دور أوروبا المرتقب: إبرام اتفاق جديد لا خلق صراع جديد بإشراك دول مجلس التعاون الخليجي

الثلاثاء، 17 تموز/يوليو 2018

لا تزال أوروبا منزعجة من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، والتي تُعرف إعلاميًا باسم الاتفاق النووي الإيراني. وتتراوح التقديرات الحالية لعواقب الانسحاب من الاتفاق بدايةً من إنهاء العلاقات عبر الأطلسي ووصولاً إلى شن حرب جديدة في الشرق الأوسط، كالمواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل على سبيل المثال.

وبشكل عام، يبدو أن أوروبا قد أصيبت بالشلل؛ إذ تؤكد التصريحات الرسمية على التزام الاتحاد الأوروبي بالاتفاق النووي الإيراني، بينما يُشير المعلقون إلى النفوذ والقوة المحدودة الفعلية، التي تمتلكها أوروبا للحفاظ على استمرار الصفقة بشكل كامل. كما يثير التهديد بالعقوبات الأمريكية الواسعة والإجراءات الثأرية المحتملة على الشركات الأوروبية شكوكًا خطيرة، حول ما إذا كانت إيران ستظل تدرك فوائد الإبقاء على الاتفاق في الأشهر المقبلة أم لا.

وطالما ذُكر أن أوروبا لا تزال تستطيع ممارسة الكثير من النفوذ، إذا كانت مستعدة لتعلم الدروس الصحيحة من تجربة خطة العمل الشاملة المشتركة. وهذا يشمل الاعتراف بأوجه القصور في الاتفاق النووي، مع تقديم مجموعة جديدة من الاقتراحات التي من شأنها أن تعالج العيوب السابقة، والأهم من ذلك أنها تستطيع جمع بقية دول الخليج على مائدة الحوار للتباحث بشأن تنفيذ عملية أمنية إقليمية واسعة النطاق. فلن يُجدي التأسف فقط على قرار إدارة ترامب شيئاً، ولن يمنع حدوث تداعيات سلبية بسبب قرار الانسحاب، أو يحول دون إلقاء خطة العمل الشاملة المشتركة في غياهب التاريخ.

موقف أوروبا من خطة العمل الشاملة المشتركة

وفور إعلان الرئيس الأمريكي دونالد "ترامب" عن انسحاب أمريكيا من خطة العمل الشاملة المشتركة، قالت ممثلة الاتحاد الأوروبي السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية فيديريكا موغريني أن: "الاتفاق النووي مع إيران هو تتويج لاثنى عشر عامًا من العمل الدبلوماسي، فهو ينتمي إلى المجتمع الدولي بأكمله. وقد كان يعمل ولا يزال على تحقيق هدفه المتمثل في ضمان عدم قيام إيران بتطوير الأسلحة النووية. ولذلك فإن الاتحاد الأوروبي مصمم على الحفاظ عليه. ونتوقع أن يواصل باقي المجتمع الدولي القيام بدوره لضمان استمرار تنفيذه بالكامل، من أجل أمننا الجماعي."

