array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 125

3 مسارات محتملة لأزمة الاتفاق النووي الإيراني وأمام العرب 4 خيارات

الخميس، 30 تشرين2/نوفمبر 2017

رغم أن إيران دائمًا ما تسعى إلى تأكيد سلمية برنامجها النووي، إلا أن ثمة اعتبارات عديدة تضفي وجاهة خاصة على التقديرات التي تشير إلى أنها ربما لم تتراجع عن الحفاظ على جانب عسكري خفي من هذا البرنامج، يتمثل أبرزها في محاولاتها المستمرة البحث عن "ثغرات" في الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع مجموعة "5+1" في 14 يوليو 2015م، ورفعت بمقتضاه العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها بداية من منتصف يناير 2016م.

أهم هذه الثغرات يكمن في إصرارها على إجراء تجارب لإطلاق صواريخ باليستية، رغم أن قرار مجلس الأمن رقم 2231، الذي صدر في 20 يوليو 2015م، يطلب منها التوقف عن ذلك لمدة لا تقل عن ثماني سنوات. وقد تعمدت إيران في هذا السياق إجراء تجارب عديدة لإطلاق هذه الصواريخ، بل إنها حرصت أيضًا على إطلاق ستة منها على مدينة دير الزور ادعت أنها استهدفت بعض مواقع تنظيم "داعش" في 19 يونيو 2016م.

ومع أن قرار مجلس الأمن لا يتضمن-حسب كثير من المراقبين-صياغة واضحة بشكل تام تمنع إيران من مواصلة هذه الأنشطة، إلا أن ذلك لا ينفي أن تعمد إيران البحث عن ثغرات في الاتفاق النووي يكشف أنها لا تتعامل بشفافية مع مطالب المجتمع الدولي وأنها سعت في الأساس إلى رفع العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها قبل أن تكون لديها رغبة حقيقية في تحويل برنامجها النووي إلى برنامج للأغراض السلمية.

ومن دون شك، فإن ذلك يضفي أهمية وزخمًا خاصًا على الانتقادات التي وجهت إلى الأطراف التي انخرطت في مفاوضات مع إيران مهدت للوصول إلى الاتفاق النووي، وفي مقدمتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، التي سعت إلى تحقيق ما اعتبرته "إنجازًا" في هذا الملف، لتعويض إخفاقاتها في الملفات الخارجية الأخرى، على غرار الصراع في سوريا والأزمة مع كوريا الشمالية، وضم روسيا لإقليم القرم، فضلا عن عملية التسوية في الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين.

وهنا، فإن حرص الإدارة السابقة على تعزيز فرص الوصول إلى هذا الاتفاق دفعها إلى التغاضي عن إشكاليتين رئيسيتين: تتعلق الأولى، بالصياغة الفضفاضة التي تحمل أكثر من معنى في البند الخاص بالصواريخ الباليستية بشكل منح إيران هامشًا واسعًا من المناورة وحرية الحركة دفعها إلى تحدي مطالب المجتمع الدولي دون أن تتعرض لعقوبات دولية شديدة.

وتنصرف الثانية، إلى ما يسمى بـ"بند الغروب النووي"  Nuclear Sunset Clause الخاص بالقيود التي سوف ترفع تدريجيًا على بعض الأنشطة المرتبطة بالبرنامج النووي بداية من عام 2025، أى بعد عشرة أعوام من الوصول إلى الاتفاق.

واللافت هنا، أن هذه الانتقادات باتت محط اهتمام من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ توليها مهامها في 20 يناير 2017م، وهو ما بدا جليًا في السياسة الجديدة التي تبنتها، بداية من 13 أكتوبر 2017م، للتعامل مع التهديدات النووية والإقليمية الإيرانية. ويبدو أن ذلك سوف يكون له تأثير مباشر على المسارات المحتملة التي قد يتجه إليها هذا الاتفاق خلال المرحلة القادمة.

