العدد 123

القدس مدينة الطهور.. كيف نحميها؟؟

الأربعاء، 27 أيلول/سبتمبر 2017

إن القدس بهيبتها وجلالها تبسط تاريخًا حافلاً بكل دلائل البطولة والصمود والهيبة والإجلال، القدس صمدت طويلاً.. أمام كل موجات الأعداء منذ عصر اليبوسيين الأوائل حتى يومنا في مواجهة الصهاينة، شاء القدر أن تظل القدس على مر التاريخ مسرحًا لمواجهات دموية مع الغزاة، وحائط صد أمام السيطرة عليها.

 ويظل لكل عاصمة سمة معينة، وذكريات خاصة بها تنسجها الأيام، وتصنعها أحداث التاريخ، وتكون الشاهد الأقوى على ما تمثله من معان وقيم وتعبر عنه السياسات ، ولا يوجد في العالم عاصمة واحدة تتجسد فيها المعاني الفكرية الروحية والقيم المطلقة مثل القدس التي تبدو العاصمة الروحية للإنسانية، فالقدس ليست مجرد مكان شهد أحداثًا عظيمة، بل موطن للإلهام لدرجة أن مبادئ وأفكار الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة لم تكن بعيدة عن النبع القدسي، العاصمة الوحيدة في تاريخ الإنسان التي  يتجاوز تأثيرها حدود الزمان والمكان...إنها القدس.

    وقدر القدس أن تكون المدينة التي يشع فيها أعظم التراث الإنساني المشترك الإسلامي والمسيحي معًا، والتقيا في رحابها وجوامعها وكنائسها ومدارسها وأديرتها، ولقد شرف الله تعالى مدينة القدس وذكرها وباركها في القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم" سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" صدق الله العظيم، كما روى أبو هريرة - رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".

   وقدر للقدس أن تستقبل صاحب الرسول عليه السلام، الخليفة الراشد الثاني وأحد أعظم شخصيات التاريخ الإسلامي "عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه وقدم من القدس للعالم أسمى معاني القيم الإنسانية، وأوضح الوجه الحقيقي لعدالة الإسلام حيث جسد الفاروق سماحة الإسلام حين قاد جيوش المسلمين إلى الفتح والظفر والنصر، جعل لغة الحرب بردًا وسلامًا وعدلاً.

   وقدر للقدس أن تشهد انتصار صلاح الدين الأيوبي، وإنهاء سيطرة الغزاة عليها، ونشره الرحمة والمحبة والحلم في ساعة الحرب والنصر، وأعطى للفروسية النبيلة مئذنة الخلود في حياة الإنسانية.

   قدر للقدس أن يرتبط تاريخها بحياة المسيحي الأول، والفلسطيني الأول-عيسى بن مريم- وأن تكون رواية حياته شاهدة على تعاليمه وناقوس مبادئه.

   هكذا جمعت القدس أعظم ما في التراث الإسلامي والمسيحي: الحب، المساواة، الرحمة، الإخاء، التسامح، العدل، الجمال، الفروسية، واحترام الخصم وقبول الآخر، والخلو من الضغينة.

   القدس الآن، مهددة في صميم عروبتها، وتقبض على هويتها العربية كالقابض على الجمر، يحتدم الصراع الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني في هذه الآونة حول مدينة القدس، مع أن القدس هي مفتاح السلام الحقيقي في المنطقة، بل في العالم.

    تراود العدو الصهيوني أفكار، بل أحلام ترحيل الفلسطينيين قصرًا أو عبر إجراءات القهر المقيتة، لكي يقرر الفلسطيني الرحيل عن وطنه، فما من وسيلة إلا واستخدمتها إسرائيل وما من برنامج تعسفي إلا وحاولت تطبيقه، ولسان حال الاحتلال يقول للفلسطينيين: هذه الأرض أرضنا وحقنا نحن اليهود، أيها الفلسطيني إما تقبل السيادة اليهودية على البلاد أو تعيش عبدًا لنا أو لترحل.

