موقف أوروبا من علاقات دول مع القوى الإقليمية: ضمانة للاستقرار الإقليمي

الأحد، 11 آذار/مارس 2018

بطبيعة الحال يهتم الاتحاد الأوروبي وكل دولة من الدول الأعضاء به بالحفاظ على العلاقات مع قوى إقليمية مثل إيران وتركيا والهند وباكستان، وهو ما له دور هام فيما يخص السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي. غير أنه نادرًا ما تعبر أوروبا-سواء من خلال الاتحاد الأوروبي أو كدول منفردة-عن رأيها بوضوح حول العلاقة التي تسعى إليها دول مجلس التعاون الخليجي مع تلك البلاد. فإيران فقط هي التي تحظى بموقفٍ واضح من قبل الاتحاد الأوروبي، حيث يؤمن الاتحاد بأن العداء بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران له خطره على السلام والأمن الإقليمي، وبالتالي على المصالح الأوروبية الأمنية.

 

ويسعى هذا المقال إلى محاولة التعرف على كيفية محافظة الاتحاد الأوروبي وتعزيزه لعلاقاته مع القوى الإقليمية الهامة المذكورة وكيف يتوافق منهج الاتحاد الأوروبي مع الطموحات الأوسع نطاقًا لدى دول مجلس التعاون الخليجي لتعزيز تلك العلاقات أيضًا. فوفقًا للمنهج المعياري في التعامل مع العلاقات الدولية، ترغب أوروبا في أن تشهد تطور العلاقات مع القوى الإقليمية على أساس المصالح والمنافع المتبادلة. كما ترى أوروبا أن تحسين تلك العلاقات ضرورة عندما يتعلق الأمر بالتحديات التي تعتقد أوروبا أنها تؤثر ليس على القوى الإقليمية فحسب، بل على دول مجلس التعاون الخليجي أيضًا، بدايةً من الصراعات الأيدولوجية، ونزاعات المصالح والنفوذ، وسباق الأسلحة والقوى العسكرية، وصراعات الحدود، وقضايا السيادة المتنازع عليها، والإرهاب، ودور الأذرع غير الحكومية العنيفة، إلى مجموعة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية المحلية.

 

ولكن مع الأسف، لا يتعاون مجلس التعاون الخليجي وأوروبا سويًا على نحوٍ كافٍ، سواء على المستوى الثنائي أو المتعدد الأطراف، وذلك في سبيل تعزيز المصالح الفردية بشكلٍ جماعي، بل يسعى كل جانب وراء امتيازاته الشخصية الخاصة بالسياسة الخارجية، من خلال منظور ضيق عن المصلحة الوطنية، بما يعني عدم دمج الموارد أو غياب تبادل الآراء الذي من شأنه أن يتيح مكاسب أكثر فيما يتعلق بكيفية هيكلة العلاقات مع الأطراف الأخرى. وسوف يتضح هذا القصور أكثر عند النظر بدقة إلى كل دولة من الدول المذكورة على حدة.

 

إيران

من المؤكد أن علاقات أوروبا أو الاتحاد الأوروبي مع إيران لها التأثير الأكبر مثلها مثل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. فالاتحاد الأوروبي كان الأكثر نشاطًا في محاولة تعزيز توثيق العلاقات مع إيران وعلى الأخص منذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي في يوليو 2015م، فقبل تلك الفترة، دخل الطرفان في تفاعلات دورية ولكن بنتائج وتأثير محدود. وعلى غرار دول مجلس التعاون الخليجي، توترت العلاقات بين أوروبا وإيران بسبب ثورة إيران عام 1979م، إلى جانب أن دعم إيران للإرهاب وسجلها في مجال حقوق الإنسان يمثلان أكثر العوائق تهديدًا لعلاقات أفضل. كما أن سعي إيران وراء برنامج نووي وموقفها الذي يعرقل قضية الصراع العربي ــ الإسرائيلي من القضايا الهامة الأخرى.

 

لقد حاولت أوروبا إبقاء باب الحوار مفتوحًا بالرغم من الخلافات السابقة، على أساس أنها تعتبر إيران جزءًا من "الجوار الأكبر" لها. ففي تسعينات القرن الماضي، أقامت أوروبا ما أطلقت عليه "الحوار النقدي" مع الجمهورية الإسلامية، استنادًا إلى إمكانية أن تؤثر أوروبا على سياسات إيران المحلية والخارجية من خلال دمجها في العلاقات التجارية والدبلوماسية. وبالرغم من أن رئاسة محمد خاتمي قوبلت بالترحاب في العواصم الأوروبية، إلا أن سرعان ما تبين أن "الحوار النقدي" لم يثمر نتائجه المتوقعة. وقد اتضح ذلك بصورة أكبر عقب انهيار المفاوضات النووية المنعقدة بين الطرفين عامي 2003 و2004م، وما تبعها من رئاسة محمود أحمدي نجاد.

