العدد 126

الخليج بين عامين .. الدروس المستفادة

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

منطقة الخليج شهدت أحداثًا متسارعة ومتداخلة خلال العام المنصرم 2017م، ومن بين هذه الأحداث ما توقعه المحللون وما لم يكن متوقعًا، لكن تظل طبيعة الأحداث المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط منذ أحداث ما يسمى الربيع العربي هي السمة السائدة في المرحلة الحالية.  

وبين اختلاط أوراق العام المنصرم، وما يحمله العام الجديد، يظل احتمال تغير في بعض هذه الأحداث ونتائجها، وأيضًا استمرار الظلال التي ألقتها أحداث العام الماضي. ومن بين هذه الأحداث: الخلافات الخليجية التي طرقت أبواب الخليج بقوة عام 2017م، إضافة إلى أزمات دول الجوار الجغرافي، ومنها ما يحدث في اليمن وتداعيات ممارسات الانقلاب الحوثي ومقتل الرئيس  اليمني السابق علي عبدالله صالح في تصفية الانقلابيين له على طريقة الانقلابات تأكل نفسها، وزيادة رقعة الفقر والدمار الذي خلفه الانقلاب، كذلك الممارسات الإيرانية العدائية  تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، واستخدام أذرعها في إطلاق الصواريخ الباليستية، وتحريك ميليشياتها المسلحة في المنطقة العربية، إضافة إلى استمرار موجات الإرهاب. وكذلك ما حدث في الإطار الإقليمي لدول مجلس التعاون كالأوضاع في العراق والاستفتاء الكردي على الانفصال عن الوطن الأم، وتداعيات ما يحدث في سوريا، وليبيا، وغيرها، وكذلك تغير مواقف وسياسات الدول الكبرى، وشكوك في مواقف وتوجهات ونوايا بعض هذه الدول المتنافسة والطامحة والطامعة في مقدرات الدول العربية بشكل معلن أو مستتر، ومحاولات بعض الدول الإقليمية تطويق المنطقة بالتواجد غير المرغوب والمشكوك فيه بالقرب من حدودها، أو في بعض أطرافها، كل ذلك وغيره من أزمات عصفت بالمنطقة العربية، ومازالت توابعها مستمرة.

 الأزمة الخليجية ـ الخليجية، التي تصاعدت بين أعضاء المنظومة الخليجية جراء مواقف وسياسات قطر السلبية ، العضو في هذه المنظومة ما أدى إلى انعقاد القمة الخليجية الثامنة والثلاثين بالكويت بمستوى تمثيل أقل من المعتاد، كما تسيطر على أروقة مجلس التعاون حالة من الجمود والترقب مع تأخير ما كان يتوقعه أبناء دول الخليج من إنجازات، وأيضًا استمرار هبوط أسعار النفط بشكل ملحوظ مما أثر على الناتج الوطني الإجمالي لدول مجلس التعاون.

لذلك بات من الضروري على دول الخليج الاستفادة من نتائج هذه الأحداث، وبدا بعضها فعلا قد استعد للمستقبل. ففي المجال الاقتصادي، ظهرت نتائج بعض هذه الدروس بغية أن يكون العام الجديد أقل صعوبة، والسير إلى الأعوام المقبلة برؤى علمية، وخطى ثابتة وواثقة، ولعل ما شهدته المملكة العربية السعودية يعد واحدًا من أهم هذه الدروس، ويأتي مشروع نيوم، ومن قبله رؤية 2030، وما جاء في مؤتمر ومعرض إعمار منطقة مكة المكرمة في نهاية شهر ديسمبر الماضي، يؤكد أهمية خوض غمار المستقبل بأدوات استشرافية واضحة وبالتخطيط السليم القائم على الرؤية الدقيقة، والشفافية، وعليه يجب المضي قدمًا في تنفيذ هذه الاستراتيجيات بالتخطيط المحكم، وإشراك العقول الوطنية المستنيرة والمتخصصة في التخطيط والتنفيذ، وكذلك استقطاب وتحفيز رأس المال الوطني (القطاع الخاص) في تنفيذ هذه البرامج الطموحة بهدف توسيع القاعدة الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل وتوطين التكنولوجيا الحديثة، وإيجاد فرص عمل حقيقة ومنتجة للشباب القادم إلى سوق العمل.

