array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 138

لمحدودية خيارات إيران والعقوبات سـتقبل التفاوض المباشـر أو غير المباشـر مع أمريكا

الخميس، 13 حزيران/يونيو 2019

 شهدت العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية على مدار السنوات الأربعين الماضية، توترات مُتعاقبة، سواءً أكان ذلك على مستوى العلاقات الثنائية، أو الإقليمية أو الدولية، فيما انحسرت مجالات التعاون بينهما لمدد محدودة جدًا، في بعض الميادين خاصة الميدان الاقتصادي، مع الأخذ في الاعتبار التباين الطفيف في الإجراءات التنفيذية للسياسات الخارجية الأمريكية لكل من الديمقراطيين والجمهوريين المتعاقبين على دست الحكم في البيت الأبيض إزاء إيران، والتي انعكست على مجالات التعاون بين البلدين.    

       انفردت إدارة الرئيس الأمريكي " دونالد ترامب"، بكونها تعاملت مع إيران بمسارات مُختلفة وبحزم وبوتيرة معاكسة لغالبية خطوات إدارة الرئيس السابق " باراك أوباما “، وأطلقت أستراتيجية عمل جديدة إزاء إيران، استهدفت انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع في مُنتصف عام 2015م، بين إيران والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي إضافة إلى ألمانيا، وأعادت العمل بالعقوبات الاقتصادية، وركزت أنشطتها السياسية والاقتصادية والإعلامية المعلنة بهدف تغيير السلوك السياسي للنظام الإيراني.

  

     إن التحليل الأولي للمتغيرات المؤثرة والمسارات المتعددة والتي ساهمت في إعادة تشكيل العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية، يُظهر وبشكل لا يقبل اللبس تزايد تأثير حزمة من العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية على العلاقات الثنائية بين البلدين، خاصة باتجاه الاستفادة من المواد الخام المتاحة لدى إيران وتحديدًا النفط الخام والغاز الطبيعي، فضلاً عن إدراك الإدارات الأمريكية المتعاقبة لأهمية موقع إيران الاستراتيجي، وتأثيرها في إقليم الشرق الأوسط، لذلك سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة لإتباع العديد من الوسائل  لتحقيق تلك الأهداف.

      وإزاء استمرار التوتر في العلاقات الإيرانية ــ الأمريكية في كافة الميادين، وبالذات الميادين السياسية والاقتصادية والعسكرية منها، لذا انطلقت أهمية دراسة هذه الإشكالية من خلال متابعة المستجدات لتطورات العلاقات الثنائية، مع بدء إدارة الرئيس " دونالد ترامب". لمحاولة رصد جانباً من تطوراتها الثنائية وتداعياتها المرتقبة على دول المنطقة.

    أولاً. لمحة تاريخية: في 29 يناير 2002م، أدرج الرئيس "جورج بوش الابن" إيران بين دول محور الشر (Axis of Evil)، التي تدعم الإرهاب. ومع استمرار العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وكرد فعل على هذه الإجراءات، أعاد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد عام 2005م، العمل في البرنامج النووي الإيراني لتخصيب اليورانيوم في بلاده(صحيفة الحياة، لندن، 11 يونيو 2018)، مما أدى الى إعادة التوتر مجددًا  للعلاقات الثنائية وحتى مُنتصف عام 2015م، وبوساطة دول الاتحاد الأوروبي،  تم تخفيف هذا التوتر عقب توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي مع ألمانيا والذي عُرف باتفاق (5+1) في عهد الرئيس "باراك أوباما".

       أما في الميدان الاقتصادي، فقد تراجعت أرقام التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وإيران في السنوات الأخيرة لمدد متدنية جدًا، ولا تتناسب وحجم الاقتصادين الأمريكي والإيراني. وعلى سبيل المثال، بلغ إجمالي قيمة الصادرات الأمريكية لإيران في عام 2018م، نحو (440) مليون دولار، فيما لم تتجاوز الواردات الأمريكية من إيران سوى (98) مليون دولار للسنة ذاتها، وفقًا للإحصاءات الرسمية الأمريكية.

   كما أصدرتإدارة الرئيس "ترامب" منذُ استلامها السلطة في 20 يناير 2017م، استراتيجية جديدة إزاء إيران اتسمت بالتشدد، وبخاصة، حيال البرنامج النووي الإيراني، واستمرار إيران بدعم الإرهاب وبخاصة بعد تصنيف الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي لعام 2018م، لمكافحة الإرهاب في 19 سبتمبر 2018م، لإيران بكونها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، (U. S Department of State, Country Reports on Terrorism 2017).

