العدد 135

السعودية .. وشراكات الشرق

الإثنين، 04 آذار/مارس 2019

جولة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، في عدة دول مهمة في شرق آسيا ، والتي بدأت في الثامن عشر من فبراير الماضي وشملت باكستان والهند والصين ، تأتي ضمن توجهات السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية التي تنتهجها في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ والتي تهدف إلى توثيق عرى الصداقة والشراكة الاقتصادية مع مختلف دول العالم لبناء شراكات استراتيجية تخدم خطط التنمية بالمملكة وفي دول العالم الأخرى خاصة دول الاقتصادات الصاعدة، إضافة إلى تثبيت الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ونزع فتيل التوتر الذي يخيم على مناطق عدة في العالم.

العلاقات الدولية للمملكة والتي تترجمها الزيارات التي تقوم بها القيادة السعودية، والتي تشمل توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات اقتصادية، توضح ثبات وتوازن سياسة المملكة الخارجية، كونها تنطلق من سياسة ثابتة راسخة منذ أن تأسست عام 1932م، على يد المؤسس جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، طيب الله ثراه، مع مرونة للتوافق والتكيف مع المتغيرات التي تطرأ على الخريطة السياسية والاقتصادية الدولية دون الإخلال بالثوابت في المواقف التي تعتمد على الوضوح والشفافية، وخدمة قضايا المنطقة والأمتين الإسلامية والعربية دون التدخل في شؤون الآخرين تحت أي شعار،و بدون أي أجندة سواءً ظاهرة أو خفية، حيث تعي المملكة دورها تجاه الأمة الإسلامية كونها حاضنة الحرمين الشريفين، ومهبط الوحي ومثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليها تتجه أنظار المسلمين في كل دول العالم، وتستقبل الحجاج والمعتمرين والزوار من كافة دول المعمورة، كما تعي دورها العالمي وتتحمل مسؤوليتها في دعم التنمية والسلام في العالم، وتعمل على تحقيق ذلك في كافة المحافل الدولية سواءً على مستوى المنظمات الأممية، أو الإقليمية، أو التجمعات والكيانات الاقتصادية على مختلف الدوائر.

كما أن طابع علاقات السعودية مع العالم يتسم بالثبات وعدم تغيير المواقف أو تبديل التحالفات وترفض الاستقطاب، بل توسع الشراكات ولا تستبدلها فلم تأت علاقة المملكة بالشرق على حساب الغرب، ولم تكن يومًا مع الغرب على حساب الشرق، وإنما هي عنصر أمان واستقرار، فعلاقة المملكة مع الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، استراتيجية وشراكة حيوية مستمرة منذ منتصف أربعينيات القرن العشرين وتزداد رسوخًا من أجل رفاهية الشعوب وتثبيت الأمن والاستقرار ومواجهة الإرهاب والعمل على استقرار أسواق الطاقة، كما أن المملكة لا تقبل المساومة على هذه العلاقة، بل تعمل على توثيقها دومًا وبكل الوسائل.

في المقابل تتفاعل المملكة مع العلاقات الاقتصادية الحديثة التي تتنوع طبقًا لمتطلبات العرض والطلب والاحتياجات والمصالح وتطور أنماط الإنتاج وتوسع الأسواق وانتقال مراكزها وما يترتب على ذلك من اتساع دائرة البوصلة الاقتصادية السعودية وتعدد اتجاهاتها لمواكبة زيادة حجم التبادل التجاري مع دول شرق آسيا التي تزايد دورها في المبادلات التجارية مع المملكة في السنوات الأخيرة، فقد بلغ حجم التبادل التجاري مع باكستان في السنوات العشر الأخيرة ما قيمته 146 مليار ريال، حيث بلغت قيمة صادرات المملكة لها خلال الفترة نفسها 131 مليار ريال والواردات 15 مليار ريال، بينما بلغت صادرات النفط من المملكة إلى الصين عام 2017م، ما قيمته 80.52 مليار ريال، وبلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين قرابة 175 مليار ريال، فيما بلغت قيمة صادرات النفط السعودي إلى الهند للسنة نفسها 63.02 مليار ريال، وحجم التبادل التجاري بين البلدين للعام نفسه بلغ قرابة 94 مليار ريال، وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي بلغ حجم التبادل التجاري مع الصين فقط 127 مليار دولار في عام 2018 م، بينما بلغ حجم التبادل التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي و دول مجلس التعاون مجتمعة في حدود 140 مليار يورو عام 2017م.

هذه الأرقام ـ على سبيل المثال ـ تمثل أهمية كبيرة لمستوى العلاقات الاقتصادية بين المملكة والدول التي شملتها زيارة سمو ولي العهد، لذلك يرغب سموه في تفعيل الشراكة الاقتصادية مع هذه الدول وسط مؤشرات قوية على زيادة طلب هذه الدول على النفط السعودي خلال السنوات الثلاثين المقبلة، وعليه فمن الضروري تأطير العلاقات الثنائية مع هذه الدول وتقنينها ووضعها في قوالب واضحة لضمان استمراريتها على أسس تضمن المنفعة المتبادلة للجانبين، وتحويلها إلى ما هو أهم من علاقة بائع ومشترٍ، أو مصدر ومستورد للنفط، خاصة أن المملكة تسعى إلى توطين الصناعة، والتكنولوجيا الحديثة لإيجاد اقتصاد معرفي حقيقي يرتكز على توطين الصناعات الثقيلة والاستراتيجية، وتحويل الشراكة إلى منافع متبادلة على أسس دائمة ومتكافئة وليست استهلاكية فقط، لا سيما أن المملكة لديها استراتيجية واضحة المعالم في هذا الصدد وهي رؤية 2030، التي تعمل على إيجاد اقتصاد إنتاجي وخدمي وسياحي وصناعي متطور و متعدد المرتكزات والأهداف، ومتنوع الإنتاج، بما يوفر فرص عمل حقيقية لمن يدخلون سوق العمل سنويًا من الجنسين، وبما يحقق توسيع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل، إضافة إلى التوظيف الأمثل لعائدات البترول والتخلي عن الاقتصاد الريعي المعرض للتقلبات.

ومن ثمار جولة سمو ولي العهد الآسيوية التوقيع على عدة اتفاقيات ثنائية، وتشكيل مجالس للتنسيق ومجالس للشراكات الاستراتيجية مع هذه الدول، وهنا يأتي دور القطاع الخاص في المملكة وفي هذه الدول أيضًا لتفعيل الاتفاقيات الموقعة، وتنشيط عمل هذه المجالس، وتكثيف الاستثمارات وطرح الفرص الاستثمارية المتاحة والممكنة، ومناقشة المحفزات وزيادتها، وبحث المعوقات والعمل على حلها من خلال الرفع للجهات المعنية سواء فيما يتعلق بالتشريعات والقوانين، أو بالنواحي اللوجستية والخدمية وغير ذلك، فالقطاع الخاص يجب أن يبادر باستكمال ما تقوم به الدولة على المستوى الرسمي خلال هذه الزيارات رفيعة المستوى، حيث أن للقطاع الخاص قدرة ومرونة، بل هو المنوط بترجمة هذه الاتفاقيات الثنائية خاصة فيما يتعلق بالشق الاستثماري الذي يعد حجر الزاوية في تفعيل الاتفاقيات وزيادة المبادلات التجارية وتوطين الصناعة وتنشيط السياحة حتى لا تظل هذه العلاقات رهينة سلعة واحدة وهي النفط.

 

مقالات لنفس الكاتب