على الصعيد السياسي والعلاقات الخليجية ـ الخليجية، من الضروري أن تدرك قطر خطورة سياساتها الإقليمية والدولية، وعليها أن تعي في النهاية أن الحقائق الجغرافية والحضارية والتاريخية لا يمكن تجاوزها وستبقى قطر دولة خليجية، تعيش في الإقليم الخليجي بين دول جوار تشترك معها في قواسم مشتركة لن تتكرر مع غيرها، ومن ثم لا مجال أمامها إلا التوافق مع جيرانها، وأن تدرك أنه لن يحقق الاستقواء الخارجي العيش بأمان والاستقرار داخل حدودها، وعليها أن تستوعب ما يدور في إيران اللاعب المؤثر في الأزمة القطرية، حيث رفض شعبها في احتجاجات غير مسبوقة ما يرتكبه النظام الإيراني خارج حدود دولته من دعم ميليشيات وجهات ودول على حساب شعبها ومصالحه، وإهدار أمواله.

وهنا رسالة واضحة لإيران نفسها التي تمادت منذ الثورة الإسلامية عام 1979م، فيما تعتبره تصدير الثورة ومناصرة الضعفاء، بالتدخل في شؤون الآخرين تحت شعارات جوفاء كاذبة رفضها شعبها، وعلى طهران أن تعي أن استمرارها في تبني دعم الميليشيات المسلحة، ودعمها للإرهاب سوف ينقلب عليها كما ينقلب السحر على الساحر، وسوف تدفع الثمن على الصعيد الداخلي، والإقليمي، والدولي.

فيما يخص الانقلاب الحوثي في اليمن، فقد كشف عن وجهه الحقيقي ـ الذي كنا نعرفه جيدًا ـ فهو ليس له أي هدف سوى الاستيلاء على السلطة، وأن يكون مقدمة للنظام الإيراني في المنطقة. ولقد جاءت تصفية علي عبد الله صالح والتمثيل بجثته، وما أعلنه الانقلابي عبد الملك الحوثي من تشفي وشماتة، يؤكد أن الانقلاب الدموي مستعد لتصفية الحلفاء، بل التضحية بكل أبناء اليمن للظفر بالغنائم على حساب الشعب، ومن ثم على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته في ردع حفنة الانقلابيين الحوثيين، وإعادة اليمن إلى شعبه، وإيقاف مهزلة اختطاف دولة دون وازع أخلاقي أو قيمي، وخارج أسس القوانين والأعراف الدولية، بعد أن سقطت ورقة التوت الأخيرة عن هذا الانقلاب.

ونؤكد للقوى الإقليمية ودول الجوار العربي، أن المنطقة لشعوبها ودولها ولن تكون أرضًا مستباحة حتى وإن كانت تمر بظروف غير اعتيادية، وعليها أن تدرك خطورة مخططاتها التي تصل حد التآمر على المنطقة، وفي هذا المشهد يجب على جامعة الدول العربية أن تضطلع بدورها في هذه الظروف الحرجة لصيانة حقوق الأمة ومنها قضيتها المركزية والحفاظ على سلامة مدينة القدس الشرقية والمسجد الأقصى المبارك بعد القرار الأمريكي غير القانوني بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وندعو القوى الكبرى أن تتعامل مع دول المنطقة بمنطق العلاقات الدولية، والحفاظ على المصالح المشتركة، وليس على طريقة جمع الغنائم على حساب وحدة هذه الدول وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرار شعوبها.

وعلى شعوب المنطقة أن تتحمل مسؤوليتها بالوعي واليقظة للحفاظ على أوطانها ومكتسباتها ومقدراتها، وعدم الانجرار وراء الشائعات، التي تستنزف إمكانيات الشعوب وتهدرها بدلاً من التركيز على البناء والتنمية.

 

مقالات لنفس الكاتب