العدد 123

لن يعود العالم أحادي أو ثنائي القطبية ولن تهيمن الرأسمالية الليبرالية الولايات المتحدة ومستقبل قيادة العالم: انحسار الفرص وتنامي الإشكاليات والتحديات

الأربعاء، 27 أيلول/سبتمبر 2017

يدور المنظور الفكري والفلسفي للسياسة الخارجية الأمريكية بمجمله في فلك الهيمنة والزعامة الأمريكية العالمية، فالهيمنة أو الزعامة حسب الخطاب الأمريكي، هي استراتيجية واقعية تسعى إلى إدامة السيطرة الجيوسياسية سيما ما بعد الحرب الباردة وتراجع الاتحاد السوفياتي، حيث ظهرت الولايات المتحدة كقوى عظمى فارضة على العالم نظام الأحادية القُطبية، لقيادة العالم وفقًا لمصالحها الاستراتيجية ، مع تطويع المنظومة الدولية  عبر مساهماتها المالية للمؤسسات الدولية، وتقديم الدعم العسكري، و نشر مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنْسَـان التي وجدت فيها مسوغًا شرعيًا لاحتلال بعض دول العالم والسيطرة على ثرواتها دون أية مشروعية قانونية دولية.

ويرى أنصار هذه الاستراتيجية من المنظرين والساسة الأمريكيين أن على الولايات المتحدة ضرورة السعي إلى مضاعفة قوتها النسبية إلى أقصى حد لزيادة قدرتها التنافسية، وتقوم هذه الاستراتيجية على افتراض أن الدول تكسب الأمن ليس من خلال توازن القوى، بل عِبر اختلال القوى لمصلحتها وتكريس زعامتها، وتبنت الإدارة الأمريكية مفهوم الفوضى الخلاقة على أكثر من مستوى لإخلال التوازن النسبي في الكثير من المناطق الحيوية في المنظومة الدولية بما فيها منطقة الشرق الأوسط، مستغلة هيمنتها المتفردة على مجلس الأمن وغيره من المؤسسات والمنظمات والتحالفات الدولية لعقود، إما بتوجيه قراراتها أَوْ احباطها أَوْ انتزاعها ، فضلا عن القيام بممارسات دولية خارج الشرعية الدولية ، مما فاقم من عجز الأمم المتحدة والمنظمات الدولية عن معالجة القضايا الدولية، وإقرار السلم والأمن الدوليين، إذ يحفل تاريخ مجلس الأمن الدولي بالعديد من التدخلات والخروقات الأمريكية، التي جعلت منه أداة لتحقيق مصالحها الاستعمارية، وشرعنة تدخلاتها وجرائمها بحق الشعوب، والدول الرافضة للهيمنة الأمريكية، وما حروبُ أمريكا الأَخيرة في كل من : أفغانستان،  العراق ، ليبيا ، سوريا ، واليمن، إلا انعكاسًا مباشرًا للسطوة الأمريكية على الأمم المتحدة وكافة المنظمات الدولية التي سعت لتأسيسها أو رعايتها. 

وفي ظل النظام الدولي الجديد، وتحولات ميزان القوى من الغرب إلى الشرق - قارة آسيا – يبدو أن النسق الفلسفي والفكري المرسوم لقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم لم يعد بذات القوة والزخم المحدد له، واندفع الكثير من المحللين لرصد التداعيات المنتظرة على مستقبل قيادة الولايات المتحدة للعالم ، حيث أثار النقاش الأخير بين خبراء السياسة الدولية ومستشاري الأمن القومي في أمريكا بمعهد أسبنAspen Institute  [1]، أهم المخاطر التي ستواجه الإدارة الأمريكية أمام نظام عالمي جديد تمامًا ، بما يعنيه ذلك من طرق جديدة للتفاعل بين الدول على المستويين الاقتصادي والسياسي، والشكوك حول ما اذا كانت المتغيرات الدولية المتسارعة تعزز من الاعتقاد السائد بأن الهيمنة الأمريكية على شؤون العالم لا تزال حقيقة أم واقع سياسي نسبي قابل للتغيير في ظل التراجع الأمريكي [2]، ومدى تدني قدرة واشنطن على فرض إرادتها على قضايا العالم التي باتت رهينة بجملة من المتغيرات و الاعتبارات والتوازنات العالمية خصوصًا مع خسارة تحالفاتها في أمريكا اللاتينية التي باتت خارج هيمنة وسيطرة أسطول البحرية الأمريكية وجهازها الاستخباراتي وصعوبة السيطرة على أوروبا الشرقية والهند والصين والعالم العربي والإسلامي وإفريقيا.