أولاً: واقع الاتفاق النووي:

يمكن القول أن الاتفاق النووي ساهم في إبطاء حركة البرنامج النووي الإيراني لفترة مؤقتة، لكنه لن يمنع إيران في المستقبل من الوصول إلى مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية، وذلك في ضوء اعتبارات عديدة يمكن تناولها على النحو التالي:

1-  تخفيض مستوى التخصيب: فرض الاتفاق قيودًا على عمليات تخصيب اليورانيوم التي تقوم بها إيران. فبدلاً من نسبة 20% التي وصلت إليها إيران قبل الاتفاق النووي، فإن الاتفاق ألزمها بالتخصيب حتى مستوى 3.5%.

وهنا، فإن ذلك يمكن اعتباره مكسبًا لإيران وليس العكس، خاصة أنها بذلت جهودًا حثيثة قبل الاتفاق النووي من أجل الوصول إلى أعلى مستوى في عمليات التخصيب بشكل ساهم في تعزيز موقعها التفاوضي مع القوى الدولية، وهو ما مكنها في النهاية من الوصول إلى حل وسط مع تلك القوى يقضي باستمرارها في عمليات التخصيب لكن بنسبة أقل، بعد أن كانت تلك القوى ترفض من الأساس مواصلة إيران لتلك العمليات.

2-  تقليص أجهزة الطرد المركزي: فمن بين نحو 20 ألف جهاز طرد مركزي امتلكتها إيران قبل الاتفاق، سمح لها الأخير باستخدام 5060 جهاز فقط من الطراز الأول، بما يتوافق مع تخفيض مستوى التخصيب إلى 3.5%.

3-  تغيير نظام التشغيل في مفاعل "آراك": بما يساعد في تقييد قدرة إيران على استخدامه لإنتاج البولوتونيوم الذي يمكن أن يعزز قدرتها على إنتاج القنبلة النووية في مرحلة لاحقة، مع نقل معظم ما تمتلكه من المياه الثقيلة إلى الخارج لبيعها في السوق الدولية.

4-  فرض رقابة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية: التي تلتزم بإصدار تقارير دورية تقيم فيها مدى تعاون إيران والتزامها ببنود الاتفاق النووي، وهو متغير يمكن أن يترتب عليه إعادة فرض العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران قبل الاتفاق، في حالة ما إذا أقرت الوكالة بعدم تعاون إيران أو عدم التزامها. لكن ذلك لم يحدث حتى الآن، حيث تؤكد الوكالة باستمرار التزام إيران ببنود الاتفاق.

وفي مقابل التزام إيران بهذه البنود، رفعت العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها، حيث سمح لها بزيادة صادراتها النفطية إلى شركائها الدوليين السابقين، كما عادت إلى التعاملات البنكية بنظام "سويفت"، واستردت بعض أموالها المجمدة في الخارج، التي تصل حسب بعض التقديرات إلى نحو 150 مليار دولار، إلا أنها لم تحصل بالفعل سوى على حوالي 40 مليار منها حتى الآن.

كما بدأت إيران في إبرام صفقات اقتصادية كبرى مع بعض الشركات الدولية، مثل "إيرباص" و"بوينج" و"توتال" التي تولت تطوير المرحلة الحادية عشر من حقل بارس الجنوبي للغاز بالتعاون مع شركة "سي إن بي سي" الصينية و"بتروبارس" الإيرانية بقيمة تصل إلى نحو 5 مليارات دولار وفقًا للاتفاق الذي وقع في 3 يوليو 2017م.

وحرصت حكومة الرئيس روحاني على تأكيد إمكانية انخراط الشركات الأمريكية في صفقات اقتصادية داخل السوق الإيرانية، رغم التحذيرات التي وجهها المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي في هذا السياق.

فضلاً عن ذلك، تحسنت علاقات إيران مع الدول الغربية، خاصة الدول الأوروبية، التي قام الرئيس الإيراني حسن روحاني بزيارة بعضها، على غرار إيطاليا وفرنسا إلى جانب الفاتيكان في يناير 2016م، عقب رفع العقوبات الدولية مباشرة.