   إن الشعب العربي الفلسطيني يعتقد اعتقادًا راسخًا بأن مقاومة الاحتلال وبكل أشكال المقاومة ليست حقًا فحسب، بل واجبًا عليه وواجبًا على أمته العربية والإسلامية، وعلى أحرار العالم. فالإنسان الذي يرضخ للظلم والقهر ويسكت عن الطغيان ليس من بين الأحياء بل الموتى، وليس جديرًا بالحياة، لكن الشعب العربي الفلسطيني يفيض بالحياة التي استمدها من جذوره الإنسانية الممتدة في أعماق وطنه وفجر التاريخ.

   في تراثنا الكنعاني القديم، كان أجدادنا يرددون ملحمة "بعل" رمز الخصب الذي كان رقيق القلب يحب السلام ويكره الحرب، يأمر بالابتعاد عن السلاح ونشر المحبة على الأرض، ومن أبيات هذه الملحمة وبعل يخاطب أخته:

الحرب على الأرض مخالف لمشيئتي

بلقاح المحبة لقحي التراب

اسكبي السلام في كبد الأرض

والعسل في قلب الحقول

ابعدي عنك عصاك وسلاحك

تعالي الي ولتسرع خطاك نحوي

ويحدث أن يعمل "موت" رمز القحط على قتل بعل، ولكن بعلاً يعود إلى الحياة مرة أخرى:

وإذا السماء تقطر سمنًا

والأودية تسيل عسلاً

وتصرخ الخلائق أن بعلاً حيًا.

   فما بالكم بالفلسطيني المؤمن بالله وبالرسالة المحمدية، المحب للسلام والقيم الإسلامية. وما حيلته وقد انتزعت منه أرضه بفعل المعادلة الدولية، وعلى رأسها بريطانيا العظمى في ذاك الزمن التي سلمت فلسطين للصهاينة، ولقد واجه الشعب العربي الفلسطيني ذلك بكل أشكال النضال والمقاومة، وعانى مر المعاناة من الاستعمار البريطاني قتلاً، وتشريدًا، وتعذيبًا، وسجنًا، ونسفًا للمنازل، وتعليقًا على المشانق، ورمز ذلك الشيخ فرحان السعدي الذي أعدم شنقًا وهو ذو التسعين حولاً.

   هذه بريطانيا الديمقراطية والحضارة والإنسانية وادعاء حقوق الإنسان .. بريطانيا التي رفضت حكومتها مؤخرًا الاعتذار للشعب الفلسطيني، بل مجلس الوزراء البريطاني يعلن أنه يفتخر بإنشاء دولة إسرائيل، أي لا قيمة ولا وخزة ضمير لتشريد شعب في المنافي والقهر والظلم والإجحاف.

   ولعلنا هنا نذكر موقف إسلامي قادم من أعماق التاريخ، فقبيل مغادرة ريتشارد قلب الأسد فلسطين، أرسل صلاح الدين إليه يقول: " القدس إرثنا كما هي إرثكم، من القدس عرج نبينا إلى السماء، وفي القدس تجتمع الملائكة، لا تظن إننا نتخلى عنها ابدًا، أما الأرض فاستيلائكم عليها كان عرضًا لضعف المسلمين فيها".

   وإذا بدا للبعض أن الربط بين وعد بلفور والحملات الصليبية (الفرنجة) فيه شطح وشطط فلا بأس في أن نذكر بأن مجلة "بنش" كبرى المجلات السياسية البريطانية المصورة، نشرت بعد دخول الجنرال اللنبي القدس، رسمًا لريتشارد قلب الأسد، يحدق في القدس قائلاً: " وأخيرًا تحقق حلمي".

