستثمار في الثروة البشرية؛ (5) توضيح حقوق وواجبات المواطنين والالتزام القانوني بتطبيقها؛ (6) توفير خدمات البنية التحتية  وتحديثها؛ (7) تشكيل أسواق حرة فعالة ومستقلة؛ (8) إدارة ممتلكات الدولة (ومن ضمنها البيئة والموارد الطبيعية والممتلكات الثقافية)؛ (9) إقامة علاقات دولية متزنة (بما في ذلك إبرام العقود الدولية والاقتراض)؛ (10) تطبيق سلطة القانون؛ (11) إقامة علاقات متزنة بين الدولة والمجتمع؛ (12) المساواة بين المواطنين قانونيًا واقتصاديًا؛ (13) توزيع عادل للثروة من أجل تحقيق تنمية مناطقية متساوية.

 

الانتقال من الصراع/الهشاشة إلى الاستقرار[16]

الأعراض المتلازمة

الوظيفة

الصراع؛ التشظي

السياسة والمجتمع؛ الاحتكار المشروع لوسائل العنف

الافتتان بشخصية القائد؛ البطل الفرد

إدارة مؤسسية فعالة وفقًا للدستور والقانون

التعتيم؛ عدم القدرة على التنبؤ

إدارة واضحة وشفافة للمال العام

هجرة الأدمغة؛ البيئة الطاردة 

الاستثمار في رأس المال البشري

غياب الخدمات

الرعاية؛ التمويل، الجودة؛ التنظيم، التحديث المستمر

الهويات المتعارضة

حقوق المواطنين؛ تشكيل مجتمع مدني

الدمار

خلق بنية تحتية والحفاظ عليها وتحديثها

الاقتصاد الحربي

إنشاء وتنظيم اقتصاد السوق

التهميش؛ انعدام الشرعية

علاقات دولية بناءة متوازنة قدر الإمكان

لغة السلاح؛ وساطة غير رسمية

سلطة القانون؛ السلطة التنفيذية المركزية/المحلية؛ السلطة التشريعية؛ سلطة قضاء تحكمها الإجراءات العادلة

 

لذا ينبغي القيام بالبحث والتحقيق في عدد من المجالات:

o      توصيف الدولة الموازية، مع فهم أفضل لتوازن المتغيرات بين اللاعبين الأساسيين، ومصالحهم ومنافسيهم، وكذلك فهم العوامل القبلية التي تكمن وراء التسوية السياسية؛ فهل لا زال يخضع اليمن لحكم مرشح التسوية؟

o      فهم ثقافة الشباب وتصميم البرامج التي تساعد الشباب أن يلعبوا دورًا بناءً في صياغة مستقبل اليمن.

o      التحقيق في اليمن "التقليدي": كيف يستطيع الناس العيش وحل النزاعات لكي يتم التعرف على البرامج الداعمة الممكنة.

o      خوض غمار تجربة تمكين المرأة: هل هي تأتي من تغير المكانة السياسية أم أنها – وهو ما نشك فيه – تأتي من التمكين الاقتصادي؟

 

لا يمكن إنشاء دولة قوية ومستقرة في اليمن دون تعزيز مؤسسات الدولة الرسمية وبسط القانون والنظام والمحاسبة. غير أن هذا يحتاج إلى توزيع السلطة بتوازن دقيق. علاوة على ذلك فإن الموازنة بين الدولة والمجتمع أمر حتمي ويتطلب إعادة تشكيل وحدات الدولة الموحدة وتعريف العلاقة بين هذه الوحدات بوضوح. يجب كذلك توليد الموارد وتوزيعها بطريقة عادلة، كما يجب ربط الهوية والانتماء للدولة مع كمية وجودة الخدمات المقدمة من الدولة في مقابل إسهامات المواطنين في الخزينة العامة. وهكذا، وفي هذا السياق يمكن تعريف بناء الدولة بأنه عملية ذاتية لتطوير قدرة ومؤسسات وشرعية الدولة المرتكزة على علاقة الدولة-المجتمع. تشتمل عمليات بناء الدولة الإيجابية على علاقات متبادلة بين الدولة التي تقدم الخدمات لشعبها والمجموعات الاجتماعية والسياسية التي تنخرط بصورة بنّاءة مع الدولة، وهذا يتطلب بالضرورة وجود عملية سياسية جامعة للتفاوض على علاقات الدولة-المجتمع.

