array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 130

جميلة بوحيرد أيقونة الثورة الجزائرية.. فتاة هزّت ضمير العالم

الأحد، 13 أيار 2018

      تمكنت بقوة عزيمتها وإيمانها بقضيتها.. قضية وطنها .. وقدرتها على الدفاع عن الحق.. والتضحية والنضال من أجل الوطن .. قررت أن تتحمل الآلام والتعذيب .. وواجهت حكم الإعدام الذي صدر في حقها .. وطالبت وهي في خضم أزمتها بحرية بلدها والإفراج عن المعتقلين لذلك استحقت أن تكون أيقونة المقاومة الجزائرية .. إنها المناضلة الجزائرية رمز المرأة المقاومة .. إنها جميلة بوحيرد ..  جميلة بوحيرد النموذج النضالي المشرف للمرأة العربية.

 قصة كفاح لم تقتصر شهرتها على العالم العربي، بل يتردد أسمها على ألسنة العالم أجمع، قدمت خير مثال  يحتذى به للمرأة العربية صاحبة الرؤية والهدف والقيمة، جميلة بوحيرد التي ولدت في عائلة متوسطة الحال،  من أب جزائري  وأم تونسية في مدينة "القصبة "وكانت البنت الوحيدة بين سبعة أبناء ذكور، لعبت أسرتها دورًا كبيرًا في تذكية روح النضال وحب الوطن بداخلها، حيث كانت أمها تحرص على تذكيرها دائمًا في مراحل طفولتها الأولى، بأنها جزائرية عربية يجب أن تعتز بهويتها وتحافظ على تقاليدها وليست فرنسية،وانتقل حب الوطن إلى مرحلة أخرى في حياتها، عن طريق عمها مصطفى الذى ساعدها في التعرف على رجال جبهة التحرير الوطنية وعلمها مبادئ الجبهة وزرع في قلبها القوة وعدم الرهبة من المحتل، ولعب استشهاده دورًا كبيرًا في تمسكها بقضية وطنها وزيادة إيمانها بتحريره من قبضة المحتل الغاشم الذى يقتل أبناءه الشرفاء بدم بارد، أزمتها في الفقد لم تنته بموت عمها فسرعان ما لحق به أخوها الأصغر الذى لم يتجاوز السابعة عشر ربيعًا بعد أن قتلته قوات الاحتلال عقب القبض عليه وتعذيبه لانضمامه لرجال المقاومة.

جبهة التحرير الوطني

وهي في العشرين من عمرها وبعد أن أنهت دراستها انضمت جميلة بوحيرد إلى جبهة التحرير الوطني الجزائريللنضال ضد الاحتلال الفرنسي وعندما اندلعت الثورة الجزائرية عام 1954م، التي كانت واحدة من أقوى حركات النضال ضد الاستعمار .. انطلقت العملية الأولى للثورة، عندما هاجم فدائيو جبهة التحرير الوطني قوة جزائرية في جبال الأوراس الشرقية. وكانت المعنويات الفرنسية آنذاك تعاني الكثير بعد الهزيمة المذلة التي لحقت بقواتهم في معركة "ديان بيان فو الشهيرة"، والتي خطت سطور نهاية الاحتلال الفرنسي للهند الصينية، وبالتالي نهاية الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية

وقتها أصبحت جميلة واحدة من نساء حركة المقاومة السرية عن طريق شقيقها وعمها اللذين اغتالتهما أيدي الاحتلال، تدرجت جميلة داخل الجبهة ونظرًا لجرأتهاكانت أول المتطوعات لزرع القنابل في طريق الاستعمار ونتيجة للنجاحات المتكررة التي حققتها والبطولات التي صنعتها وشهرتها بين الفدائيين والخسائر التي أوقعتها  في صفوف الاحتلال، أصبحت المطاردة  رقم واحد في عرف المحتل، كان دور "جميلة" أن تكون حلقة الوصل بين قائد الجبل في جبهة التحرير الجزائرية ومندوب القيادة في المدينة (ياسيف السعدي)  الذى رصدت قوات الاحتلال مائة ألف فرنك فرنسي مقابل رأسه،  إلى جانب وجود معلومات أنها تولت لبعض الوقت مسؤولية العمليات المسلحة في العاصمة الجزائر.