   ومما يذكر أيضًا، أن السير مارك سايكس، صاحب سايكس ـ بيكو، مهندس النظام الجديد في المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى، قد صمم تمثالاً لإقامته على قبره، وكان التمثال لمحارب من الفرنجة يرتدي درعًا ويشهر سيفًا بينما يرقد عن قدميه محارب مسلم قتيل، ويعلو النصب لوحة نقشت عليها عبارة " ابتهجي يا أورشليم"1

 

    الشعب العربي الفلسطيني حمى بنضاله وتضحياته الجسام، قضيته إلى أن استعادت زخمها وموقعها الطبيعي، باعتبار أن الشعب العربي الفلسطيني هو الشعب الوحيد في العالم الذي لا يزال يرزح في القرن الحادي والعشرين تحت نير الاستعمار الاستيطاني، الأكثر صنوف الاستيطان ظلمًا وقهرًا ونهبًا، ويعيش شعبنا جراء ذلك حياة الشقاء الإنساني، الضنك، العذاب، الألم، السخط.

   الأرض بالنسبة للفلسطيني هي المكان، هي الأمومة الخالدة للشعب المنكوب، والقدس هي روح الشعب الفلسطيني.. القدس جزء من نسيج الأمة العربية الإسلامية، ورمز لنضالنا، وإلهام متجدد للمتجذرين في أرض الزيتون والطهارة في مواجهة العنصرية الفاشية وهيمنة الإلغاء وطمس الهوية والتهويد، والمقدسيون لن يتخلوا عنها تصدوا ومازالوا يتصدون بصدورهم العارية للرصاص.

   المقدسيون، ورغم المعاناة، اثبتوا سمو الروح والوجدان ويبحثون عن الحب والجمال والحرية، ولن نكون كأعدائنا في قتل الأطفال وحرقهم، وقطع أعناق أشجار الزيتون وحرقها، وبناء جدار الفصل العنصري، واستخدام الفسفور الأبيض أثناء العدوان على غزة ، وهدم البيوت ونسفها، وتهويد القدس ضمن مخططات وبرامج لتفريغها من أهلها. لقد كان أكبر تحد للأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي برمته إعلان " إسرائيل" ضم القدس وتطبيق سياسات التهويد الكاملة عليها في إطار استراتيجية صهيونية متكاملة سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وحضارية. ضم القدس يعني محاولات إلغاء الهوية العربية والإسلامية عن المدينة المقدسة. ولكن لم ولن تحمي دولة الكيان الصهيوني قنابله النووية ولا صواريخه ولا الفسفور الأبيض، فماذا فعلت القنابل النووية في مواجهة أطفال القدس؟ مازلنا نطلب العدالة... نبحث عن السلام.

صحيح أن بعضنا مات، وبعضنا لا يزال حيًا، ولكن معظمنا لم يولد بعد، مع قناعتنا بل إننا على يقين أن إسرائيل والسلام ضدان لا يلتقيان.  حصار غزة المكلومة حصار خانق رهيب، والضفة الغربية تئن تحت الحواجز العسكرية، والقدس عاصمة قلوبنا تُهود، وحفريات الأنفاق تحت المسجد الأقصى والمواد الكيماوية على أساساته لإذابة أساساته، حتى ينهار عند أول اهتزاز بفعل زلزال بسيط، أو طائرة تخترق حاجز الصوت، لحظتها تعلن إسرائيل عن انهيار المسجد الأقصى كأنه أمر طبيعي.

