العدد 134

القضية الفلسطينية ورقة موسكو لمساومة واشنطن عى مكاسب سياسية

الثلاثاء، 05 شباط/فبراير 2019

منذ اللعنة التي حلت بالاتحاد السوفيتي مطلع القرن الماضي وأدت إلى تفكيكه، فإن الدب الروسي لم يعد بنفس القوة والتأثير لمن سبقه قبل عملية إعادة البناء في إطار الاتحاد الروسي التي قادها الرئيس بوتين، حيث لم تتوقف ممارسات الولايات حيث قاد بوتين عملية متعددة الأوجه لإعادة الاعتبار لوريث الاتحاد السوفيتي على الصعيد الدولي من خلال ترتيب الأولويات وصياغة الاستراتيجيات، ومنها ما يتعلق بالاستراتيجية الروسية تجاه الأوسط، فما هي إذًا الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط ،وما هي محدداتها أيضًا ،خاصة ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية؟                                                                                

أسئلة من الضروري الإجابة عليها وصولا إلى فهم  طبيعة المصالح الروسية في الشرق الأوسط وتحديد طبيعة الانخراط الروسي في القضية الفلسطينية، وهذا ما يدعونا  للتوسع أيضًا  في فهمنا للاستراتيجية الروسية من حيث محددات صياغتها  تجاه الشرق الأوسط  بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص،  ومن بين هذه التساؤلات أو من أهمها معرفة ما إذا كانت روسيا تمتلك رؤية مستقلة أو خطة لإقامة سلام في المنطقة العربية بعيدًا عن الأطروحات الأمريكية والإسرائيلية، وهل يمكن لروسيا أن تنجح بالضغط على  إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة؟، وكذلك معرفة الأهداف الحقيقية وراء التدخل الروسي في

سوريا، وإذا ما كان لهذا التدخل انعكاس على حل الصراع العربي الإسرائيلي، وهل يمكن القول إن ما تسعى إليه روسيا من هذا التدخل هو امتلاك أوراق

مساومة لتحقيق أهدافها من حيث إعادة هيبتها، مع الحفاظ أيضًا على حدودها وحماية آسيا الوسطى من التواجد الأمريكي؟

الاﺴتراتيجية الروﺴﻴﺔ ﻓﻲ الشرق الأوسط  

كما هو معلوم، الشرق الأوسط بالنسبة لروسيا أقل أهمية استراتيجية من أوروبا وآسيا، إلا أن الاهتمام الروسي بالشرق الأوسط تزايد وأصبح نابعًا من البحث عن تحقيق المصالح والمكانة، خاصة مع الدول العربية، رغم ما بينهما من وجهات نظر متباينة بشأن العديد من القضايا، ومن أهمها مستقبل سوريا، وما تشكله إيران أيضًا من تهديد لمنطقة الخليج العربي.

منذ أن تسلم الرئيس بوتين مقاليد السلطة، فهو يسعى لان تصبح روسيا طرفًا محوريًا في السياسة الدولية بعد ما عانته من سياسة التبعية للغرب في أعقاب التفكك والتشرذم إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث كانت روسيا قدمت تنازلات  في العديد من القضايا وفقا لما أراده الغرب منها ،خاصة مع نهاية عام 1992م، حيث تغيرت السياسة الروسية الخارجية نتيجة انعكاسات على مصالح روسيا والتي أدت إلى تهديد الأمن القومي الروسي، لذلك فإنها سعت إلى تحقيق الأهداف العامة للاستراتيجية من خلال الرجوع وبقوة إلى الساحة الدولية، فما هي إذًا محددات تلك الاستراتيجية للرئيس بوتين من أجل النهوض بالدولة الروسية؟.   

