array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 128

إيران وطبيعة الدور الإقليمي: تحييد دول شبه القارة الهندية في الصراع الخليجي

الإثنين، 12 آذار/مارس 2018

لم تتخل إيران عن طموحاتها التقليدية في التحول إلى قوة إقليمية رئيسية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، سواء قبل الثورة أو بعدها. صحيح أن الأدوات اختلفت، لكن الأهداف والسياسات ظلت كما هى. وقد اتبعت إيران، في مرحلة ما بعد الثورة، آليات عديدة لتحقيق ذلك، منها تأسيس علاقات قوية مع الفاعلين من غير الدول المنتشرين في بعض دول المنطقة، خاصة الفاعلين الطائفيين، ومحاولة استثمار الأزمات التي تواجه بعض الدول لاختراق حدودها وتكريس نفوذها داخلها.

وبالتوازي مع ذلك، سعت طهران إلى إقامة علاقات قوية، أو على الأقل تقليص حدة الخلافات مع بعض القوى الدولية والإقليمية القريبة من حدودها الشرقية والشمالية، على غرار الهند وباكستان وتركيا.

وحاولت إيران عبر ذلك تحقيق أهداف عديدة اقتصادية وسياسية وأمنية، يتمثل أهمها في استقطاب تأييد تلك الدول لمواقفها تجاه بعض الملفات الإقليمية، خاصة التي تحظى باهتمام خاص من جانب إيران، على غرار الأزمة السورية والصراع في اليمن، والعلاقات مع الدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم ذلك، فإن ثمة متغيرات عديدة يمكن أن تضع حدودًا لهذا النمط التعاوني الذي تتسم به العلاقات بين إيران والدول الثلاث، مرتبطة بالاتجاهات العامة للسياسة الخارجية الإيرانية، ورؤية طهران لموقعها داخل خريطة توازنات القوى الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.

أولاً: انخراط متصاعد

سعت إيران إلى تطوير علاقاتها، على المستويات المختلفة، مع كل من الهند وباكستان وتركيا خلال الفترة الماضية. فعلى المستوى الاقتصادي، أبرمت طهران عددًا كبيرًا من الاتفاقات ومذكرات التفاهم الاقتصادية الخاصة بتأسيس مشروعات لرفع مستوى التعاون الاقتصادي مع هذه الدول.

ففي آخر زيارة للرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الهند، في 15 فبراير 2018م، وقعت الدولتان على 15 اتفاقية تتعلق بالتعاون في المجال الزراعي ومنع الازدواج الضريبي وإلغاء تأشيرات الدبلوماسيين، فضلاً عن تأجير الهند جزء من ميناء تشابهار باستثمارات تصل إلى 850 مليون دولار، وهو الميناء الذي تعول عليه الهند، في المرحلة الحالية، للوصول إلى أفغانستان ودول آسيا الوسطى دون المرور بالأراضي الباكستانية، حيث وقعت مع إيران وأفغانستان اتفاقًا ثلاثيًا بشأنه في 24 مايو 2016م.

واتفقت إيران وتركيا خلال آخر زيارة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى طهران، في 4 أكتوبر 2017م، على رفع التبادل التجاري بينهما من 10 مليار دولار حاليًا إلى 30 مليار دولار خلال الفترة القادمة.

في حين يصل التبادل التجاري بين إيران وباكستان، التي قام الرئيس حسن روحاني بزيارتها، في 25 مارس 2016، إلى مليار ونصف المليار دولار، تسعى الدولتان إلى زيادته إلى 5 مليارات دولار خلال الفترة القادمة.

وعلى المستوى السياسي، ما زالت إيران حريصة على الوصول إلى تفاهمات سياسية مع تركيا حول تطورات الصراع في سوريا، وهو ما بدا جليًا في مشاركة الدولتين مع روسيا في رعاية المفاوضات التي عقدت بالأستانة بين النظام السوري وقوى المعارضة، والتي تمخضت عن الوصول لاتفاقات خاصة بتخفيض التصعيد في بعض المناطق مثل حلب وحمص وإدلب وغيرها.

وفيما يتعلق بالمستوى الأمني، وقعت إيران على اتفاقية تعاون عسكري مع باكستان، في 17 يناير 2018م، كما توصلت إلى تفاهمات أمنية مع باكستان من أجل تأمين الحدود بين الدولتين، التي مثلت سببًا للتوتر بينهما، في ظل الاتهامات الإيرانية المتكررة لإسلام أباد بالتغاضي عن أنشطة بعض الجماعات المسلحة التي استهدفت قوات الأمن والحرس الثوري في إيران مرات عديدة حسب تصريحات المسؤولين العسكريين الإيرانيين.

