العدد 126

لا نحتاج حلبة مصارعة بل متحدث مبتسم يعرف ما يقول من خلال عمل مؤسساتي ومراكز بحث

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

تتمحور هذه المقالة حول عدة أسئلة تتعلق بصورة المملكة العربية السعودية في الرأي العام العربي. ويهدف التشديد على كون السؤال نقطة البدء إلى فتح النقاش والجدل، فلا يكون الحديث منطلقًا من إجابات حاسمة/محسومة.

 

أولاً: ماهي عوامل التأثير في الرأي العام العربي؟

 

في رأيي أن هنالك عدة عوامل تؤثر سلبًا وإيجابًا في الرأي العام العربي. 

 

أولها وأهمها هو التاريخ. ولنأخذ الاستعمار الفرنسي للجزائر كمثال. بحكم كوني عربي، ولما للجزائر في قلبي من حب واحترام وتقدير، تألمت لصورة أهلي هناك وهم مصطفين بازدحام شديد أمام سفارة فرنسا في يوم الاحتفال بالاستقلال عن فرنسا هذا العام. فكأنما احتفل الجزائريون بالاستقلال عن فرنسا بالتسابق على الذهاب لفرنسا. الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي هو عنوان تاريخي كبير. وهنالك عنوان تاريخي كبير آخر يتمثل في الأحداث التي تلت نهاية الاستعمار، وبروز نخب سياسية وفق ترتيب معين، كان لها دور حاسم في مآل الأمور إلى ذلك الاصطفاف الشديد. 

 

هذان العنوانان لهما تأثير عميق في جزء مهم من الوطن العربي وعزيز على قلوبنا، هو الجزائر، وفي الرأي العام الجزائري. وهذا مثال على أن للتاريخ دورًا حاسمًا في تشكيل الثقافات السياسية لكل قُطر عربي، كل على حده. هكذا يتكون لدينا عدة أُطر، تعمل كسياقات منفصلة، وتؤطر لتفاعل الشعوب العربية مع الأحداث الجارية. 

 

لكن، وبالرغم من وجود السياقات المنفصلة، هنالك عنوان عريض يربط بين تلك السياقات المنفصلة، ليشترك فيه الشارع العربي بأكمله، ويمكن تلخيصه بكلمة واحدة: الاستعمار. ومن خلاله يتم النظر للغرب. وهكذا يفهم العرب براميل بشار الأسد المتفجرة وأسلحته الكيميائية، بدعم من إيران وحزب الله اللبناني: سايكس ـ بيكو جديد، انتزعت فيه روسيا قاعدتي حميميم وطرطوس، وبنت إيران جدارًا عازلًا يفصل دمشق عن العالم العربي، بطوق من المليشيات الأفغانية، والباكستانية، والعراقية، واللبنانية.

 

والإعلام وطرحه لهذه الأحداث يعمل على التأجيج أحيانًا والتقليل أحيانًا أخرى، عبر التلاعب بسلم الأولويات والأهمية، بشكل انتقائي، وعبر التركيز على أحداث بعينها، وتجاهل أخرى. وهو لا يتحرك في الفراغ، بل هنالك دول ومصالح، وإعلاميون لهم انتماءات فكرية ولهم تاريخ ولهم مصالح. 

 

مقارنة تغطية قناة الجزيرة للحرب في اليمن قبل خلاف قطر مع جيرانها العرب، بفترة ما بعد الخلاف، يوضح كيف انقلبت قناة الجزيرة من الحديث عن تقدم الجيش اليمني ميدانيا ضد المليشيات الإيرانية إلى الحديث عن «تهاوي» الجبهة العربية أمام الجبهة الإيرانية في اليمن، والتركيز منقطع النظير على كل حدث يمكن أن يطعن في صورة السعودية والسعوديين. 

 

فلقد تحولت قطر من دولة، إلى شاعر هجاء، لا موضوع له سوى السعودية. ذهب الجميع بالإبل، وليس في يده سوى قصيدة.

 

لكن رب ضارة نافعة. فانقلاب قناة الجزيرة قدم خدمة عظيمة للرأي العام العربي عبر تلقينه درسًا قاسيًا مفاده أن المؤسسات الإعلامية لا يمكن أن تكون منفصلة عن مصالح الدول التي تتواجد فيها. فمهما علت أصوات الخطب الرنانة عن استقلالية الجزيرة ومبادئها، يظل دويّ انقلابها أعلى. 

