array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 128

التدخل في شؤون الآخرين والتصعيد العسكري والرقابة عى البرنامج النووي

الخميس، 15 آذار/مارس 2018

مرت العلاقات الخليجية-الإيرانية بمراحل مختلفة عبر فترات زمنية، فقد تأرجحت ما بين التعاون والتنافس ثم الانفراج وأخيرًا الصراع فمنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، أخذت الأمور تتجه نحو أسوأ علاقات على الأطلاق، ومرت العلاقات بين الجانبين بفترات متفاوتة أدت إلى تركيز الجهد لمنافسة الآخر باستعمال أدوات مختلفة تجنبًا للصدام المباشر ابتداءً بالإقليم وانتهاءً بالمجال الدولي، وواضح للعيان بأن مرحلة ما يسمي بـ (الربيع العربي) فاقمت من حدة التنافس فيما بين الجانبين إلى حد غير مسبوق، إذ دخلت المنطقة في أزمة قابلة للانفجار ويعود ذلك إلى إحساس إيران بالضغط الإقليمي والدولي عليها في مجالات عدة سواء سياسيًا واقتصاديًا إذ أخذت في استخدام جميع الأوراق التي بحوزتها من أجل التأثير على منطقة الخليج العربي.

     كان أحد أهم العوامل المهمة في توسع دور إيران الإقليمي إبان (الربيع العربي) والسنوات التي أعقبته هو عدم وضوح الرؤية الأمريكية من خلال فترة حكم إدارة الرئيس باراك أوباما (يناير2009-يناير2017م) التي أتاحت لإيران توسيع مداها الجيوبوليتيكي والذي أدى إلى نمو تأثيرها السياسي والثقافي والديني وكذلك أدى إلى تداخلاتها في دول الإقليم فضلاً عن تباهي قادتها بسيطرتهم على عواصم عربية والذي أدى بها إلى تحالف ثلاثي رئيسي (روسي-تركي-إيراني) كمحور جديد في المنطقة.

   لعبت إيران دورًا أكبر في السياسة الإقليمية بتوسيع دائرة نفوذها السياسي في المنطقة وبعد أن انتهزت الغزو الأمريكي-البريطاني على العراق في عام 2003م، الذي أدى إلى اختلال في ميزان القوى الإقليمي، أدى إلى تصعيد نفوذها في كل المجالات واكبه سعيها لأن تكون دولة محورية وقوة إقليمية، إلا أنها لم تتمكن من بلوغ ذلك المسعى لعدة عوامل منها، عدم استقرار البيئة الإقليمية لإنجاز هدفها المنشود، بينما زادت من تكثيف نفوذها الديني والثقافي والاقتصادي في الإقليم والدول العربية مما دفعه إلى التدخل العسكري السافر من خلال وكلائها المليشيات المسلحة في كل من العراق وسوريا واليمن[1].

     التأثير الذي أتت به موجة (الربيع العربي) كان تغيير موازين القوى في المنطقة العربية برمتها وإعادة رسم وتشكيل المشهد الاستراتيجي وتوزيع القوى في المنطقة بالكامل، وهذا ما رحبت به إيران واعتبرته جزءًا من الصحوة الإسلامية في العالم العربي خاصة في مصر، ليبيا، تونس، واليمن فيما اعتبرته خروجًا على النظام وتآمرًا دوليًا وإقليميًا على سوريا. واستغلت إيران خروج القوى الإقليمية العربية التقليدية (مصر-سوريا-العراق) واعتقدت أنه بإمكانها ملء الفراغ الذي تركه خروج هذه القوى المهمة في المنطقة من خلال إحكام سيطرتها على سوريا والعراق[2].

