array(1) { [0]=> object(stdClass)#12156 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 126

المنطقة العربية عام 2018 : أضعف وأكثر قابلية لسيطرة الطامعين

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

حلت علينا مؤخرًا، السنة الميلادية الجديدة 2018م، التي نسأل الله أن يجعلها سنة جلاء حزن، وذهاب هم، وخير وبركة، على الأمة العربية والإسلامية، والعالم أجمع.  وكل عام وأنتم بخير.   وفى هذه المناسبة السنوية تكثر التنبؤات، بما قد يحدث في السنة الحالة. وتتزايد عمليات استقراء الواقع الراهن، واتجاهاته المستقبلية.  وإن القراءة الموضوعية للمقبل في المدى المنظور، في مجال السلوك الإنساني بعامة، والسياسي منه على وجه الخصوص، هي تلك التي تعتمد على فهم موضوعي عميق لـ " ما هو كائن "...  وتستند إلى ذلك الفهم في التكهن بـ " ما سيكون "، خاصة في قضايا كبرى معينة.  وإن التزمت أصول الموضوعية والتجرد، فإنها – ولا شك – ترقى على مستوى صحة تنبؤات المشعوذين والمنجمين، الذين تتكاثر أيضًا رؤاهم الآن. إذ تعج وسائل الإعلام، في هذه الأيام، بجردات حساب عما جرى في العام الفارط، وتذخر بتنبؤات لا حصر لها.

           ولكن، حتى التنبؤ العلمي -المرتكز على منهجية علمية راسخة -في مجال السياسة المعقد، صعب جدًا .. . ولا تنتج عنه – في كثير من الأحيان – استنتاجات دقيقة ...  ناهيك عن التكهن الصحفي العابر. وقد قيل: إن التنبؤ بأحوال الطقس المتقلب، في أي جهة من العالم، أهون من التنبؤ بتقلبات السياسة العالمية والإقليمية.  لذا، فإن أي توقع في هذا الشأن يجب أن يؤخذ بحذر، ويعتبر مجرد تكهنات، قد تصيب وقد تخطيء.  ومع كل هذه العوائق، يمكن لأي شخص – راشد عاقل – أن يجرب التنبؤ في السياسة، وليكن ما يكون.   فالسياسة هي أمر يمارسه " كل " الناس، فكرًا وسلوكًا وتحليلاً، وبشكل يومي مستمر.

                                               ****

       لقد شهدت الساحة السياسية العربية في العام 2017م، كالعادة، أحداثًا جسامًا .... نتيجة استمرار حالها تقريبًا على ما هو عليه منذ خمسة عقود، ونتيجة لتداعيات ما عرف بـ " الربيع العربي " الذي تفجر في العام 2011م، وكان زلزالا مهولا، جعل المنطقة تمر بتطورات سياسية هائلة، وغير مسبوقة ... تمثلت في ثورات، وثورات مضادة دامية وعشوائية.  ومن المتوقع أن ينشغل العالم العربي، والعالم معه، بما تبقى من أحداث وتطورات هذا " الربيع " الذي أمسى خريفًا، ويتلازم الاهتمام به وبما تبقى من تداعياته مع الاهتمامات العربية الكبرى الأخرى.

    والعام 2018 م، سيكون – في الغالب – هو عام ذبول ذلك الربيع، وعودة أغلب بلاد العرب إلى ما كانت عليه قبله، مؤقتًا ... لان بذور الاضطراب وعدم الاستقرار ما زالت قوية وقابلة جدًا للنمو.  بل هي، بعد هذا " الربيع "، أقوى من ذي قبل. فمن أهم ما تمخض عنه هذا الربيع هو الرفض الشعبي العربي التام لديمومة نوعية الأنظمة التي كانت سائدة قبل ذلك الربيع.  وإن كانت الفوضى الحالية لا تبرر الاشتراط، في غياب الأمن وعدم الاستقرار والتشرذم.  والدرس الذي يجب على العرب أن يعوه هو: ضرورة اتقاء شرور أي " ربيع " بالتنمية السياسية الايجابية.  ولذا، يمكن أن نقول – مع الأسف - إن هذه السنة، وربما التي تليها، هي سنة استمرار معاناة العرب من أسباب معاناتهم المزمنة المعروفة ... عدم استقرار حقيقي، غياب ملحوظ للأمن والأمان، إقصاء طائفي ومذهبي، بؤس جماهيري.

                                           ****

     أما على الساحة العالمية، فستظل القضايا الكبرى كما هي – بصفة عامة – مع تزايد الاهتمام الغربي والعالمي بالأمور الاقتصادية والمالية .... خشية التدهور المعيشي. وبعض القضايا الأخرى ستظل معلقة ....                                                                                                                                                    إن عالمنا الثالث المسكين، والذي ينتمي اليه العالمين العربي والإسلامي، يتطور أغلبه، بصفة عامة، ولكن من سيء لأسوأ، في أكثر الحالات والمجالات ....  فيزداد بؤسه وتعاسته.  ويمكن رد ما فيه معظم الجنوب من علل وبؤس (بصفة عامة) إلى سوء سياسته وفساد إدارته، كمسبب أول.  فهل سيبدأ النائمون (أو النامون) بكسر طوق ذلك النحس، وتعديل السياسات الخاطئة، اعتبارًا من هذا العام ؟!  لا أظن.  وتلك هي أبرز تنبؤاتي.  فالغرب المتسلط، والقوى المتحالفة معه ما زالت في موقع أقوى.