 

في نوفمبر عام 2013م، استُؤنفت المفاوضات النووية الرسمية التي انتهت بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة في يوليو 2015م. وقد لاقت الاتفاقية استحسانًا كبيرًا في العواصم الأوروبية وفي بروكسل كونها أحد الإنجازات البارزة ومثالاً ناجحًا على منهج الاتحاد الأوروبي متعدد الأطراف وإصراره على استمرار الحوار. وقد نتج عن الاتفاقية توسع الاتصالات بين أوروبا وإيران إلى درجة كبيرة، وزيارة العديد من الوفود الوزارية الأوروبية لطهران فورًا عقب توقيع الاتفاقية. وكذلك قد ترأست فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وفدًا يتضمن سبعة مفوضين أوروبيين إلى إيران في إبريل 2016م.

 

وكجزء من خطة العمل الشاملة المشتركة، تأسست فرقة عمل إيران داخل الدائرة الأوروبية للشؤونالخارجية بهدف مراقبة تنفيذ الاتفاقية. وتتضمن الأهداف الأساسية لفرقة العمل ضمان التطبيق الكامل لخطة العمل الشاملة المشتركة ودعمها، وتكوين علاقات متعاونة مع إيران في مجالات مثل التنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان والهجرة والطاقة والنقل والحماية المدنية والعلوم والتعليم والبيئة والثقافة، وتعزيز السلام الإقليمي والأمن، وحل النزاعات سلميًا من خلال الحوار والمشاركة. وقد نص قرار لاحق أصدره البرلمان الأوروبي بشأن استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه إيران بعد الاتفاقية النووية من أكتوبر 2016م، أن "علاقات الاتحاد الأوروبي وإيران ينبغي تطويرها من خلال حوار استراتيجي متعدد المستويات يتضمن اتصالات اقتصادية وسياسية وأكاديمية وفنية والاتصالات الشخصية المباشرة التي تضم أطراف المجتمع المدني..." وفي المجمل، وضع الاتحاد الأوروبي هيكل منهجه تجاه إيران اعتمادًا على أربعة أسس: وهي أن يكون شاملاً، وتعاونيًا، ونقديًا، وبنَاءً.

 

وبعد إبرام الاتفاق النووي الإيراني، انصب اهتمام الاتحاد الأوروبي على التنفيذ الناجح للاتفاق، وبالتالي كان سيفعل كل ما بوسعه لحماية خطة العمل المشتركة الشاملة. ولذلك، فقد رد الاتحاد الأوروبي سريعًا على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم التصديق على الاتفاق النووي مع إيران في 13 أكتوبر 2017م، حيث أعلنت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، أن رئيس الولايات المتحدة ليس لديه صلاحية لإنهاء الاتفاق من جانب واحد أو تغيير شروطه، نظرًا لأن خطة العمل المشتركة الشاملة عبارة اتفاق متعدد الأطراف، أقرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وفى اليوم نفسه، ذكر بيان مشترك صادر عن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "إننا ملتزمون بخطة العمل المشتركة الشاملة وبتنفيذها الكامل من قبل جميع الأطراف. لأن الحفاظ على هذه الخطة تصب في خدمة مصلحتنا الوطنية المشتركة. ومع ذلك، أقر رؤساء الدول الثلاث بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية وأنشطتها الإقليمية مصدر قلق ولها تأثيرها على المصالح الأمنية الأوروبية، ولكنهم في الوقت نفسه، طالبوا الولايات المتحدة بعدم اتخاذ أي خطوة من شأنها تقويض الاتفاق النووي.

 

وعلاوة على ذلك، اتخذت مؤسسات أوروبية أخرى موقفًا أكثر حدة، حيث دعت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، الاتحاد الأوروبي إلى "الاستمرار في ممارسة الضغط على الولايات المتحدة من أجل التنفيذ العملي" لخطة العمل الشاملة المشتركة". وتنظر عدد من الدول في مجلس التعاون الخليجي إلى هذه المواقف على أنها تسمح لإيران بالخروج في نهاية المطاف من عزلتها الدولية، ومنح الفرصة لها بمرور الوقت لمواصلة مختلف أنشطة البحث والتطوير، والتي من شأنها أن تجعل إيران في وضع يمكنها من اختراق عالم الأسلحة النووية بمجرد اقتراب الاتفاق من نهايته. وبالتالي، فإن التقارب بين الاتحاد الأوروبي وإيران يُمثل خسارة للعالم العربي، لأنه لا يفعل شيئًا يذكر لتقييد وردع إيران ومنعها عن سياستها التدخلية في الشرق الأوسط أو من متابعة تنفيذ برنامجها الخاص بالصواريخ الباليستية الذي يمثل تهديدًا لمن حولها.

