العدد 124

انسحاب أمريكا من اليونسكو: ملامح انهيار النظام الدولي القائم

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

 

هل المنظمات الدولية ما زالت محط ثقة عالمية؟ هل المعاهدات الدولية في حالة إعادة مراجعة أوإلغاء؟ هل نعيش اليوم في حالة من إعداد تصميم النظام الدولي وهيكلياته ومؤسساته؟ تبرز الآن دولا جديدة، وتفنى دولأخرى، وتوقع معاهدات، ويتم الانسحاب من معاهدات ومنظمات مختلفة؟ لماذا مثل هذه الانسحابات؟ وأي دور نتحدث عنه للولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم في ظل تلك الانسحابات؟

تختلف المنظمات الدولية وتتنوع في وقتنا الحاضر من حيث الأهمية والاختصـاصات وعــدد الأعـضـاء ولـكـن من حيث الشخصية الدولية والسابق تعريفها بأنها: ” مقدرة هيأة معينة ذات صلاحية مستقلة للقيام بالأعمال في المجال الدولي وأهلية اكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات والمحافظة عليها برفع الدعاوى الدولة ”، فقد استقر الفقه الدولي على أن الدولة هي وحدها التي تتمتع وتملك الشخصية الدولية وثار جدل حول اكتساب المنظمة الدولية للشخصية الدولية.

منذ عام 1945م، والمنظمات الدولية تأخذ حيزًا كبيرًا في النظام الدولي من حيث شخصيتها الدولية، ودخول التعاقدات مع الدول والتأثير داخل الدولة وبين الدول، ومع التطور والتعقيد الذي صاحب النظام الدولي. أصبحت بعض المواد الخاصة بالمواثيق الدولية عرضة للتفسير الشخصي من قبل الدول مما أضفى نوعًا من الازدواجية بالتعامل في قضايا مختلفة، ناهيك عن نقص بعض الهياكل التنظيمية الأممية من جهة، وبالمقابل انتفاء الحاجة إلى هياكل موجودة.

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا انها ستنسحب مع نهاية العام 2018م، من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة،ويأتي هذا الانسحاب "الثاني" بعد الانسحاب الذي أعلنته الولايات المتحدة عام 1984م، ولا يمكن إغفال السياق الخاص بالانسحاب الأول والذي كان متعلقًا بالمد الشيوعي الذي ادعته الولايات المتحدة آنذاك، ومع سياق اليوم في المنظمة التي تشهد مؤخرًا تنافسًا على مقعد رئاستها من ناحية، و تشهد كذلك مكاسب على الصعيد الفلسطيني أيضًا، وكذلك سياق رئيس أمريكي يضع مصلحة الولايات المتحدة الداخلية قبل كل شيء، الأمر الذي أكده مرارًا و تكرارًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما في خطابه الأخير في الأمم المتحدة في نيويورك.

تبرر الولايات المتحدة انسحابها بأن المنظمة متحيزة ضد إسرائيل، وكانت أمريكا تمول هذه المنظمة بمقدار 22% من ميزانيتها السنوية لكنها أوقفت ذلك في عام 2011م، بعد قبول فلسطين كعضو في المنظمة.

بلا شك إن اليونسكو من ناحية أخرى بحكم وجودها في فرنسا، وعضوية حوالي 195 دولة فيها، قد يجعل دولا أخرى مثل فرنسا أو جماعات الضغط المختلفة تشارك الولايات المتحدة التأثير بها، وهذا ليس الحال في نيويورك مثلا وتأثير أمريكا في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الواقع على أراضيها. لكن السؤال الأهم هنا عن النمط الذي بدأت الولايات المتحدة اتخاذه، والذي سبق قبل هذا الانسحاب مثلا الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ والذي يتيح لأمريكا الاستفادة من فرص اقتصادية داخليًا، لكنه بالتأكيد سيعقد العمل على القضايا البيئية خصوصًا وأن الولايات المتحدة تعتبر مسؤولة عن 15% من الانبعاثات الكربونية العالمية.