وإذا ما مضى اليمن في تبني الفيدرالية فإن التجربة تظهر أن تقاسم السلطة الرأسي يمكن أن يُستخدم لتناول القضايا التي تواجه اليمن، غير أنه توجد كذلك تجارب تتعلق بمسألة استخدام النهج المرتبط بتقاسم السلطة الرأسي في الواقع لتعزيز السيطرة من الأعلى للأسفل أو لزيادة التنافس النخبوي بين الرجال الأقوياء المحليين أو للدفع من أجل تفكك الدولة. ويتوقف تأثير تبادل السلطة الرأسي بشكل كبير على تصميم خياراته وعملية إرسائه الكلية ضمن إطار النظام الحكومي، وهذا يقود إلى التساؤل عن نوع تقاسم السلطة الرأسي الذي يمكن أن يسهم في هذا التغيير، أي في تعزيز مؤسسات الدولة الرسمية وترسيخ القانون والنظام وإيجاد المساءلة ودعم اندماج كافة المناطق في اليمن والتأثير بإيجابية على علاقات الدولة والمجتمع. 

العناصر التالية حاسمة ويجب النظر فيها عند مناقشة تقاسم السلطة الرأسي: 

1-  بين من يجب تقاسم السلطة؟ بمعنى آخر، مع أي وحدات أخرى من الحكم يجب على المركز أن يتقاسم الصلاحيات؟ مع الأقاليم أم الحكومات المحلية مثلاً؟ يمكن أن تكون هذه الوحدات موجودة سلفًا أو يتم استحداثها لهذا الغرض.

2-  ما هي الصلاحيات أو السلطات التي يجب أن تبقى في المركز وما هي السلطات التي يمكن نسبها إلى وحدات أخرى في الحكم؟ أو بصياغة أخرى: ما هي قضايا السياسة التي سيقررها المركز ومستويات الحكم الأدنى؟ أي مستويات الحكم هو أفضل من يقدر على أداء مهام معينة، وما هي المهام التي يتطلب فيها التعاون؟

3-  ما نوع الموارد/الإيرادات المالية التي ستتوفر لكل وحدة من وحدات الحكم؟ إلى أي مدى تستطيع وحدات الحكم التقرير بشأن كيفية زيادة الإيرادات وكيفية إدارتها وإنفاقها؟

4-  كيف سيتم تنظيم مستويات الحكومة الأدنى، وبشكل خاص إلى أي مدى تستطيع هذه الوحدات اتخاذ قرار كيفية التنظيم بنفسها؟

5-  كيف سيتم بناء العلاقات بين المركز ووحدات الحكم الأخرى؟ ما نوع آليات الرقابة والتنسيق والمتابعة والموازنة التي توضع موضع التنفيذ؟ هل سيكون لوحدات الحكم على المستوى المحلي رأي في عملية صناعة القرار في المركز؟ كيف ستتم إدارة النزاعات بين مختلف وحدات الحكم؟

6-  كيف سيتم ترسيخ حقوق وواجبات وحدات الحكم؟ على سبيل المثال هل سيتم التأسيس لعملية توزيع السلطة وتقاسم الموارد وآليات حل النزاعات في الدستور أو على مستوى التشريع؟

إذا كان هناك اتفاق على أن تقاسم السلطة الرأسي يفترض أن يساهم في تعزيز مؤسسات الدولة الرسمية والقانون والنظام وتأسيس المساءلة من أجل المواطنة، ومع تأثيره بشكل إيجابي على علاقات الدولة والمجتمع وكذا المساهمة في تكامل جميع مناطق اليمن، فإن تأثيرات الخيارات المختلفة على عمليات الحكم الكلية تستحق بعض الاهتمام.

