array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 138

الاتحاد الأوروبي غير فاعل في سوريا باستثناء المساعدات الإنسانية

الخميس، 13 حزيران/يونيو 2019

يناقش هذا المقال الدور الأوروبي في الملف السوري، مستعرضًا توجهاته وسياسات الدعم ومستوياته، وتبيان مدى تجاوز فاعليته لمستويات الاستجابة للظروف الإنسانية ووصوله إلى تأثيرات سياسية واضحة تؤهلها في لعب دور مهم من منطلق قرب الجغرافية وطبيعة العلاقات التاريخية مع سوريا ناهيك عن اعتبارها نقطة ارتكاز جيوسياسية في معادلات تشكل النظام السياسي والأمني الإقليمي، مفندًا بأسباب إعاقة التواجد الأوروبي بفاعلية في سورية طيلة سنوات الصراع، وكيفية إمكان تفعيل الدور الأوروبي في سورية.

العلاقات الأوروبية ـ السورية قبل 2011م.

قبل أحداث الثورة السورية في عام 2011م؛ احتفظت سوريا بعلاقات "الحد المقبول" مع دول أوروبا، فنظمت العلاقة منذ عام 1977م، وفقًا لاتفاقية تعاون مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية تغطي بشكل أساسي المسائل التجارية، وتم إعادة صياغة هذه العلاقة منذ استلام بشار الأسد السلطة في عام 2000م، بحكم الصعود المتنامي لقوة الاتحاد الأوروبي في النظام الدولي والذي تم إبان انحسار الدور الروسي في عهد " يلتسين"، وفقدان سوريا للكثير من ميزات علاقاتها الخارجية مع شرقي أوروبا التي دخلت بمجملها ضمن إطار التفاوض للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ ولعل البعد الرئيسي في مبررات إعادة صياغة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي مرتبط بضرورة "استجلاب" قبول غربي" للنظام السوري الذي أراد تسويق أنه "حداثي وليبرالي" للتغافل عن الخروقات والارتكاسات التي تتعرض لها البنية السياسية في سوريا التي أفرزت توريثًا في نظام جمهوري.

وبهذا السياق أتى توقيع ملحق الاستثمار والشراكة الأوروبية ـ المتوسطية التابعة لبنك الاستثمار الأوروبي في عام 2002م، والبدء بسياسة الجوار الأوروبي في عام 2003، وانعقاد الاجتماع الأول للجمعية البرلمانية الأوروبية المتوسطيةعام 2004م، واختتام مفاوضات اتفاقية الشراكة الأوروبية السورية، حيث تم التوقيع عليها بصيغتها الأولى عام 2006م،[1] لكن الحدث السياسي بعد اغتيال الحريري وتداعياته المتلاحقة ساهم سلبًا في مسار المفاوضات إذ اعتبر الاتحاد الأوروبي أن الأوضاع السياسية غير مواتية لتوقيعه على الاتفاقية.

وفي عام 2008م، أعيد النقاش حول العلاقات الثنائية وحضر بشار الأسد مؤتمر "إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط"؛ وتم إعادة التوقيع على اتفاقية الشراكة الأوروبية السورية في كانون الأول 2008م، وقيام مجلس الشؤون العامة للاتحاد الأوروبي بفتح الطريق أمام اتفاقية الشراكة الأوروبية السورية في 27 أكتوبر 2009؛ [2]إلا أن رد النظام على مبادرة المجلس الأوروبي للتوقيع بطلب بعض الوقت لبحث الاتفاقية بصورة إضافية بحكم ما تمليه تلك الاتفاقية من إصلاحات اقتصادية وتنموية وإدارية؛ لقد كان الاتحاد الأوروبي شريكًا تجاريًا مهمًا في سوريا، ففي عام 2008م، استوردت سوريا ما قيمته 3,6 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي؛ واستورد الاتحاد الأوروبي ما قيمته 3,7 مليار يورو من سوريا، وتركزت هذه الواردات في النفط الخام (86,6%) إلى جانب بعض المنتجات المصنعة والزراعية، بالإضافة إلى أن مصرف الاستثمار الأوروبي أمّن ما يزيد عن 1.4 مليار يورو من القروض منذ عام 2000م، حتى 2011م؛ كما يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر المانحين لسوريا، حيث وفر ما يزيد على 210 مليون يورو سنويًا في شكل منح وقروض. وخصص 129 مليون يورو للأعوام 2011 و2012 و2013م؛[3] والتي توقفت بحكم الموقف السياسي الذي اتخذته الدول الأوروبية حيال سياسات النظام ومنهجية العنف والقمع الممارس من قبله في عام 2011م، حيث أخذ مسار العلاقات منحًا مغايرًا.