ثانيًا: أهداف عديدة

تسعى إيران من خلال رفع مستوى علاقاتها مع الدول الثلاث إلى تحقيق أهداف عديدة، يتمثل أبرزها في:

1-  تحييد مواقف هذه الدول: تدرك إيران أن الدول الثلاث تؤسس علاقات استراتيجية قوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما دفعها إلى محاولة استثمار التعاون معها كآلية لدفعها إلى تبني مواقف حيادية، على الأقل، تجاه الملفات الخلافية المتصاعدة بين إيران ودول المجلس.

وبعبارة أخرى، فإن إيران تسعى إلى دفع تلك الدول من أجل عدم اتخاذ مواقف ضدها في تلك الملفات، بشكل قد يؤدي إلى تصاعد حدة الضغوط والعزلة الإقليمية التي تواجهها، بسبب تدخلاتها المستمرة في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، ودعمها لبعض التنظيمات الإرهابية والمسلحة، وتهديداتها المستمرة باستخدام صواريخها الباليستية وإطالة مداها، فضلا عن عدم التزامها المتكرر بالبنود التي يتضمنها الاتفاق النووي.

وقد بدا ذلك جليًا في أكثر من ملف إقليمي، أبرزها عملية عاصفة الحزم التي شنها التحالف العربي بقيادة السعودية لاستعادة الشرعية الدستورية في اليمن التي صادرتها ميليشيا أنصار الله الحوثيين الموالية لإيران، بداية من 25 مارس 2015م، وقرارات المقاطعة التي اتخذتها الدول العربية الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) ضد قطر بسبب تدخلاتها في الشؤون الداخلية ودعمها للإرهاب بداية من 5 يونيو 2017م.

ففي الأولى، سعت إيران إلى تحييد موقف باكستان، أو بمعنى أدق، تعزيز احتمالات عدم مشاركة باكستان في التحالف، وهو ما انعكس في الزيارة السريعة التي قام بها وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى إسلام أباد، في 9 إبريل 2015م، حيث كان الملف اليمني في مقدمة محاور المباحثات التي أجراها مع الرئيس نواز شريف، وأشارت تقارير عديدة إلى أن "ظريف حث المسؤولين الباكستانيين على دعم الحوار في اليمن بدلا من إرسال قوات".

وربطت اتجاهات أخرى بين زيارة ظريف لباكستان وتلويح طهران برفع مستوى التعاون الاقتصادي بين الطرفين، خاصة في مجال تصدير الغاز إلى إسلام أباد، وبين رفض البرلمان الباكستاني بعد ذلك بيوم واحد، أى في 10 إبريل 2015م، إرسال قوات للمشاركة في العمليات العسكرية التي يشنها التحالف العربي.

ومع ذلك، فإن المتغير الطائفي كان له دور في تحييد موقف إسلام أباد إزاء عمليات عاصفة الحزم، حيث كان لوجود الطائفة الشيعية في بعض مؤسسات الدولة، خاصة البرلمان والقوات المسلحة، تأثير واضح على السياسة التي تبنتها باكستان في التعامل مع تطورات الملف اليمني.

وفي الإطار ذاته، تبنت تركيا موقفًا مشابهًا، حيث فضلت الاحتفاظ بعلاقاتها الاقتصادية مع إيران عبر تجنب المشاركة في العمليات العسكرية للتحالف العربي، رغم تعمدها في الوقت نفسه توجيه انتقادات للسياسة الطائفية التي تتبعها إيران في تعاملها مع أزمات الإقليم "من أجل الهيمنة على الشرق الأوسط"، حسب تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 25 مارس 2015م، بالتوازي مع بداية تصاعد العمليات.

لكن موقف تركيا الحريص على العلاقات مع إيران بدا أكثر وضوحًا في تعاملها مع قرارات المقاطعة التي اتخذتها الدول العربية الداعية لمكافحة الإرهاب. فإلى جانب إصرارها على تقديم دعم متواصل لقطر من أجل تقليص حدة الضغوط التي تعرضت لها بسبب تلك القرارات، فقد اتجهت إلى رفع مستوى التنسيق السياسي والاقتصادي مع إيران في التعامل مع تطورات تلك الأزمة.

إذ عقد اجتماع ثلاثي في طهران، في 8 أغسطس 2017م، ضم وزراء الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي، والاقتصاد والتجارة القطري أحمد بن جاسم بن محمد آل ثاني، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني محمود واعظي، لبحث سبل نقل السلع التركية عبر الأراضي الإيرانية إلى قطر.