 

  ثانيًا. تطورات الموقف الأمريكي في عهد ترامب: أحتل الملف الإيراني الأولوية القصوى في برنامج الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، إلى جانب ملف الإرهاب، حيث عبّر وبشكل مُبكر أثناء الحملة الانتخابية عن رفضهِ المطلق للاتفاق النووي الموقّع مع إيران من قبل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا وبضمنها الولايات المتحدة الأميركية والموقع إدارة " باراك أوباما"، ووصفه بكونه “أغبى صفقة على الإطلاق”، وتدرجت إجراءات إدارة "ترامب" ازاء إيران بالخطوات الآتية:

  1.  الانسحاب من الاتفاق النووي:بعد أحد عشر شهرًا من توليه المنصب رسميًا في العشرين من يناير ٢٠١٧م، أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"  في16 ديسمبر 2017م، وفقًا لما نشر في موقع وزارة الخارجية الأمريكية في الانترنت، عن استراتيجية الأمن القومي لإدارته التي يطلبها الكونجرس من كل إدارة جديدة منذ عام ١٩٨٦م، وجاء في هذه الاستراتيجية أن إيران استفادت من النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط وانعدام الاستقرار فيها، حتى توسع تأثيرها لتُهدد الدول المجاورة لها، وقد حدث ذلك إثر ظهور تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في سوريا والعراق، واستغلال الفراغ الذي أحدثته إدارة "باراك أوباما" وعقدوا صفقة كارثية وضعيفة وغير مفهومة وسيئة مع إيران، وسمحوا للإرهابيين مثل داعش بالسيطرة على أجزاءٍ واسعة من الأراضي في مُختلف أنحاء الشرق الأوسط، وتجلى ذلك أيضًا في دعم أنظمة مارقة، تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها. نواجه منظمات إرهابية وشبكات إجرامية عابرة للحدود الوطنية، وغيرهم ممن ينشرون العنف والشر في مختلف أنحاء العالم، ولمعاقبة إيران ومنع طريقها إلى سلاح نووي، فرضت على قوات الحرس الثوري الإيراني عقوبات بسبب دعمها للإرهاب، ورفضت التصديق على صفقة إيران أمام الكونغرس. كماأعلن الرئيس الأميركي، "دونالد ترامب" في 8 مايو2018م، استنادًا لما نشر في(موقع فضائية سكاي نيوز الاماراتية، 8 مايو 2018).  (انسحاب الولايات المتحدة الاميركية من الاتفاق النووي) مع إيران وأعاد فرض أقسى العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني. وأكد الرئيس ترامب (إن الانسحاب من الاتفاق يأتي لعدم نجاح الاتفاق في وقف أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار ومساعيها للحصول على سلاح نووي وردعها عن متابعة برنامجها للصواريخ الباليستية.)
  2. إعادة فرض العقوبات الاقتصادية: حددت  إدارة الرئيس " دونالد ترامب"  العقوبات الاقتصادية على إيران  بمرحلتين : وقد دخلت المرحلة الأولى من العقوبات حيز التنفيذ اعتبارًا من 6 اغسطس 2018م، تضمنت: حظر التعامل بالدولار الأميركي عبر القنوات المصرفية، ومنع جميع التعاملات بالذهب والمعادن النفيسة، وإيقاف تجارة المعادن الصناعية مثل الحديد والألمنيوم، وحظر صفقات الفحم وجميع أنواع الكاربون ومنع بيع وشراء العُملة الإيرانية (الريال)، خارج البلاد، وحظر البرامجيات ذات الاستخدامات الصناعية ومنع تعاملات السندات وأدوات الدين الإيراني وحظر صفقات الطيران وصناعة السيارات( صحيفة العرب، لندن، 6 آب/ اغسطس 2018) .فيما ستدخل المرحلة الثانية حيز التطبيق في 3/5/2019م، والتي تستهدف قطاع  الطاقة الإيراني بمنع تصدير النفط الإيراني  للأسواق العالمية.