 

والرأي العام العربي، بسبب الواقع المرير، واليأس، وغياب الرؤية الحضارية، يبحث عن معارك كبرى، ولا يكترث للتفاصيل. فهو يرى الأحداث بشكل شمولي يشبه شمولية الأنظمة التي تحكمه. إنه يبحث عن بيتين شعريين كبيرين، واحد في المدح وآخر في الهجاء، ليعلقهما على أستار الكعبة. 

 

وحوارات الشارع العربي تشبه احتكام الشعراء إلى قبة النابغة الذبياني الحمراء في سوق عكاظ، يأوي إليها مريدوا هذين البيتين.

 

شمولية الرأي العام العربي وعدم اكتراثه للتفاصيل الحاسمة منعته من أن يرى البوارج الروسية المحملة بالأسلحة وهي تحصل على إذن تركيا لعبور البسفور، وترسو في طرطوس، ليستخدمها الروس في قصف أهلنا في سوريا. وهذه الشمولية تمنعه من رؤية صفقات السلاح والتجارة بين تركيا وإسرائيل، وتبادل السفراء والزيارات، ناهيك عن زيارة شمعون بيريز للدوحة والمكتب الإسرائيلي هناك. وهي ذات الشمولية التي تمنع الشارع العربي من رؤية توافق حلفاء حزب الله في لبنان، كجبران باسيل وتياره، على «حق إسرائيل في التمتع بالأمن». 

 

كل هذه هي تفاصيل حاسمة، لكن شمولية الرأي العام العربي لا ترى سوى بيتين من الشعر. 

 

ولهذا، يخيل إليّ أن الشعوب العربية تبحث عن أبطال تخلع عليهم بيت المديح، وأشرار خونة لتصلاهم ببيت الهجاء. والغالبية العظمى من التفاصيل والأحداث والأفكار اليومية، والتي لها دور حاسم في مآلات الأمور، تمر غير مرئية وغير مسموعة.

 

هذه في رأيي هي أهم العوامل التي تؤثر في الرأي العام العربي: التاريخ، الثقافة السياسية، الأحداث الجارية، والإعلام، والشمولية.

 

 

ثانيًا، هل صورة المملكة سلبية بالمطلق؟ أم إيجابية بالمطلق؟ أم أن هنالك جوانب من هذا وذاك؟

 

في تصوري أن هنالك جوانب تبدو من خلالها صورة المملكة بشكل سلبي وأخرى بشكل إيجابي. 

 

يرتبط الاقتصاد السعودي بالأسواق الغربية (عنوان هذا الارتباط: النفط بين بائع ومشتري). ولذلك كان هنالك خيارات سياسية معينة للمحافظة على العلاقة بين البائع والمشتري. المسألة براغماتية وتتعلق بالنظر للعالم كما هو، وليس كما نريده أن يكون، وبالتالي فمن الطبيعي أن يكون هنالك خيارات سياسية مثالية أحيانًا، وأقل مثالية أحيانًا أخرى. وهذه الخيارات السياسية لا تختلف كثيرًا عن خيارات دول نفطية أخرى كقطر، أو كالجزائر أو كليبيا. إنها مسألة تاريخية يمكن الرجوع لها من خلال بحث علمي، كما يمكن قياسها بشكل منهجي، بعيدًا عن تسجيل النقاط أو الدوغمائية. 

 

لكن شعراء الهجاء لا يرون إلا الرياض.

 

بالإضافة، الدول العربية في نهاية المطاف هي دول، لها مصالح وأمن وطموحات، وهذا يفرض عليها التعايش مع نظام دولي تهيمن عليه قوى غير عربية. وهذا يفسر ارتباط الجزائر الاستراتيجي بفرنسا والولايات المتحدة، وسوريا بروسيا، وقطر بالولايات المتحدة وتركيا. 

 

عدم أخذ هذه المسائل بالحسبان هو من الأميّة السياسية. 

 

لكن كان هنالك حملات قومجية سابقًا وحملات قطرية حاليًا، مفادها أن: السعودية باعت نفسها للغرب، وخياراتها السياسية خاطئة، وستسقط قريبًا. لا شيء مما يقوله شاعر الهجاء في الدوحة يخرج عن هذا.

 

وهذا له دور في تشكيل الرأي العام العربي، الذي لا يكترث للتفاصيل الحاسمة. وهو واضح في الصور النمطية عن السعودية لدى بعض نخب الجيل السابق الذي كبُرَ على الخطب والشعارات القومجية. كما هو بيّن عند جمهور شاعر الهجاء.

