العدد 135

ليبيا .. بين صراع النفوذ وحرب المصالح الأوروبية

الإثنين، 04 آذار/مارس 2019

كلما أردنا تناول الملف الليبي بتعقيداته وتشابكاته، إلا وتوقفنا عند الحديث عن الدور الدولي في معادلة الأزمة بالإضافة إلى هذا الدور، كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يسهم في بناء معادلة تسوية للأزمة الليبية؟ قد أكون في هذا السياق أكثر دقة أن أحدد المسار الذي انطلق منه بالتحديد الدور الأوروبي في الأزمة الليبية.

       المتابع لمسار هذا الدور سيجد أن بعض الدول الأوروبية وفي صدارتها إيطاليا وفرنسا كان لهم الدور الأبرز في إقحام ليبيا داخل نفق مظلم سنة 2011م، عندما تم الدفع نحو التدخل العسكري الذي لم يحقق طموح الشعب الليبي في أحداث التغيير المنشود أو الوصول إلى تحقيق الفلسفة التي تحولت بعد ذلك إلى جدلية عقيمة تحتاج لمراجعة داخل المخابر الغربية التي صنعتها وهي قلب أنظمة الحكم عن طريق القوى الناعمة.

       إنما اصطدمت هذه الدول التي دعمت حراك التغيير أو ما عرف بثورة 17 فبراير بتشكل تكتلات و تحول ليبيا إلى مجاميع من الميليشيات المدججة بالأسلحة وبروز تيار طالما دعمته المخابر الأوروبية طيلة عقود وهو التيار الإخواني الذي تمرد على صانعيه و حاول بناء نموذج من السلطة العابرة للدولة الوطنية وهو ما جعل المشهد الليبي يأخذ منحىً خطيرًا تجاوز حدود استشراف المعاهد التي هندست قواعد اللعبة في ليبيا و مع هذه التطورات و الانحرافات بات الدور الأوروبي أكثر تناقضًا بل تحول تدريجيًا إلى صراع علني حول اقتسام المصالح في الساحة الليبية.

على هذا الأساس سأحاول أن أقرأ الدور الأوروبي من خلال:

1* انعكاسات الأزمة الليبية على الدول الأوروبية.

2* دور الدول الأوروبية في تسوية الأزمة الليبية.

3* آفاق الدور الأوروبي انعكاساته على ضوء الصراع الفرنسي-الإيطالي حول ليبيا.

1-انعكاسات الأزمة الليبية على الدول الأوروبية:

     تتجلى انعكاسات الأزمة الليبية على أوروبا من حيث أن الكثير من الدول الأوروبية حاولت كسر الحاجز الذي فرضه النظام الليبي السابق بقيادة معمر القذافي والذي كان ينظر إليه على أنه يوظف ورقة المهاجرين واحتواء الحركات المتمردة في صحراء إفريقيا وصد الجماعات الإرهابية عبارة عن ورقة ابتزاز وأنه بمجرد سقوط هذا النظام يمكن التحكم في مفاتيح الاقتصاد الليبي واقتسام الكعكة الليبية.

بالإضافة إلى إسقاط هاجس الهجرة و غيره إلا أن واقع الشيء إبان عكس هذه الحسابات بحكم أنه بمجرد سقوط النظام و انفجار الأزمة في ليبيا تحولت ليبيا إلى ممر آمن للهجرة و السلاح و التهديد الإرهابي للضفة الأخرى من المتوسط .

أضحت ليبيا في ظل انهيار الدولة من مصدر انتعاش للمصالح الاقتصادية لأوروبا إلى تحدٍ اقتصادي حقيقي لها.

و يمكن لنا أن نختزل طبيعة آثار الأزمة الليبية على أوروبا في النقاط الأربع التالية:

1-  الانعكاسات الاقتصادية للأزمة الليبية:

كانت الحسابات القائمة بالنسبة لفرنسا وإيطاليا تتمحور حول الحصول على حصة الأسد في مشاريع الطاقة بليبيا حيث كانت تطمح فرنسا في 35 % من عائدات الطاقة الليبية وتثبيت أقدام كبرى الشركات الفرنسية بالإضافة إلى أن تلعب الدور المحوري في عملية إعادة إعمار ليبيا بالإضافة إلى توسعة مناطق نفوذها من الساحل الإفريقي إلى البحر الأبيض المتوسط عبر ليبيا.

إلا أن هذه الحسابات اصطدمت بالطموح الإيطالي الطامح في استعادة المستعمرة القديمة وبسط نفوذه بشكل مطلق على الساحة الليبية إلا أن هذا الأخير اصطدم كذلك بوجود لاعبين آخرين خلطوا الأوراق وحولوا ليبيا من سوق ومصدر للثروة إلى بؤرة معقدة، مرهقة متفجرة بالأزمات.