 

إصلاح العلاقات المدنية العسكرية

من بين المشاكل القديمة التي يواجهها اليمن هو إخضاع القوات العسكرية للسلطة المدنية. وأثناء حقبة ما قبل الوحدة كانت دولة الحزب الواحد في الجنوب تنظر إلى الجانب العسكري على أنه أداة للحزب: فكان على الضباط العسكريين الانتماء إلى الحزب، وكان المفوضون والخلايا الحزبية توازي سلسلة القيادة العسكرية الطبيعية، وكان الولاء للحزب وليس للدولة، وداخل صفوف الحزب كان الولاء ينقسم على جماعات معينة، وهو ما سَيْسَ الجيش إلى درجة عالية. كما تم تجنيد المجتمع في مليشيات شعبية سادت الحياة اليومية في كل القرى النائية.

وعلى غرار ذلك، وإن كان بإتباع نمط مختلف، كان اليمن الشمالي لأكثر من ألف عام يتصف بالطابع العسكري. ومع أن الأئمة لم يكونوا يمتلكون جيوش نظامية متخصصة إلا أنهم كانوا يشنوا حروبهم من خلال حشد القبائل المقاتلة. وكانت حرب 1962 – 1970م، الأهلية هي نقطة التحول، فقد دفعت بالمعسكرين المتحاربين (الملكيون والجمهوريون) إلى الاعتماد كثيرًا على القوى القبلية. ومنذ تلك الفترة تواصلت الحالة هذه تحت ظل ضغط بعض العناصر القبلية لتولي مناصب مؤثرة في مؤسسات الدولة وحاجة نظام الحكم إلى دعم تلك العناصر، مثل ما حدث في حروب 1972م و1978 – 1979م و1994م. وهذا أدى إلى وجود مراكز قوى تتكون من خليط من العناصر القبلية والعسكرية تفرض سيطرتها، ليس فقط على أجهزة وإدارات الدولة، بل أيضًا على الأنشطة السياسية والتجارية وحتى على الثقافية مؤخرًا.

وبعد الوحدة اليمنية ساد النمط الذي ساد سابقًا في اليمن الشمالي، هذا خلق علاقات نسبية عكسية بين قوة الجيش النظامي وتأثير مراكز القوى المبنية قبليًا. وتدرك العناصر القبلية، التي تشكل مخزون الجيش الغير رسمي، أنه لا يجب السماح لقوة الجيش النظامي أن تتجاوز حدود معينة. وقد دفعت مقاومة تعزيز الجيش النظامي بنظام الحكم إلى التعويض عن ذلك من خلال ثلاثة أشياء. أولاً، عملت السلطة كل ما في وسعها لتضمن اختراق القوات العسكرية والسيطرة عليها من خلال نظام زبائني يقوده أهم الحلفاء، وخلق الانقسام في صفوف هذه القوات وإحكام قبضة السلطة عليها بالاعتماد على نخبة من القوات ووحدات عسكرية خاصة يقودها مباشرة القائد ولا تخضع لوزارة الدفاع. ثانيًا، تميل السلطة إلى إدارة كل وزارات الدولة الأساسية ودوائرها، المدنية والعسكرية، عن طريق مسؤولين عسكريين يتميزون بالولاء الشديد للمؤسسة الحاكمة. ثالثًا، وبما أن القوات العسكرية تفتقر للتماسك ونظام الحكم يفتقر للشرعية الكاملة، ظل المجتمع وحيدًا يعصف به العنف والصراعات المسلحة حتى تتشظى وتضعف وحداته وتبقى سيادة المؤسسة الحاكمة هي العليا، وهو ما أضفى على المجتمع الطابع العسكري حيث تتطلع الفئات الاجتماعية للقوة المسلحة، نظامية وشعبية وقبلية، من أجل ضمان الأمن في الأطراف.