لن نتخلى عن القدس رغم المخططات الصهيونية العالمية، ولن يخدعنا أي بريق يحاول أن يثنينا عن قضيتنا، على طريقة ما كان يفعل المليونير اليهودي الأمريكي مسكوفتش الذي  مات منذ عام تقريبًا، وظل على مدار سنوات طويلة يحاول شراء القدس من خلال مؤسسته التي لها  حوالي ألف مكتب في أمريكا وأوروبا، وكان  كلما كان يحضر للقدس يكون معه ما لا يقل عن مليار دولار. وكان عبر مؤسسته يعرض أن يشتري منازل في القدس، بقيمة مضاعفة عشرات المرات عن القيمة الفعلية لثمن أي بيت والمهم أن يسجل هذا البيت باسم يهودي، بل يقال لصاحب العقار ابقى في بيتك، و لن يخرجك منه أحد على الإطلاق بضمانات قانونية، والعروض كثيرة لأصحاب العقارات في القدس. وهناك أيضًا مسكوفتشات على شاكلته، والسؤال... بصراحة لا داعي للسؤال. هناك سباق محموم من كل المؤسسات الصهيونية لشراء القدس... لشراء مقدساتنا... لشراء روحنا.

إلا أن المقدسيون يصدون هذه المحاولات بكل تصميم وعناد وتحدي، ولم يجد مسكوفتش ومن هم على شاكلته إلا المواجهة بالرفض المطلق، والمقدسيون الذين هم جزء من نسيج الشعب العربي الفلسطيني، والفلسطيني جزء من نسيج الأمة العربية الإسلامية. يعيش الفلسطيني المقدسي على أمل، ولا شيء غير الأمل في مواجهة العدو الصهيوني المحتل.

   إن العدو الإسرائيلي منذ العام 1967م، وحتى الآن وحفريات الأنفاق مستمرة بحثًا عما يثبت أن القدس لهم، ولكن دون جدوى، وهذا بشهادة علماء آثار يهود يقولون لا آثار لوجودنا هنا ولن نجد ما يثبت أننا كنا هنا.

   وهناك معلومات تفيد بأن إسرائيل سوف تزرع قبورًا يهودية وهمية تحت المسجد الأقصى ليثبتوا للعالم أن كان لهم تاريخ ووجود وآثار. وهناك محاولات لإقامة كنيس يهودي مقابل المسجد المرواني في باحة المسجد الأقصى. لكن وبعد عقود من الحروب والتشريد والمنافي والشقاء الإنساني وحياة المخيمات، حيث الضنك والبؤس، كل ذلك لم ولن يغير من تصميم الفلسطيني على حق العودة وعودة القدس عاصمة فلسطين.

     لن يتحقق السلام ما لم تطبق العدالة في الوطن العربي والمنطقة، بل والعالم إلا إذا بزغت شمس دولة فلسطين، والشعب العربي الفلسطيني يعلن دومًا لا للوطن البديل، ولا للتوطن والدمج، ولا يعوض الوطن إلا الوطن.

   إننا نتوق لموقف عربي وإسلامي موحد ,موقف ذو رؤى استراتيجية لحماية القدس.. لحماية المسجد الأقصى من كل محاولات السيطرة عليه، بل محاولة العدو الصهيوني الاستيلاء عليه، وفرض برنامج التقسيم المكاني والزماني مثلما فعلوا بالحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل. وإن تمكنوا من ذلك سيتم فرضه كأمر واقع ثم يبدأ برنامج إقصاء المسلمين عن المسجد الأقصى.

   حماية الأقصى تتطلب: وحدة فلسطينية، فسر قوتنا في وحدتنا لمواجهة هذا الخطر الداهم، لقد جسد المقدسيون وحدة في أروع تجلياتها بمواجهة جند الاحتلال، مع الالتزام بالمرجعيات مما أذهل العدو، وحقق انتصارات متتالية. العدو كان يتوقع من هذا الجيل اللامبالاة. ولكن خسئت ظنونهم , من افترضوا أنهم سوف يتنكرون لوطنهم.. وقفوا لقدسهم بصدور عارية، بإيمانهم. وقف المرابطون والمرابطات كالطود في مواجهة شراسة الفاشيين، بل النازيين الجدد، ولقد قال صحفي يهودي للقادة الصهاينة ولجنود الاحتلال:" لو صحا النازيون من قبورهم ورأوا ما تفعلون لقالوا لكم اخجلوا مما أنتم فاعلون".