واتخذت بالفعل خطوات إجرائية لتفعيل هذا الاتفاق، حيث وقعت الدول الثلاث، في 26 نوفمبر 2017م، اتفاقية لتسهيل نقل البضائع والعبور، واعتُبرت إيران الطرف الذي يقوم بتسهيل عبور البضائع من تركيا إلى قطر.

أما بالنسبة للهند، فرغم سياستها القائمة على تحقيق نوع من التوازن في علاقاتها مع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن ذلك لا ينفي أنها تبقى أقل تأثرًا بالمتغير الاقتصادي والطائفي، الذين تستند إليهما إيران في إدارة تفاعلاتها مع كل من باكستان وتركيا.

ويعود ذلك إلى حرص نيودلهي على تأسيس علاقات قوية مع دول المجلس، لاعتبارات عديدة ترتبط بالأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها الأخيرة بالنسبة للأولى. إذ تعتمد الهند على منطقة الخليج في تلبية جزء من احتياجاتها النفطية، خاصة أنها أصبحت ثالث أكبر مستهلك للنفط على مستوى العالم، فضلا عن أن العمالة الهندية في الخليج، التي تبلغ حوالي 8 مليون نسمة، باتت مصدرًا مهمًا للتحويلات الخارجية، بشكل ساهم في تحول الهند إلى أكثر مستقبل للتحويلات على مستوى العالم منذ عام 2011م. وتشير تقديرات عديدة إلى أن متوسط إجمالي التحويلات المالية يصل إلى نحو 35 مليار دولار سنويًا.

لكن ذلك لا ينفي أن إيران ما زالت تبدي مخاوف عديدة من إبداء الهند قدر أكبر من الاهتمام بعلاقاتها مع بعض دول المجلس، ويبدو أن ذلك كان أحد أهداف الزيارة التي قام بها الرئيس روحاني إلى الهند، في 15 فبراير 2018م، والتي استغرقت ثلاثة أيام، حيث سعت إيران إلى استشراف المدى الذي يمكن أن يصل إليه التعاون بين الهند وبعض دول المجلس، على المستويات المختلفة، خاصة سلطنة عمان.

وقد كان لافتًا أن زيارة روحاني سبقتها جولة إقليمية قام بها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وشملت الأردن والإمارات وسلطنة عمان ورام الله، بداية من 9 فبراير 2018م. وبدا أن ثمة اهتمام خاص من جانب طهران بالتقارب الملحوظ في العلاقات بين الهند وسلطنة عمان، حليفتها الرئيسية في الخليج، حيث باتت اتجاهات عديدة داخل إيران ترى أن ذلك يمثل مؤشرًا إلى سعي مسقط نحو إجراء تغيير في سياستها باتجاه توسيع هامش الخيارات الإقليمية والدولية المتاح أمامها، للتعاطي بإيجابية مع التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، بشكل قد لا يتوافق بالضرورة مع مصالح طهران ورؤيتها لتداعيات تلك التطورات على دورها في المنطقة، خاصة في ظل التصعيد الملحوظ في علاقاتها مع الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية.

2-  استقطاب مزيد من الاستثمارات: لم تنجح الجهود التي بذلتها حكومة الرئيس حسن روحاني في استقطاب حجم كبير من الاستثمارات الغربية بعد الوصول للاتفاق النووي، بسبب الضغوط القوية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على الشركات والمصارف الغربية لوضع حدود لتعاملاتها المالية والاقتصادية مع إيران.

وسبق أن وجهت إيران انتقادات عديدة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ "خلق حالة من الضبابية أمام الشركات التي تسعى إلى ضخ استثمارات داخل إيران".

ومن هنا، سعت إيران إلى رفع مستوى علاقاتها الاقتصادية مع الدول الآسيوية، على غرار الهند والصين وكوريا الجنوبية واليابان، لتعويض تراجع رهانها على جذب استثمارات أوروبية كبيرة، خاصة بعد أن حرصت بعض الشركات الأوروبية، مثل شركتى "توتال" و"إيرباص"، على الإشارة إلى إمكانية تأجيل مشروعاتها أو الانسحاب من السوق الإيرانية بسبب تزايد احتمالات تعرض إيران لعقوبات أمريكية أقوى خلال المرحلة القادمة.