ويمكننا القول أن الفوضى في الشرق الأوسط (الربيع العربي) عززت من موقف إيران وزادت من طموحها وأطماعها في الدول العربية بعد أن أتاحت هذه المتغيرات لإيران التأثير في الأمن الإقليمي وبالأخص الخليجي الذي بدأ يتأثر بمحاولة إيران التواجد في محيطها الجغرافي كالعراق، سوريا، لبنان، واليمن لتشكل ما يسمى بالهلال الشيعي، ولذلك فإن الهدف الرئيسي لإيران يصب في اتجاه الهلال الشيعي لإشغال دول مجلس التعاون بمشاكلها الداخلية الأمنية منها والاجتماعية التي تمتلك إيران زمام تحريكها بسبب إتباع نسبة من مواطني دول المجلس للمذهب الشيعي و باتت إيران اليوم هي المحرك الرئيسي لأتباع جل الشيعة للمرجعية في قم وليس للنجف كما كان قبل الثورة عام 1979م[3].

     لقد أتبعت إيران عدة عوامل في سعيها للتأثير المباشر في المنظومة الأمنية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منها:

1-دعم وزيادة الأطراف والميليشيات المسلحة غير التابعة للدول (Non State Actors): حيث يمكن تعريف تلك الأطراف بأنها مجموعات غير مرتبطة بالدولة وعادة تحقق أهداف وسياسة دولة أو جهة أخرى من أجل التأثير على الدولة التي هم على أرضها وسمة هذه الأطراف العنف فهو سمتهم ووسيلتهم، وللمزيد من التوضيح فإن هذه المجموعات غير المرتبطة بالدول تنفذ اغتيالات ضد الأشخاص غير المشاركين في أي قتال وغير قادرين على الدفاع عن أنفسهم لذا فمن الواضح أن هذه المجموعات تشكل خطرًا جسيمًا على أمن الدول[4].

     وتعتبر الكثير من الجماعات غير المرتبطة بالدول نفسها مقاتلين من أجل الحرية، وانفصاليين، أو متمردين، أو أبطال وطنيين، وغير ذلك من الأوصاف المماثلة، أو الأوصاف العربية مثل المجاهدين، الفدائيين، والمناضلين وتستخدم دول تنعت نفسها بدول الممانعة والصمود تلك الجماعات المسلحة غير الحكومية غير المرتبطة بالدول من أجل تبرير الأعمال التي يقومون بتنفيذها[5]، ولقد أسست إيران منظمات عقائدية وبدعم مباشر من الحرس الجمهوري وتحت إمرة فيلق القدس في الأراضي العربية كحزب الله، لواء أبو الفضل العباس، لواء ذوالفقار، كتائب حزب الله العراقي، كتائب سيد الشهداء، عصائب أهل الحق، حركة حزب الله النجباء، فيلق الوعد الصادق، لواء أسد الله الغالب، لواء الإمام الحسين، جيش المهدي، جماعة الحوثيين في اليمن، فيلق فاطميون المكون من الهزارة الأفغان، فيلق الزينبيون المكون من شيعة باكستان. كل تلك التنظيمات والأدوات إنما تستخدمها إيران من أجل تمكينها من سلب الدول العربية قرارها الوطني وإفشالها وجعلها رهينة القرار السياسي في طهران وهذا يتجلى جليًا في عجز الحكومة العراقية مثلا في النأي بنفسها عن القرار الإيراني مما جعلها تدرج مجاميع الحشد الشعبي الإرهابية تحت إمرة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لإضفاء الشرعية الوطنية عليها، وبذلك فالحكومة العراقية تعترف بكل صراحة بأن هؤلاء موظفون حكوميون في ظل تهميش دور الجيش الوطني العراقي وتوجيه دعم الدولة إلى تنظيم فئوي إرهابي[6].