 

وبالطبع لا تعتنق أوروبا كلها نفس الرأي، فثمة أصوات مختلفة في أوروبا، حيث أعربت بعض الدول الأوروبية منفردة عن آراء مختلفة. ففي تصريحات صحفية، قال الرئيس الفرنسي ماكرون في فبراير 2018م"نُريد بدء دورة جديدة من المفاوضات مع الأطراف الإقليمية والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ... كما إننا بحاجة لمراقبة الصواريخ الباليستية الإيرانية. وهذا أمر لا غنى عنه من أجل الحفاظ على أمن المنطقة، ولذا، فإننا بحاجة إلى وجود آلية للعقوبات والسيطرة تتفق مع ذلك." ومن الواضح أن الفرص الاقتصادية داخل إيران لا تتطور بالصورة التي كانت تأمل بها أوروبا (لا تزال العديد من الشركات الأوروبية تتوجس خيفة من الاستثمار في إيران بسبب التهديدات الخاصة بتجديد العقوبات الأمريكية)، وبالتالي، فإن أوروبا لا تريد أن تعرض مصالحها الاقتصادية والتجارية القوية حاليًا مع دول مجلس التعاون الخليجي للخطر.

 

ورغم ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي كمؤسسة، لا يزال يفضل سياسة "التعامل المتوازن" بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي. وفي كلمتها أمام البرلمان الأوروبي في يناير 2016م، قالت فريدريكا موغيريني أن "الحوار بين جميع القوى الإقليمية -بدءً من المملكة العربية السعودية وإيران -هو السبيل الوحيد للخروج من الاضطرابات الحالية في الشرق الأوسط ... وهذا الحوار ليس بلعبة صفرية-ولكنه رسالة قوية أخرى نحاول تمريرها إلى أصدقائنا السعوديين والإيرانيين." وفي هذا السياق، تواجه أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي خلافات عميقة فيما بينهما، وذلك عندما يتعلق الأمر بكيفية التعامل مع إيران على نطاق أوسع كقوة إقليمية في المنقطة. وعلى ذلك، وفي بروكسل على وجه الخصوص، يُقابل عزم دول الخليج العربي على مواجهة إيران واتخاذ موقف أكثر نشاطا ضد السياسات الإيرانية في المنطقة بدرجة عالية من الشك،وقد أدى ذلك، إلى خفض مستوى العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي بعيدًا عن النهج المتوازن الذي يأمل الاتحاد الأوروبي في تطويره.

 

تركيا

 

إن العلاقة بين أوروبا وتركيا من ناحية والهند وباكستان من ناحية أخرى أقل تعقيدًا بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي. ويرجع هذا للأثر المباشر لعلاقات الاتحاد الأوروبي بإيران على أمن دول مجلس التعاون الخليجي، في حين تركز علاقة الاتحاد الأوروبي بأنقرة وإسلام أباد ونيودلهي على جوانب ذات أهمية ثانوية لدى دول الخليج. وبشكل عام، لا يوجد تعليقات رسمية من المسئولين الأوروبيين أو مسؤولي الاتحاد الأوروبي عن كيفية مواصلة دول الخليج علاقاتها مع تلك الدول الثلاث.

 

وجدير بالذكر أن العلاقات الأوروبية التركية بدأت في عام 1959م، ثم توطدت العلاقات بين الجانبين بإبرام اتفاقية أنقرة في عام 1963م، وعلى الرغم من تقديم تركيا طلب للانضمام للاتحاد الأوروبي عام 1987م، فقد تم إدراجها في الاتحاد الجمركي التابع للاتحاد الأوروبي عام 1996م، وفي عام 1999م، تم إعلان تركيا كدولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، ولكن المفاوضات الفعلية الجادة بدأت بحلول 2005م.