وتحاول إيران في هذا السياق تحويل ميناء تشابهار إلى نقطة ترانزيت تربط بين الهند وأفغانستان ودول وسط آسيا، حيث قامت بإنشاء توسعة في الميناء، في 3 ديسمبر 2017م، بتكلفة تصل إلى مليار دولار، في خطوة اعتبرتها اتجاهات عديدة مؤشرًا إلى إمكانية نشوب صراع بين الموانئ الرئيسية في منطقة المحيط الهندي وبحر العرب، خاصة مع تطلع باكستان بدورها إلى تبني السياسة نفسها من خلال تطوير ميناء جوادار بالتعاون مع الصين، وهو ما لا ينفصل عن طموح موانئ دبي في الحفاظ على مكانتها الاستراتيجية كمحور ترانزيت رئيسي في هذا السياق.

3-  تقريب الرؤى في ملفات إقليمية أخرى: وهو ما يبدو جليا في حرص إيران على مواصلة التنسيق الأمني والسياسي مع تركيا فيما يتعلق بتطورات الأزمة السورية، بالمشاركة مع روسيا. ورغم أن ثمة خلافات عديدة ما زالت قائمة بين الطرفين، وتمثل آخرها في التباين في التعامل مع العملية العسكرية التركية في عفرين لمواجهة الميليشيات الكردية المسلحة، إلا أن ذلك لا ينفي أن إيران مازالت تحاول الحفاظ على قنوات التواصل التي أسستها مع تركيا وتجنب تصعيد حدة التوتر في العلاقات مع الأخيرة.

وقد اتفقت الدول الثلاث على عقد قمة ثلاثية تضم الرؤساء التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني والروسي فيلاديمير بوتين في اسطنبول، في إبريل 2018م، لبحث الملفات الخلافية الخاصة بالترتيبات الأمنية والسياسية الخاصة بالأزمة السورية.

هذا التوافق الإيراني-التركي امتد أيضًا إلى التعامل مع أزمة إقليم كردستان، عقب الاستفتاء الذي تم إجراؤه للانفصال عن العراق، في 25 سبتمبر 2017م، حيث اتجهت الدولتان إلى رفع مستوى التنسيق السياسي والعسكري للتعامل مع نتائج الاستفتاء، وهو ما بدا جليًا في الزيارات المتبادلة التي أجراها رئيسا أركان القوات المسلحة في الدولتين، في أغسطس وأكتوبر 2017م، بالإضافة إلى الزيارة التي قام بها أردوغان إلى طهران في 4 أكتوبر من العام نفسه.

وكان لهذا التنسيق الذي ضم العراق أيضًا دور في منع الأكراد من اتخاذ خطوات إجرائية لتطبيق نتائج الاستفتاء، في ظل الإجراءات العقابية التي اتخذتها الدول الثلاث تجاه الإقليم.

4-  مواجهة التنظيمات المسلحة: استغلت بعض التنظيمات المسلحة الحدود بين إيران وباكستان من أجل استهداف قوات الأمن والحرس الثوري، خلال الفترة الماضية، وهو ما أدى، في بعض الأحيان، إلى توتر العلاقات بين الطرفين، خاصة بعد أن أطلق مسؤولون عسكريون إيرانيون تهديدات بالتدخل العسكري العابر للحدود من أجل تعقب تلك التنظيمات.

ففي هذا السياق، قال رئيس هيأة أركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري، في 8 مايو 2017م، أن إيران سوف توجه ضربات ضد قواعد داخل باكستان في حالة ما إذا لم تواجه الأخيرة عناصر "جيش العدل"، وهو الجماعة المسلحة التي تنتمي إلى القومية البلوشية التي تعاني من سياسات التمييز والإقصاء التي تتبناها إيران تجاه القوميات العرقية والأقليات المذهبية.

لكن إيران لم تتخذ خطوات إجرائية لتفعيل هذه التهديدات، باستثناء إطلاق قذائف هاون إلى داخل الأراضي الباكستانية، في 27 من الشهر ذاته، حيث اتجهت إلى التوصل لتفاهمات أمنية لتعزيز أمن الحدود بين الطرفين، خاصة خلال الزيارة التي قام بها مستشار الأمن القومي الباكستاني ناصر خان جانجواه إلى طهران في 7 يناير 2018م.

ثالثًا: عقبات عديدة:

مع ذلك، فإن الجهود التي تبذلها إيران من أجل الحفاظ على علاقاتها القوية مع الدول الثلاث تواجه عقبات عديدة لا تبدو هينة. إذ أن الهند قد لا تستطيع المضي قدمًا في رفع مستوى تعاونها الاقتصادي مع إيران في حالة ما إذا توقف العمل بالاتفاق النووي، أو فرضت عقوبات أمريكية قوية على إيران خلال المرحلة القادمة.