وبالنسبة لأوروبا، فالاتفاق النووي هو أكثر من مجرد اتفاق ثنائي مع إيران حول البرنامج النووي الإيراني. فهذا الاتفاق له دلالة رمزية كبيرة، من حيث التأكيد على أهمية تعددية الأطراف باعتبارها نهجًا دبلوماسيًا، إذ يُنظر إليه على أنه خطوة هامة في الجهود العالمية تجاه مكافحة الانتشار النووي، ويعتبر في النهاية أمرًا حاسمًا لمصداقية الاتحاد الأوروبي كممثل للسياسة الخارجية. وفي هذا الصدد، كانت أوروبا تعتمد على نجاح الاتفاق النووي أكثر من مجرد علاقتها مع طهران. ويُمكن النظر إلى ذلك من منظور أن أوروبا قد استمرت في انتقاد السياسات الإيرانية والحفاظ على علاقاتها شبه العدائية حتى بعد دخول خطة العمل الشاملة المشتركة في حيز التنفيذ في يوليو 2015م، وعلى سبيل المثال، أبقت أوروبا على مجموعة كاملة من العقوبات غير النووية التي لا تزال تُفرض على إيران، بل وعملت على تجديد تلك العقوبات لعام أخر في إبريل 2018م، وبالمثل، فقد أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا غير مُلزم في نهاية شهر مايو 2018م، حيث أدان وضع المواطنين مزدوجي الجنسية الإيرانية والأوروبية والمعتقلين حاليًا في إيران. وتحتل تلك الخطوات أهمية كبيرة عند تقييم رد فعل أوروبا على قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي الإقرار بأن أوروبا أخفقت عندما فشلت في الاعتراف بأوجه القصور الواضحة في الاتفاق النووي. وفي الواقع، لم تفعل خطة العمل الشاملة المشتركة سوى القليل لتحسين المناخ الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط على مدار العاميين الماضيين. وبينما فرض هذا الاتفاق قيودًا شديدة على البرنامج النووي الإيراني ووضع شروطًا امتثلت لها إيران حتى الآن، إلا أنه أجل وضع حلولاً فعلية لهذه المسألة إلى وقت غير محدد في المستقبل. فلم يكن هناك أي بند في الاتفاق يقترح عدم سعي إيران إلى تحقيق طموحاتها النووية مرة أخرى بمجرد انقضاء صلاحية بنود الاتفاق.

كذلك لم يستطع الاتفاق النووي الوفاء بالتطلعات الأخرى. فبالنسبة إلى إيران، لم تتحقق المصالح الاقتصادية المتوقعة بعد تخفيف العقوبات. فمع وجود حالة من عدم اليقين بشأن آفاق الاتفاقية، ظلت الاستثمارات الأجنبية في حالة من التردد. وحتى بالنسبة لأوروبا، ازداد حجم التجارة مع إيران فقط بشكل متواضع، إذ لا تزال العديد من الشركات في انتظار ظهور علامات أكثر وضوحًا على استمرار الاتفاق وإمكانية قبول ممارسة الأعمال التجارية مع إيران مرة أخرى. وقد حُكِمَ على مثل هذه الآمال بالموت المحقق مع صعود ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.

كذلك لم يفِ الاتفاق النووي بالتوقعات المأمولة، لأنه لم يتناول الأبعاد والمخاوف الأمنية لبقية الدول في المنطقة بشكلٍ كافٍ. وبالنسبة لمعظم دول الشرق الأوسط، فقد منح الاتفاق مظلة لإيران للعمل على توسيع نفوذها الإقليمي على حساب الاستقرار الشامل في المنطقة كما رأينا في سوريا واليمن والعراق ولبنان. ومع مرور أول عامين على الاتفاق النووي، كان هناك دلائل قليلة تشير إلى إمكانية أن تصبح إيران طرفًا فاعلاً أكثر تعاونًا في الأعوام القادمة. ويتمثل الدرس المستفاد هنا في فشل أوروبا فور توقيع الاتفاق في استغلال الزخم وإشراك إيران في مناقشات أمنية إقليمية على نطاق أوسع. ويعتقد كل طرف من الأطراف أن خطة العمل الشاملة المشتركة هي عبارة عن اتفاق يحدث لمرة واحدة فقط، ويُبرم بمعزل عن القضايا الأخرى المثيرة للقلق. وكانت النتيجة هي حالة من عدم الرضا عن هذا الاتفاق من قِبل دول أخرى في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل ودول الخليج العربي، والشعور بأن الاتفاق النووي لن يسهم سوى بالقليل في حماية أمنهم. وفي هذا السياق، رأى الرئيس "ترامب" أنه من السهل الإعلان عن انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق.