عمومًا يمكن تفسير هذا التعثر بعدة أسباب أهمها مؤشرات التدهور التنموي والحقوقي والإداري المتزايدة وازدياد معدلات الفساد والفقر وغياب الشفافية؛ ناهيك عن عدم تغيير منظومة التفكير السياسي للنظام السوري في إدارة علاقاته الدولية ولا سيما مع فرنسا إذ تأزمت العلاقات بعد قضية اغتيال رفيق الحريري.

"استراتيجية" الاتحاد الأوروبي حيال سوريا بعد 2011

شكلت الثورة السورية وتداعياتها نقطة تحول بارزة في العلاقات السورية – الأوروبية والتي تدهورت بشكل مباشر منذ عام 2011م، فألمانيا كانت من أوائل الداعين إلى فرض العقوبات على دمشق، حيث اقترحت فرض عقوبات على النظام في أبريل 2011م، انخرطت بها فرنسا وباقي الدول الأوروبية؛[4] كما برزت مواقف أوروبية تؤيّد الحراك الشعبي وتدعم قوى الثورة والمعارضة السورية، حيث جرى تصعيد لهجة الخطاب من قبل كبار القادة والمسؤولين الأوروبيين تجاه الأسد ونظامه، وشاركت العديد من الدول الأوروبية في مؤتمرات "أصدقاء الشعب السوري"، كما عملت كلّ من بريطانيا وفرنسا، وهما من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، لاستصدار قرارات من المجلس تدين النظام، لكن "الفيتو" الروسي حال مرارًا دون تمريرها.

وبعد تدحرج الصراع في سوريا إلى مستويات مركبة؛ حيث أضحى الصراع ضد الإرهاب مدخلاً رئيسيًا لتعاطي الدول الأوروبية باتت سياسات الاتحاد الأوروبي ومعظم دوله سياسات دفاعية كتلك المرتبطة بقضية تدفق اللاجئين ومتطلبات التنسيق والدعم لدول الجوار للحد من هذا التدفق؛ أو المتعلقة برفع درجة التأهب الأمني داخل حدودها السياسية لإبطال أي حراك إرهابي يستهدف بناها الداخلية؛ أو المتصلة بالمشاركة في الطلعات الجوية المحدودة ضمن عمليات التحالف الدولي ضد داعش؛ إذ اقتصر هذا التعاطي على عنوانين أساسيين هما "أزمة اللاجئين" و"الإرهاب"؛ هذا الاقتصار لم يلغِ حضور أوروبا المؤثّر في الجوانب الاقتصادية والمالية والدعم الإنساني والإغاثي والتنموي، أكان ذلك في صورة العقوبات الأوروبية التي تطال منذ سنوات مئات الشخصيات من مسؤولي النظام ورجال الأعمال المقرّبين منه فضلاً عن عشرات الهيآت والشركات التجارية والمالية والاقتصادية، أو في الشقّ الإنساني والإغاثي حيث تمّ إنفاق مليارات اليوروهات كمعونات إنسانية للاجئين السوريين في دول الجوار وكذلك للنازحين داخليًا (وطبعًا لا تدخل هذه المبالغ في حساب النفقات التي خُصّصت للاجئين السوريين في الدول الأوروبية)، عدا عن تقديم المساعدات المالية والدعم لبعض هيآت المعارضة ولعدد من الهيآت الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني السورية في إطار مؤتمر "بروكسيل حول دعم مستقبل سورية" الذي يؤكد على ثلاثة أهداف: [5]

  • إعادة تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي والدعم الدولي لحلّ سياسيّ للصراع في سوريا، وذلك بتمتين الدعم العالمي للجهود الرّامية إلى التوصّل إلى حلّ سياسي في إطار المحادثات السورية-السورية برعاية الأمم المتحدة في جنيف.
  • تعزيز الدعم وتحسين الشروط لإتاحة استجابة دولية مبدئية للاحتياجات الإنسانية الناجمة عن الصراع.
  • الحفاظ على دور دولي فاعل في تسليم المساعدات إلى الشعب السوري داخل سورية وفي بلدان الجوار.