   لقد شكل وتبنى الموقف الدولي أحد عناصر الاستراتيجية العربية باستصدار مجموعة من القرارات، سواء في مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، إضافة إلى قرارات اليونسكو والمجموعة الأوروبية ودول عدم الانحياز في ذاك الزمان، ومنظمة التعاون الإسلامي والدول الإفريقية والموقف الروسي وقرارات القمة العربية ومبادرة السلام العربية والتي تم إقرارها عربيًا وإسلاميًا، وإيداعها في الأمم المتحدة، والتي إن طبقت فعليًا سيكون في المنطقة أمن واستقرار وتنمية لكل شعوب المنطقة.

   إن كافة القرارات الدولية والعربية تُجمع على الإدانة لكافة الإجراءات الإسرائيلية في القدس، بل في كافة الأراضي المحتلة واعتبرتها أعمالاً غير شرعية وباطلة، وطالبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بالتراجع عن إجراءاتها، غير أن الموقف الإسرائيلي يتحدى المجتمع الدولي ومؤسساته من خلال رفضه لتلك القرارات والاستمرار بخطط تهويد القدس ضمن خطط متصاعدة كمًا ونوعًا ومع أن المجتمع الدولي اتخذ قرارات شديدة الأهمية، ولكن تظل مع وقف التنفيذ، بسبب "الفيتو" الأمريكي.

ومع ذلك الموقف العربي مازال داعمًا للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة وعلى الصعيد الدولي، وموقف الجامعة العربية داعم باستمرار للقيادة الفلسطينية. كما أن قضية فلسطين بالنسبة للمملكة العربية السعودية قضية مركزية، وداخلية لكل مواطن سعودي من رأس الهرم حتى أصغر طفل سعودي، وأساس في سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود-طيب الله ثراه-والأبناء البررة متوجين بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ ولقد وقف الملك المؤسس في مواجهة كل محاولات بريطانيا وأمريكا، لمباركة الانتداب البريطاني، أو وعد بلفور وتقسيم فلسطين، وقال قولته المشهورة للضابط الانجليزي الكولونيل سينكتز " عد إلى بلادك وقل لحكومتك: إن عبد العزيز لا يبيع حفنة من تراب فلسطين بكل مال الدنيا" وقُذف بالضابط الانجليزي خارج مجلس الملك بعد ثورة غضبه.

   كم حاولت بريطانيا المساومة أثناء مفاوضات وادي (العقيق) في 1345/1926م، بشأن إلغاء معاهدة القطيف الموقعة في عام 1915م، واستبدالها بمعاهدة جديدة يكون فيها الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه-الند للند مع الحكومة البريطانية. أراد البريطانيون أن يعترف الملك بالانتداب البريطاني على فلسطين، ويعترف بوعد بلفور المتضمن صك الانتداب، ويكونوا بذلك قد كسبوا حليفًا قويًا لهم لأنه أقوى حكام الجزيرة العربية الحكام العرب، لكن الملك عبد العزيز رفض المساومة على حقوق أمته ومقدساتها الدينية والوطنية، وفي ذلك الوقت هب الأهالي في دولة الملك عبد العزيز لجمع التبرعات في حملات لصالح الشهداء والمجاهدين الفلسطينيين الذين استشهدوا في ثورة البراق.

   تؤكد وثائق وزارة الخارجية الألمانية أن الملك عبد العزيز وضع القضية الفلسطينية كنقطة ارتكاز لسياسته الخارجية، وذهب إلى أبعد الحدود حيث سعى للحصول على سلاح من ألمانيا لإرساله للمجاهدين الفلسطينيين في فلسطين.

كما تؤكد وثائق وزارة الخارجية الألمانية أن الملك عبد العزيز كان زعيمًا عربيًا مسلمًا، اختار أن تكون فلسطين قضيته الأولى ونسج علاقات مميزة مع أركان الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي طليعتهم مفتي القدس الحاج أمين الحسيني.