كما جرت مياه جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن بدأت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في محاولة استثمار الوصول إلى الصفقة النووية لتعزيز فرص الدخول في حوارات مع إيران حول قضايا غير نووية، على غرار الأزمة السورية.

ثانيًا: السياسة الأمريكية الجديدة تجاه الاتفاق:

لكن مع تولي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهامها في 20 يناير 2017م، بدا أن ثمة تغير في السياسة الأمريكية سواء تجاه الاتفاق النووي أو إزاء العلاقات مع إيران بشكل عام. فقد بدأت تلك الإدارة في توسيع نطاق خلافاتها مع إيران لتتجاوز الاتفاق النووي وتمتد إلى الدور الإقليمي الإيراني الذي ساعم في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط ودعم التنظيمات الإرهابية.

ووجهت تلك الإدارة انتقادات حادة للإدارة السابقة بسبب تغاضيها عن أنشطة إيران التي أثرت سلبيًا على أمن واستقرار المنطقة، وتجنبها فرض عقوبات قوية على إيران من أجل منع الأخيرة من الإقدام على اتخاذ إجراءات قد تؤثر على استمرار العمل بالاتفاق في الفترة التالية على الوصول إليه.

وبدأت الإدارة الحالية في اتخاذ خطوات إجرائية لتفعيل السياسة الجديدة التي تتبناها تجاه إيران، تتضمن آليات عديدة هى:

1-  رفع مستوى العقوبات المفروضة على إيران: خاصة على الحرس الثوري الذي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أنه الجهة المسؤولة عن تطوير البرنامج النووي ودعم الدور الإيراني على الساحة الإقليمية.

لكن واشنطن لا تسعى من خلال ذلك إلى فرض ضغوط على إيران من أجل منعها من مواصلة إجراء تجارب خاصة بالصواريخ الباليستية فحسب، وإنما تهدف أيضًا إلى وضع عقبات عديدة أمام الأخيرة تخصم من قدرتها على الحصول على العوائد الاقتصادية للاتفاق النووي.

إذ أن تلك الإجراءات يمكن أن تدفع بعض الشركات والمصارف الغربية إلى العزوف عن الدخول للسوق الإيرانية، خشية أن تتعرض لعقوبات أمريكية نتيجة تعاملها مع جهات تابعة للحرس الثوري أو متهمة بدعم برنامج الصواريخ الباليستية أو البرنامج النووي.

وقد اضطر بنك "بي إن بي باريبا" الفرنسي، في بداية يوليو 2014م، إلى دفع غرامة وصلت إلى 8.9 مليار دولار، بعد إقراره بانتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران وكوبا والسودان.

ومن هنا، اعتبرت اتجاهات عديدة أن انخراط شركة "توتال" الفرنسية في صفقة جديدة لتطوير المرحلة الحادية عشرة من حقل بارس الجنوبي يمثل مغامرة محفوفة بالمخاطر، قد تضطرها إلى دفع غرامات في حالة ما إذا تعاملت مع جهات تابعة للحرس الثوري، الذي يمتلك، حسب بعض التقديرات، ما بين 20 إلى 40% من الاقتصاد الإيراني، وتهيمن واجهته الرئيسية وهي شركة "خاتم الأنبياء" على 812 شركة أخرى.

ووفقًا لتقديرات النائب الأول للرئيس الإيراني اسحق جهانجيري، فإن قيمة الاتفاقات التي تفاوضت حولها إيران مع شركات أجنبية وصلت إلى 11.6 مليار دولار، لكنها لم تستطع تفعيل سوى 10% منها فقط، بسبب تأثير ضغوط العقوبات الأمريكية.

ومن دون شك، فإن العقوبات الأمريكية التي فرضت على إيران كانت سببًا رئيسيًا في تراجع العوائد الاقتصادية للاتفاق، لكن ذلك لا ينفي في الوقت نفسه أن ثمة أسباب أخرى ترتبط بالسياسة التي تتبناها إيران، كان لها دور أيضًا في هذا السياق.