وقد بدأت بعض الدول والشركات في تبني سياسة حذرة إزاء التعاملات الاقتصادية والمالية مع إيران خشية أن تتأثر علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية أو تتعرض لعقوبات اقتصادية من جانب الأخيرة.

كما أن الهند تبدي قلقًا خاصًا تجاه التقارب الملحوظ في العلاقات بين إيران والصين، والذي بدا جليًا في اتفاق الدولتين، خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى طهران في 22 يناير 2016م، على رفع مستوى التعاون الاقتصادي بين الطرفين إلى 600 مليار دولار في غضون عشرة أعوام.

فضلاً عن ذلك، فإن التوافق الإيراني-التركي في التعامل مع تطورات الأزمة السورية يبقى مؤقتًا بانتظار فتح الملفات الأكثر أهمية، على غرار مستقبل رئيس النظام السوري بشار الأسد في الحكم، ودور الميليشيات الإرهابية والمسلحة التي قامت إيران بتكوينها وتدريبها داخل سوريا، ومسارات التدخل العسكري التركي لمواجهة الأكراد.

وبمعنى أدق، فإن هذا التوافق لا ينفي أن الخلافات العالقة بين الطرفين لا تبدو ثانوية ولا يمكن تسويتها بسهولة، وهي خلافات تتجاوز حدود الأزمة السورية، لتصل إلى ملفات إقليمية أخرى، على غرار الموقف من أزمة إقليم ناجورني قره باغ.

كما أن التفاهمات الأمنية التي توصلت إليها إيران مع باكستان لم تقلص حدة القلق التي تبديها الأخيرة تجاه مستقبل الميليشيات الطائفية التي استقطبتها إيران لدعم النظام السوري، ومنها بعض العناصر الباكستانية التي انضمت إلى ما يسمى بـ " لواء زينبيون"، حيث ترفض إسلام أباد عودة هذه العناصر إلى أراضيها باعتبار أن ذلك يمكن أن يفرض تداعيات سلبية على حالة الاستقرار الأمني داخلها، ويزيد من نفوذ إيران لدى الطائفة الشيعية تحديدًا خلال المرحلة القادمة.

فضلاً عن ذلك، فإن التقارب الإيراني-الهندي لا يحظى بقبول من جانب إسلام أباد، خاصة أنه سوف يمنح الهند الفرصة للوصول إلى أراضي أفغانستان وآسيا الوسطى دون المرور عبر أراضيها، وهو ما كان يمثل ورقة ضغط تحاول باكستان التلويح بها في مواجهة الهند على خلفية الصراع التقليدي بين الطرفين حول إقليم كشمير.

خاتمة:

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن التقارب الحالي بين إيران والدول الثلاث له حدود، حيث تتحكم متغيرات عديدة في اتجاهاته ومساراته المحتملة خلال المرحلة القادمة، بشكل يمكن أن يضعف من قدرة إيران على توظيفه من أجل التأثير على مواقف تلك الدول تجاه القضايا الخلافية مع إيران، والتي تحظى باهتمام خاص من جانب دول مجلس التعاون الخليجي.

يتمثل أول هذه المتغيرات فيما يمكن أن يشهده الاتفاق النووي من تطورات خلال المرحلة القادمة، على ضوء التوتر المتصاعد في علاقات إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، خاصة بعد أن قدمت بريطانيا، بالتشاور مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، مشروع قرار إلى مجلس الأمن، في 17 فبراير 2018م، لإدانة إيران بسبب تقاعسها عن منع وصول صواريخها الباليستية إلى الحوثيين.

إذ أن المسارات المحتملة للاتفاق النووي سوف تؤثر على اتجاهات العلاقة بين إيران وبعض هذه الدول، وفي مقدمتها الهند تحديدًا، ثم تركيا التي كانت معنية، في مرحلة معينة، بالمشاركة في الجهود المبذولة للوصول إلى تسوية لأزمة البرنامج النووي الإيراني.

وينصرف ثانيها، إلى مآلات الصراع في سوريا، والتي ستفرض تأثيرات على العلاقات بين إيران وتركيا، اللتين ما زالتا تتبنيان مواقف متباعدة إزاء بعض القضايا الرئيسية التي تعتبر عائقًا أمام الوصول إلى تسوية للأزمة.

ويتعلق ثالثها، بمدى قدرة إيران على تقليص تهديدات الجماعات المسلحة التي تقطن المناطق الحدودية، وعلى توظيف المتغير الطائفي في التأثير على اتجاهات علاقاتها مع باكستان تحديدًا.

مجلة آراء حول الخليج