 

وبرغم ذلك، لم تنطلق المفاوضات الفعلية أبدًا، وبحلول عام 2016م، توقفت المفاوضات تمامًا؛ إذ وجه الاتحاد الأوروبي انتقادات قوية لتركيا فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص تلك الانتهاكات المتعلقة باعتقال الصحفيين مزدوجي الجنسية، الذين يحملون الجنسية التركية وجنسية دولة أوروبية أخرى، وهذا ما يعتبره الاتحاد الأوروبي إخفاقًا متصاعدًا في تحقيق سيادة القانون وانحرافًا نحو حكم الفرد، وذلك إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016م، والاستفتاء الذي تبعها، ومنح صلاحيات كبيرة للرئيس رجب طيب أردوغان. وفي عام 2014م، صرح رئيس المفوضية الأوروبية جان-كلود يونكر قائلا  "بالنسبة لتركيا: إنها بعيدة كل البعد عن عضوية الاتحاد الأوروبي، فالدولة التي تحظر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" ليست جاهزة بعد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي". وبحلول عام 2017م، أعلن الاتحاد الأوروبي انتهاك أنقرة لمعايير كوبنهاجن المطلوبة للترشح لعضويته.

 

بينما قال المحلل التركي ملتم أهيسكا "إن أوروبا لا تزال هدفًا مرغوبًا، وفي ذات الوقت مصدرًا للإحباط" للهوية الوطنية التركية، وهذا ما ينطبق على الوضع الراهن. ويعتبر أحد الأسباب التي جعلت تركيا تحول جزءًا من تركيزها إلى الشرق الأوسط، في محاولة منها لبناء علاقات مع عدد من الدول، من ضمنها دول مجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك، فمحاولات تركيا للوصول إلى الشرق الأوسط لم تُجدي نفعًا نظرًا لتأييدها ومساندتها للإسلام السياسي، بما أفضى إلى علاقات متصدعة مع الدول الخليجية، ومن ضمنها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ويبدو أن مساندة تركيا للحركات الإسلامية، جعل الاتحاد الأوروبي وبعض دول مجلس التعاون الخليجي يسيرون على نفس النسق، فيما يتعلق بتركيا.

والآن، تجد أوروبا نفسها في مأزق مرة أخرى، حيث انتهت سياستها في التواصل والحوار إلى نفق مظلم من الإحباط وخيبة الأمل فيما يتعلق بتركيا. وفي المقابل، لا يزال الاتفاق المبرم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بشأن اللاجئين السوريين في 20 مارس 2016م، ساريًا، ولكن عدم مواصلة محادثات الانضمام ورفع القيود عن تأشيرات السفر قد يهدد الاتفاق بالفشل. وقد أشارت فيديريكا موغيريني إلى تركيا على أنها ببساطة "لاعب إقليمي يتشارك معنا في النفوذ الجغرافي الاستراتيجي". وقد تحدث زعماء أوروبيون آخرون مثل إجيلا ميركل طويلاً عن شراكة متميزة كأساس للعلاقات مع تركيابدلًا من الحصول على عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي.

 

وبشكل عام، ليس لدى الاتحاد الأوروبي أي اعتراض على نهج دول مجلس التعاون الخليجي تجاه تركيا، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن تركيا هي طرف محوري فاعل عندما يتعلق الأمر بالقضايا الإقليمية الرئيسية مثل سوريا والعراق.هذا وتتشارك تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي في رؤيتهما تجاه نظام بشار الأسد في سوريا، والحاجة إلى تغييره. ولكن التحركات التركية الأخيرة داخل سوريا ضد السوريين الأكراد قد أثارت شكوكًا لدى دول الخليج والاتحاد الأوروبي حول دوافع تركيا حيال الأزمة، وبالتالي وجدت دول الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي نفسها تتعامل مع شريك إقليمي صعب المراس ولا يمكن التنبؤ بتحركاته.

 

الهند وباكستان

 

وفيما يتعلق بالهند وباكستان، يمكن ملاحظة اهتمام الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي بتطوير علاقتهما بالهند بصورة أكبر من باكستان. ومع أن العلاقات مع باكستان لا تزال قائمة، فقد تم توجيه مزيد من الاهتمام إلى الهند في السنوات الأخيرة.

 

فقد أرست اتفاقية التعاون المبرمة عام 1994م، أطر العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والهند، والتي تم استكمالها عن طريق الشراكة الاستراتيجية التي تأسست بين الطرفين في عام 2004م،وفي عام 2005م، تم الاتفاق على خطة عمل مشتركة، تشمل نواحي مختلفة مثل الإرهاب، ومحاربة القرصنة، وعدم انتشار الأسلحة ونزع السلاح، والتجارة، وحقوق الإنسان، والهجرة، والطاقة، وتغير المناخ والبيئة وغيرها من الأمور الأخرى. وفي اجتماع القمة الثالث عشر بين الاتحاد الأوروبي والهند المنعقد في مارس 2016م، تم الاتفاق على خطة عمل مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والهند حتى عام 2020م، كما بدأت المفاوضات بشأن اتفاق التجارة الحرة المعروف أيضًا باسم اتفاقية التجارة والاستثمار واسعة النطاق (BTIA) في عام 2007م، ولكن لم يتم التوصل إلى نتيجة.