 

لكن في المقابل، هنالك صور إيجابية. فالسعودية هي منبت العروبة ومهبط الإسلام. وهي اليوم الدولة العربية الكبرى الوحيدة التي لاتزال راسخة الجذور، وفرعها في السماء، بعزم واقتدار. وهي ذخر استراتيجي للعالمين العربي والإسلامي، تذود عن أمنهما ومصالحهما. وهي تقوم بإصلاحات كبيرة، وتسير نحو الانفتاح بخطى ثابتة. وها هي قد ضربت للعالم موعدًا في مدينة نيوم. ووضعت أحجار أساس لمشاريع لم تر المنطقة مثلها من قبل، وتسعى للأفضل. 

 

أهم جائزة في العالم الإسلامي هي جائزة الملك فيصل، بكافة فروعها. ومعرضا الكتاب في الرياض وجدة هما الأهم عربيًا على الإطلاق. ومهرجان الجنادرية هو أمة بذاته، ومهرجان سوق عكاظ محجة للعلم والثقافة. وقد احتلت السعودية المركز الأول عربيًا من حيث الأبحاث العلمية عام ٢٠١٢م، برصيد ٧٠٠٠ بحث محكّم، في كبريات المجالات العلمية العالمية. وقد ملأ محمد حسن عواد وعبد الرحمن بن منيف وعبده خال السمع والبصر، وأشدى محمد الثبيتي وفوزية أبو خالد وجاسم الصحيح العرب بقصائدهم، كما فعل جدنا أمرؤ القيس وفعلت جدتنا الخنساء من قبل. ونظّر عبد الله الغذامي للأدب والثقافة العربية، وغنى محمد عبده وطلال مداح من المحيط إلى الخليج. والبنية التحتية السعودية، طرقها ومستشفياتها ومطاراتها وأجهزتها الأمنية، تتشرف باستقبال عشرات الملايين من الحجاج والمعتمرين سنويًا، بيدٍ حانية وجناح مخفوض وقلب محب.

 

كل هذه العناصر هي إيجابية ولا شك، ولكن ليس لها ضجيج كضجيج القومجيين بالأمس، وشاعر الهجاء في الدوحة اليوم.

 

ثالثًا: هل لدينا نحن السعوديون قصور ساهم بشكل سلبي في بعض ما يشوب صورة المملكة؟

 

نعم لدنيا قصور، ولن نستطيع التوصل إلى حلول عملية إذا لم نعترف به. وأوجه القصور كثيرة، لكنني سأكتفي بمثالين للتدليل عليه. الأول يتعلق بالوسط الإعلامي، والثاني يتعلق ببعض المسؤولين الذين يعززون الصور النمطية عنا. 

 

فيما يتعلق بالوسط الإعلامي، يمكن القول بأن جزء من المشتغلين بالإعلام «أخذوها بالجندية» (تسمية مشتقة من الجندي الذي يترقى حتى يصبح ضابط، مع تسجيل عميق احترامي لجنودنا، ولكن الهدف هو التشبيه وإيصال فكرة). فإعلاميو الجندية لا يتمتعون بالاحترافية، لا في لغتهم العربية، ولا بوعيهم، ولا بثقافتهم، ولا بمهنيتهم. بل ساقتهم الصدف إلى العمل في الوسط الإعلامي، دون تأهيل سابق، كمراسلين رياضيين في اليوم الأول، وبعد عطلة نهاية الأسبوع أصبحوا محللين سياسيين.

 

إعلاميو الجندية يساهمون بشكل غير واع في خلق صورة « تشبيحية » عن السعودية عبر تناولهم للقضايا الحاسمة، بالصراخ والتهديد والتعالي، واللغو وتوافه الأمور.

 

والأمر الآخر يتعلق ببعض المسؤولين الذين يعززون الصور النمطية عنا. فهؤلاء البعض يقولون للرأي العام العربي، وكذلك العالمي، بشكل منهجي ومنظم بأن السعودية عمرها ٨٥ سنة وبأننا كنا نركب الجمال ونسكن الخيام، قبل التوحيد. هذا القول يهدف إلى مقارنة الكثبان الرملية التي كانت قبل ٨٥ سنة بناطحات السحاب التي حلت محلها في الرياض، حتى يُقال: «ما أعظم الإنجاز!». وهذه مسألة في غاية الخطورة، لأنها تخاطب رأيًا عامًا عالميًا مثقلاً بصور نمطية، مفادها أننا أناس بلا تاريخ وبلا حضارة، وبأننا إلى عهد قريب كنا حفاة عراة نهيم على وجوهنا في الأرض، بين الكثبان الرملية. 