  3.  خطة مايك بومبيو:استنادًا لما نشر في الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية في الانترنت وعلى الرابط (https://www.state.gov/secretary/remarks/2018/05/282301.htm) أوضح وزير الخارجية الأميركي " مايك بومبيو" في خطابٍ ألقاه بتاريخ 12  مايو 2018م، في معهد "هيرتيغ" في العاصمة الأمريكية واشنطن، أن إيران إستغلت الاتفاق النووي الموقع عام 2015م،  لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة حروب وصراعات، واستخدمت الأموال التي حصلت عليها بفضل الاتفاق لتوسيع نفوذها وتمويل أنشطتها الإرهابية وتقديم الدعم لحزب الله والحوثيين والميليشيات الأخرى في العراق، وحدد وزير الخارجية الأميركي (12) شرطًا على إيران تنفيذها بهدف تجنب العقوبات الأشد في التاريخ ،وخلافًا للتقاليد المألوفة، أستهل وزير الخارجية الأميركي في بداية كل شرط تثبيت عبارة ( يجب على إيران) وهي كما يأتي:
  • يجب على إيران تقديم جرد كامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية لكل أنشطتها العسكرية السابقة ضمن برنامجها النووي، وأن تتخلى عن مثل هذا العمل بشكل دائم وبشكل يمكن التحقق منه.
  • يجب على إيران وقف تخصيب اليورانيوم وعدم محاولة معالجة البلوتونيوم من جديد وإغلاق مفاعلها للماء الثقيل.
  • يجب على إيران أيضًا، منح الوكالة الدولية نفاذًا مطلقًا لكل المحطات النووية، العسكرية منها وغير العسكرية.
  • يجب على إيران، إنهاء وقف إنتاج الصواريخ البالستية ووقف تطوير وإطلاق الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية.
  • يجب على إيران إطلاق سراح مواطني الولايات المتحدة والدول الشريكة الحليفة المحتجزين بناء على تهم زائفة أو المفقودين في إيران.
  • يجب على إيران وقف دعم المجموعات الإرهابية في الشرق الأوسط بما يشمل حزب الله اللبناني، وحركة حماس ومنظمة الجهاد الإسلامي.
  • يجب على إيران احترام سيادة الحكومة العراقية والسماح بنزع سلاح الميليشيات الشيعية وتسريحها وإعادة دمجها.
  • يجب على إيران أيضًا أن تنهي دعمها العسكري للميليشيات الحوثية والعمل لصالح تسوية سياسية سلمية في اليمن.
  • يجب على إيران الانسحاب من سورية وسحب جميع القوات التي تشرف عليها هناك.
  • يجب على إيران أن توقف دعم حركة طالبان وغيرها من الإرهابيين في أفغانستان والمنطقة، وأن تتوقف عن إيواء قادة كبار منظمة القاعدة.
  • يجب على إيران أيضًا وقف دعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وللإرهابيين والشركاء المتشددين في جميع أنحاء العالم.
  • يجب على إيران ايقاف تصرفاتها التي تهدد جيرانها، والكثير منهم هم حلفاء للولايات المتحدة الأميركية، وذلك يشمل التهديد بتدمير "إسرائيل" والقضاء عليها، وكذلك إطلاق الصواريخ على السعودية والإمارات وتهديد الملاحة والهجمات الإلكترونية الهدامة.
  1.  مجموعة العمل الإيرانية: بهدف تنفيذ الاستراتيجية الأميركية إزاء إيران شكل وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية السيد “مايك بومبيو " بتاريخ 16 أغسطس2018م، مجموعة عمل، أطلق عليها تسمية (مجموعة العمل الإيرانية) التي يرأسها "براين هوك"، مدير التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية)صحيفة الحياة، لندن، 16 اغسطس 2018.).  والذي تولّى مساعي الإدارة لإدخال تغييرات على الاتفاق النووي المُبرم مع إيران، خلال محادثات مع الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة، قبل أن يقرر الرئيس" دونالد ترامب" في (مايو2018م) الانسحاب من الاتفاق. ويشرف "براين هوك" على متابعة تنفيذ سياسة الإدارة الأميركية إزاء إيران، علمًا أن السيد " بومبيو" ومسؤولين أميركيين آخرين نفوا تكهنات بسعي الإدارة إلى تغيير النظام في طهران، مشددين على أنهم يعملون لتغيير مساره ووقف "نشاطاته الخبيثة" في المنطقة وكبح برنامجه الصاروخي.