وفقًا لاستقراء السياسة الروسية، فإن عملية صنع القرار فيها تعود لرأس الدولة، حيث إنه المسؤول عن صنع سياستها الخارجية التي تنطلق ووفقًا لما يريده الرئيس بوتين وخطط له على قاعدة خدمة أهداف الاستقرار الاقتصادي والأمني لتعزيز مكانة روسيا الدولية،  لذلك كان الاتجاه نحو الشرق الأوسط لإقامة علاقات شراكة مع دول هذه المنطقة لتقليل حجم التهديدات على حدود روسيا الجنوبية، مع العمل على إخراج الاقتصاد الروسي من حال الأزمة إلى حالة الاستقرار ودون الانزلاق نحو النزاعات أو المواجهات، على الرغم من أن بوتين كان قد وجه ضربة عسكرية إلى أوكرانيا عام 2014م، تم الاستيلاء من خلالها على معظم شبه جزيرة القرم. على خلفيّة ضم القرم، وتزايدت التهديدات الغربية على روسيا، وهذا ما دفعها إلى تعديل وثيقة الأمن القومي الروسي والاتجاه نحو استعادة مكانتها كقوة عظمى موازية للغرب من خلال تحقيق نظام دولي متعدد الأقطاب، بعيدًا عن الهيمنة الأحادية من خلال "منظمة شانغهاي" للتعاون في مجال الأمن، و"مجموعة البريكس" للتعاون في المجال الاقتصادي، ووصولًا أيضًا إلى اتّباع خيار المسارات المتعدّدة في علاقاتها مع الدول.

وكانت العلاقات مع واشنطن قد تدهورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة نتيجة خلافات حول  ملفات عديدة، ومن بينها توسيع الناتو، و برنامج الدرع الصاروخي الأمريكي، وكذلك الملف السوري، بالإضافة إلى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم نتيجة الاهتمام الكبير التي تبديه روسيا  بالقوقاز عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، إلا أن العلاقات مع واشنطن لم تنقطع بفعل ما بينهما من ملفات شائكة ومتناقضة، حيث ما زالت الاتصالات متواصلة من أجل التنسيق والتشاور، على الرغم مما اتخذته  الولايات المتحدة من خطوات مضادة للسياسات الروسية، ومنها  تشكيل “جمعية الدول المعارضة للموقف الروسي في المناطق الانفصالية ". 

العلاقات الروسية-العربية   

من الصعب استقراء طبيعة العلاقات العربيةـ الروسية واستشراف مستقبلها أيضًا لاختلاف رؤية كل منها في النظر إلى تحديد تلك العلاقة مع روسيا، لكننا نستطيع القول، إن مستقبل العلاقات العربية مع روسيا ستحدده الكثير من التطورات الناجمة عن الدور الروسي في الملف السوري، ولذلك سنكتفي بالتطرق إلى العلاقات الروسية مع الأطراف ذات العلاقة بالملف السوري، ومن بينها العلاقات الروسية القطرية، بالإضافة إلى العلاقة الروسية مع سوريا نفسها.               

تطرح قطر نفسها كدولة إقليمية منتجة ومصدِّرة للغاز إلى أوروبا بديلًا عن روسيا الاتحادية، وهذا ما دفعها  إلى التفكير في إنشاء خط ينطلق منها ويمرّ بسوريا وتركيا ليلتقي بخط "نابوكو"، إلا أن التدخّل العسكري الروسي في سوريا أسهم في قلب المعادلة على الأرض وقضى على الحلم القطري بمدّ الغاز إلى أوروبا، وهذا السلوك ليس غريبًا على روسيا بالرجوع إلى تجربتها السابقة في جورجيا بضم "أبخازيا" إليها بالقوّة للحفاظ على مصالحها في وسط آسيا ومنطقة الشرق الأوسط.                                                             

العلاقات الروسية -الإسرائيلية  

كانت العلاقات الروسية الإسرائيلية قد تطورت بفعل مجموعة من الاعتبارات، ومن بينها المواطنون اليهود في روسيا واليهود الروس في إسرائيل، الذينيسيطرون على المرافق الاقتصادية الهامة، وعلى وسائل الإعلام في كلا البلدين، حيث تستطيع روسيا من خلال اليهود الروس صياغة رأي عام مساند لها في تنفيذ سياستها في الشرق الأوسط، كما تستطيع إسرائيل استغلال يهود روسيا لصياغة رأي عام مؤيد لها داخل شريحة كبيرة من الأوساط الروسية.