 تنوع المهام التي تولتها داخل الجبهة، فضلا عن تميزها في تأديتها جعل من القبض عليها هدفًا رئيسيًا وضروريًا فطاردتها قوات الاحتلال أثناء قيامها بأحد العمليات وأطلقوا عليها بوابل من الرصاص فاستقرت إحداها في كتفها، وحاولت الهرب لكن إصابتها منعتها من تحقيق ذلك ولأنها كنز معلوماتي ثمين لقوات الاحتلال حرصوا على الإبقاء على حياتها، فكانت محاولتهم المستميتة معها عقب شفائها لإجبارها على الإفصاح عن مكان (ياسيف السعدي) الرجل الأهم داخل جبهة التحرير الوطنية، غير أنها أبت أن تصرح بأي معلومات وانكرت كافة الاتهامات الموجهة إليها، فلم يتردد جنود الاحتلال في تعذيبها أكثر من سبعة عشر يومًا متواصلة أشد أنواع التعذيب مما نتج عنة إصابتها  بنزيف، أجبرهم على إيقاف حملات التعذيب الممنهج ضدها، نُقلت جميلة بعد شفائها إلى سجن (بار بدوس) أشهر مؤسسات التعذيب حينذاك حيث بدأت نوبات أخرى من التعذيب أكثر ضراوة تحملتها بصبر وجلد أثناء الاستجواب ورفضها مقايضة المعلومات التي لديها بحريتها صنع منها أيقونة نضال بين زملائها داخل السجن.

حين فشل التعذيب في انتزاع أي اعتراف منها،تقرر محاكمتها رسميًا وساعدها أصدقاؤها ومحبوها في العالم العربي في إقناع أحد أهم محاميي فرنسا والمحبين والمطالبين بالحرية في التحقيق والدفاع عنها بعد اعتذار العديد من المحامين الفرنسيين الدفاع عنها لرفض المحكمة اطلاعهم على ملف القضية ولعدم استبعادهم التحقيقات التي أخذت خلال جلسات التعذيب من المحاكم. وقرر المحامي الفرنسي (ميسو قرجيه)  الدفاع عنها وأخبرها بمجرد توليه القضية "أنها ليست وحدها، فكل شرفاء العالم معها " ورغم أن القاضي المشرف على التحقيق رفض منحه ساعة واحدة للجلوس معها للاطلاع منها على ملابسات القضية ولم يستجب لطلباته إلا بعد أن هددهم بالانسحاب من القضية ونشر تفاصيل ما حدث داخل أروقة المحاكمة للرأي العام العالمي وتقديم شكوى رسمية لمنظمات حقوق الإنسان، وقالت جميلة إنها لن تجيب عن أية أسئلة في غير وجود محاميها واستمر التحقيق معها قرابة الشهر، غير أن تشدد المحكمة وانحيازها الواضح دفع المحامي الفرنسي لإبلاغ المحكمة بأن احترامه للعدالة ولنفسه يضطرانه إلى الانسحاب من القضية وإبلاغ نقيب  المحامين في باريس بالتجاوزات التي تعرضت لها المتهمة.

حكم الإعدام
بعد انتهاء التحقيق وانتظار الحكم النهائي سمح لها بالحديث فوقفت وقالت: جملتها الشهيرة " أعرف أنكم سوف تحكمون علي بالإعدام لكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم، ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة والحقيقة أنني أحب بلدي وأريد له الحرية ولهذا أؤيد كفاح جبهة التحرير الوطني" فما كان من المحكمة إلا أن أصدرت بحقها حكمًا بالإعدام، وعندما قرأته المحكمة عليها انطلقت في الضحك في قوة وعصبية جعلت القاضي يصرخ بها (لا تضحكي في موقف الجد).

كانت جميلة على بضع خطوات من أن تلاقى حتفها، حتى أنهم  تعمدوا إخفاء موعد إعدامها عن الإعلام خوفًا من رد الفعل العالمي، لكن إرادة الشعوب ودفاعها عن الحرية والعدل كانت هي الأقوى والأبقى فوق إرادة ظلم الاستعمار، ولم يتم إعدامها كما حكم عليها،  فصرختها التي أطلقتها من قاعة المحكمة انتشرت في  كل أرجاء العالم الذى ثار من أجل رفع الظلم وتحقيق المساواة، ولم تكن الدول العربية وحدها هي التي شاركت في إبعاد هذا المصير المؤلم عنها فقد انهالت على (داج همرشولد) السكرتير العام للأمم المتحدة وقتها البطاقات من كل مكان في العالم مطالبة بإنقاذ جميلة وإيقاف حكم الإعدام .