ثالثًا. تطورات الموقف الإيراني:

  1. العقوبات الاقتصادية: أثار شروع الإدارة الأميركية بتطبيق استراتيجيتها ضد إيران حفيظة المسؤولين الإيرانيين، والذين سارعوا لإطلاق تهديدات ضد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والدول العربية الخليجية المصّدرة للنفط ، ومنها على سبيل المثال، ما صرح به الرئيس الإيراني السيد حسن روحاني في الأول من يوليو 2018م، بقوله " رغم أن الأمريكيين يريدون وقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل فإنهم لا يفهمون معنى هذا التصريح ...قائلا: إذا كنتم تستطيعون، افعلوا وسترون النتيجة"، وفي الوقت ذاته، حذر وزير الداخلية الإيراني عبد الرضا رحماني فضلي دول الاتحاد الأوروبي ، قائلاً: «إذا أغمضنا عيوننا (24) ساعة، سيذهب مليون لاجئ إيراني إلى أوروبا عبر حدودنا الغربية» من خلال تركيا. ولفت إلى إمكان تهريب نحو (5000) طنّ من المخدرات إلى الغرب (صحيفة الحياة، لندن، 3 يوليو 2018). متناسيًا بأن هذه التصريحات تشكل إدانة أخرى للنظام الإيراني، وكان قائد الحرس الثوري الإيراني السابق محمد علي جعفري قال في وقت سابق إن قواته على إستعداد لتنفيذ تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز وإنه إذا لم تستطع بلاده بيع نفطها بسبب الضغوط الأمريكية فلن يُسمح لأي دولة أخرى في المنطقة بذلك (صحيفة العرب،لندن، 6 يوليو 2018.)ويتضح من خلال مُتابعة تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين بخصوص توتر علاقة إيران مع الولايات المتحدة، عدم ثبات الموقف الرسمي الإيراني بالركون إلى السلم أو الجنوح إلى الحرب.مع الأخذ بنظر الاعتبار أن السلطات الإيرانية تمتلك خبرة مُتراكمة لإدارة علاقاتها المتوترة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وقد وظفت هذه الخبرة، ولا تزال في إدرة العلاقة مع واشنطن في ظل إدارة “دونالد ترامب"، والتي أولت اهتمامًا خاصًا ومُتشددًا مع إيران منذ بداية عام 2017م، وحتى الوقت الحاضر.
  2. المفاوضات مع الإدارة الأمريكية:  لقد حسم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي هذ الموقف خلال لقائه رئيس الجمهورية السيد حسن روحاني وأعضاء حكومته بتاريخ29 أغسطس 2018م، وفقًا لما نشرته وكالة أنباء تسنيم الإيرانية الرسمية، 29/8/2018م، بقوله: {إذا كانت هذه نتيجة المفاوضات مع المسؤولين الأمريكيين السابقين الذين كانوا يبدون ذوو ليونة بالظاهر فقط، فأي نتيجة يمكننا توقعها من هؤلاء المسؤولين الوقحين والمعتدين الذين يرفعون السيف بوجه الشعب الإيراني، لذا سوف لن يكون لنا أي تفاوض مع أمريكا وبأي مستوى أو شكل كان.
  3.  تقديم شكوى لمحكمة العدل الدولية:على الرغم من قطع الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع إيران منذُ عام 1980م، وعدم وجود ((صداقة)) بين الدولتين منذُ ذلك التاريخ وحتى الوقت الحاضر ، إلا إنَ السلطات الإيرانية دأبت للتشبث بمعاهدة للصداقة المُبرمة بين المملكة الإيرانية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، والولايات المتحدة عام 1955 م، وقدمت السلطات الإيرانية شكوى ضد واشنطن لدى محكمة العدل الدولية متهمة الإدارة الأمريكية بالإخلال بمعاهدة الصداقة الأميركية الإيرانية، وعندئذ بدأت محكمة العدل ومقرها في مدينة لاهاي في هولندا ، في 28  أغسطس 2018 م، بدراسة شكوى للحكومة الإيرانية الحالية ضد الولايات المتحدة والتي أخّلت بمعاهدة الصداقة الإيرانية الأميركية بفرض العقوبات الاقتصادية ضد إيران .

              فيما لخص وزير الخارجية الأميركي " مايك بومبيو" الموقف من الشكوى الإيرانية بتأكيده "أن الولايات المتحدة ستدافع بقوة ضد مزاعم إيرانية لا أساس لها في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وستواصل الإدارة الأمريكية العمل مع حلفائها للتصدي للأعمال المزعزعة للاستقرار التي يُنفذها النظام الإيراني في المنطقة، ووقف أي تمويل للإرهاب ومعالجة مُشكلة إنتشار الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تهدد السلام والاستقرار العالميين"(صحيفة الحياة، لندن، 28أعسطس 2019).