تداعيات انسحاب الولايات المتحدة على الموقف الأوروبي

في أعقاب هذا القرار، سعت أوروبا لوضع سلسلة من الإجراءات التي من شأنها أن تحافظ على بقاء فعالية خطة العمل الشاملة المشتركة. فقد كان هناك تأثير رئيسي للاتفاق يتعلق بالعلاقات عبر الأطلسي، حيث توقعت الولايات المتحدة من أوروبا أن تتبع الإجراءات التي حددتها إدارة الرئيس "ترامب". ونظرًا للأوضاع الراهنة بشكل عام، وعدم احتمالية أن تخاطر الشركات الأوروبية الكبرى أو الشركات متعددة الجنسيات بأعمالها التجارية في الولايات المتحدة، فمن المرجح ألا تتخذ أوروبا سوى القليل من الخطوات من حيث حظر العقوبات الثانوية الأمريكية أو محاولة حماية علاقتها التجارية الخاصة مع إيران. وعلى سبيل المثال، فإن لائحة حظر المفوضية الأوروبية الخاصة بالعقوبات الثانوية، لم تشمل الشركات متعددة الجنسيات الكبيرة التي لديها علاقات مع الولايات المتحدة، وبالتالي، حتى في حالة تفعيلها، سيقتصر التأثير على شريحة صغيرة من الشركات، والتي سيكون لها نتيجة ضئيلة نسبيًا على الصورة الاقتصادية الأشمل. وحتى في حالة رغبة أوروبا في مواجهة العقوبات الأمريكية الجديدة، والتهديد بفرض تدابير ضد الشركات الأوروبية، ستتمكن أوروبا من فعل ذلك إذا كانت مستعدة لبناء أدوات ومؤسسات مالية تعتمد بشكل رئيسي على اليورو بدلاً من الدولار الأمريكي. وفي هذه المرحلة، فإن أوروبا غير مستعدة لاتخاذ مثل هذه الخطوة، لأن توحيد الأدوات المالية سيأخذ بعض الوقت ليصبح نافذًا وفعالاً. وبالإضافة إلى ذلك، لن تؤدي جميع هذه الإجراءات إلى الحفاظ على بقاء العنصر الاقتصادي للاتفاق النووي نافذًا.

وقد بدأت أيضًا ردة الفعل الأولى بالتوحد من أجل الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني في التراجع مع اعتراف الدول الأوروبية بأوجه القصور في هذا الاتفاق، والتعهد بإجراء مفاوضات متابعة للاتفاق. ومن جهتها قالت رئيسة الوزراء البريطانية "تيريزا ماي" في يونيو 2018م، إن الاتحاد الأوروبي سيظل "ملتزمًا بخطة العمل الشاملة المشتركة طالما تعمل إيران على الوفاء بالتزاماتها"، وأن الاتحاد الأوروبي يقر بوجود "قضايا أخرى تتعلق بإيران تحتاج إلى الحل – على سبيل المثال نشاطها الإقليمي المزعزع للاستقرار في دول مثل سوريا واليمن، فضلاً عن انتشار الصواريخ الباليستية".كما أصدر كلا من الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" والمستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" تصريحات مماثلة لذلك. وأشار وزير الخارجية الفرنسي "جان إيف لودريان" أن البيان الإيراني الأخير المتعلق باستئناف برامج تخصيب اليورانيوم هو "بيان غير مُرحب به"، فضلاً إلى أنه "من الخطر دائمًا الاقتراب من الخطوط الحمراء". ووفقًا لهذه التصريحات، فقد تركت أوروبا الباب مفتوحًا أمام الانسحاب من الاتفاق من خلال تحميل إيران المسؤولية كاملةً عن الحفاظ على الاتفاق، بمعنى أن أوروبا ستلتزم بالاتفاق طالماإيران تلتزم به.

خلاصة القول: إن أوروبا غير مستعدة وغير راغبة تحت أي ظرف في المخاطرة بالعلاقات عبر الأطلسي من أجل إنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة، ولا ترغب في تلبية مطالب الإيرانيين كما صرح بها المرشد الأعلى في إيران "آية الله علي خامنئي" في 23 مايو 2018م، وهي أن أوروبا يجب عليها ضمان بيع النفط الإيراني، وعدم طرح مسألة الأنشطة الإقليمية الإيرانية أو الصواريخ الباليستية على طاولة المحادثات في المستقبل، ويجب عليها أن تتقدم بطلب للحصول على قرار من الأمم المتحدة يدين انسحاب أمريكا من الاتفاق، وأن تتصدى "صراحة للعقوبات الأمريكية". إن تداعيات الانسحاب واضحة فيما يخص إيران، أولاً: ستبدأ إيران في استئناف جزء من برنامجها النووي، ما لم تطرح أوروبا إجراءات ملموسة على طاولة المفاوضات؛ ثانيًا: لا تثق إيران في الأوروبيين، وتعلم أن الصين وروسيا على أهبة الاستعداد للتعويض عن الخسائر الاقتصادية التي ستتحملها إيران. وكما أكد " علي خامنئي" أنه: بالنسبة لاقتصادنا، لا يمكننا الاعتماد على خطة العمل الشاملة المشتركة وعلى الدول الأوروبية. فقد خالفت تلك الدول الأوروبية الثلاثة (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) وعودهم منذ حوالي ثلاثة عشر أو أربعة عشر عامًا؛ حيث أنهم قد قطعوا وعدًا على أنفسهم أثناء المفاوضات ولكنهم لم يوفوا به، والآن ينبغي عليهم أن يثبتوا عدم تكرار تلك المراوغات والكذب مرة أخرى."