* لماذا التركيز على تلك المرحلة؟؟

لأنها كانت حساسة بالنسبة لتأسيس المملكة وتوحيدها. فقد استمر موقف الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بنفس القوة والوضوح أثناء لقاء روزفلت في  14/2/1945م، على ظهر السفينة الحربية الأمريكية " كوينسي"، وكان لقاءً تاريخيًا واضحًا صريحًا برفض وعد بلفور ورفض التقسيم والهجرة  اليهودية ورفض إقامة دولة إسرائيل، وتقرير لجنة بيل، وقرار التقسيم (181) وإعلان دولة إسرائيل والمشاركة في مفاوضات "رودس"، وكان موقف الملك عبدالعزيز مع رئيس وزارة بريطانيا ونستون تشرشل بنفس القوة والوضوح، بل شجع الملك عبدالعزيز السعوديين للتطوع والقتال في فلسطين لنصرة الشعب الفلسطيني في مواجهة الصهاينة، وخضب الدم السعودي تراب فلسطين. قبل وفاته قال الملك عبد العزيز –رحمه الله ـ لأحد أعضاء لجنة الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية " إن أبنائي سيعكفون من بعدي على إكمال رسالتي إن شاء الله". وصدقت مقولة الملك المؤسس بأبناء أوفياء لفلسطين وللعرب وللمسلمين وللإنسانية.

  استمرت مواقف الملك المؤسس مع الأبناء البررة، وكل له مآثره تجاه فلسطين وشعب فلسطين، متوجين بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ـ يحفظه الله ـ صاحب مقولة " نحن رفاق مصير لا رفاق طريق" و"إنني مع فلسطين بكل وجداني". وكان الملك سلمان مشرفًا على اللجان الشعبية لمساعدة مجاهدي فلسطين.

  إن الحديث عن الثوابت في السياسة السعودية والتبني الكامل للقضية الفلسطينية لا يعني سرد الأحداث واللقاءات، ولكن للتاريخ، فإن الملك فيصل- رحمه الله ـ شهيد القدس، وأثناء لقائه في الرياض مع وزير خارجية أمريكا آنذاك " هنري كسنجر" يوم 8/11/1973م، أكد أن الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة لن يتحقق إلا بإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وكم كان دائمًا يؤكد أمنيته الصلاة في القدس المحرر.

  إن الدعم العربي السعودي متواصل على كل المستويات رسميًا وشعبيًا، رسميًا: منها الدعم السياسي، والاقتصادي، والمادي، والإعلامي، وعلى الصعيد الشعبي، شكلت اللجان الشعبية رافدًا رئيسيًا لدعم ومساعدة مجاهدي فلسطين وأسر شهداء فلسطين، والمملكة تفي بالتزاماتها المادية بانتظام دون ضجيج ودون صخب أو ابتزاز.

ومواقف المملكة تجاه القدس والأقصى سابقة على العدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى وتركيب البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية، فقد كان لاتصالات الملك سلمان بن عبد العزيز بقادة الدول دور رئيسي لإزالة البوابات والكاميرات، وهذا ما أعطى المقدسيين زخمًا في الاستمرار بالمواجهة مع جيش الاحتلال.

إن الشعب العربي الفلسطيني يعول ويستند دائمًا على مواقف المملكة العربية السعودية، التي تمثل بالنسبة لنا مكانة ومكان على مستوى العالم، والسيد الرئيس محمود عباس دائم التواصل مع خادم الحرمين الشريفين، سواء بخصوص العدوان الأخير على المسجد الأقصى، أو في كل المواقف والمنعطفات التي تمس القضية الفلسطينية.

للمملكة العربية السعودية مواقف إيجابية تجاه نصرة الدول التي بحاجة لنصرتها، ومواقف المملكة الإنسانية عبر العالم مشهود لها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*سفير دولة فلسطين لدى المملكة العربية السعودية

 

مقالات لنفس الكاتب