انعكاسات تلك العلاقات على الدور الروسي في عملية السلام   

أن لموسكو علاقات طيبة وقديمة مع البلاد العربية، وكذلك في البلاد المؤثرة على سياساتها، ومن بينها إيران، كما أن لها علاقات جيدة مع إسرائيل، وهذا ما يجعلها مؤهلة لأن تصبح من اللاعبين الأساسيين في عملية تحقيق السلام، خاصة أن روسيا هي الدولة الوحيدة من الدول الكبرى التي لها علاقات مميزة مع السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى علاقتها مع حركة حماس، وهذا ما يجعلنا نطرح تساؤلات حول ما يمكن أن تقوم به روسيا في حل الصراع العربي الإسرائيلي، وما يمكن أن تلعبه من تأثير على حماس من خلال تلك العلاقة في ظل استقرائنا السابق لطبيعة العلاقة مع الدول المؤثرة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

تستند روسيا في بناء موقفها من تسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إلى قرارات الشرعية الدولية، والمبادرة العربية السلام، وخريطة الطريق التي كانت اللجنة الرباعية المؤلفة من روسيا الاتحادية، الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة قد اقترحتها كقاعدة استناد لأي تسوية محتملة بين الطرفين. وانطلاقًا مما تتضمّنه هذه الوثائق، فإنّ روسيا تدعم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنبًا إلى جنب مع دولة إسرائيل على أساس حدود الرابع من يونيو عام  1967م، إلا أن الموقف الروسي وما تتمتع به موسكو أيضًا من علاقات لا يصنع السلام ،لأن الصراع الدولي لا يتم السيطرة عليه بالخصوصية في العلاقات، وإنما من خلال الأدوات الفاعلة والضاغطة التي تحقق ذلك، ففي الوقت الذي تلعب فيه أمريكا وإسرائيل وإيران بالملف الفلسطيني كما يحلو لهما، فإن روسيا هي الأخرى لا يمكنها تحقيق ما يتطلع إليه الفلسطينيون منها بسبب غياب المواقف المساندة لروسيا أيضًا فيما يتعلق برؤيتها لحل الصراع العربي الإسرائيلي، فما هي

إذًا أدوات الفشل والنجاح الروسي في تحقيق السلام والعوامل المساعدة التي يمكن أن يقوم بها العرب في إسناد الموقف الروسي؟

عوامل النجاح والفشل الروسي في صنع السلام

من المعلوم، وكما ذكرنا سابقًا، فإن موسكو تؤيد علنا إقامة دولة فلسطينية، كما أنها تحتفظ بعلاقات جيدة مع إسرائيل، ولذلك كانت قد دعت ومنذ سنوات لاستئناف المحادثات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، استكمالاً لدورها في اللجنة الرباعية الدولية، إلا أن عوامل الفشل في تحقيق ذلك يمكن إجمالها بالرفض الإسرائيلي لاقتراح روسي سابق بعقد قمة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حيث تعلن  إسرائيل دومًا بأن الولايات المتحدة هي الدولة الأقدر على رعاية عملية السلام، مما يعني ذلك رفضها لأي مبادرة من دولة أخرى، وهو ما ظهر من عدم التجاوب مع الدعوات الروسية المتكررة لإجراء محادثات سلام  بالرغم مما تمتلكه روسيا من مؤثرات داخلية وخارجية.

أما فيما يتعلق بعوامل نجاح الدور الروسي، فإن  أكثر العوامل إنجاحًا لهذا الدور هو ضرورة تفعيل دور الجامعة العربية كمنظمة جامعة للعرب وتشكيل عوامل ضاغطة ومؤثرة لإثبات حضورها وتحقيق أهدافها بالتنسيق والتشاور مع الدولة الروسية لما بينهما من قضايا وأهداف مشتركة ،إلا أنه يمكن القول ،وفي ظل ما يعيشه العرب  من أوضاع مأساوية  بأنه لا يمكن للدول العربية الخروج  مما وصلت إليه على كافة المستويات ولو على المستوى المنظور، فهل يمكن القول بأن روسيا قد تتجه وبعيدًا عن مصالح العرب نحو استخدام نظام المساومة لتحقيق أهدافها من خلال علاقاتها المنفردة في بعض الأطراف العربية، وما تمتلكه أيضًا من وسائل تأثير على سياساتها ؟.