الخاتمــــــــــــــة:

أولاً. الاستنتاجات:

 1. مع استمرار ظاهرة التوتر في العلاقات الإيرانية ـــ الأمريكية، إلا إنَ إدارة الرئيس " دونالد ترامب" ساهمت في إعادة تشكيل العلاقات الإيرانية ــ الأمريكية على نحو مُختلف عن المسارات المتعددة للإدارة الأميركية السابقة، من خلال العمل بصورة مُعاكسة لإجراءات إدارة الرئيس السابق "باراك أوباما" وأعاد هذه العلاقات لتحتل الأسبقية الأولى في سُلم أولويات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، منذُ عام 2017م، وحتى الوقت الحاضر. لذلك ارتكزت استراتيجية إدارة الرئيس " دونالد ترامب" تجاه إيران على عدة محاور مُتكاملة وشاملة لمواجهة "الخطر الإيراني" من وجهة النظر الأمريكية، يمكن إيجازها بالآتي: 

  • الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني باعتباره اتفاق مُعيب ـــــ من وجهة نظر الإدارة الأمريكية ـــــ وبه ثغرات خطيرة وأبرزها ما يعرف ببند الغروب، أي أن الاتفاق مؤقت ومدته عشر سنوات تنتهي في عام 2025م، ويمكن لإيران بعدها استئناف عملية تخصيب اليورانيوم بمعدلات عالية.
  • ربط الملف النووي الإيراني بملفات أخرى، وبخاصة برامج الصواريخ الباليستية والتي تُهدد أمن واستقرار المنطقة والعالم، ودعم إيران للإرهاب وأذرعها العسكرية والتي أدت لتقويض الاستقرار في الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة الأميركية.
  • حشد الدعم الدولي تجاه إيران لزيادة عزلتها الدولية عبر مُمارسة الضغوط على الدول التي تتعامل مع إيران، وكشف الممارسات الإيرانية في مجال برامج الصواريخ الباليستية ودعم الإرهاب أمام المجتمع الدولي.
  • تنفيذ العقوبات الاقتصادية،بمرحلتيها الأولى والثانية، والتي استهدفت كافة قطاعات الاقتصاد الإيراني، وبخاصة عقب عزم الإدارة الأميركية تطبيق المرحلة الثانية من العقوبات الاقتصادية على إيران بتصفير عمليات تصدير النفط، والهادفة إلى منع تصدير النفط الإيراني للأسواق العالمية اعتبارًا من 3 مايو 2019م، وعندئذ سيتم وضع مسارات جديدة للعلاقات الأميركية الإيرانية
  1. بتقديرنا سيكون لتدهور العلاقات الإيرانية ــ الأمريكية في المدى المنظور، تداعيات سلبية، سياسية واقتصادية على غالبية دول منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على أسواق الطاقة العالمية، وبخاصة إذا ما تطورت الأحداث ودفعت السلطات الإيرانية لتطبيق سيناريو واحد يتمثل “بسيناريو رابح ــــــ خاسرWinners-Losers Scenarioبإغلاق مضيق هرمز والذي تُصّدر من خلالهِ نحو (18) مليون برميل من النفط الخام يوميًا للأسواق العالمية في الوقت الحاضر، مما يؤدي إلى حدوث أزمة طاقة عالمية.

3.   لا تخلو ظاهرة التوتر في العلاقات الإيرانية ــ الأمريكية من دوافع كامنة، اقتصادية وسياسية واستراتيجية تدفع نحو تبلور ظاهرة  للتنافس الشديد على مناطق النفوذ بين الولايات المتحدة باعتبارها القوة الأولى في العالم، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي يستهدف قادتها إعادة الاعتبار الإقليمي والدولي لإمبراطورية فارس عبر تطبيق مبادئ نظرية "ولاية الفقيه" عبراعتماد ما يسمى، تصدير الثورة الإسلامية للخارج لدول العالم، وبخاصة للدول الإسلامية المجاورة لإيران،  مما يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة ليس بين إيران والولايات المتحدة فحسب، بل  بين الدول العظمى  الأخرى، والتي لها مصالح واسعة في  دول الشرق الأوسط،  أي انتقال الصراع من الطابع الثنائي إلى التنافس بين الدول العظمى ذاتها وبخاصة بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.  