إذ أن إصرار إيران على إجراء مزيد من التجارب الخاصة بالصواريخ الباليستية فضلاً عن دورها في دعم التنظيمات الإرهابية المختلفة، على غرار تنظيم "القاعدة" الذي كشفت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، في 2 نوفمبر الماضي، عن وثائق تركز على علاقاته مع إيران، دفع الشركات الأجنبية إلى تجنب إبرام صفقات اقتصادية مع جهات داخل الأخيرة.

2-  ممارسة ضغوط من أجل تعديل الاتفاق: على نحو يقلص من قلق واشنطن إزاء بعض البنود التي يتضمنها والتي يمكن، في رؤيتها، أن تساعد إيران في الوصول إلى مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية، وتحديدًا البند الخاص بالصواريخ الباليستية، والقيود التكنولوجية التي سوف ترفع تدريجيًا بعد عشرة أعوام.

ويبدو أن ذلك كان أحد أهداف الاستراتيجية الجديدة التي أعلنتها إدارة الرئيس ترامب لمواجهة طموحات إيران النووية والإقليمية، في 13 أكتوبر 2017م. إذ أن ترامب سعى عبر رفض الإقرار بالتزام إيران بالاتفاق النووي، على غرار ما فعل قبل ذلك، ونقل الملف إلى الكونجرس الذي سيتخذ الخطوة التالية فيما يتعلق بالاتفاق النووي خلال الفترة المقبلة، إلى ممارسة ضغوط على إيران من أجل دفعها إلى القبول بإجراء تعديلات على الاتفاق النووي، بشكل يمكن أن يؤدي إلى إبرام اتفاق جديد أو اتفاق مكمل يتضمن قيودًا أكبر على أنشطتها النووية.

واللافت هنا، هو أن إدارة ترامب حاولت أيضًا ممارسة ضغوط على الدول الأوروبية التي ما زالت تؤيد استمرار العمل بالاتفاق النووي من أجل التدخل لدى طهران لإقناعها بضرورة التوصل إلى اتفاق مكمل يتضمن البنود التي تثير قلقًا خاصًا من جانبهًا.

وقد حاولت بعض الدول الأوروبية بالفعل تبني مبادرات في هذا السياق، على غرار فرنسا، التي ألمحت إلى إمكانية إجراء مفاوضات جديدة بين إيران ومجموعة "5+1" حول القضايا التي تحولت إلى محور للخلافات بين الطرفين، بل إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يستبعد، حسب تقارير عديدة، إمكانية القيام بزيارة إلى طهران للقاء المسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي، بهدف إقناعهم بضرورة الاستجابة للضغوط الأمريكية من أجل حماية الاتفاق النووي وتعزيز فرص استمرار العمل به خلال المرحلة القادمة، وأنه قد يكلف وزير الخارجية جان ايف لودريان بإجراء زيارة مسبقة لاستشراف مدى إمكانية قبول طهران بذلك.

3-  الدعوة إلى إعادة تفتيش بعض المنشآت العسكرية: وهي الدعوة التي وجهتها المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي خلال زيارتها لمقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية بفيينا في 23 أغسطس 2017م، حيث أكدت تصميم واشنطن على امتلاك الوكالة الموارد التي تمكنها من إجراء تحقيق في النشاطات النووية الإيرانية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن السياسة الإيرانية في الماضي تثير شكوكًا فيما يتعلق باحتفاظها بجانب عسكري خفي في برنامجها النووي، خاصة فيما يتعلق بنشاطات مستترة في بعض المواقع العسكرية والجامعات.

ثالثًا: أهداف إيران من الاتفاق:

تعاملت إيران مع مجمل تلك المطالب الأمريكية بتبني سياسة متشددة، حيث قابلت العقوبات الدولية التي فرضت عليها بالاستمرار في إجراء تجارب لإطلاق صواريخ باليستية، بل إنها بدأت في توجيه تهديدات مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث قال قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري، في 8 أكتوبر 2017م، أن على الأخيرة إبعاد قواعدها العسكرية لأكثر من 2000 كيلو متر هى مدى الصواريخ الإيرانية في حالة ما إذا صنفت الحرس الثوري كمنظمة إرهابية.

