العدد 135

قمة شرم الشيخ .. وعالم متعدد القطبية

الإثنين، 04 آذار/مارس 2019

لا شك أن العلاقات العربية ـ الأوروبية قديمة، فهي علاقات جوار جغرافي، وتقارب تاريخي ضارب في القدم، وإن كانت ذكريات هذه العلاقات ليست مريحة للجانب العربي كونها ارتبطت بالاستعمار حيث كانت الدول العربية ساحة للهيمنة الأوروبية، وحتى بعد انسحاب الاستعمار التقليدي من شرق السويس، ترك مسامير جحا الحدودية وزرع الأجسام الغريبة في المنطقة، ولعل أخطر ما تركه الاستعمار تأثير اتفاقية سايكس ـ بيكو، وإنشاء إسرائيل بقرار انجليزي، وما يعانيه العرب حاليًا من تأخر عن ركب الحضارة يعود إلى الحقب الاستعمارية التي حرمت أصحاب المنطقة من تولي زمام أنفسهم وسلب إرادتهم.

 أوروبا المعاصرة، وبعد رحيلها من المنطقة، لا تريد مغادرتها بصفة كلية، فما تزال تحدثها نفسها وتحثها على البقاء في المنطقة لكن عبر القوة الناعمة، والقوة المصطنعة، والقوة الناعمة تتمثل في التبادل التجاري والتكنولوجي والثقافي  والسلعي، وغير ذلك، أما المصطنعة فهي تتمثل في استخدام أوراق حقوق الإنسان، واحتضان الفارين من دولهم تحت مسميات اللجوء، ومن بينهم جماعات إرهابية مطاردة في دولها، حتى تستطيع أوروبا التدخل في الشؤون العربية تحت شعارات براقة في الشكل وسيئة في المضمون والنوايا، وفي الوقت ذاته تشويه لثقافة الشرق ومعتقداته عبر هذه "الأدوات" التي تحتمي بالغرب، بل أن أوروبا تغض الطرف عن ما تقوم به هذه الجماعات الهاربة في حين تٌضخم مما تفعله الدول لحماية أمنها.

الاتحاد الأوروبي يرى في الدول العربية منفذًا جديدًا للعب دور في العالم متعدد القطبية الذي يتشكل الآن، خاصة أن الاتحاد يعاني من انقسامات وتحديات داخلية هي الأصعب منذ الحرب العالمية الثانية، ومنها انسحاب بريطانيا وتململ دول أوروبا الشرقية "سابقًا" من السياسات الجماعية التي تعتبرها مجحفة، وأيضًا مؤشرات دعوة (فرنسا ـ ألمانيا) إلى إنشاء جيش موحد بعيدًا عن الناتو ما يعني تصدع الحلف العسكري الرمز الوحيد المتبقي من انتصارات الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى تناقض الموقف الأوروبي مع مواقف واشنطن تجاه أزمة الملف النووي الإيراني. كل ذلك أحدث شرخًا واضحًا بين أمريكا والقارة العجوز باستثناء حليفتها بريطانيا.. ومن ثم تلجأ دول الاتحاد الأوروبي إلى استخدام أوراق جديدة ضد الولايات المتحدة ومن أجل بقاء الاتحاد نفسه، لمساعدتها في التأهب للصعود إلى قمرة قيادة عالم متعدد القطبية، وتريد توصيل رسالة لواشنطن مؤداها أن أوروبا شريك فاعل في عالم متعدد الأقطاب وليست تابعة لأمريكا كما كانت، وجاءت هذه الرسالة عبر قمة شرم الشيخ حيث اجتمعت 50 دولة من أوروبا والمنطقة العربية لبحث التعاون فيما بينهم، وتضمن البيان الختامي للقمة إشارة واضحة ربما هي الأقوى التي تعبر عن انتهاء عصر القطب الواحد،  وتوضح أن عالم متعدد القطبية أصبح قاب قوسين أو أدنى في أقوى رسالة لواشنطن التي استخفت منذ أسابيع بفكرة الجيش الأوروبي، فقد جاءت هذه الرسالة ضمن المادة الثالثة من بيان شرم الشيخ والتي تحمل " لقد حددنا التزامنا بالعمل الفعال متعدد الأطراف وبنظام دولي مؤسس على القانون الدولي بهدف التعاطي مع التحديات العالمية"، وكذلك " التوصل إلى تسويات سياسية للأزمات الإقليمية وفقًا للقانون الدولي بما فيه القانون الإنساني الدولي يعد مفتاح تحقيق السلم والرخاء في الشرق الأوسط "، و " أعدنا التأكيد على مواقفنا المشتركة من عملية السلام في الشرق الأوسط بما في ذلك وضع القدس وعدم شرعية المستوطنات (الإسرائيلية) في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفقًا للقانون الدولي"، بل تضمن البيان الختامي العديد من الفقرات عن القضية الفلسطينية وقضايا الشرق الأوسط، وهذا في حد ذاته يعكس "حالة" أوروبية جديدة للتعامل مع قضايا الشرق الأوسط بعيدًا أو بمعزل عن ما يسمى "الراعي" لعملية السلام وهو "أمريكا".

 هذا يؤكد رغبة أوروبا في "الاستقلال" عن واشنطن بعد أكثر من 70 عامًا من الزواج الكاثوليكي، حيث تغيرت المصالح ومراكز القوة، فأوروبا تريد أن يكون لها جيشًا مستقلًا تعود فيه ألمانيا للقيادة والخروج من تحت الوصاية العسكرية، خاصة أن "الناتو" فقد أهميته بعد انتهاء الحرب الباردة، وفقدت قاعدة انجرليك التركية أهميتها التي كانت رأس الحربة الغربية في وجه الاتحاد السوفيتي، واستبدلتها أمريكا بحائط صواريخ بولندا الموجه ضد إيران.

الفرصة متاحة الآن للعرب على ضوء المتغيرات وصعود الصين والهند والاتحاد الأوروبي إلى مصاف القوى العظمى في عالم متعدد القطبية، لتوحيد صفوفهم والتفاوض كما بدوا في قمة شرم الشيخ ليكونوا رقمًا في عالم متعدد القطبية، وإلا ستطير الطيور بأرزاقها وينتظر العرب ما يتبقى لهم.

مقالات لنفس الكاتب