ثانيًا. الخيارات المستقبلية:

  1.  لا تزال صفحة الحرب الاقتصادية تستحوذ على القدح المعلى في مراحل الصراع الإيراني الأمريكي، وبالذات لدى الإدارة الأمريكية الحالية، على الرغم من تهديدات بعض المسؤولين في الولايات المتحدة وإيران، بالركون إلى القوة العسكرية لمواجهة الطرف الآخر، بانتظار ما ستحققه من نتائج في مختلف الميادين، وبالذات بإثارة حفيظة الشعب الإيراني ودفعه للقيام بمظاهرات عنيفة في مختلف المدن الإيرانية والشروع  باضطرابات داخلية، وعلى غرار ما حصل في السودان، وعند تعثر هذه الصفحة، عندئذ ستلجأ الولايات المتحدة نحو التلويح بالخيار العسكري، باستخدام  تقنيات عسكرية  أميركية متقدمة ضد الأهداف الاستراتيجية الإيرانية، لإجبار السلطات الإيرانية لإعادة تعديل "سلوكها السياسي" على الصعيدين، الإقليمي والدولي.  

2ـ مع محدودية وصعوبة الخيارات المُتاحة أمام صانع القرار الإيراني لمواجهة إصرار الإدارة الأمريكية الحالية على استمرار فرض العقوبات الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، ونظرًا لضخامة التأثيرات السلبية الخطيرة لنتائج هذه العقوبات على جوهر النظام السياسي في إيران وبخاصة بعد شروع بتنفيذ المرحلة الثانية من العقوبات الاقتصادية، والتي تخص عدة قطاعات ومنها القطاع النفطي ،عندئذ لا نستبعد لجوء القيادات الإيرانية، في آخر المطاف، لقبول التفاوض المباشر  أو غير المباشر ( عبر وسطاء إقليميين أو دوليين)، مع الإدارة الأميركية الحالية، وتطبيقها لبعضٍ من الشروط التي حددها وزير الخارجية الأميركي "مايك بومبيو".

  1.  توطيد إيران لعلاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع دول عظمى منافسة لتوجهات الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، كالصين وروسيا والمراهنة على عامل الزمن من خلال محاولة إطالة أمد المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الإدارة الأميركية، ريثما يحصل تغيير ما في البيئة السياسية الدولية أو الأمريكية وبما يخدم الأهداف الإيرانية.
  2.  مع صعوبة  تجاوز السلطات الإيرانية المنطلقات الأيديولوجية الإيرانية، والتي تتبنى ما يُسمى بسياسة (تصدير الثورة الإسلامية، وفقًا لمبدأ ولاية الفقيه)، قد يسعى صانع القرار في طهران لإعادة تقويم مخاطر الإجراءات الأمريكية على الأمن القومي الإيراني والسعي لتحقيق اختراق في علاقاته السياسية والاقتصادية على الصعيد الإقليمي، بتكليف وسطاء من دول المنطقة  كسلطنة عمان أو العراق، لإقناع القيادة السعودية لإعادة العلاقات الإيرانية السعودية لسابق عهدها من جانب، والاستعداد للتضحية، ولو ظاهريًا، وفقًا لمبدأ " التقية الإيراني “ببعض من توابعه الإقليميين، كتنظيم الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان ، لمحاولة  تخفيف الضغوط الأميركية ، ولإقناع الإدارة الأميركية بحصول تغيير في السلوك السياسي الإيراني  .

 ختامًا، يتضحُ بمراجعة وتدقيق تسلسل المواقف المتراكمة على مدى أكثر من ستة عقود خلت، وتحديدًا منذُ بداية اهتمام الولايات المتحدة بإيران في بداية خمسينيات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر، والشروط المتبادلة بين الولايات المتحدة، كقوة عظمى، وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تعكس وبشكل لا يقبل اللبس، مدى عمق وتراكم الأزمات بين الدولتين، ولدرجة يصعب على المتتبع تصور احتمالات التوصل لحلول سريعة لهذه الأزمات المتراكمة، والتي ستشهد توترات لاحقة قد تتصاعد باستخدام أدوات الحرب الاقتصادية  لدرجة  قد تدفع بإيران، وبخاصة إن تم التطبيق الصارم للحظر النفطي في بداية مايو 2019م، لاستخدام أذرعتها العسكرية لاستهداف الموانئ النفطية الخليجية، لدفع الدول الأخرى، المستوردة للنفط، وبخاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين للتدخل لدى الإدارة الأمريكية لتخفيف تأثيرات الضغوط الاقتصادية على إيران سواءً أكان ذلك في المدى المنظور، أم على الصعيد الاستراتيجي .

مجلة آراء حول الخليج