القضية الفلسطينية في الاستراتيجية الروسية مساندة أم مساومة؟

وفقًا لما ذكرناه سابقًا، فإن القضية الفلسطينية هي مفتاح الدخول إلى منطقة  الشرق الأوسط، وهي البوابة لعبور روسيا  كلاعب مهم في السياسة الدولية وبالتالي فإن ما جاء في استراتيجيتها، خاصة ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية، لم يكن إلا من أجل تحقيق مصالحها على قاعدة أن العلاقات فيما بين الدول هي علاقات نفعية لا أيديولوجية، لذلك يمكن القول بأن فلسطين بالنسبة لروسيا هي بمثابة الورقة التي يمكن استخدامها  للمساومة السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتيح لها تحقيق مكاسب سياسية في أقاليم أخرى ذات بعد جيوسياسي لروسيا الاتحادية وذلك ما لم يعمل العرب على إسناد روسيا من خلال إيجاد توازن دولي متعدد الأقطاب  ترقى إلى مستوى الاستراتيجيات لحماية قضاياهم الإقليمية والدولية.

صحيح بأن معظم الدول العربية تنظر إلى العلاقة مع روسيا علاقات تبادل مصالح، ولكن ليس في إطارها الجماعي، وإنما في إطار تلويح كل دولة منفردة بتلك العلاقة كلما ازدادت الضغوطات الأمريكية، حيث اعتمدت كثير من دول الشرق الأوسط على عقد الصفقات السياسية والاقتصادية ّ كوسيلة ضاغطة وإشارة بديلة، كما فعلت مصر عندما وقعت اتفاقية شراء الأسلحة بقيمة 3.5 مليار بعدما أوقفت أميركا تعاملها مع القاهرة بعد الإطاحة بنظام محمد مرسي، فهل تلك العلاقات المنفردة كافية؟، وهل ما تقوم به روسيا كافيًا لإقناع العرب بها من أجل أن تصبح بديلاً عن الغرب والولايات المتحدة من حيث العلاقات والتحالفات؟

إن القناعات التي وصلت إليها روسيا الاتحادية بأن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية يسعيان إلى تضييق الدور الروسي من دور دولي كقوة عظمى إلى دور إقليمي لا يتجاوز المحافظة على حدودها وأمنها، وهذا ما يتطلب منها إقامة تحالفات وتكتلات خاصة مع الدول العربية وذلك لحماية عمقها الاستراتيجي وتعزيز تواجدها الدولي، في الوقت الذي يجب فيه على الدول العربية، ومن خلال تلك العلاقة الخلاص مما تعانيه من غطرسة أمريكية وعربدة إسرائيلية  وذلك بمساندة  روسيا ومساعدتها للنهوض من جديد كقوة دولية موازية للقوة الأمريكية مما يحقق ذلك العدالة في القضايا الشرق أوسطية ،خاصة ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية  في ظل موقعها بمجلس الأمن، وما تمتلكه من حق الفيتو، وثقلها العسكري الذي ورثته أيضًا عن الاتحاد السوفيتي.

كما أن قوة روسيا والاستناد إليها في مواجهة ما تمارسه الولايات المتحدة من غطرسة، وما تفرضه أيضًا من إملاءات على العرب يتطلب من العرب أنفسهم العمل على رفع مستوى التعاون مع روسيا والتنسيق معها لما في ذلك التعاون والتنسيق من تقوية للمواقف الروسية خصوصًا على مستوى القضية الفلسطينية، وعلى مستوى حماية دول الخليج أيضًا من التدخلات الأمريكية التي تصاعدت بحجة حماية الخليج من الأطماع الإيرانية والحد من اتساع نفوذها فيه، كما يتطلب من الفلسطينيين أنفسهم مساندة الدور الروسي من خلال إنهاء الانقسام، مع العمل أيضًا على تفعيل دبلوماسيتهم لما في ذلك  من مساندة لروسيا  وتعزيز لمواقفها في إيجاد الأقطاب المتعددة في العالم خاصة المتعلقة منها بالقضية الفلسطينية وذلك لما تعتمد عليه الدبلوماسية الفلسطينية من رصيد هائل في العلاقات ،وكمية لا محدودة من الدعم  على  مستوى كل دول العالم ، حيث أن دعوة روسيا لاستضافة مفاوضات فلسطينية إسرائيلية ورعايتها، أو تنظيم مؤتمر دولي للتسوية؛ لا ترقى إلى مستوى ما طالب به الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطته أمام مجلس الأمن وفًقا لغياب التعاون والتنسيق، لذلك فإن مساندة الفلسطينيين لروسيا وبما يمتلكونه من مواقف داعمة لقضبتهم العادلة  في إيجاد الأقطاب  المتعددة التي تسعى روسيا لتحقيقها ،وكذلك  بأن يعمل الفلسطينيون على إنهاء الانقسام والخروج من دائرة إدارته بتحقيق استراتيجية وطنية فلسطينية  يعزز الموقف الروسي بتأكيد استراتيجيته حول القضية الفلسطينية بالمطالبة بحل القضية الفلسطينية على أسس دولية وعادلة ، أما  فما هو دون ذلك فإنه يعزز الاتجاه الروسي نحو استخدام القضية الفلسطينية كورقة للمساومات السياسية الدولية بعيدًا عما يتطلع إليه الشعب الفلسطيني وقيادته الرسمية.