 

وهذه المقولة ليست خطيرة على صورة المملكة فحسب، بل هي خاطئة تاريخيًا. 

 

فأرضنا أرض حضارات وأمجاد وتاريخ تليد. دونك أيام العرب الكبرى، ومرويات كليب وأخيه الزير سالم، وامرئ القيس، وعنترة، وحاتم الطائي، والخنساء. وعظماء مملكة كندة في نجد (٣٠٠ سنة قبل الميلاد)، وتاريخ جزيرة تاروت في القطيف (٣٠٠٠ سنة ق.م.)، والبابليون الذين اتخذوا من تيماء عاصمة لهم (٥٥٦ سنة ق.م.)، واللحيانيون في غرب نجد وشمال الحجاز (٥٠٠ سنة ق.م.) والنبطيون في العُلا ومدائن صالح (١٠٠ سنة ق.م.)، ونجران وتاريخ حروبها مع ملوك سبأ (٦٦٠ سنة ق.م.)، وحضارات الربع الخالي التليدة.

 

ولقد ولدت الأمة العربية في سوق عكاظ، وترعرعت في دار الندوة، وخرجت إلى العالم مع المعلقات. كما ولدت الأمة الإسلامية في مكة، وترعرعت في يثرب، وخرجت إلى العالم من سقيفة بني ساعدة. وخرج سلاطين دمشق وبناة بغداد وبيت حكمتها وأمراء قرطبة وغرناطة من أبطح مكة. ومعظم السلالات الملكية العربية ترجع بأصولها إلى ما بين مكة وسوق عكاظ، كما أن نخبة العالمين العربي والإسلامي الحالية يفاخرون بأنهم يرجعون بأصولهم إلى ترابنا الطاهر.

 

ومن يطلع على كتاب (إقامة في رحاب شريف مكة) للرحالة الفرنسي شارل ديدييه ليُصاب بالذهول من وصفه الدقيق للجغرافيا الاجتماعية لمدن الحجاز، التي زارها في عام ١٨٥٤م، والطرز المعمارية والنوافذ الخشبية ذات الألوان الزاهية، والشوارع النظيفة، وحال الموانئ الآمنة والمزدهرة، وتطور الأسواق وثراء الحياة الفكرية والثقافية في الحجاز. وللأدب والثقافة حكايات لا تنتهي في المخلاف السليماني في جنوب المملكة. وللمحاكم السيّارة في الأحساء قصة أخرى. ونادي جدة الثقافي الذي كتب عنه أمين الريحاني في «ملوك العرب»، في مطلع القرن العشرين، لعلامة بارزة على التقدم. بل إن البنية الإدارية للدولة السعودية الثالثة اتخذت من المؤسسات الإدارية الحجازية نواة لها. 

 

رابعًا: كيف يمكن أن نوقد شمعة؟

 

علينا أن نجتهد في إيصال رسالة بسيطة، تعكس واقعنا بلا مبالغة ولا انفعال. هذه الرسالة مفادها هي أننا أصحاب اليد الممدودة: كرمًا وسلامًا وعونًا. وأصحاب الجناح المخفوض: رحمة وعفوًا وتسامحًا. دون أن ننسى أننا في نهاية المطاف دولة-قومية لها منطق الدولة، والدفاع عن أمن الدولة، ومصالح الدولة، وماضي الدولة، ومستقبل الدولة. نعم، لدينا قصور ولدينا أخطاء، كسائر الأمم، ونشكر من يدلنا عليها، ونسعى بجد واجتهاد لتصويبها.

 

المسألة بسيطة ولا تحتاج لحلبة مصارعة، بل لشخص يتحدث مبتسما، ويعرف ما يتحدث عنه. ولا يمكن أن نجد هذا الشخص إلا من خلال العمل المؤسساتي، ذي الرؤية والخطط والبرامج التأهيلية والأجهزة الرقابية التصحيحية، ومراكز البحث التي تقارن وتطرح الأسئلة وتنشر، والانفتاح على النقد، ومأسسة الجدل، وطيب الخاطر.

مقالات لنفس الكاتب