2- الحرب الإيرانية السيبرانية الإلكترونية ضد دول المجلس: أتت التصريحات السياسية لمستشار المرشد الأعلى، علي أكبر ولايتي تباعًا لتوجيهات المرشد الاستفزازية التي تلقي باللوم على المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون، حيث جاء تصريح ولايتي ليؤكد عزم بلاده توسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، زاعمًا بأنها اللاعب الأكبر على حد وصفه تمارس إيران شتى أنواع صنوف ممارسة استعمال أدوات استعراض القوى ومنها الخطر السيبراني والهجمات الإلكترونية وهذا في حد ذاته ليس بالشيء الجديد في واقع الأمر ولكن من الواضح أنه بدأ يأخذ أبعادًا مثيرة للدهشة والريبة فطهران مصممة على مواجهة الجميع متخذة المجالات السيبرانية حقلاً جديدًا للمواجهة عبر أعمال القرصنة والاختراق الإلكتروني وذلك راجع إلى أن للهجمات السيبرانية قدرات تخريبية كبيرة وانتشار أسرع وبتكاليف سياسية واقتصادية منخفضة وتعود بمردود أكبر على منفذيها من الناحية الاستراتيجية والجيوسياسية الواسعة لها مردود عسكري وأمني على ضحاياها فكمية الدمار والخراب تكون أسرع وأكبر[7].

     أولت إيران اهتمامها بالحرب السيبرانية عبر الاستعانة بمجموعات من الهاكرز وخبراء في تلك التقنية من أجل الحصول السهل على المعلومات والبيانات بهدف تخريب وتدمير أنظمة اقتصادية خليجية، لذلك عملت إيران ومنذ فترة طويلة عبر أذرعها الاستخباراتية ووكلائها من المليشيات في المنطقة بتكوين جيشًا إلكترونيًا والذي يعمل ضمن إطار أيديولوجي ويركز على اقتصاديات ومنشآت دول الجوار لإضعافها اقتصاديًا وبالأخص المملكة العربية السعودية إذ ركزت تلك الخلايا التخريبية على تخريب وتدمير قطاعات الطاقة كالذي تعرضت له شركة أرامكو السعودية في العام 2017م، وما تعرضت له الشركة أيضًا من عمل مماثل سابق في عام 2012م، الأمر الذي باتت فيه عمليات الاختراق السيبرانية الإلكترونية قادرة على استهداف أعلى عتبات سلم الأمن الدولي، إن ما نراه من نمو في الحروب بالوكالة والحروب السيبرانية هو نقلة نوعية باتت طهران تمسك زمامها من أجل تدمير شامل ليس على المجال الاقتصادي فحسب وإنما على جميع المجالات كافة حيث ما أعلنت عنه إيران مرارًا وتكرارًا بأن لديها جيشًا إلكترونيًا بلغ مستويات جديدة فقد بات من الممكن وبلمح البصر اختراق والاستيلاء على كميات هائلة من البيانات التي تعد من صلب عمل الحكومات والشركات الكبرى العملاقة على حد سواء[8].

3- تحالفات إيران في محاولة تطويق دول المجلس: منذ عام 1979م، وفرض الحصار الغربي على إيران الأمر الذي جعلها تتجه إلى أكبر دولتين في قارة آسيا وهما روسيا الاتحادية (الاتحاد السوفيتي السابق) والصين فيما كان هناك تعاونًا مع الهند وباكستان ولكن ليس بالتعاون المطلق كما هو الحال مع روسيا والصين فيما برزت قوة إقليمية أخرى وهي تركيا بعد اعتلاء حزب العدالة والتنمية سدة الحكم وخصوصًا بعد (الربيع العربي)، تعتبر علاقة إيران بروسيا الاتحادية والصين كشريكين استراتيجيين من منظور سياسي واقتصادي وعسكري في الفترة التي لم تكن دول المجلس ترتبط بهاتين الدولتين بأي علاقات دبلوماسية (ماعدا دولة الكويت) في حقبة الثمانينيات والتسعينيات وذلك يعود إلى الاختلاف الإيديولوجي فيما بينهم، فيما كانت روسيا مهتمة بالمجال الأمني مع الدول المحيطة بها جغرافيًا بعد انهيار حلف وارسو وأصبح الحلفاء خصومًا من خلال دخولهم حلف الناتو فقد أقتضى ضمان ذلك الهاجس الأمني الروسي تطلعات صينية تشارك روسيا نظرتها المستقبلية إلى أمنهم الإقليمي في وسط وغرب آسيا فكان هدف السيطرة على وسط آسيا هدفًا استراتيجيًا لموسكو وبكين، فمن هنا برزت أهمية إيران القصوى ولاسيما للصين لإنهاء مصدر من مصادر الطاقة[9].