وبهذا تواجه الدولة في اليمن تحديًا كبيرًا يستدعي الحاجة إلى إصلاح جذري للعلاقات المدنية العسكرية. وقد أوجد الأداء الغير عقلاني والفاقد للحيوية الذي تقوم به إدارة الضباط العسكريين لإدارات الدولة المدنية الحنين والشوق بين أوساط الشعب إلى الحكم غير الديمقراطي السابق الذي وفر الاحتياجات الأساسية والأمن وسير الأمور أفضل مما هي عليه اليوم. لذا لا بد من بذل الجهود من أجل إعادة هيكلة وتوجيه القوات العسكرية تجاه المهام العسكرية وتعزيز المهارة العسكرية وتقليل الدور الذي تلعبه القوات العسكرية في المجتمع، حيث أن واجب القوات العسكرية الدفاع عن المجتمع وليس تحديد هويته وتعريفه. إن السيطرة المدنية مهمة جداً: إذ يجب أن يتخذ ويقر القرارات الحكومية بما في ذلك الأمن القومي متخصصون من خارج دائرة القوات المسلحة. وهذا أيضًا يتطلب نظام حكومي مستقر وشرعي لمنع التدخل العسكري بحجة حماية المجتمع من الفوضى. كما يجب إخضاع القوات العسكرية للمساءلة أمام مجلس النواب المنتخب، وفرض مناقشة عامة وفحص لسياسات الدفاع والموازنات وحالات الأخطاء العسكرية وارتكاب المحظور.

وعلاوة على ذلك، لا ينبغي لموظفي الدوائر العسكرية القائمة بالخدمة الاشتراك بأي حال من الأحوال في الشؤون السياسية كأعضاء لأحزاب سياسية في السلطات المنتخبة أو حتى في إدارة سياسية على المستوى المحلي أو الوطني، وهذا يشمل وزارات الدفاع والداخلية والمخابرات. وحين لا تستطيع السلطات التنفيذية والتشريعية ضبط أين ومتى وكيف يتم استخدام القوات العسكرية فلا يمكن القول أن هناك سيطرة مدنية. فيجب تقديم الدعم الفعال والعلني لمبدأ الإخضاع العسكري للحكومة المدنية من قبل أدوات الفكر: وسائل الإعلام والجامعات والأحزاب السياسية والجمعيات التجارية والمتخصصة وغيرها من الأدوات. وبينما من الممكن وجود سيطرة مدنية على القوى العسكرية بدون الديمقراطية إلا أنه لا يمكن وجود الديمقراطية بدون السيطرة المدنية على القوى العسكرية.

 

 

 

 

 

 

[1] هدسون، مايكل، "القطبية الثنائية، الحسابات المنطقية والحرب في اليمن"، مجلة الدراسات العربية، ربيع 1995، ص: 9-19، الصفحة 10.

[2] المرجع السابق.

[3] للاطلاع على الإحصائيات الديمغرافية، انظر: ديفيد مونرو، قاموس أوكسفورد للعالم: أوكسفورد، دار جامعة أوكسفورد، 1995، ص: 657.

[4] المرجع السابق، أماكن متفرقة.

[5] المرجع السابق، ص: 177-198.

[6] المرجع السابق ص: 208.

[7] المرجع السابق ص: 211-213.

[8] المرجع السابق، ص: 214-.217

[9] لمراجع حول العلاقات القرابية الجديدة انظر: إيسينستادت، العلاقات القرابية التقليدية والحديثة، أوراق بحث في العلوم الاجتماعية والدراسات في الحداثة المقارنة، المجلد الأول (بيفرلي هيلز، سيج، 1973).

[10] ميغدال، مرجع سابق، ص: 218.

[11]المرجع السابق، ص: 238-241.

[12] المرجع السابق، ص: 245.

[13]المرجع السابق.

[14] المرجع السابق، ص: 247-258.

[15]سارة فيلبس، "الرقص على رؤوس الثعابين"، 2008م، ص5.

[16]Ashraf Ghani, Clare Lockhart and Michael Carnahan, 'An Agenda for State-Building in the Twenty-First Century', The Princeton Project on National Security, VOL. 30:1 WINTER 2006, p. 108.

مقالات لنفس الكاتب