array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

المجتمع البحريني يُعالج حاضره بتاريخه

الخميس، 01 أيلول/سبتمبر 2011

الرابع عشر من فبراير في البحرين ليس كَكُلّ التواريخ. ففي ذلك اليوم بدا أن الحراك السياسي الشعبي قد فَرَضَ نفسه على الجميع بمن فيهم التيارات والجمعيات السياسية ورجال الدين، الذين يملكون قدرة على فِعل شيء ما. ربما كان السبب في ذلك، هو تحوُّل المطلب السياسي البحريني من شأن داخلي صرف، إلى آخر داخلي، لكنه موصول في شرعيته وزخَمِه بما جرى في تونس ومصر اللتين أسقطت جماهيرهما الحاشدة نظاميها السياسيَّيْن.

استمرَّ الحال في البحرين شهراً ويومين، كان فيه البلد قد انشطر شيئاً فشيئاً إلى سماطَيْن. واحد اعتصم في دوار مجلس التعاون (اللؤلؤة)، رافعاً مطالب رأى تطبيقها شرطاً لدخول الحوار، تتعلَّق ببرلمان كامل الصلاحيات، وتعديل الدوائر الانتخابية، وحكومة تعبر عن الإرادة الشعبية، ومكافحة الفساد، وإعادة النظر في آلية التجنيس المتَّبعة1، وغيرها من المطالب، وآخر اعتصم في باحة مركز أحمد الفاتح الإسلامي، رافعاً مَطالِبه بعدم إقالة الحكومة الحالية كشرط من شروط بدء الحوار، وبضرورة إزالة مظاهر الاعتصام في ساحات مستشفى السلمانية، وتطبيق القوانين الخاصة بالتجمعات والمسيرات، ومحاسبة المضربين عن العمل، والتأكيد على أن ما يجري في البحرين ليس تعبيراً سلمياً عن الرأي2.

وبسبب تسارع الأحداث السياسية، وانتشار موجة من الإشاعات والأكاذيب التي اجتاحت الشارع البحريني من أقصاه إلى أقصاه، تحوَّل ذلك الانشطار السياسي إلى انقسام طائفي خطير لم تعرفه البحرين من قبل، أدَّى إلى نشوء سلوكيات طارئة وغريبة، أضرَّت كثيراً بالعلاقات الاجتماعية المتسَالَم عليها منذ قرون خلت، ساعدها على ذلك بروز أصوات سياسية متطرفة، بعد أن بدا حينها أن الجماعات السياسية المعتدلة قد وصلت مع بعضها حِذاء الجدار في الاختلاف وعدم التوافق؛ حيث لم يتمّ الاتفاق فيما بينها على قضايا سياسية أساسية ومصيرية تتعلق بطريقة إدارة الدولة والحكم والعلاقة معهما.

المجتمغ البحريني قائم على عقد إنساني متماسك افتقدته العديد من الدول العربية والغربية على حد سواء

خُشِيَ حينها أن يستيقظ العقل الجَمْعِي للطوائف في البحرين بسبب استفزازه وجرّه إلى معركة الجنون بسلوك البعض. لقد قيل: بأن ذلك البعض قد لا يُدرك هذا الأمر كما يجب، لكن الحقيقة تقول إن خطر ذلك لن يكون أقلّ من داهِم وعارِم. فحين ترى طائفة ما، أن السلوك الاجتماعي الذي يتم التعامل معها به هو سلوك هابط حاطٌّ بالكرامة ولا يمنحها الأمان لا على مستوى الفرد ولا على مستوى الكيان، فإنها تلجأ مباشرة إلى المعالجات الغرائزيّة المشحونة التي لا ضابط لها ولا أخلاق ولا قِيَم. لكن وأمام كلّ تلك الخشية، وَجَدَ البحرينيون، أن ما يجمعهم ليس شهراً من الاضطراب؛ وإنما قروناً من التعايش، والتي حولت هذه الأرض إلى مهجعٍ للعديد من الطوائف والتيارات في العالَمين العربي والإسلامي بالسواء.

فمجتمع البحرين تاريخياً، لم تصنعه صراعات داخلية (إثنية أو عرقية أو طائفية) أدَّت إلى فرز اجتماعي مصنوع بالقوّة؛ وإنما هو قائم على عقد إنساني افتقدته العديد من الدول سواء في المحيط العربي أو الغربي بالسَّواء. هذا العقد الاجتماعي المتماسك سمح بأن ينبني جزء من كَسْب الناس ومهنهم عليه. فحين كان الغاصة يذهبون إلى البحر شهوراً عديدة لصيد اللؤلؤ تبقى عوائلهم وأبناؤهم في كنف جيرانهم ومعارفهم، يُعِيلونهم ويذودون عنهم وكأنهم جزء من عوائلهم. وعندما كانت القرى والمدن مفتوحة جغرافياً على بعضها فإن ذلك كان مدعاة للتقارب والتزاوج والانصهار في نظام المصالح المعقد. وأكاد أجزِمُ هنا، أن هذا الصلح الاجتماعي الفريد افتقدته أرقى الشعوب والأمم في الغرب خلال فترة الاقتتال.