     تبادل إيران تلك الدولتين نفس النظرة السياسية فيما هي ترى أن المنفذ الوحيد للهروب من الحظر الغربي المفروض عليها هو تغيير التحالفات وهذا ما نجحت فيه إيران إلى حد ما فهي تريد أن تكون قوة إقليمية تسيطر على الشرق الأوسط والخليج العربي فكان لا بد لها من تطوير الحل (الروسي ـ الصيني ـ الإيراني) بهدف زيادة نفوذ هذا الحلف ابتداء من شرق آسيا مرورًا بوسطها الشرق الأوسط والخليج العربي، إلا أن اندلاع الثورة السورية والتمركز الروسي الإيراني وبمساعدة الصين سياسيًا على الأراضي السورية وكما هو واضح أن ذلك الحلف يرى أن خسارته سوريا فسوف يتبعه خسارة مناطق نفوذ حساسة ويمكن أن تتبعها أماكن أخرى كإيران مثلاً أو ربما أضعافها سياسيًا كما هو الحال إذا أستمرت الاحتجاجات الشعبية في إيران مؤخرًا مما يؤثر على نفوذهم ومجالهم الحيوي في وسط آسيا ويفقدهم حليفًا أساسيًا أضف إلى ذلك بأن روسيا الاتحادية هي الشريك الأساسي مع الصين في تطوير التقنية النووية الإيرانية وكذلك المصدرين الأبرز لتجارة السلاح والتقنيات العسكرية ومنها الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي (S300) وغواصات وقطع بحرية وأنظمة أمنية واستخباراتية[10].

   لكن يعتبر الحلف الروسي-الإيراني-الصيني قابل للتصدع والانكسار من منطلق المصالح الاستراتيجية لهذه الدول حيث مثلت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود إلى موسكو في أكتوبر الماضي أكبر دليل على بداية إضعاف المحور الثلاثي القائم فقد اتفقت كل من روسيا الاتحادية والمملكة العربية السعودية على أكبر صفقة عسكرية بين البلدين شملت أنظمة تسليح حديثة منها نظام الدفاع الجوي المتقدم (S400) بالإضافة إلى راجمات الصواريخ وراجمات القنابل بالإضافة إلى تشيد مصنع للسلاح الروسي المشهور الكلانشكوف (AK-103) وذلك بموجب مذكرة تفاهم في ما بينهم المبرم عام 2015م، من أجل زيادة توطين الصناعات العسكرية ونقل التقنية للمملكة ، بالإضافة إلى تدريب وتأهيل الكوادر السعودية في هذه الاتفاقية لضمان تطوير واستدامة قطاع الصناعات العسكرية في المملكة والخليج العربي[11]، فيما ذهبت مملكة البحرين إلى صفقة توريد منظومة الدفاع الجوي (إيغلا) المضاد للطائرات بالإضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات من نوع (ميتيسو) من خلال شركة روس أويورون أكسبورت فضلاً على مذكرات التفاهم بشأن الغاز الطبيعي، فيما وقعت روسيا ودولة الإمارات العربية المتحدة على مذكرة تفاهم حول شراء طائرات حربية مقاتلة من نوع "سوخوي" الروسية من طراز SU35 لسلاح الجو الإماراتي كما اتفق الجانبان على اتفاقية خاصة من أجل تطوير التعاون الثنائي في مجال الإنتاج الحربي والذي سوف يقوم بتطوير الطائرات المقاتلة الروسية ــ الإماراتية من نوع MIG26 إلى الجيل الخامس، إن تطور العلاقات الخليجية مع روسيا قد أخذ أتجاها مطردًا وشاملاً بحيث لم يقتصر على التعاون في الشق العسكري بل غطى كذلك مجالات أخرى كالتعليم والعلوم وتطوير التقنية والفضاء والسياحة والطيران فضلاً عن المجالات الاقتصادية المختلفة فيما أكدت القيادات الخليجية بعمق العلاقة الاستراتيجية مع روسيا ودول المجلس التي ترمي إلى اعتبار روسيا شريكًا استراتيجيًا أساسيًا وذلك لتوسيع دول المجلس تحالفاتها العالمية[12]، فيما استطاعت دول المجلس من زيادة التبادل التجاري بينها وبين الصين باعتبارها قوة اقتصادية واعدة حيث بلغ حجم التجارة بينهم عام 1998(42.47) مليار دولار ثم أرتفع إلى(1653.4) مليار دولار عام2013[13]