كما أكد المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، في 24 أكتوبر 2017م، على أن برنامج الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي خارج نطاق المفاوضات مع القوى الدولية، وهو ما تلاه إعلان الرئيس حسن روحاني، في 29 من الشهر ذاته، عن أن إيران سوف تواصل إنتاج الصواريخ دون أن تنتهك، في رؤيته، أية اتفاقات دولية.

فضلا عن ذلك، رفضت إيران الدعوة الأمريكية لإجراء عمليات تفتيش في بعض منشآتها العسكرية، وأشارت تقديرات عديدة إلى أن إيران سمحت بتفتيش 22 موقعًا من المواقع المشتبه فيها من أصل 32 موقعًا، وفي إطار قيود شديدة على مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

إصرار إيران على تبني تلك السياسة يشير إلى أنها ترى أن الاتفاق النووي وفر لها خيارات متعددة، بشكل يمكن أن يساعدها في مواجهة الضغوط الأمريكية. ووفقًا لرؤية طهران، فإن الإدارة الأمريكية الحالية لا تستطيع بسهولة الانسحاب من الاتفاق النووي، باعتبار أن ذلك سوف يفرض عليها مسؤولية دولية كبيرة وسيؤدي إلى توسيع نطاق خلافاتها مع شركائها الأوروبيين والقوى الدولية الأخرى، مثل الصين وروسيا، التي تحاول تعزيز فرص استمرار العمل بالاتفاق خلال المرحلة القادمة.

كما أنها ما زالت تتعمد استغلال الثغرات القانونية التي يتضمنها الاتفاق وتغاضت عنها الإدارة الأمريكية السابقة من أجل الحفاظ عليه، دون أن تغامر بالتعرض لعقوبات دولية كبيرة. إلى جانب أنها تسعى في الوقت ذاته إلى استغلال دعم الدول الأوروبية للاتفاق بهدف تكريس التباين في مواقفها مع واشنطن بشكل يمكن أن يقلص من حدة الضغوط التي تمارسها الأخيرة، من أجل إجراء تعديلات في الاتفاق.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن إيران تسعى من خلال التمسك بالاتفاق النووي ورفض الضغوط الأمريكية إلى تحقيق أهداف عديدة يتمثل أبرزها في:

1-  الاحتفاظ بمختلف مكونات برنامجها النووي: خاصة أن الاتفاق لم يؤد إلى تفكيك أي منها، بل قضى بإبطاء نشاطها فقط، أو تغيير نظام العمل فيها، وهي التزامات يمكن أن تتراجع عنها إيران في حالة ما إذا توقف العمل بالاتفاق النووي لأي سبب كان.

وقد هددت إيران بالفعل بأن لديها القدرة على إعادة تطوير برنامجها النووي في حالة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، وأشارت إلى أن الفترة التي تحتاجها في هذا السياق قد لا تستغرق سوى ساعات أو أيام قليلة، حسب تصريحات الرئيس حسن روحاني ومساعده رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية على أكبر صالحي.

2-  رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها: بشكل يمكن أن يساعد الحكومة في التعامل مع الأزمات الاقتصادية الداخلية، على غرار ارتفاع معدلات التضخم والبطالة والفقر وانهيار البنية التحتية، إلى جانب دفع الشركات الأجنبية إلى العودة للاستثمار في السوق الإيرانية، ورفع مستوى الصادرات النفطية الإيرانية إلى الخارج، فضلاً عن استعادة الأموال الإيرانية المجمدة في المصارف الأجنبية.

3-  الوصول لمرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية: وهو ما يمكن أن تحققه إيران حتى من خلال الاتفاق النووي. فرغم القيود التي يفرضها الاتفاق عليها، إلا أن بعضها سوف يتم رفعه تدريجيًا خلال المرحلة القادمة، وهو ما يمكن أن يساعد إيران في مرحلة معنية على امتلاك القدرات التي يمكن أن تحتاجها لإنتاج القنبلة النووية في حالة ما إذا اتخذت قرارًا سياسيًا في هذا الشأن، لاسيما أنها أصرت من بداية المفاوضات على عدم تفكيك أى من الأركان الرئيسية في برنامجها النووي.