وللاستفاضة في استشراف مستقبل قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للمنظومة الدولية في ظل العالم الدولي الجديد، وما ناقشه الكثير من الخبراء والمستشارين لمجموعة التحديات التي تكبح جماح القيادة الأمريكية حاليًا وفي المستقبل،  وما تمر به من أزمات عاصفة في العقد الأخير ، تؤكد المعطيات أن قدرة واشنطن على التحكم في مجريات الأحداث باتت محدودة مع تساقط حلفائها في مختلف مناطق العالم، وبروز قوى عظمى أخرى تتنافس على دورها وغيرها من الإشكاليات الأخرى التي تكشفت لناحتى مع استراتيجية البيت الأبيض في استرضاء المنافسين والخصوم، وتحفيز واستجداء الحلفاء والشركاء ، مما ينبئ بانحسار الدور الأمريكي في قيادة العالم، طبقًا للإشكاليات التي سنحاول البحث فيه تاليًا .

القيادة الأمريكية العالمية وإشكالية التوازن الدولي الجديد

يقف العالم أجمع على أعتاب نظام عالمي جديد تمامًا بعيدًا عن هيمنة القوة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الأميركية، سيما أن التبدلات في المجالات الصناعية والمعلوماتية بدأت تعيد تشكيل العالم بشكل يجعله أغنى بالفرص وإن كان أخطر لناحية التهديدات بما يعنيه ذلك من طرق جديدة للتفاعل بين الدول على المستويين الاقتصادي والسياسي بشكل ثنائي، كما أحدث التوازن الدولي الجديد [3] تحولات جمه في المجتمع الدولي وتغير مساراته على نحو لم يعد يخدم السياسة الخارجية الأمريكية وتحالفاتها كما كان سابقًا، مما تسبب بالعديد من التوترات بين كتلة العالم المتقدم بقيادة الولايات المتحدة من جانب ، وكتلة الدول النامية بقيادة الصين من جانب آخر ، جراء السياسات الحمائية والموانع الحدودية المفروضة في الدول التي يعدّها كل منهم مناطق نفوذ خاصة به، والتي أتت بالتزامن مع تراجع ملحوظ لدور المؤسسات الدولية التي تدعمها الولايات المتحدة وفي مقدمتها الأمم المتحدة التي باتت عاجزة عن طرح مبادراتها، وصندوق النقد الدولي الذي تراجع نشاطه وتقلص دوره في إقراض الأموال مع توجه كثير من الدول إلى ضخّ صناديق الثروة السيادية في الأسواق الناشئة بدرجة تفوق ما ضخّه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مجتمعين ، فضلاً عن قوة الصين المالية التي يتوقع تزايد قدرتها على منح القروض والمساعدات بدرجة هائلة - كما في حالة إفريقيا –وعلى نحو يفوق قروض البنك الدولي مما يعني المزيد من التهميش لدور البنك الدولي ، وتدني تأثير الرعاية الأمريكية له على مستوى العالم .

كما بدأت منظمة التجارة العالمية تفقد بعضًا من أهميتها مع نمو استراتيجية عقد الاتفاقيات الثنائية في شرق آسيا على غرار الاتفاقات التجارية الثنائية التي تعقدها الصين والهند منذ عام 2000م، مما أفقد الولايات المتحدة الكثير من استراتيجياتها الاقتصادية  الهادفة لتحرير التجارة في شرق آسيا، والدخول في تحالفات سياسية وأمنية واقتصادية تخدم حراكها المستقبلي لشرق ووسط قارة آسيا، الأمر الذي أضعف قدرة أمريكا على قيادة العالم والتعامل مع أزماته المختلفة ، لاسيما مع تفاقم أزماتها المالية والسياسية ، بشكل جعل كثيرًا من المحللين يتحدثون منذ وقت عن بداية تشكيل نظام عالمي جديد، لا يخضع لتوجيه وسيطرة القطب الأمريكي كقوة عظمى وحيدة في العالم، ومن الواضح إدراك الإدارة الأمريكية العميق لتلك التحولات الدولية في القوة الاقتصادية والعسكرية ، وما صاحبها من نفوذ سياسي على الساحة الدولية ، حيث سبق أن وصفها الرئيس الأميركي باراك أوباما بـ - الواقع العالمي الجديد - الذي أصبح يهدد قواعد وأسس النظام الدولي الذي تشكل ما بعد نهاية الحرب الباردة ، مما يعني نهاية حقبة السيطرة والصعود الغربي، في مقابل أكبر وأسرع ثورة صناعية شهدها العالم في الصين، والتي من المقرر أن تتجاوز الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم في المستقبل القريب، والوضع قابل للتطور إذا ما قررت أمريكا المضي قدمًا في رفض التكيف مع المشهد العالمي، وعدم القبول بانحسار دورها في الاقتصاد العالمي .