     لقد خرجت دول مجلس التعاون من فوضى (الربيع العربي) أقوى من ذي قبل فهي المنظومة الوحيدة العربية الباقية والمتجددة وآخذة بالتطور فيما خسر العالم العربي قوى تقليدية كانت لها الزعامة، إذ ركزت دول المجلس في السنوات السبع المنصرمة على الأمن الخليجي والإقليمي بصفته القضية الرئيسية المرتبط بها الاقتصاد والتنمية ويمكن القول أن دول المجلس وجهت البوصلة السياسية لصالحها في الوقت التي باتت الدول العربية بحاجة إلى قيادات جديدة لكي تعبر بها ظلمات بحر (الربيع العربي) بينما إيران التي تمثل الجانب الآخر لم يرق لها ذلك فهي كانت تبني ولسنوات طوال مضت في سبيل قيامها كدولة إقليمية تسيطر وتتحكم في زمام المنطقة وتمتلك أجندة واضحة وبما لديها من تحالفات استراتيجية مع حركات الإسلام السياسي بمختلف طوائفه وملله (السنة والشيعة) لذلك كان الموقف الخليجي بتبني عقيدة عسكرية وأمنية خليجية توفر الأمن و تحقق المصالح المشتركة تجاه وحدة ترابية وسياسية واجتماعية واقتصادية تقوم على القوة والضغوطات السياسية وتمتلك من أدوات صناعة القرار الإقليمي والدولي من خلال تحالفات قوية ومؤثرة، إيران لم تقف مكتوفة الأيدي فقد كشفت اتجاهها نحو دول المجلس ابتداءً من دعمها اللا محدود لمحاولات الانقلاب في البحرين والدعم للإرهابيين والخارجين على القانون والقتل والترويع وكذلك في شرق المملكة العربية السعودية وشبكات التجسس والخلايا في دولة الكويت (خلية العبدلي) المرتبطة بالحرس الثوري وبحزب الله اللبناني.

ولقد أتت عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية من أجل عودة الشرعية في اليمن إضافة إلى فرض قوة دول المجلس في حماية أراضيها والمضائق المائية (مضيق هرمز وباب المندب) والتي كانت قبل ذلك إيران متوغلة بالشأن اليمني بدعمها الحوثيين على جميع الأصعدة، إلا أن دول المجلس وقيامها بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي (2216) هو تحجيم دور إيران التوسعي وتدخلاتها السافرة في الدول العربية استكمالا للهلال الشيعي.