للعلم إن ليبيا تعد أحد أغنى الدول من حيث احتياطي الطاقة بالإضافة إلى الإمكانات الاقتصادية التي تتوفر لديها كما أن ليبيا تعد عذراءً يمكن من خلالها بناء نموذج مدن عصرية وبنى تحتية بالإضافة إلى السوق الليبية الواعدة.

الآن كل هذه الميزات التي أسالت لعاب الدول الأوروبية تحولت في خضم تحول مسار الأزمة الليبية إلى مصدر استنزاف من ناحية ومن ناحية ثانية بدل أن تتقاسم الدول التي كانت عرابة لتفجير الأزمة في ليبيا إلى دول تتصارع حول مناطق النفوذ والغلبة.

2-  انعكاسات الأزمة من حيث الهجرة:

تأتي ليبيا في مقدمة الدول المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا بفعل حالة الفوضى في الوقت الذي تريد الحكومات الأوروبية وقف تدفق المهاجرين و القضاء على المهربين.

من أعقد المشاكل التي طفت على سطح الأحداث في ليبيا بعد 2011م، هي مشكلة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا وبالأخص إلى السواحل الإيطالية، على اعتبارها معضلة يتشاكل فيها المحلّي والخارجي دون أي أفق لها في الحل على المدى القريب.

ويأتي معظم المهاجرين خاصة الأفارقة بعد تجميعهم في أماكن التقاء ثم تقوم عصابات التهريب بنقلهم إلى الضفة الأخرى من المتوسط حيث أضحى يسجل دخول أكثر من 3000 مهاجر غير شرعي من الصحراء الإفريقية نحو ليبيا ومنها تسجل أوروبا شهريًا أكثر من 10000 مهاجر قادم من ليبيا.

طرحت هذه الظاهرة مشكلة شديدة التعقيد خاصة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي إذ مارست عديد الضغوطات بحثًا عن علاج هذه المسألة التي تتجاوز التعامل الأمني.

ساهم تجاهل الدول الأوروبية للأزمة الليبية وتداعياتها السلبية على المنطقة في تحويل ليبيا إلى بوابة عبور للمهاجرين السريّين نحو أوروبا.

وبدل البحث عن حلول جذرية، سارعت العديد من الدول الأوروبية لوقف تدفق المهاجرين عبر تبني الخيار العسكري بضرب قوارب المهربين قرب السواحل الليبية.

بل تحول ملف المهاجرين غير الشرعيين من ملف تشترك فيه الدول الأوروبية للبحث على إيجاد حلول تضمن أمن واستقرار أوروبا، أضحى ملفًا للتجاذبات السياسية والاتهامات المتبادلة.

3-  انعكاسات الأزمة من حيث الحرب على الإرهاب:

الحرب على الإرهاب ملف تجتمع حوله كل المتناقضات لكن في الحالة الليبية تحول إلى ملف تجتمع حوله كل المتناقضات ليس لبناء توافق وإنما للتصادم.

من أبرز انعكاسات الأزمة الليبية بروز التهديد الإرهابي الذي تحول إلى عابر للحدود في ظل تعدد التنظيمات الإرهابية مع تعدد داعميها ومموليها بالإضافة إلى التحالف العضوي مع الجريمة المنظمة.

أضحت أوروبا جراء ذلك قاب قوسين أو أدنى من مرمى الضربات الإرهابية انطلاقًا من الأراضي الليبية.

وهو الأمر الذي جعل العديد منها يراجع أدوات التعامل مع الملف الليبي وبعض الأطراف الليبية.

لا ننسى في هذا السياق على سبيل الاستدلال حادثة شارلي ايبدوا بفرنسا و اختطاف مهندسين إيطاليين جنوب ليبيا سنة 2017 ....الخ.

كل هذا دفع بالطرف الأوروبي للعمل في إطار الأمم المتحدة لاستصدار قرار حصر بيع الأسلحة لليبيا في ظل قيام دول بدعم ميليشيات و تنظيمات إرهابية بالأسلحة مما دفع ببقاء الهاجس الأمني ضمن أهم الأولويات المطروحة في الساحة الأوروبية.

إلا أن هذا الهاجس تحول إلى أحد أدوات الصراع الخفي والمعلن بين كل من فرنسا وإيطاليا.

4-  صراع النفوذ بالوكالة:

من أبرز الانعكاسات التي سرعان ما تجلت وهي حرب بالوكالة في إطار التنافس الفرنسي الإيطالي الذي وظفت فيه أوراق لم تحسم قواعد اللعبة في المسألة الليبية هو توظيف بعض الدول في إدارة هذا الصراع.