التراجع الأمريكي بنهاية الرأسمالية الغربية والتكامل الاقتصادي

 يجمع خبراء السياسة كما أسلفنا أن عصر الأحادية القطبية قد أنتهى، كما يستبعد أن يعود العالم إلى حالة من الثنائية القطبية أو حتى التوافق حول نموذج اقتصادي واحد يتحدد بالرأسمالية الليبرالية الديمقراطية، حيثتتعدد الأشكال والنماذج الاقتصادية في العالم الجديد، والتي غالبًا لن تكون ليبرالية سيما ما بعد تداعيات الأزمة المالية العالمية الأخيرة وما أفضت إليه من تغير وعدم استقرار دائمين وإبطاء الاقتصادات العالمية، وتراجع الازدهار المفترض بين السياسات الديمقراطية والنمو الاقتصادي[4] ، كما لم تخلق العولمة  كنظام اقتصادي رأسمالي بيئة التعاون والمصالح المشتركة والمفترضة بين دول العالم لدعم استقرار النظام الدولي ، أو تقديم أي مميزات للدول الكبرى [5] ،  بل أسهمت في تكريس التعارض بين استراتيجيات الاقتصادات العالمية الكبرى ، كما عكس الواقع الجديد تدهور فعالية المنتديات والتحالفات ، وانهيار المؤسسات الدولية التي تعول عليها الولايات المتحدة نظرًا لاتساع الفجوة بين مصالح الدول المتقدمة والدول النامية، ومن ثم، حل التنافس والنزاع بدلاً من التعاون ،وساد منطق " المعادلات الصفرية "للاستئثار بكامل الربح بدلاً من المشاركة في الفرص والأرباح ، ولا يفوتنا تقدم الدول الآسيوية الذي أتى على حساب الولايات المتحدة ، مما تسبب بإفلاس الكثير من الشركات الأمريكية، وصعود الصين الاقتصادي مما شكل عاملي ضغط وتهديد على الولايات المتحدة وعلاقاتها الإقليمية والدولية  خصوصًا أن هذه الأزمة لم تؤدّ إلى الانهيار التام للرأسمالية الليبرالية فحسب [6] بل إنها لم تدفع إلى أي عمليات إصلاح شاملة ، كما كان مخططًا لها، وبينما تتعثر الرأسمالية الغربية في مسيرتها، ظهرت في المنظومة الدولية أنماط مختلفة من الرأسمالية - الصينية والهندية والروسية وحتى برازيلية -وبدأت تحقق كل منها تقدمًا ملحوظًا، وتحوّلت ديناميكيتاها الاقتصادية بشكل سريع إلى قوة ونفوذ على الصعيد السياسي والعسكري  مما شكل المزيد من الضغط والانحسار للدور الأمريكي القابل للتصعيد، إذا ما قررت الدخول في مواجهة مع الصين في المناطق الجغرافية الاستراتيجية التي تتقابل وتتقاطع فيها مصالحها، الأمر الذي شكل هاجسًا لدى الكثير من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية مؤخرًا على اعتبار أن هذه المواجهة قادمة لا محالة وقد تكون فيها نهاية القيادة الأمريكية للعالم طبقًا لمنطق تحول القوة Power Transition لصالح القوى الإقليمية الصاعدة [7] أو في الحد الأدنى تقديم التنازلات والمزيد من سياسات الاسترضاء  Appeasement[8]  للتكيف التدريجي ، والحفاظ على بعض مكتسباتها مع تصاعد نفوذ القوى للنماذج الاقتصادية الجديدة ، وتلافيًا لأي مواجهات محتملة بين الولايات المتحدة والقوى الدولية الصاعدة سيما أن عبء المواجهة، سيكون على أمريكا بالدرجة الأولى حتى وإن كان خارج أراضيها .

