العدد 128

الخليج وشبه القارة الهندية: المنافع والتحديات

الخميس، 15 آذار/مارس 2018

بحكم تأثير العامل الجغرافي، العلاقات الخليجية مع دول شبه القارة الهندية قديمة وتاريخية قادتها التجارة ثم انتشار الدين الإسلامي في أزمنة غابرة، وتطورت في عصر ما بعد اكتشاف النفط، والتحاق دولة كالهند بقطار النمو والتطور، حيث قطعت شوطًا طويلًا في خوض غمار صناعة التقنيات واقتصادات المعرفة، ما أدى إلى زيادة اعتمادها على النفط الخليجي الذي يعد الوقود الحيوي لنهضتها الحالية والتي يجد نتاجها الطريق إلى الأسواق الخليجية الرحبة.

والعلاقات الخليجية مع دول شبه القارة الهندية، إضافة إلى كونها مهمة اقتصاديًا وتاريخيًا وثقافيًا، لها أهميتها الاستراتيجية لأسباب كثيرة منها زيادة حجم التبادل التجاري ونموه، والقرب الجغرافي، والإشراف على الممرات المائية التي تهم الجانبين، وكذلك توجه دول مجلس التعاون شرقًا في ظل تبنيها نهج تعدد الشراكات، في وقت دخلت فيه الهند على خط المنافسة العالمية باقتصاد طموح يخطط لأن يتبوأ المركز الثاني عالميًا، إضافة إلى دور الهند السياسي الذي يرتبط حتمًا بقوتها الاقتصادية والعسكرية وعدد سكانها، وتنامي نفوذها، وتشابك علاقتها، ومشاركتها في التكتل الكبير الذي هيأت له روسيا مع دول جنوب شرق آسيا في إطار محاولات ظهور عالم متعدد القطبية لمنافسة أمريكا في العالم الجديد الذي تتشكل ملامحه حاليًا مع تنامي دور روسيا والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مقابل تراجع الدور الأمريكي حتى وإن كان هذا التراجع بطيء لكنه سيحدث بصورة أكبر مع مقبل السنوات على ضوء المعطيات الحالية.

الهند، تحتل المرتبة السادسة بين الدول الأغنى في العالم، وتساهم في واردات العالم بنسبة 2.4% عام 2015م، كما تساهم بنسبة 1.6% من صادراته بقيمة 264.4 مليار دولار، وتحتل المرتبة التاسع عشرة في الترتيب العالمي لمؤشر الصادرات السلعية، والترتيب الثالث عشر في مؤشر الواردات السلعية، وبإجمالي ناتج محلي قيمته 2.049 تريليون دولار، ونسبة نمو تبلغ على مدار سنوات حوالي 7.3%. وهي الدولة التي يسكنها 1.259 مليار نسمة.

وفي مجال الطاقة تستورد الهند نحو 58 % من النفط، و88 % من الغاز الطبيعي المسال من دول الخليج العربي، إضافة إلى الاستثمارات المشتركة في مشروعات في دول الخليج.

وعلى صعيد العمالة، فإن للهند أكثر من 22 مليون عامل خارج حدودها بينهم أكثر من 8 ملايين عامل في دول مجلس التعاون، بلغت قيمة تحويلاتهم المالية ما نسبته 37% من قيم التحويلات المالية للهند التي تفوق في مجموعها 70 مليار دولار.

إذً العلاقات الخليجية ـ الهندية مهمة في شقها الاقتصادي والتجاري والتاريخي ولا يمكن لأي من الطرفين أن يستغني عن الآخر، وكذلك على الصعيد السياسي، فقد ساندت الهند القضايا العربية الكبرى خاصة في فترة وجود الهند كدولة رائدة من مجموعة عدم الانحياز. وإذا كان ذلك يتعلق بالعلاقات في حقب ماضية، فيجب تفعيل هذه العلاقات حاليًا على أسس أكثر رسوخًا، وديمومة، أي تستند إلى الشراكة القائمة على المصالح والمنافع المتبادلة، بما يتمشى مع منطق العلاقات الدولية الحديثة حيث يتم تعظيم الجوانب الإيجابية بين الدول، وتجنيب الجوانب الخلافية أو التي تتعلق بمصالح وعلاقات كل دولة على حدة.