4-  تكرار النموذج الكوري الشمالي: تحاول إيران، عبر سياستها القائمة على دعم فرص استمرار العمل بالاتفاق النووي وعدم الاستجابة في الوقت نفسه للضغوط الأمريكية، الاحتفاظ بالجانبين السلمي والعسكري لبرنامجها النووي، تحسبًا للمسارات المحتملة التي قد تتجه إليها علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ويبدو أنها تتابع في هذا السياق اتجاهات الأزمة الحالية المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية، حول البرنامج النووي الذي تمتلكه الأخيرة، حيث أن المآلات التي سوف تنتهي إليها تلك الأزمة سوف تكون محط اهتمام ودراسة متأنية من جانبها، إذ لم تعد دوائر سياسية عديدة داخلها تخفي رغبتها في تبني النموذج الكوري الشمالي في التعامل مع الضغوط الأمريكية.

رابعًا: مسارات محتملة:

        على ضوء ذلك، يمكن القول أن ثمة ثلاثة مسارات محتملة يمكن أن تتجه لها أزمة البرنامج النووي الإيراني خلال المرحلة القادمة: المسار الأول، هو استمرار العمل بالاتفاق النووي، خاصة في ظل تمسك إيران والقوى الدولية به، فضلا عن تجنب الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب منه حتى الآن، رغم الانتقادات القوية التي توجهها له.

وحتى في حالة انسحاب واشنطن منه، فإن ذلك قد لا يؤدي إلى وقف العمل بالاتفاق، حيث ما زالت حكومة روحاني تعول على مواصلة القوى الدولية الخمسة (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) العمل به، خاصة أن معظم التعاملات المالية والاقتصادية الإيرانية مع هذه القوى، في ضوء عزوف الشركات الأمريكية عن الاستثمار في السوق الإيرانية.

لكن الانسحاب الأمريكي المحتمل من الاتفاق سوف يفرض ضغوطًا قوية على إيران، في ضوء الثقل الذي تحظى به أمريكا على المستوى الدولي، بشكل يمكن أن يزيد من دوافع الشركات الأجنبية لعدم الدخول في صفقات مع شركات إيرانية.

المسار الثاني، هو توقف العمل بالاتفاق، نتيجة الضغوط القوية التي يمكن أن تفرضها القيادة العليا ممثلة في المرشد خامنئي والحرس الثوري وتيار المحافظين الأصوليين على حكومة روحاني لعدم مواصلة الالتزام ببنوده في حالة الانسحاب الأمريكي منه، حيث أنها لا تبدو مقتنعة بإمكانية استمراره في حالة حدوث ذلك، وهو الاحتمال الذي تتبناه حكومة روحاني.

وقد ينتج هذا المسار تداعيات عديدة، إذ أنه قد يدفع إيران إلى إعادة تنشيط برنامجها النووي من جديد، وربما الوصول إلى مستويات غير مسبوقة، على غرار رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 20% واستخدام الطرازات الأكثر تطورًا من أجهزة الطرد المركزي التي قامت بتخزينها وفقًا للاتفاق، وإعادة تشغيل مفاعل "آراك" الذي يعمل بالمياه الثقيلة لإنتاج البولوتونيوم.

وهذا المسار تحديدًا هو الذي يمكن أن ينتهي بوصول إيران إلى مرحلة امتلاك القدرات اللازمة لإنتاج القنبلة النووية، وهو ما يعزز من احتمالات نشوب حرب في المنطقة، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لن تسمح لإيران ببلوغ تلك المرحلة.

المسار الثالث، هو إجراء تعديلات في الاتفاق بشكل يمكن من خلاله معالجة الثغرات القانونية التي تستغلها إيران للالتفاف على الالتزامات التي يتضمنها، وخاصة فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية والقيود التي سترفع تدريجيًا على بعض الأنشطة النووية بعد عشرة أعوام.