 

وفي المقابل، تخضع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وباكستان إلى مجموعة من الاتفاقات الأقل طموحًا. ففي عام 2012م، وافق الاتحاد الأوروبي وباكستان على خطة مشاركة لمدة خمس سنوات، بغرض تعزيز التعاون الإنمائي والانخراط في حوارات استراتيجية منتظمة والتعاون في قضايا مثل الأمن ومكافحة الإرهاب والتجارة والمساعدات الإنسانية والصحة والنقل والطاقة والبيئة. وتهدف هذه الخطة إجمالًا إلى العمل على بناء شراكة استراتيجية مماثلة لتلك الشراكة القائمة مع الهند.

وتكتسب العلاقات التجارية مع الهند أهمية كبرى، ففي عام 2015م، بلغ حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند 77.5 مليار يورو مقابل 10.5 مليار يورو مع باكستان في نفس العام. وفي الوقت نفسه، تعتبر باكستان أكبر متلقي للمساعدات الإنسانية من الاتحاد الأوروبي، حيث تلقت أكثر من 700 مليون يورو للمساعدات الإنمائية و540 مليون يورو للمساعدة الإنسانية. في حين تلقت الهند 130 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي عن طريق صندوق الحماية المدنية والمساعدة الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية (ECHO).

ويدعم الاتحاد الأوروبي العلاقات الاقتصادية والسياسية القوية التي تحافظ عليها دول مجلس التعاون الخليجي مع كل من الهند وباكستان؛ حيث يدرك الاتحاد إدراكًا تامًا لأهمية الدور الذي تلعبه تحويلات العمال الوافدين إلى الخليج في نمو الاقتصاد الهندي والباكستاني. فالاتحاد الأوروبي يتفق بشكل أساسي مع دول مجلس التعاون الخليجي على الأدوار السياسية التي تلعبها تلك البلدان في منطقتهم. وهذا يشمل دورهم في قارة جنوب آسيا، فضلًا عن مكافحتهم للتطرف والإرهاب. وتتضمن المجالات التي يُحتمل أن تكون أكثر إثارة للجدل هي عدم الانتشار ونزع السلاح. فعلى سبيل المثال، حافظت المملكة العربية السعودية على علاقات وثيقة مع باكستان حتى عندما كانت البلاد تخضع لعقوبات واسعة النطاق من التحاد الأوروبي بسبب تجاربها النووية في نهاية التسعينيات. وفي هذا الصدد، لا تزال العديد من دول مجلس التعاون الخليجي لديها علاقات عسكرية وأمنية مع باكستان، وهو تطور ينظر إليه الاتحاد الأوروبي بدرجة من الشكك والريبة. ومع ذلك، فلا تزال دول الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي يتبنيان بشكل عام وجهات نظر مشتركة فيما يتعلق بالهند وباكستان.

 

الخلاصة                     

لقد أبقت دول الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي على علاقات إيجابية قوية مع مجموعة متنوعة من القوى الإقليمية دون مواجهة أي طرف للآخر.فدول مجلس التعاون الخليجي تنظر لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع إيران بكثير من الشك والارتياب، حيث يمنح الاتحاد الأوروبي إيران فرصة افتراض حسن النية في العديد من القضايا الرئيسية المثيرة للقلق. وفي المقابل، لا يمكن الزعم بالأمر نفسه فيما يتعلق بتركيا والهند وباكستان.

 

وفي الوقت نفسه، يُمكن للاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي العمل على تطوير المحادثات الثنائية بينهما لتشمل العلاقات الإقليمية، ومعرفة كيفية استفادة كل طرف من الآخر، من خلال تعزيز تعاون أوثق. فعلى سبيل المثال، تقدم دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي العديد من المساعدات الإنمائية والإنسانية للهند وباكستان، وهو الأمر الذي غالبًا ما يمكن التعزيز من كفاءته في حالة مناقشة نهج مشترك بين الطرفين والاتفاق عليه. إن وجود مثل هذا التنسيق سيعمل أيضَا على إزالة العقبات والخلافات المحتملة في مختلف القضايا الأخرى.

مقالات لنفس الكاتب