ختامًا، على الرغم من حجم العلاقات العربية الروسية وتنوع مجالاتها ،إلا أن الدول العربية لم تستطع حتى الآن توظيف هذه العلاقات لما تقتضيه المصالح العربية، كما لم تستطع توظيفها بشكل خاص لصالح القضية الفلسطينية، ذلك لان الدور الروسي تجاه القضية الفلسطينية مرتبط بعدد من المحددات التي تعمل على زيادتها أو الحد منها وفقًا لرغباتها ومصالحها، حتى في حالات التنافر  ما بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فهي لا تعدو كونها مساومات سياسية تمارسها روسيا الاتحادية للحصول على مزيد من المنافع والمصالح الروسية في أقاليم أخرى تشكل دائرة اهتمام  في السياسة الخارجية الروسية وخاصة ما يتعلق منها بالمساومة على القوقاز وآسيا الوسطى .

ويمكن القول، بأن إمكانية تخلي روسيا عن الشعب الفلسطيني وعدم مساندة قضيته، والصمت أيضًا حيال وصف مقاومته بالإرهاب قد تكون واردة وذلك كمساومة منها لشراء الصمت الأمريكي والإسرائيلي أيضًا على ما يجري من انتهاك روسي في الشيشان تحت مسمى مكافحة الإرهاب على حدودها الجنوبية في القوقاز وآسيا الوسطى.

ويمكن القول أيضًا إن امتناع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الغربية عن انتقاد روسيا لانتهاكاتها لحقوق الإنسان في منطقة الشيشان، جاء بفعل عملية مقايضة، وذلك من خلال الدعم الروسي لما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية لما يسمى الحرب على الإرهاب ، وما تلك المقايضة ،وإن جاءت ضمنية ،إلا مجرد إشارة  بأن روسيا هي فعلا باتجاه تحقيق مكاسب سياسية لها على قاعدة ما تمتلكه من أوراق مساومة في العديد من القضايا ،ولعل التدخل  العسكري الروسي في سوريا ،وكذلك الدعوة الأخيرة لرئيس حركة حماس لزيارة روسيا لا تخرج عن هذا الاتجاه بغية  الحصول على تنازلات غربية لصالح الدولة الروسية.

اذًا ووفقًا لاستقرائنا لما  جاء في استراتيجياتها وأولوياتها ،فان  روسيا لا تمتلك أية استراتيجية بعيدة المدى تجاه القضية الفلسطينية ، ولا حتى القدرة في تحقيق عملية سلام دائمة وشاملة في ظل عدم الإسناد العربي لها وغياب التنسيق والتشاور، وإن مجرد وجودها في المنطقة لا يتجاوز البحث عن المكانة والتجارة التي يمكن الاستغناء عن تحقيقها إذا ما تم اعتماد التنسيق وتحقيق التعاون والتبادل ما بين روسيا  ودول الغرب ، وعلى رأس تلك الدول الولايات المتحدة الأمريكية، فهل يمكن لروسيا أن تستخدم الرئيس السوري بشار الأسد كورقة مساومة مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تغيير الوضع القائم في سوريا، والتوصل إلى حل سلمي فيها يرضي كافة الأطراف دون وجوده ؟،وهل يمكن لروسيا أن تنجح أيضًا في تطويع حركة حماس دون أن تقدم إسرائيل على تقديم أية تنازلات سياسية وذلك لتعزيز ما بيد روسيا من أوراق مساومة لصالح أهدافها الاستراتيجية الداخلية والخارجية وإحباط كل ما من شانه التأثير على أمن روسيا القومي ؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

مجلة آراء حول الخليج