ولقد رسمت المملكة العربية السعودية ملامح تعاونها المستقبلي مع الهند منذ الزيارة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ إلى الهند في يناير 2006م، وتم خلالها التوقيع على عدة اتفاقيات مهمة، ثم توالت زيارات المسؤولين بين البلدين، وكان أخرها زيارة كبار المسؤولين في الهند للمملكة بمناسبة اختيار الهند ضيف شرف مهرجان الجنادرية الأخير.

وفي إطار الجهود التي تقودها المملكة ضد الإرهاب، فإن الرياض تعمل على إيجاد جبهة عالمية موحدة، وهذا يتطلب التقريب بين دول شبه القارة الهندية خاصة بين الهند وباكستان لإقامة علاقات مستقرة بين الجارتين النوويتين الكبيرتين، علمًا أن هذه الدول تعاني مجتمعة من الإرهاب وتعمل على مواجهته أيًا كان فكر الجماعات المتطرفة، ومعتقداتها، ومصادر تمويلها وتسليحها. لذلك من الضروري أن تتحول العلاقات التجارية بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند من مجرد علاقات اقتصادية أي علاقة المستهلك بالمشتري، إلى علاقة شراكة استراتيجية وتعاون أمني وعسكري استراتيجي لإيجاد جهد إقليمي مشترك لمواجهة الفراغ الاستراتيجي، والخلل في التوازن العسكري الذي بدأت تتضح ملامحه حاليًا، وعلى ضوء ظهور تكتلات آسيوية ضخمة اقتصاديًا وعسكريًا تقودها روسيا والصين والهند سوف يؤثر على موازين القوى العالمية والإقليمية، خاصة أن إيران تسوق نفسها على إنها الأقرب إلى هذه التكتلات ومن ثم تحاول الانضمام إليها لترتدي عباءتها وتكون تحت مظلتها، بعد أن تدثرت بشعار العداء لأمريكا والغرب، ما يمنحها عضوية هذه التكتلات.

والخلاصة، مطلوب من الهند ودول شبه القارة الهندية قراءة خريطة الجغرافية السياسية بوضوح والمشاركة مع دول مجلس التعاون لتثبيت الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على مصالحها الاقتصادية، وتعي أن الشراكة مع دول مستقرة سياسيًا وقوية اقتصاديًا وليس لها أجندات خفية أو أطماع خارجية كالأجندة الإيرانية التي تريد الهيمنة والتوسع ونشر المذهب الشيعي الاثنى عشري وولاية الفقيه، ومن ثم تغذية إرهاب الدولة بالميليشيات المسلحة.

كما يجب على دول مجلس التعاون وضع استراتيجية جماعية أو شبه جماعية تجاه دول شبه القارة الهندية ترتكز على أسس واضحة تتمثل في الشراكة الاقتصادية بمعناها الواسع والاستفادة من الأسواق الكبرى سواء في التصدير أو الاستيراد، وتوطين التكنولوجيا الرقمية واقتصادات المعرفة، والاستفادة من تجارب التعليم التقني المتطور الناجحة خاصة كتجربة الهند، وكذلك توطين الصناعات العسكرية التي توجهت نحوها دول المجلس مؤخرًا، وإبرام اتفاقيات عسكرية لتأمين الممرات المائية في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، هذه الممرات التي تعد أهم الممرات التجارية في العالم، والحيوية للجانبين.

وبدون تحقيق هذه الشراكة متعددة الأوجه ستظل العلاقات حبيسة قواعد البيع والشراء، وترك الساحة لإيران للتمدد والانتشار والاستفادة من كل التحولات والمتغيرات الإقليمية والدولية.

مقالات لنفس الكاتب