عندما يتذكر الأوروبيون معاهدة عام 1529م، فإنهم يتذكرون معها الهدنة التي رافقت الحرب الدموية ضد الكانتونات الكاثوليكية في سويسرا، والتي سال فيها من الدَّم ما لطَّخ الشوارع والأرصفة والبيوت الداكنة. ولكن وعندما يتذكر البحرينيون عاماً من أعوام ذاكرتهم الوطنية (1939 مثالاً) فإنهم يتذكرون معه تأسيس نادي العروبة والنادي الأهلي وممارسات نبذ الطائفية والطبقية، والإمساك بالحس الوطني الأوسع، عبر مشروعات سياسية وثقافية متقدمة جداً كالذي حصل في الخمسينات والستينات من القرن المنصرف.

وعندما يتذكر الأوروبيون عام 1532م فإنهم يتذكرون حتماً الحرب الدموية التي اندلعت بالقرب من كابيل المتاخِم لكانتونَي زوغ وزوريخ الأمر الذي أدّى إلى القضاء على البروتستانت ومصرع المصلح التبشيري زفنغلي. لكن وفي الجهة المقابلة عندما يتذكر البحرينيون عام 1953م يتذكرون معه نهضة الشباب البحريني، من عبدالعزيز الشملان إلى يوسف الساعي وعبدالله الزين الذين دافعوا عن وحدة الناس بشيعتهم وسُنَّتِهم وقضاياهم سواء الضريبية أو المعيشية أو السياسية، وتمكنوا من ترسيخ الوطنية على حساب الدفوع الطائفية المقيتة التي أراد المستعمر البريطاني أن يُسعّرها بين مكونات الشعب البحريني.

عندما يتذكر الأوروبيون الوضع في غلاريس في عام 1564م، والوضع في أبنزيل في عام 1567م فإنهم يتذكرون بالتأكيد التقسيم الإثني والطائفي العنيف الذي رافق تثنيتهما إلى كاثوليك وبروتستانت، والذبح الذي جرى فيهما على الانتماء في الطرقات والأزقة. لكن وعندما يتذكر البحرينيون عام 1936م يذكرون معه تأسيس نادي البحرين على أيدي ثلَّة من شباب الطائفة السُّنَّية الكريمة ومعهم شبابٌ من الطائفة الشِيعية الكريمة، يرفدهم في ذلك التوزيع الديمغرافي الراقي والوثيق بين الطائفتين في جزيرة المحرق، والذي لا يزال بناؤه حاضراً إلى اليوم رغم الأزمات والكوارث التي أرِيدَ لها أن تفتَّ من ذلك التلاحم الاجتماعي الراقي.

عندما يتذكر الأوروبيون عام 1559م فإنهم يتذكرون حتماً نبش جثة الأناباتيسي دايفد جوريس وإحراقها علناً من قِبَل الدمويين من المتطرفين3. لكن عندما يتذكر البحرينيون وقيعة الخمسينات فإنهم يتذكرون معها دفاع السُّنّة والشِّيعة عن عبد الرحمن الباكر بعد معركة صندوق التعويضات4، وتحويل الفخ الطائفي إلى منظومة عمل وطنية صارت نموذجاً يُحتذى به في منطقة الخليج، بل وكوَّنت لدى المستعمر البريطاني ومستشاره في البحرين فكرة على أنه التكوين الاجتماعي في البحرين أكثر من متماسك، فكتبوا فيه الكثير من المذكرات الخاصّة والسريّة إلى حكومة بريطانيا العظمى آنذاك.

ليس ذلك فحسب، بل إن الفرد البحريني قد عاش في النصف الأول من القرن المنصرف على وقع سلطات منقوصة بسبب التواجد الإنجليزي، لكنه في الوقت نفسه لم يَعِش أسيراً لغياب سلطة طبيعية تكون راعية له، بل أصبح بمثابة العقل الرديف، والرقيب المعنوي لذلك الغياب. وقد أدى الحراك الاجتماعي والسياسي في البحرين بعد تسرّب الناصريّة وبعدها اليسار إلى الشباب البحريني آنذاك إلى حصول سباق في التفكير ما بين الحكم وبين مجاميع الشباب التي أثبتت أنها تسبق الدولة في طرق الأسئلة المُلحَّة والمتعلقة بمسألة الحقوق ومناهضة الاستعمار وحتى في قضايا التكافل الاجتماعي والدفاع عن الأمور المعيشية للناس والفقراء.