وفى صباح السابع من مارس 1958م، وهو اليوم الذى أقرته المحكمة الفرنسية لتنفيذ حكم الإعدام، ثار العالم واجتمعت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بعد أن تلقت الملايين من برقيات الاستنكار المطالبة بتحقيق العدالة، وطالبت اللجنة من هيأة المحكمة تأجيل تنفيذ الحكم، وبالفعل نجحت مساعيهم، لم يؤجل حكم الإعدام فقط بل تقرر تعديله إلى السجن مدى الحياة، وبعد 3 سنوات قضتها جميلة في سجن(بار بدوس)  تم ترحيلها إلى باريسوقضت هناك مدة ثلاث سنوات أخرى قبل إعلان الاستقلال.

الكفاح المسلح وإعلان الاستقلال.

   كانت جميلة بوحيرد واحدة من الآلاف المناضلين الذين كتب عليهم أن يسقطوا في قبضة القوات الاستعمارية فقد ألقي القبض عليها أثناء غارة شنتها القوات الفرنسية الخاصة، واتهمت مع غيرها من الأبطال المناضلين بزرع الكثير من المتفجرات والعبوات الناسفة في العاصمة، مما أودى بحياة الكثير من الفرنسيين. في الوقت الذي كانت القوات الفرنسية تقوم بعمليات إبادة ممنهجة للشعب الجزائري، لتقضي على كل أشكال المقاومة وحركات النضال والمظاهرات حتى أن شوارع المدينة كانت تمتلئ بجثث الشهداء، وبمرور الوقت ومع اشتداد المقاومة تلقى الكفاح المسلح دعمًا كبيرًا، خصوصًا في المناطق الريفية وبين القرويين. أما في المدن، فإن الأحياء الشعبية مثل حي القصبة في العاصمة، وفرت دعمًا ممتازًا للمقاتلين، وأصبحت مناطق شبه محظور دخولها على قوات الاحتلال. وكانت المظاهرات العارمة تندلع في المدن الجزائرية حيث كان المتظاهرون يتصدون لقوات الاحتلال غير مهتمين بتهديدات المحتل ولا يخشون الموت.  

وعلى الصعيد السياسي، وبعد خسائر بشرية تكبدها الشعب الجزائري تجاوزت المليون شهيد، تم في مايو 1962م، توقيع اتفاقيات "إيفيان" وتخلصت الجزائر نهائيًا من الاستعمار الفرنسي وأعلن الاستقلال. ومع تقدم سير المفاوضات، قامت باريس بإطلاق سراح الأسرى الجزائريين تدريجيًا، والذين كان من بينهم جميلة، التي تزوجت بعد أشهر من حريتها من محاميها الذي أشهر إسلامه واتخذ اسم منصور.

بعد أن حصلت الجزائر على استقلالها، كلفت جميلة بتولي رئاسة اتحاد المرأة الجزائري، لكن اضطرارها للنضال المستمر في سبيل تنفيذ كل قرار أو إجراء تتخذه، بسبب خلافها مع الرئيس أحمد بن بلة وقتهاوقبل مرور عامين من توليها هذا المنصب، قررت أنها لم تعد قادرة على احتمال المزيد من المعاناة، فاستقالت وتركت العمل العام، لتعيش حياة هادئة متوارية بعيدة عن صخب السياسة.

هي ليست مجرد اسم معروف في التاريخ العربي الجزائري، إنها رمز مضيء من رموز الكرامة العربية والحرية الإنسانية لا تكاد تخلو مدينة أو بلد عربية من شارع أو مدرسة يحملان اسمها لأنهاأشهر رمز نسائي للمقاومة العربية، بل هي الأشهر علي الإطلاق عندما يذكر اسما لمناضلة عربية ينير تاريخها، أصبحت شعلة إلهام للكثير من المناضلات العربيات اللاتي حملن الراية من بعدها متخذين منها نموذجًا وقدوة يحتذى بها.

ملهمة الشعراء.

 ألهمت جميلة الشعراء حتى وصل إجمالي ما كتب عنها إلى ما يقرب من سبعين قصيدة نظمها أشهر الشعراء في الوطن العربي الذين تنافسوا في كتابة القصائد التي أشادت بما قامت به من نضال ضد المستعمر الفرنسي، فمن بدر شاكر السياب إلى محمد مهدي الجواهري مرورًا بنزار قباني وصلاح عبدالصبور وغيرهم، ولم تترك السينما المصرية قصتها حيث أنتج لها فيلم "جميلة"، عام 1958و الذى يحكى تفاصيل نضالها، وحقق نجاحًا عربيًا كبيرًا وحصد الكثير من الجوائز المصرية والعربية والعالمية وعلى المستوى الدولي حظيت بالكثير من الحفاوة والتكريم من كل البلدان العربية والعالمية خلال عقدي الستينات و السبعينات وحتى وقتنا هذا لايزال العالم العربي يحتفي بها كلما ذكر اسمها لحقت به علامات المجد والعظمة والقوة فأصبحت بشهادة الجميع المرأة العربية الأكثر شهرة .