فلم يكن من الغريب استخدام بعض الدويلات وبعض الطامحين في استعادة مجد ذهب ولن يعود بتغير الذهنيات بان نجدهم ممن تورطوا في حرب قذرة لا منفعة ترجى منها بحيث هؤلاء الوكلاء الذين استخدموا في نقل السلاح وتمويل الميليشيات وتغذية الأيديولوجيات لم تحسم المعركة التي تتخندق وراء كل طرف منها فرنسا وإيطاليا بل الأكثر من ذلك. أبانت التطورات أن الدول الأوروبية لم تستوعب بعد أن تسوية الأزمة الليبية لا تكمن في انتصار طرف على طرف بل بأن الحل بيد الليبيين أنفسهم.

2-دور الدول الأوروبية في تسوية الأزمة الليبية:

لا يمكن الحديث عن استراتيجية موحدة لدول الاتحاد الأوروبي في ليبيا بل من الصعب الحديث عن وجود حتى تناغم في السياسات الأوروبية تجاه ليبيا.

ما هو حاصل الآن هو تنافس حاد بلغ ذروته وشيء من التردد من بعض الآخر هذا يدفعنا للقول أن هناك غياب لسياسة أوروبية موحدة ويمكن أن نترجم ذلك من خلال الآتي:

1-  بالنسبة لفرنسا فسياستها في ليبيا تعتمد على مسايرة مبادرات الأمم المتحدة عن طريق الاعتراف والتعامل مع حكومة الوفاق ظاهريًا أما واقعيًا فهي متحالفة مع حفتر.

ففرنسا تركض وراء مطامع تاريخية بالجنوب الليبي الذي كان ضمن مستعمراتها في شمال إفريقيا كما أنها تنظر إلى تمدد الجماعات المسلحة على أنه أحد أكبر التهديدات لأمنها الاقتصادي في منطقة الصحراء الكبرى التي تنشط فيها كبريات الشركات الفرنسية.

حاولت فرنسا فك طلاسم الأزمة الليبية سنة 2017 م، من خلال التسويق لما سمي إعلان باريس الذي تضمن 10 نقاط.

لكن فرنسا أخطأت بناء تعويذة حل الأزمة الليبية لسبب بسيط أنها استعجلت الحل وتجاوزت الخطوات المنطقية.

صحيح أنها جمعت بين كل من السراج وحفتر ومكنتهم من توقيع الإعلان لكن كل منهم ليس هو كل الأزمة بل أجزاء من الأزمة.

ولأنه غابت الأطراف التي تدعمها إيطاليا ليضاف إلى فشل الورقة الفرنسية هو أن فرنسا حاولت التسويق لمبادرتها على أنها إقصاء لإيطاليا من كل الحسابات في المعادلة الليبية وهذا ما دفع إيطاليا بتوظيف أوراقها لإضعاف الورقة الفرنسية وإسقاطها.

2-  بالنسبة لإيطاليا لا نحتاج التذكير بأن التاريخ والجغرافيا منح بعض الامتيازات لإيطاليا تجاه ليبيا. جغرافيًا، لا يفصل ما بين ليبيا وإيطاليا إلا أمواج المتوسط وتاريخيًا كانت ليبيا أهم المستعمرات الإيطالية في إفريقيا.

من الطبيعي إذًا أن تكون إيطاليا أكبر المتضررين من حالات الانفلات والفوضى في المشهد الليبي فهي الأكثر عرضة لغزو قوارب الهجرة فعبر ليبيا تستقبل إيطاليا أكثر من 90 % من المهاجرين.

كما تعتبر مصالح إيطاليا هي الأكبر في ليبيا بالتالي أي نوع من عدم الاستقرار سيؤثر على تدفق النفط والغاز اللذين تعتمد عليهما إيطاليا لإنتاج أكثر من 70 % من احتياجاتها في مجال الطاقة.

وعليه يمكن القول إن الاستراتيجية الإيطالية في ليبيا قائمة على قاعدة لا غالب ولا مغلوب ظاهريا فهي التي رحبت بحكومة الوفاق الوطني واحتوت القوى المسلحة غرب ليبيا وأعادت حساباتها بشأن حفتر.

تحرص إيطاليا على وجودها الديبلوماسي في الساحة الليبية من خلال زيارات متكررة إلى ليبيا واحتضانها لاجتماعات عديدة تخص الأزمة الليبية وآخرها قمة باليرموا نهاية سنة 2018م، التي حاولت من خلالها الرد على إعلان باريس وهو ما حول أولا الصراع الفرنسي الإيطالي على ليبيا من صراع مصالح خفي إلى صراع علني قد ينذر بتفجير أزمة ديبلوماسية بين البلدين وهو الحاصل الآن.