     لقد عبرت دول المجلس مرارًا وتكرارًا رغبتها في تحسين العلاقات الخليجية-الإيرانية ولكن الجانب الإيراني لا يبدي تعاونًا في ذلك المنحى ويستمر بالتعنت فقد أقدم على اقتحام وحرق سفارة وقنصلية المملكة العربية السعودية في طهران ومشهد وكذلك إيواء العناصر الإرهابية التي تهدد أمن دول المجلس إضافة إلى توغلها في منطقة المجال الحيوي لدول المجلس والتي ترى فيه دول المجلس تهديدًا مباشرًا عليها مع تصعيد استفزازاتها بإجراء التجارب الصاروخية المهددة للسلم والأمن الإقليمي والدولي ومنها ما قامت به مؤخرًا في الأسبوع الأخير من شهر يناير الماضي حين أقدمت على إطلاق طهران من خلال مناوراتها البحرية صاروخًا جديدًا يحمل أسم "قدير" مضاد للحرب الإلكترونية وصاروخًا آخر يحمل أسم "نصر" قادر على تدمير الوحدات العائمة ويزن 3 آلاف طن[14].

     مع تطور الأزمة الحالية بين دول مجلس التعاون قامت إيران بتكثيف نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري مع قطر مستغلة التوجه القطري المخالف لباقي دول المجلس منذ 5 يونيو2017م، والتي استغلتها إيران لاستخدامها في خلخلة منظومة مجلس التعاون وعلى أثر ذلك قامت بمضاعفة دولة قطر أكثر مما كان عليه في السابق ضد باقي دول المجلس المقاطعة لقطر وهنا يتضح التصريح الإيراني الأخير بأنها حفظت العاصمة الدوحة من السقوط ولسان حالها تتفاخر بذلك العمل لتضيفها إلى باقي العواصم الأربع السابقة التي تفاخرت بالسيطرة عليهم، من جانب آخر نجحت طهران بالانفتاح على سلطنة عُمان من خلال معاهدات تجارية وقعت بينهم مؤخرًا كما من المنظور بأن مسقط ستظل متمسكة بفكرة الحياد من أجل الاستفادة من الأزمة الحالية اقتصاديًا الأمر الذي استغلته إيران في زيادة سلوكها العدواني ونفوذها في المنطقة لإثارة الفوضى وتهديد استقرار دول المجلس[15].

   إن دول المجلس تجد في إيران أنها التحدي الإقليمي وستبقى كذلك إن لم تغير نهجها المعتاد، مع إنها تظل جارًا إقليميًا وتقع في منطقة استراتيجية على مشارف مضيق هرمز ومطلة على الجانب الشرقي من الخليج العربي ولديها شراكة استراتيجية مع دول إقليمية (الهند-باكستان-تركيا) بالإضافة إلى امتلاكها ترسانة عسكرية كبيرة ونظام ثيوقراطي مؤثر وكذلك عضو في منظمتي التعاون الإسلامي، وأوبك، لذلك هنا ثلاثة عوامل يجب حلها قبل اتخاذ الجانبين أي مبادرة نحو ترطيب العلاقات وتقويتها وتجاه حوار جاد يؤدي إلى تعاون إقليمي يقود إلى بناء منظومة للأمن الإقليمي والذي سينصب بدوره على الأمن الدولي ومنها:

أ-عدم التدخل في شؤون دول مجلس التعاون وبناء تقوية الثقة.

ب وقف التصعيد في النمو العسكري التقليدي وغير التقليدي ومنه الصواريخ طويلة المدى والحاملة للرؤوس النووية.

ج-إخضاع البرنامج النووي الإيراني للوكالة الدولية للطاقة الذرية واستعماله للأغراض المدنية وليست العسكرية.