تراجع النفوذ الأمريكي العسكري والنووي في إحلال السلم العالمي

استطاعت الولايات المتحدة ما بعد الحرب العالمية الثانية تبني استراتيجية عالمية، لإحلال السلام والاستقرار العالمي، وحماية حلفائها عسكريًا ونوويًا، بقصد تعزيز مجتمعات آمنه ومزدهرة نسبيًا، وعلى الرغم من الإخفاقات الكثيرة التي منيت بها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأفغانستان، إلا أن تلك الاستراتيجية للحكم الرأسمالي الديمقراطي نجحت في كل من أوروبا واليابان، مقابل فشل الاتحاد السوفياتي، وفقدان الشيوعية مصداقيتها.

ومع تآكل الديمقراطية الأمريكية، وإنهاك اقتصادها بالحروب غير المبررة، أضحت سياستها الخارجية مهدَّدة أكثر من قبل بانحسار نفوذها العالمي، وأكثر عُرضة للخضوع للتأثير المتزايد للاعبين الجدُد على الساحة الدولية كالهند والصين وروسيا، على نحو يُكرِّس مفهوم البقاء للأقوى، المفارقة في الأمر ، أن التحديات الكبرى التي تواجه النفوذ العسكري الأمريكي، تنبع بالدرجة الأولى من ذات مناطق نفوذها وسيطرتها وتحديدًا حيثما تنتشر فيها القوات الأمريكية بكثافة ، بدءًا من شرق آسيا والمحيط الهادي، ومرورًا بأوروبا موطن القوة لحلف الناتو ، وانتهاءً بالشرق الأوسط حيث القواعد العسكرية الأمريكية الدائمة والمتحركة، ففي شرق آسيا بات الوجود العسكري الأمريكي، مهددًا بقدرات القوة الاقتصادية والعسكرية للصين ، وطموحاتها ببسط سيطرتها على الإقليم الآسيوي ، بقصد تحويلها لمنطقة نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري ، موظفة في ذلك الكثير من المؤسسات والسياسات المالية المتقدمة تتصدرها منظمة شنغهاي للتعاون ، وبنك الاستثمار الآسيوي  اللتان تستهدفا تنظيم التجارة البينية في آسيا لجذب الاستثمارات إلى الصين ، وتوفير الملاءة الآمنة لها من التقلبات المالية والاقتصادية الدولية ، حيث استصدرت الصين مؤخرًا منتجًا لجذب الدول المصدرة للنفط ، واستبدال قيمة العقود الآجلة للنفط بالذهب بدلاً من الدولار  لكسر هيمنة الدولار الأمريكي، فضلاً عن نشاطها في تجارة السلاح ، وإحياء طريق الحرير التجاري القديم، للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وأوروبا فضلاً عن آسيا وغيرها بحسب أجندتها الموضوعة لتلك السيطرة، والتي غالبًا ما تتقاطع مع أي حراك أمريكي في الإقليم بقصد التضيق عليه .

وفي شرق أوروبا ، يواجه النفوذ العسكري للولايات المتحدة متاعب جمه  رصدها المفكر الأمريكي تشوميسكي مؤخرًا [9]، على أثر حرب أوكرانيا التي تعد من أعتى حروب الإرادة بين الشرق والغرب ، بسبب رغبة الولايات المتحدة في توسيع حلف الناتو شرقاً ، ليضم أوكرانيا ، الأمر الذي أثار حفيظة موسكو التي تعتبر هذا التوسع تحديًا أمريكيًا سافرًا للنفوذ الروسي، وهناك العديد من المؤشرات الدالة على عمق التراجع الأمريكي أمام القوة الروسية، والتي تكشف إلى حد كبير حدود العجز الأمريكي في مواجهة مشكلات العالم والتعاطي معها ، سيما مع إعلان روسيا رفضها القاطع للهيمنة الأمريكية على العالم في حرب جورجيا الأخيرة ، حيث لم تستطع أمريكا ردع قوة أقل منها مثل روسيا عن شن حرب مدمرة على دولة حليفة لها في منطقة القوقاز ، بل صعدت روسيا من تحديها للغرب وللولايات المتحدة ، عبر إعلان اعترافها الرسمي باستقلال إقليمي - أبخازيا وأوسيتيا -الجنوبية ، والتهديد باستهداف الدرع الصاروخية الأمريكية في حال تم نشرها في بولندا أو جمهورية التشيك  ، والوضع قابل للتصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري على نحو يماثل المحرك الأساسي للحرب الروسية الجورجية عام   2014م، مع استمرار ضخ أسلحة أمريكية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي ، وما تنطوي عليها من مخاطر في الإقليم الآسيوي  خصوصًا الخيار الأمريكي في تعزيز القدرات النووية لدى طوكيو وسيئول، لمواجهة ما تعتبره واشنطن تهديدات من كوريا الشمالية .