تواريها وابتعادها عن الساحة السياسية لم يؤثر بأي حال من الأحوال على أنها أصبحت شعلة وأيقونة للصبر والتحمل، استطاعت أن تحفر اسمها في كتب الخالدين وأن تسطر صفحة جديدة مشرفة في تاريخ نضال المرأة العربية الذى لا ينتهي أبدًا، إنكارها وتقليلها من قيمة ما فعلته رفع أسهمها لدى الرجال والنساء على حد سواء خاصة أنها كانت كثيرة الترديد ( إن ما قمت به كان واجبي تجاه دولتي )، عبر تاريخ الجزائر النضالي  الطويل لم تنسى الدور الذى قامت به بنت العشرين ربيعًا في تذكية روح المقاومة وفضح المستعمر الفرنسي وممارساته الوحشية حتى إن قضيتها وإكسابها الطابع الدولي ساهمت في إنجاح الثورة الجزائرية وتخليد ذكرى أبنائها على صفحات من نور .

الثورة الجزائرية

أجمع المؤرخون على أن الشعب الجزائري يتميز بالعديد من الصفات الفريدة  فهويأبى الخضوع والاستكانة، يحارب بنزعة دينية وطنية شعاره تضحيتنا للوطن خير من الحياة لذا استطاع خوض الكثير من الحروب الضارية وخرج منها بعزة وتمكين يتساوى في ذلك نساؤه ورجاله، وكانت الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي تجسيدًا حيًا لما وصف به المؤرخون هذا الشعب والتي انطلقت شرارتها في الأول من نوفمبر 1954   م، بقيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، واستمرت سبع سنوات ونصف استشهد فيها أكثر من مليون ونصف مليون جزائري لذا أطلق عليها ثورة المليون شهيد، وخلال فترة الاحتلال عملت فرنسا على إيقاف النمو الحضاري والمجتمعي للجزائر، وحاولت طمس هوية الجزائريين الوطنية، وتصفية الأسس المادية والمعنوية التي يقوم عليها المجتمع، ورفض الشعب الجزائري كل محاولات طمس الهوية التي كانت تتبناها فرنسا واستمرت مقاومته أمام محاولة الحملات العسكرية الاستعمارية الشرسة، والمستمرة لإخفاق الثورة التي اندلعت شرارتها داخليًا وخارجيًا، وتعاطفت الكثير من البلدان مع الثورة الجزائرية وقدمت العديد من الدول العربية الدعم و لعبت المملكة العربية السعودية دورًا كبيرًا في جعل الثورة قضية عالمية دولية واخراجها عن كونها قضية متمردين على الدولة الفرنسية وتحويلها إلى ثورة شرعية ضد محتل، لأن فرنسا كانت تروج خارجيًا لفكرة أن قضية الجزائر قضية داخلية خاصة بالدولة الفرنسية، فكانت السعودية من أوائل الدول التي نشرت القضية الجزائرية في المحيط الخارجي، كما قدمت مصر للجزائر خلال الثورة دعمًا عسكريًا وماديًا وسياسيًا، الأمر الذي مهد إلى إجراء مفاوضات بين فرنسا والجزائر، حتى صادق الطرف الفرنسي على مبدأ تقرير المصير الذي طالب به الجزائريون، مما أدى إلى وقف القتال، وبذلك تمكن الجزائريون من نيل حقهم في تقرير مصيرهم السياسي، وتأسيس دولتهم المستقلة، وبذلك تحققت أهداف الثورة بتتويج كفاح الشعب، وتحقيق آماله بالحصول على دولة مستقلة وذات سيادة كاملة على كل التراب الجزائري.

   جميلة بوحيرد ابنة العشرين ربيعًا آنذاك واحدة من أبناء الشعب الجزائري الذي وصفة المؤرخون بالكثير من الصفات.. الفتاة التي تمكنت من خوض معركة غير متكافئة مع المحتل الفرنسي، والخروج منتصرة، نضالها وجلدها أضاف إلى الشعب الجزائي مجدًا إلى أمجاده، وتحولت إلى رمز بين النساء العربيات، فخرجت قصتها من بين جدران السجن وسياط الجلاد ومقصلة الإعدام، إلى عالم المجد والخلود وأصبحت طرفًا فعالاً ومؤثرًا في بناء مستقبل الجزائر المنير بأبنائه الأبرار المتفردون.

مجلة آراء حول الخليج