     لذلك من غير المأمول أن يكون هناك تعاونًا بناءً بين الجانبين حاليًا في ظل تعسف وتصعيد إيراني فج حيث ترى دول المجلس بأن النظام الثيوقراطي الحالي في إيران والذي أتى للسلطة بعد 1979م، لا يمكن أن يغير نهجه بين عشية وضحاها فهي تأمل بأن يستطيع الشعب الإيراني من التحرر من سطوة هذا النظام القابع على صدورهم منذ ما يقارب الأربعين عامًا والذي بدد خيرات إيران على التسليح وعسكرة البلد مع ارتفاع الفقر والعوز في المجتمع الإيراني، إن إيران اليوم وأكثر من أي وقت مضى مدعوة إلى إعادة صياغة علاقتها مع دول المجلس من التنافس والصراع إلى علاقة تقوم على أسس جديدة قائمة على التعاون والاحترام المتبادل وبعيدة عن الشحن الطائفي والمذهبي . أن تحالف إيران مع دول وشعوب المنطقة سيؤدي بها في النهاية إلى بناء منظومة أمنية حقيقية توفر للجميع الحماية من أي اعتداء من خارج الإقليم وينصب في تطوير الاقتصاد والتنمية بحيث أن منطقة الخليج العربي تستحوذ على ثلث احتياطي العالم من الطاقة (النفط والغاز).

 

[1]- محمد ياس خضير، أمن الخليج في ظل التحولات الإقليمية الجديدة، مجلة دراسات دولية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، العدد:53، 2012، ص138.

[2]- د. عبد الله بن علي آل خليفة، السياسة المنية في دول مجلس التعاون الخليجي التحديات وآفاق المستقبل، مملكة البحرين، مركز عيسى الثقافي، 2017، ص133.

[3]- وليام سبمبسون، القصة السرية للأمير الأكثر إثارة للاهتمام في العالم "الأمير بندر بن سلطان"، ترجمة: عمر سعيد الأيوبي، بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ص313.

[4]- منتصر سعيد حمودة، الإرهاب الدولي: جوانبه القانونية ووسائل مكافحته في القانون الدولي العام والفقه الإسلامي، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2006، ص122-123.

[5]- عبد الله بن علي آل خليفة، دور الفاعلين من غير الدول على الأمن الدولي، مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية، الدار البيضاء، العدد: الثاني عشر، فبراير2016، ص314.

[6]- مايكل إيزشتان، بحث عن إيران والعراق، معهد واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية، 13سبتمبر2015،.، www.washingtoninstitute.org.com تاريخ الدخول 7فبراير2018.

[7]- Tim Maurer, Cyber Mercenaries The State hackers and Power, UK, Cambridge University Press,2018.

[8]- إميل أمين، زمن القراصنة الإيرانيين الجدد، جريدة الشرق الأوسط، لندن، العدد:14315، 6فبراير2018.

[9]- فوزين نديمي، إيران والصين تعززان روابطهما العسكرية، معهد واشنطون، الولايات المتحدة الأمريكية، المرصد السياسي رقم:2728، 22نوفمبر2016، www.washingtoninstitute.org.com. تاريخ الدخول:7فبراير2018.

[10]- الحلم الإيراني بإتمام صفقة منظومة "إس300" الروسية، طه عبد الواحد، جريدة الشرق الأوسط، لندن، العدد:13597، 19فبراير2016.

[11]أسلحة الصفقة السعودية الروسية، جريدة الوطن، المنامة، العدد: 4263، 7أكتوبر2017.

[12]- د. معتز سلامة، مستقبل العلاقات العربية-الروسية، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، السنة:52، العدد:203، يناير2016، ص136.

[13]- ورقة بحثية مقدمة من د. شيخة الشامسي، اللقاء السنوي الثامن والثلاثون لمنتدى التنمية الخليجي المنعقد بدولة الكويت بعنوان: الخليج والتحولات الإقليمية والدولية في الفترة ما بين 2-3 فبراير2018، www.df.ae.com. تاريخ الدخول: 9فبراير2018.

[14]- إيران تطلق صاروخ كروز "قدير ونصر"، نصر المجالي، صحيفة إيلاف، العدد: 6090، الثلاثاء 27يناير2018.

[15]- كيف ترى سلطنة عُمان نفسها في عالم متغير وكيف يراها الإقليم، صحيفة العرب، لندن، العدد:10892، 6فبراير2018.

مجلة آراء حول الخليج