وفي ذات السياق ، يأتي تراجع النفوذ العسكري والتأثير النووي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ، الإقليم الثالث للنفوذ الأمريكي العالمي بعد شرق أوروبا وشرق آسيا ، ومسرح حربها ضد الإرهاب ، ليشكل التحدي الأصعب للإدارة الأمريكية كما يعتبره تشوميسكي  على خلفية تحول ساحات تلك الحرب إلى عمليات قتل جماعية وحشية، بسبب الرغبة الأمريكية في الهيمنة واستعراض القوة ، فضلاً عن اتساع الرقعة الجغرافية للحرب التي كان من المفترض أن تتركز في قتال مجموعات إرهابية مسلحة ، وأنظمة وحشية بالتوازي مع الضغوط السياسية ، ليدمر العدوان الأمريكي كلاً من أفغانستان والعراق، ثم تسليمه لإيران لممارسة عبثها السياسي وتحقيق طموحاتها القومية في المنطقة ، وعليه ، لم تحقق الحرب على الإرهاب الأمن للمنطقة والعالم ، كما لم تدعم القيادة الأمريكية للعالم بل جاءت نتائجها عكسية تمامًا ، حيث أسهم القادة الأميركيون أحيانًا في تراجع قوة الولايات المتحدة الذي تجسد أكثر ما يكون في إعلان أوباما المتكرر أبان رئاسته ، ازدرائه للقوة العسكرية وبشكل علني، وجاء استخدام القدرات القتالية للولايات المتحدة في المنطقة دون المأمول  للحلفاء ، وغالبًا ما صب في مصلحة الخصوم  كما في سورية والعراق ، كما لم يعد النموذج الأميركي الأخلاقي مقنعًا في مجال الحريات المدنية والدستورية، وفقدت الكثير من قوتها الناعمة كمدافع عن حقوق الإنسان في المنطقة فضلاً عن فشلها في عملية السلام بين العرب وإسرائيل .

 ونستنتج مما تقدم، أن النظام الذي سعت الولايات المتحدة إلى إسقاطه على النظام العالمي لما بعد الحرب الباردة ، والتي كانت القيادة الأمريكية أساسًا فيه للحفاظ على السلام العالمي  لم يستطع الصمود أمام النظام الدولي الجديد، وتعقيدات التاريخ، إذ ثمة الكثير من ردود الأفعال من قبل الدول التي تشعر بالاستياء من دور الولايات المتحدة القيادي كما هو الحال في روسيا والصين ، فضلاً عن تملك كثير من دول العالم مؤخرًا ، تكنولوجيات متقدمة خاصة في مجالي - التجارة الإلكترونية والحروب السيبرانية –مما سمح بالمزيد من إعادة توزيع القوة والنفوذ خارج تبعية وسطوة الهيمنة والقيادة الأمريكية [10]، كما بات التحالف والإجماع النووي الذي تقوده الولايات المتحدة ، للحد من التسلح النووي متهالكًا مع تملك كوريا الشمالية للأسلحة النووية ، واقتراب إيران من تملك السلاح النووي في ظل الصفقة النووية المجزية لإيران مع مجموعة الدول ( 5+1)، مما يعني تراجع قدرة أمريكا في إقرار السلم العالمي ، وعجزها عن حماية حلفائها  في ظل السبق العالمي المحموم للتسلح النووي ، وتأتي هذه التحديات بالتزامن مع توقعات تقرير مجلس المخابرات الوطنية الأمريكية بنهاية النظام العالمي القائم ، وعصر الهيمنة الأمريكية المنفردة على العالم، وهو مجلس المخابرات الوطنية الأمريكية  الذي يضم ( 17 ) وكالة استخباراتية، وساد التقرير الكثير من التشاؤم ، لافتًا إلى أن المشهد العالمي يقترب من نهاية عصر الهيمنة الأمريكية التي تلت الحرب الباردة ، مما يعني المزيد من الطغيان السياسي والأمني ، كما أكد رئيس الاستخبارات الوطنية - جريجوري تريفرتون -المشرف على المجلس، أن التنبؤات التي توقعها فريقه للنهاية المحتملة للولايات المتحدة كقوة مهيمنة على العالم ، يعزى إلى تراخي الإدارة الأمريكية في التمسك بالمبادئ الأساسية لتلك القوة ، مثل الاقتصاد الدولي المفتوح والتحالفات الأمريكية العسكرية مع آسيا وأوروبا ، والمؤسسات الليبرالية مثل منظمة حماية حقوق الإنسان ، ومنظمة التجارة العالمية .