وبينما لن تستخدم أوروبا قضية الاتفاق النووي كتحدي للسياسة الأمريكية، فقد أكدت هذه الحادثة على حقيقة أنه لا يمكن اعتبار الولايات المتحدة بعد الآن لاعبًا بناءً في الساحة الدولية والذي يمكن لأوروبا أن تعتمد عليه عندما يحين وقت الحسم. وبينما تصاعدت حدة الخلافات بين الجانبين بعد فرض التعريفات الجمركية على السلع الأوروبية، وبعد الدعوات المتكررة من إدارة ترامب لأوروبا بزيادة الإنفاق على الدفاع، فضلاً عن الإخفاق التام في أعمال قمة مجموعة السبع في كندا، فقد أبرز الاتفاق النووي حقيقة أنه بالرغم من طرح العديد من الحجج والتنازلات، لم تستطع الجهود الأوروبية أن تفعل شيئًا، وتُركت أوروبا وحيدة وهي تحمل راية الاتفاق النووي بمفردها. وفي هذا الصدد، أدى الخلاف حولالاتفاق النووي إلى تعزيز الأصوات التي تطالب بسياسة الابتعاد أكثر عن الولايات المتحدة من داخل أوروبا، بالإضافة إلى حاجة أوروبا إلى أن تتولى ذمام الأمور بنفسها. ومن المحتمل أن يؤكد مسؤولي السياسة الأوروبية على هذا الرأي على الأقل خلال السنتين المتبقيتين من إدارة ترامب.

وفي الوقت الحالي، لا تمتلك أوروبا خيارًا سوى الدعوة إلى التوازن في العلاقات، والأمل في عدم صعود البيئة الأمنية في المنطقة إلى نقطة اللاعودة. وبينما تضغط الولايات المتحدة كثيرًا على إيران، لدرجة المطالبة بتغيير النظام علنًا، ستواجه أوروبا بيئة متقلبة ومتغيرة بشكل كبير داخل إيران، بدليل تصاعد المظاهرات في الشهور الأخيرة واستعداد النظام الحالي في طهران لتحمل الضغوط داخليًا وخارجيًا. ولذلك، إنه خط من التوازن الدقيق يجب الحفاظ عليه، مما سيتطلب مهارات دبلوماسية يمكن عرضها على طاولة المفاوضات من قبل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء حتى لا يخرج الوضع تمامًا عن نطاق السيطرة.

المُضي قدمًا

السؤال الذي يُطرح الآن هو كيف سترد أوروبا على الاستراتيجية الأمريكية بشأن إيران؟ فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" عن سلسلة من الطلبات الجديدة بشأن إيران في خطابه بتاريخ 21 مايو. ولكن هذا الخطاب لم يتناول الكثير حول استراتيجية واشنطن بالنسبة لإيران. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ترك الشرق الأوسط بدون متابعة الاتفاق النووي لن يسهم في استقراره في المستقبل.