ثانيًا، فإن محاولات استعادة المستعمرات القديمة اصطدمت بحسابات خاطئة فلا ننسى أن كلًا من إيطاليا وفرنسا متواجدين عسكريًا في الأرض ، إيطاليا من خلال قوات خاصة وفرنسا من خلال الاستخبارات.

في خضم تناقض الاستراتيجيات الأوروبية تجاه الأزمة الليبية لا يمكن لنا أن نتوقع تمكن هذه الأطراف من تسوية الأزمة لفقدانها مصداقية الحل خاصة وإننا نقول ذلك في التوقيت الذي اشتد فيه الخلاف العلني الفرنسي الإيطالي وأخذ منحىً آخر قد نلحظ تأثيراته على الساحة الليبية.

3-آفاق الدور الأوروبي على ضوء الصراع الفرنسي الإيطالي على ليبيا:

ليس التنافس الإيطالي الفرنسي على ليبيا جديدًا، فروما تعتبر نفسها أولى بمستعمرتها السابقة، ولا سيما أنها استعادت حضورها فيها مجددًا عبر اتفاقية صداقة وقعت في عهد رئيس الوزراء السابق، سيلفيو برلوسكوني، والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، عام 2008م، استحوذت من خلالها على الجزء الأكبر من استثمارات الغاز والبنى التحتية.

كما أن فرنسا تعتبر نفسها الأحق أيضًا، ولا سيما أن منطقة فزان، الواقعة بالجنوب الغربي، امتداد طبيعي لمستعمراتها في إفريقيا وتمتلك مصالح نفطية في ليبيا تمتد للأيام الأولى لاكتشاف النفط الليبي، علاوة على كونها أقدم حليف أوروبي للواء المتقاعد خليفة حفتر، والذي بات يبسط سيطرته العسكرية على قطاع كبير من البلاد.

أخذ الصراع بين فرنسا وإيطاليا أبعادًا خطيرة وغير مسبوقة، وصلت إلى تبادل الاتهامات علنًا، وهو شيء نادرًا ما يحدث بين البلدان الأوروبية، وينبغي هنا أن نقول إن التنافس ليس من أجل رفاهية الشعب الليبي وتحديث ليبيا وإنما من أجل نهب ثروات الشعب الليبي النفطية وإقامة قواعد عسكرية فى الأراضي الليبية.

وعليه فإنه لا يمكن توقع أن تكون آفاق حل الأزمة الليبية بين يدي الطرف الأوروبي ممثلاً بفرنسا وإيطاليا وإنما علينا أن ندرك بأن تسوية الأزمة تظل بين أيدي الليبيين أنفسهم هذا من جهة ومن جهة ثانية فان هذا الصراع سيدفع فاتورته الليبيون أنفسهم.

إذا أرادت الدول الأوروبية حقًا تسوية الأزمة الليبية فعليها أن:

  • تعمل على رفع يدها على دعم وتمويل الأطراف المتصارعة من ناحية ومن ناحية ثانية أن تجهض مشروع الإسلام السياسي الذي غذته إيطاليا منذ بداية الأزمة.
  • تعمل الدول الأوروبية على جمع كل فرقاء الأزمة وليس أجزاء من الأزمة وتسمح لهم بالحوار الليبي ـ الليبي الذي يديره ويبنيه الليبيون أنفسهم.
  • تدعم مشروع بناء الدولة وليس تبني مقاربة الدولة المريضة.
  • تحدد الدول الأوروبية موقفها من الأزمة الليبية وهذا ينطلق من الحوار الفرنسي الإيطالي حول ليبيا.

مما سبق نستنتج أن الفوضى المنتشرة وغياب سلطة مركزية في ظل صراع متجدد على الشرعية بين الأطراف المتنازعة أتاحت الفرصة للدول الأوروبية لفرض وجودها في الساحة الليبية تحت ذريعة الجهود الساعية إلى حل الأزمة والوصول بالبلد الممزق إلى حالة التوافق.

ويعد الملف الليبي من أبرز الملفات التي جسدت قوة الدور الأوروبي من حيث أن مسألة وقف تدفق المهاجرين وضمان استمرار إمدادات النفط هما أبرز الملفات التي تتصدر أجندة أوروبا داخل ليبيا.

إلا أن الصراع الأوروبي حول مناطق نفوذ في ليبيا تحول إلى احتكار للملف الليبي مما يقوض مصير تسوية الأزمة في ليبيا بل يتعداها ليرهن مستقبل التماسك بين الدول الأوروبية داخل بيت الاتحاد الأوروبي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحث في الشؤون الليبية والإفريقية

 

مجلة آراء حول الخليج