الجدير بالذكر، أن التراجع الأمريكي العسكري والنووي قابل للتطور في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة ، خصوصًا أن لدى الرئيس - دونالد ترمب -أفكاره الخاصة عن إضعاف النظام الدولي في حقل التجارة، وهو من يمثل في الأصل، مجموعة التجارة الحرة في العالم ، عبر استصدار المزيد من القيود الحمائية الجماعية ، وفرض الرسوم الإضافية الصارمة على واردات الولايات المتحدة سيما من الصين والمكسيك ، الأمر الذي قد يسهم في إشعال حرب تجارية عالمية قادمة، خصوصًا أن الشركات المتعددة الجنسيات التي تمثل القوى الكبرى في العالم باتت تحت التهديد، مما سيفقد هذه الشركات تدريجيًا نفوذها واحتكارها للسوق العالمي  وهو ما يدعم مشروع - ترمب - في الدفاع عن حقوق أصحاب الشركات العملاقة التي تعمل بالأصل بالخفاء، لتحقيق مصالحها الخاصة بعيدًا عن الشعب والكونجرس [11] .

ويبدو أن إستراتيجية الرئيس الأميركي – دونالد ترامب –في حربه التجارية لم ولن يحالفها الحظ ، حيث فشل مؤخرًا في فرض برنامجه الاقتصادي والسياسي في قمة دول العشرين المنعقدة مؤخرًا بمدينة - هامبورغ الألمانية -بسبب توجهه الانعزالي وشعاره - أميركا أولا - وأجمع قادة الدول ال (19 ) على تطبيق اتفاق باريس حول المناخ ، ليبقى صوت الولايات المتحدة وحيدًا لأول مرة منذ انتخابه رئيسًا ، كما أكدت قمة العشرين الأخيرة ، أن العالم لم يعد يتطلع إلى القيادة الأميركية وفي مقدمتهم حلفاء أمريكا نفسها [12] ، مما يؤكد مرة أخرى فشل الرئاسة الأمريكية الجديدة في إدارة استراتيجيتها الدولية ، لقيادة العالم عبر بوابتها التجارية، كما يعول عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الأمر الذي يفاقم من حجم الإشكاليات والتحديات الدولية التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*خبيرة دراسات سياسية واستراتيجية

 

 

 

 

[1]  Hurst Lecture Series - A Conversation with Governor Terry McAuliffe , The  Aspen Institute , 3 \ 8 \ 2017 

[2]https://www.washingtonpost . com/opinions/the - new-world-order/2017B        -  Robert J. Samuelson

[3]  يذكر: أن التوازن الدولي الجديد لازال في طور التشكيل بصعود دول وهبوط أخرى، وإن كانت أقل حجمًا، إلا أنها تكتسب، لأسباب مختلفة، أهمية ونفوذاً متصاعداً على الساحة الدولية، واحتراماً كبيراً لمبادئ السيادة وعدم التدخل.

[4] Joseph P. Quinlan, The Last Economic Superpower: The Retreat of Globalization, The End Of American Dominance, And What We Can Do About It, New York: McGraw-Hill،2011.

[5]  Gideon Rachman , Zero-Sum World, Politics, Power and Prosperity after the Crash, London, Atlantic Books, 2010, pp. 2.

[6] August 30    2017 ,   ( washington post ) , China’s invisible influence  , Robert J. Samuelson  

  [7]Parag Khanna, A second tour through the second world, World Politics Review, Octobers , 2010       .

[8]  Paul Kennedy, A Time to Appease, January 28, 2010   .                                       

[9]Noam Chomsky: America is an empire in decline ,    SALON ,  Tuesday, May 10, 2016 .       

[10]   https://www.washingtonpost.com/opinions/the-new-world-order/2017By Robert J. Samuelson

 

[11]Brookings experts on President Trump’s first trip overseas  Fred Dews ,  Friday , May , 19 , 2017 ·  

 

[12] منقول عن : صحيفة الإندبندنت البريطانية - العرب [  نُشر في 2017/07/10، العدد : 10687، ص7 ] .

مجلة آراء حول الخليج