        ويلاحظ وضع " السياسة " أولا.  والبعض يقول: بأن التعليم (مثلًا) هو أهم عامل، وليس " السياسة " – كما أزعم هنا.   فإن تغير التعليم وتطور تتغير الحياة، وتتحسن. هذا صحيح، إذا تجاهلنا " العوامل " الأخرى. فمع الأهمية الحاسمة للتعليم -وقبله الصحة -إلا أن السياسة يمكن أن توفر تعليمًا جيدًا، ويمكن أن تفعل العكس، أو حتى تكرس الجهل.  من هنا تأتى أهمية السياسة ... لتصبح الأهم ... أو أهم " عامل " في تطور الحياة العامة للبشر.   ولهذا، تصبح الأحداث والأوضاع السياسية في المقدمة .... لما لها من تبعات، وانعكاسات (ايجابية وسلبية) على كل مناحي الحياة الأخرى. 

                                   ****

 

تصور سريع لما سيجرى بالمنطقة هذا العام:                                                                                           يعتبر العالم العربي –  بصفة عامة –  من مناطق " الجنوب " النامي ، المتسم أغلبها بـ " التخلف "  لأسباب ذاتية وخارجية معروفة.   فباستثناء بعض أجزائه، فإنه أيضًا أقل مناطق العالم احتمالا للنهوض، إن استمر فكره وتكوينه السياسي، في أكثر أنحائه، على ما هو عليه.   هذا ما يردده معظم الخبراء المعنيين، ويقدمون البراهين على ذلك ....  وأعتقد بعض المراقبين بالأمس أن " الربيع العربي " كان سوف يبدأ في تصحيح هذا الوضع، ولكن تداعيات هذا الربيع ما زالت سلبية بعد سبع سنوات من اندلاع ثوراته.  

        ويتوقع أن يستمر حال العالم النامي بما فيه العربي – بصفة عامة – على ما هو عليه، في المدى المنظور، على الأقل ....  باعتبار طبيعة " النظام العالمي " الراهن، وتوجهاته الاقتصادية والسياسية القاسية.  وكذلك استتباب " العوائق الذاتية " المعروفة، التي يعاني منها جل هذا العالم / النامي.   وقد شهدت الفترة الأخيرة بعض التآكل في قوة القطب الوحيد، المسيطر الآن على مقاليد السياسة الدولية.  وربما يكون هذا " الضعف " (النسبي – بالطبع) هو بداية التراجع (الحتمي) في هيمنته .... ومؤشرًا على تصاعد قوة ونفوذ قوى كبرى قادمة (الصين، روسيا، الاتحاد الأوربي، وغيرهم) قد لا تكون أكثر إنصافًا. ومع ذلك، ما زال ذلك القطب يقود (عنوة، وبما لديه من عناصر القوة) الكثير من توجهات ومسارات السياسة الدولية الراهنة.

                                            ****

            وعند محاولة فهم ما يجرى، وسيجرى، في منطقتنا العربية، تجب الإشارة بأن: فهم – وتوقع – ما سيجرى بهذه المنطقة يسهل إن فهمت حقائق وأطر سياسية نظرية معينة، أهمها: نظريات: الاستعمار الجديد، النظام العالمي الراهن، الحركة الصهيونية، سياسة الولايات المتحدة نحو المنطقة ..... الخ.     أما " القضايا " الساخنة، التي تشهدها المنطقة الآن، فستظل – على الأرجح – مستمرة في المدى القصير.   وأهمها -كما هو معروف -ما تبقى من أحداث وتطورات الربيع العربي، ثم قضية فلسطين، ثم الأوضاع المضطربة في كل من: العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، الصومال، ثم الملف النووي الإيراني، الإصلاح والتنمية، الإرهاب، وما يرتبط بذلك من قضايا وأحداث ...  وهذه قضايا يمكن استيعابها -وفهم توجهاتها المستقبلية، بدقة وموضوعية -بفهم الأطر المشار اليها.  فمن العبث محاولة فهم مشاكل المنطقة وما ماثلها (فهمًا صحيحًا) دون فهم هذه النظريات (والحقائق) العامة التي تقع الأحداث في إطارها ....