ذلك النمط من الانسحابات من المنظمات الدولية يفضي إلى نتائج هامة:

الأول: إن الولايات المتحدة نفسها لا تثق بالنظام الدولي ومؤسساته ومعاهداته وأن بعض المعاهدات الدولية أو المنظمات الدولية لا تمثل مصلحة للولايات المتحدة، وقد يكون الاستمرار في تلك المنظمات أو المعاهدات خسارة لأمريكا.

ثانيًا: إن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة للتخلي عن قيادة العالم في تلك المنظمات أو الاتفاقيات مقابل أنها تعزز من مصلحتها الداخلية.

ثالثًا: ترك الولايات المتحدة للمنظمات الدولية والانسحاب منها ومن المعاهدات الدولية يخلق فراغ قيادي للعالم وهذا قد يسبب عدم استقرار للبنية الدولية ومؤسسات النظام الدولي.

رابعًا: إن الولايات المتحدة ليست مستعدة أن تساعد أو تقدم للنظام الدولي مساعدات تكون هي ثاني أو ثالث مستفيد، حتى ولو كان ذلك معززًا لقيادتها العالم، فالحسابات الآن والأولويات أصبحت مختلفة لديها عن ذي قبل.

وهنا يطرح سؤال كذلك ماهي تبعات ذلك الانسحاب:

هنالك تبعات قانونية وسياسية وإدارية ومالية للمنظمات والدول، لأن الولايات الأمريكية المتحدة تعتبر من أهم المساهمين في المنظمات الدولية.

ستعاني المنظمة بالتأكيد من الدعم المالي كون الولايات المتحدة من المساهمين المهمين، وبالتالي سيتعين على المنظمة، رفع قيمة المساهمة للدول وطلب دعم من الدول المانحة وكذلك البحث عن أساليب جديدة للتمويل. وتعد هذه النقطة من المآخذ على المنظمات الدولية خصوصًا الأمم المتحدة، واليونسكو حيث لم تطور طرق لتمويلها، واعتمدت على دعم الدول مما عزز في تدخل الدول الداعمة في أجندات تلك المنظمات.

من التبعات كذلك على هذا الانسحاب تعزيز حركة BDS   وهي حركة تهدف إلى المقاطعة لإسرائيل، وسحب الاستثمارات، وإيقاع العقوبات يقودها الفلسطينيون من أجل الحرية والعدالة والمساواة. وتدعم المبدأ البسيط الذي مفاده أن الفلسطينيين يحق لهم التمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها بقية البشر، وذلك التعزيز ينتج أن تبين هذه الحركة الظلم الذي تتعرض له فلسطين والضغط الدولي الممثل بانسحاب الولايات المتحدة، ادعاء من الأخيرة أن المنظمة متحيزة ضد إسرائيل.

ختامًا:

ينبغي الإشارة إلى أن الأنماط المتتالية للسياسة الخارجية الأمريكية والتغييرات الدولية الحاصلة اليوم، تتجه بما لا يدع مجالاً للشك أننا الآن في مرحلة انهيار لأجزاء من النظام الدولي الحالي، وإقامة نظام أو أنظمة دولية جديدة، وتلك العملية ستستغرق وقتًا بالتأكيد، لكنها تأتي في عملية الانسحاب من المنظمات والمعاهدات الدولية مما يعطي بقية اللاعبين الدوليين فرصة لبسط نفوذ من ناحية، واستمرار في تردي الثقة بالمؤسسات الدولية، ثم بزوغ أنظمة تحالفات أو منظمات أخرى مبنية على أسس مشتركة جديدة، وتعزز المصالح المتغيرة للدول. لا شك أن هذه التغيرات هي معزز كذلك لمثل تلك المنظمات والمجتمع الدولي للمراجعة والنقد الذاتي من أجل التكيف مع التغيرات الدولية الحاصلة في وقتنا الحاضر.

مجلة آراء حول الخليج