وربما كان موضوع التعليم واحداً من أسباب تطوُّر هذا السلوك. فحركة التعليم في البحرين كانت تتطور بسرعة نتيجة الاستجابة الفردية والجماعية معها، وهو ما ساهَم في تقوية ذلك الشعور الاجتماعي وتماسكه، وخلق طبقة وسطى ومتعلمة ونابهة. ففي عام 1931م كان عدد التلاميذ في البحرين لا يتجاوز الـ 500 تلميذ و100 تلميذة فقط. لكنه في عام 1946 كان عدد التلاميذ قد ارتفع إلى 1750 تلميذاً و1282 تلميذة. وإلى 4500 تلميذ و2300 تلميذة في عام 1953م. وإلى 7500 تلميذ و3386 تلميذة في عام 1955م. أضِف إلى ذلك قيام بعض العائلات الطليعية بإرسال أبنائها إلى القاهرة وبيروت للدراسة الأكاديمية، واحتكاكها بالتيارات الأم نظراً لطبيعة التركيبة الثقافية للشمال الإفريقي ومنطقة الهلال الخصيب.

كما أن التوسّع العمراني الذي حصل على حوافّ العاصمة المنامة وبروز المدنية بمعناها العمراني والمعيشي والسلوكي، وكثرة المشاريع السكنية حتى منطقة البديع، قد كَثَّر من عدد سكان المدن في البحرين. ففي الوقت الذي كان عدد سكانها (المدن) لا يتجاوز 45.600 في عام 1941 وصل سكانها إلى 68.819 في عام 1971م. وهو ما أدى إلى تبدّل في الميول لدى الناس ونظرتهم إلى الأشياء وإلى الحياة بعمومها وهمومها كذلك5.

لذا، وخلال هذه الأزمة الأخيرة بدا أن هذا الشعور الوطني والتوفيقي أصبح متجذِّراً لدى الفرد البحريني العادي، والذي أثبت أنه متقدم في تفكيره على الكثير من المثقفين الذين انزلق بعضهم مع شديد الأسف في أتون التراشق والخصام السياسي والاجتماعي. وقد ذكَّرني ذلك بما كانت أوروبا قد عانته قبل قرون، حين تأذَّت من بعض مثقفيها من أمثال أوسياندر وميلانختون وبوغنهاغن وكروتزيغر عندما شرَّعوا للتنكيل بالأناباتيست، أمام مَنْ كان يُظن أنهم من العوام والمعتزلين كـ سيباستيان فرانك وغاسبار شفنكفيلد حين مارسوا سلوكاً توفيقياً جامعاً، وأشاعوا ثقافة تعارض حروب الفلاحين واضطهاد الأناباتيست.

أمر آخر يجب الاعتراف به هنا، وهو وجود ذات النَّفَس الإيجابي لدى أطراف شابة في الحكم، أضحى تفكيرها يُماثل التفكير الاجتماعي الحقيقي للناس. ففي السابع من إبريل المنصرف، وفي أتون الأزمة السياسية/ الاجتماعية في البحرين، ألقى ولي العهد نائب القائد الأعلى سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة خطاباً متلفزاً قال فيه: (لن يتم التساهل مع مَنْ يريد شقّ مجتمعنا إلى نصفين، ومن غير المسموح أن يستشعر أيّ مواطن أنه لا مكان له فيه، فالوطن لجميع أبنائه والمستقبل مشرق بنا جميعاً ولنا جميعاً، هناك دائماً فرصٌ تَسَعُ الجميع).

هذا التاريخ، وهذا الشعور، دفعا المجتمع المدني البحريني لأن يستند في مواجهة أزمته الأخيرة بتاريخه الاجتماعي والسياسي المتين. كما أن هذا التاريخ سيُؤسس لا محالة، لفضاء نظيف من التوافق الوطني على مستقبل هذه المملكة العزيزة، التي أثبتت التجربة، أن مقامها لا يُقاس بحجمها الجغرافي، وإنما بموقعها وتاريخها القريب والبعيد.

الهوامش:

1- يُراجع في ذلك بيانات التحالف السُباعي خلال شهري فبراير ومارس، ومن ما دأبت على تكراره لاحقاً بعض الجمعيات السياسية وفي مقدمتها جمعية الوفاق الوطني الإسلامية التي ذكرته في عدة لقاءات صحفية ومناسبات خطابية، وبيانات سياسية كبيان الثلاثين من مايو 2011.

2- يُراجع في ذلك تصريحات رئيس تجمع الوحدة الوطنية الشيخ عبد اللطيف آل محمود في تجمع مركز أحمد الفاتح بتاريخ بتاريخ 02 مارس 2011، والتي أصبحت بعدها هذه المطالبات ممارسات خطابية متكرّرة في الإعلام لقيادات ذلك التجمُّع.

3- للاستزادة في موضوع الحروب الدينية التي اجتاحت القارة الأوربية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، يُراجع في ذلك كتاب تاريخ التسامح في عصر الإصلاح، لجوزيف لوكلير، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، بيروت 2009.

4- لمزيد من التفاصيل يُراجَع كناب القبيلة والدولة في البحرين.. تطور نظام السلطة وممارستها، للباحث فؤاد إسحاق الخوري.

5- فؤاد إسحاق الخوري، القبيلة والدولة في البحرين تطور نظام السلطة وممارستها، مرجع سابق.

مقالات لنفس الكاتب