وبينما لن تتمكن خطة العمل الشاملة المشتركة من البقاء على جميع الاحتمالات خلال العام المقبل، إلا أن أوروبا لا تزال تملك فرصة للحفاظ على قنوات التواصل وضمان عدم تسبب الجهود الدبلوماسية الأوروبية في ضعف قدرتها على العمل والتواجد على الصعيد العالمي، حيث تعتبر أوروبا حاليًا هي العنصر الفاعل الوحيد القادر على بذل الجهود لحلحلة الأزمة. وعلى الصعيد الأخر، لا يبدو أن الولايات المتحدة وروسيا والصين على استعداد لبذل الجهود في سبيل البحث عن الحلول اللازمة. وبالتالي، تستطيع أوروبا تبني مبادرة جديدة تستغل استثمارها الكبير في خطة العمل الشاملة المشتركة من أجل عدم تعريض أوروبا للفشل مرة أخرى، بصفتها لاعبًا جادًا وفاعلاً في السياسة الخارجية الدولية. وتعتبر التصريحات الأوروبية الأخيرة التي صدرت من المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل أو من رئيسة الوزراء البريطانية "تيريزا ماي" حول الاستعدادات التكميلية للاتفاق النووي مناسبة جدًا لبدء جهودًا جديدة.

وعلى الرغم من ذلك فإن تقديم مبادرة جديدة تشرك دول الخليج العربي في المباحثات يعد أمرًا بالغ الأهمية، حيث قامت هذه الدول بالتصديق على خطة العمل الشاملة المشتركة بلا حماس نظرًا لأنهم لم يكونوا مطلقًا جزءًا من المفاوضات الفعلية التي حدثت في الفترة ما بين 2012 إلى 2015م، وبالنسبة إلى دول الخليج العربي، تعتبر خطة العمل الشاملة المشتركة اتفاق تم فرضه عليهم بدلاً من كونه اتفاق تم التشاور بشأنه بشكل كبير والانخراط فيه. إن هذا هو الوقت المناسب لإشراك دول مجلس التعاون الخليجي، فبخلاف العديد من التحليلات الإخبارية، فإن دول الخليج ليست في وضعٍ أفضل نتيجة لقرار إدارة ترامب، بل في واقع الأمر لديهم مخاوف كبيرة حول ما يحمله المستقبل. إن إلغاء إحدى الاتفاقيات دون توفير بديل مناسب وكافي يعد مشكلة كبيرة بالنسبة لهم. ففي نهاية الأمر، أي خلاف في المنطقة سوف يؤثر عليهم قبل أي طرف أخر. أما الثقة في الإدارة الأمريكية فهي مسألة أخرى، فالنشاط المتزايد للسياسة الخارجية لدول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يرجع إلى إدراك أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة في لعب دور حامي الأمن في الخليج كما كانت في الماضي.

هذا الشك يفتح المجال لأوروبا للسعي إلى جذب دول الخليج العربي لمناقشة سبل التوصل إلى اتفاقية أمنية إقليمية. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، يظل الهدف هو وقف المزيد من التوسع في الدور الإقليمي الإيراني، ولذلك، فمن الضروري أيضًا أن تؤدي الإجراءات الجديدة التي يتم دراستها الآن إلى إبرام اتفاق جديد لا إلى خلق صراع جديد. ومن أجل التوصل إلى بديل قابل للتطبيق والاستمرار، تحتاج أوروبا إلى أن تنظر إلى المخاوف الأمنية لدول الخليج العربي بصورة أكثر جدية مما سبق. ومن جانبها قامت "فيديريكا موغريني" بعدد من جولات المحادثات مع وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف" منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، ولكنها لم تجرِ أي محادثات مع دول الجوار لإيران، والذين تأثروا بالقرار الأمريكي كما تأثرت طهران. وبينما قد يكون لدى أوروبا وجهة نظر بشأن الإصرار على الضغط للوصول إلى بدائل دبلوماسية مستمرة للحيلولة دون انتشار نزاع أوسع في الشرق الأوسط، فيتعين عليها إذن أن تمتلك دبلوماسية قوية، تعكس تلك الحقيقة على أرض الواقع.

وباستخدام هذا النهج فقط، يمكن لأوروبا أن تُظهِر أن الاتفاق النووي لم يكن عبثًا، ولكن بعد تعلم الدروس الصحيحة من الاتفاق، وحينها يمكن لها أن تصبح طرف أمني فاعل وحاسم في عالم يزداد فوضى واضطرابًا.

مقالات لنفس الكاتب