    ويبدو أن سنة 2018م، حبلى بمشاكل ونكبات وأزمات خطيرة .... غير معظمها   العام المنصرم ....  فهي أزمات قديمة – جديدة.  الأمر الذي يبقي المنطقة العربية (الشرق الأوسط) كأكثر مناطق العالم سخونة والتهابا، وقابلية للاضطرابات والقلاقل والحروب، في الوقت الحاضر.  ولعل أهم ما يجعلها كذلك هو: الأطماع الامبريالية – الصهيونية فيها، وسيادة الاستبداد، وتخبط بعض أهلها – فكريًا وسلوكيًا.

                                          ****

 

أخطار تعبث باستقرار وأمن المنطقة: 

   وطالما استمر الكيان الصهيوني الغاصب في سياساته العدوانية الظالمة، فلن تشهد المنطقة أي أمن أو استقرار حقيقيين.   فهذا الكيان يعمل على مدار الساعة للإضرار بهذه الأمة العربية، في كل المجالات، وبكل الطرق الممكنة. وقد تمكن أكثر بسبب الدعم الأمريكي المتزايد، وعزم أمريكا على نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، حسب قرار الرئيس الأمريكي ترامب الذي أصدره في نهاية عام 2017م، والذي يعكس تمكنًا صهيونيًا أقوى.  هذا الكيان الصهيوني لا يريد سلامًا، ولا يستطيع العيش دون عدوان وهيمنة.  لم يمر يوم واحد دون وجود عدوان صهيوني من نوع ما، على هذه الأمة، منذ قيام إسرائيل عام 1948م.

    وفى الوقت الذي تمتلك إسرائيل فيه أكثر من مائتي رأس نووي، موجهة – بالفعل –   لكل بلاد المنطقة، وتستخدمها (على مدار الساعة) لإرهاب وابتزاز وتهديد كل المنطقة، تقول إسرائيل بأنها تخشى أن تمتلك هذه الدولة، أو تلك، قنابل نووية .... تهدد أمنها ....؟!  ولذلك، لا بد من شن هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية غير الاسرائيلية، وإشعال حروب جديدة مدمرة بالمنطقة ...؟!  إنه المنطق الصهيوني العدواني الوقح. 

   إن كل الدول العربية – تقريبًا – ومعظم دول العالم، هي قطعًا ضد امتلاك إيران، أو غيرها، لأسلحة نووية.   ويجب أن يعمل على تحقيق هذا الهدف بكل الطرق الممكنة، وبحيث يشمل كل الدول، وليس دولة دون أخرى ... لا سيما وأن للاستخدام الضمني للسلاح النووي فاعلية تعادل فاعلية استخدامه الفعلي. ولكن المنطق الصهيوني واضح المعالم والغايات، فلسان حاله يقول: لإسرائيل أن تحتكر كل أسلحة الدمار الشامل بالمنطقة، وأن تهيمن على المنطقة ومقدراتها، وأن تكون هي الآمرة الناهية بها، وإلا ....؟!

                                              ****

     ولا شك أن لإيران سياسات توسعية ومذهبية بغيضة. وهذه السياسات يتوقع استمرارها، رغم الاضطرابات والمظاهرات الشعبية الإيرانية التي اندلعت في أواخر شهر ديسمبر 2017م ... والمؤمل ألا ينتج عن رفض ومقاومة هذه السياسات الهيمنة النووية الصهيونية المبيتة.  وذلك (التطبيع المجاني) هو واحد من أهم، وأخطر، التحديات التي تواجه العرب الآن.   وهو، في الواقع، تحد قديم – جديد .... ولكن، ينتظر أن يكون قريبًا أكثر حضورًا.  أضف لذلك التحديات الأخرى المعروفة، وفى مقدمتها مشاكل الطائفية والمذهبية.

    فقد شهدت السنوات الأخيرة إحياءً همجيًا لـ" الطائفية " و " المذهبية "، أعد لكل المنطقة. ولا شك أن أعداء شعوب هذه المنطقة هم من بادروا وأشعلوا فتيل الطائفية، وصب المزيد من الزيت على نار المذهبية ... لأن الخلافات والصراعات الطائفية والمذهبية هي أكثر الوسائل فعالية في تمزيق المنطقة، وشرذمتها أكثر ... انطلاقًا من رغبة هؤلاء في الإمعان في تجزئ المجزأ، وتمزيق الممزق.  وذلك مما يجعل المنطقة أضعف، وأكثر قابلية لسيطرة الطامعين، وهيمنة الغزاة.   وقد رأينا الفتنة الطائفية والمذهبية تكشر عن أنيابها .... في كثير من أرجاء المنطقة، وبشكل سافر، بدءً من: العراق، ومن ثم سوريا واليمن، وغيرهم.  ولكن لم يكن كيد الأعداء بناجع، لولا قابلية الضحايا للذبح .... وتلك هي مسألة من أمر الحقائق، في هذا الشأن.  بالطبع - مشاكل وأزمات أخرى حادة، وقابلة للاشتعال والتفاقم، في أي لحظة.  ولضيق الحيز، نكتفي بهذه الرؤية العامة وبهذه الإشارات. 

مجلة آراء حول الخليج