لكن هذا المسار يواجه عقبات عديدة، أهمها أن إيران وبعض القوى المعنية بالاتفاق ما زالت ترفض إجراء أية تعديلات، باعتبار أن هذا الأمر يمكن أن يؤدي إلى انهياره في النهاية وفقًا لرؤيتها.

خامسًا: كيف يمكن التعامل مع التهديدات الإيرانية:

تبدو الدول العربية معنية أكثر من غيرها بمواجهة التهديدات الناتجة عن السياسات الإيرانية، باعتبار أن المنطقة العربية تمثل ساحة الصراع الأساسية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن أن أي مسار محتمل للأزمة النووية الحالية سوف يؤثر على أمن ومصالح هذه الدول.

ومن هنا، فإن على الدول العربية أن تتبنى سياسة جديدة للتعامل مع التهديدات التي تفرضها سياسات إيران. وربما يمكن طرح آليات متعددة يمكن أن تعتمد عليها تلك السياسة.

تتمثل الأولى، في توجيه اهتمام المجتمع الدولي إلى مخاطر التغاضي عن التداعيات السلبية التي تفرضها السياسات الإيرانية في المنطقة، والتعويل فقط على التزامات إيران بالجوانب الفنية للاتفاق النووي، وهي التزامات مشكوك فيها من الأساس بسبب فشل إيران في إثبات قدرتها على التحول إلى طرف يستطيع الانخراط في اتفاقات دولية صارمة.

وتتعلق الثانية، بتفعيل الخطوات التي اتخذتها العديد من الدول العربية لامتلاك برامج نووية نوعية للأغراض السلمية، على غرار الخطوات التي بدأتها كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، بعد أن تحولت الطاقة النووية إلى ركيزة أساسية في عملية التنمية.

وتنصرف الثالثة، إلى دعم الجهود التي تبذلها قوى دولية من أجل مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية بشكل كامل، لمنع إيران من تطوير جانب عسكري خفي لبرنامجها النووي، والدعوة إلى إجراء عمليات تفتيش صارمة على المنشآت النووية والعسكرية المشتبه فيها.

وتتصل الرابعة، بضرورة دعم التوجه الدولي نحو إجراء تعديلات في الاتفاق النووي، بشكل يساعد بالفعل في إنهاء أى مسعى إيراني محتمل لامتلاك برنامج نووي للأغراض العسكرية، من خلال العمل على تلافي السلبيات المتعددة التي يتضمنها الاتفاق النووي الحالي، خاصة فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية والقيود التي سترفع على بعض الأنشطة الحيوية في البرنامج النووي بداية من عام 2025م.

خاتمة:

في النهاية، يمكن القول أن تحقيق أى من المسارات السابقة يتوقف على متغيرات عديدة، يرتبط أبرزها بمدى قدرة الإدارة الأمريكية على اتخاذ خطوات إجرائية لتفعيل الاستراتيجية الجديدة التي أعلنتها لمواجهة طموحات إيران النووية والإقليمية، وهي مهمة لن تكون سهلة في ضوء علاقات إيران مع التنظيمات الإرهابية والمسلحة في دول الأزمات ومساعيها لدعم تمددها في مناطق عديدة بالشرق الأوسط.

ومن دون شك، فإن الضغوط التي يمكن أن تفرضها تلك الخطوات على إيران يمكن أن تتصاعد في حالة ما إذا اقتربت مواقف القوى الدولية، لاسيما الدول الأوروبية، بدرجة أكبر من السياسة الأمريكية، بشكل يمكن أن يمنع إيران في مرحلة تالية من محاولة استغلال الانقسام الحالي بين الطرفين لتعزيز موقفها في مواجهة الضغوط الأمريكية ويدفعها إلى إجراء تغييرات في سياستها التي أدت إلى تفاقم الأزمات الإقليمية بالمنطقة وزعزعة الاستقرار ودعم التنظيمات الإرهابية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس تحرير مجلة "مختارات إيرانية" بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

مجلة آراء حول الخليج