وفي محاولة لعودة الزخم السياسي في سياساته حيال سوريا؛ أوضح بيان الاتحاد الأوروبي في مؤتمر بروكسيل عام 2017م، أهداف الاتحاد الاستراتيجية في سوريا والتي تتركز في ستة مجالات أساسية: [6]

1-    إنهاء "الحرب" من خلال انتقال سياسي حقيقي ينسجم وقرار مجلس الأمن الأممي 2254.

2-    ترويج انتقال هادف وشامل في سوريا ينسجم وقرار مجلس الأمن الأممي 2254 وبيان جنيف، من خلال دعم تقوية المعارضة السياسية.

3-    إنقاذ الأرواح من خلال تلبية الاحتياجات الإنسانية لأكثر السوريين تضرًا وضعفًا، في كامل أنحاء سورية، على نحو فعال وناجع ومبدئي وفي الوقت المناسب.

4-    ترويج الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير بتقوية منظمات المجتمع المدني السوري.

5-    ترويج المحاسبة على جرائم الحرب بغية تسهيل عملية المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

6-    دعم متطلبات صمود الشعب السوري والمجتمع السوري.

إلا أن أثر هذه الأهداف لا تزال محصورة ببعدين ، دعم المعارضة السورية؛ وبشكل أوضح في البعد الإنساني، ففي مجال المساعدة الإنسانية، منحت المفوضية الأوروبية حتى عام 2017م، حوالي 037،1 مليار يورو للحالات الطارئة الخاصة بإنقاذ الأرواح والتغذية والماء والمرافق الصحية والنظافة الصحية والملاجئ لفائدة الملايين من السوريين سواء داخل سوريا أو في البلدان المجاورة لها. أما في ما يتعلق بالمساعدات الأخرى (غير المساعدات الإنسانية)، فقد عبأت المفوضية 6،1 مليار يورو، تم توزيعها كما يلي: ( 961مليون يورو عن طريق الآلية الأوروبية للجوار، 381 مليون منها عبر الصندوق الإئتماني الإقليمي لمواجهة الأزمة السورية وذلك للاستجابة لحاجيات السوريين في سوريا ولبنان والأردن على المدى المتوسط وتشمل مجالات التربية والعيش اليومي والصحة والخدمات الأساسية؛180مليون يورو من خلال المساعدة الماكروالمالية للأردن لإعانة هذا البلد على إدارة تدفقات المهاجرين السوريين؛ 180مليون يورو من خلال آلية الاستقراروالسلام لفائدة برامج الإعانة في المناطق السورية التي تسيطر عليها المعارضة ودعم جهود الوساطة والتحضير للعدالة الإنتقالية وتدابير التخفيف من التوترات بين اللاجئين والمجتمعات المُضيفة في المنطقة وكذلك دعم إتلاف المخزونات السورية من المواد الكيماوية والوقاية من التهديد الكيماوي؛ 249مليون يورو لتركيا من خلال آلية المساعدة لمرحلة ما قبل الانضمام ، منها 173 مليون يورو عن طريق الصندوق الإئتماني للاتحاد الأوروبي؛ 26مليون يورو من خلال الآلية الأوروبية من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ 26مليون يورو من خلال آلية تطوير التعاون ومنها 10 مليون يورو عن طريق الصندوق الإئتماني للاتحاد الأوروبي.[7]

وفي سياق تعزيز القطيعة الأوروبية لنظام الأسد؛ أصدر الاتحاد الأوروبي حزمتين من القرارات؛ الأولى مرتبطة باستمرار سياسة العقوبات والأخرى متعلقة بشروط الاتحاد لإعادة الإعمار في سورية باعتبارها الممول الرئيسي المحتمل لتلك العملية بحكم الملاءة المالية التي تتسم بها دول الاتحاد؛ وفيما يتعلق بسياسة العقوبات قرر الاتحاد الأوروبي في يناير عام 2019م، فرض عقوبات اقتصادية جديدة طالت رجال أعمال وكيانات سورية على صلة بالنظام السوري حيث وسع الاتحاد قائمة العقوبات ضد النظام السوري، بإضافة أسماء جديدة تعود لـ 11 رجل أعمال سوريًا وخمسة كيانات تعمل بالاستثمار في مجال العقارات “الفاخرة” ومشاريع أخرى مدعومة من قبل النظام السوري، وبالمقابل يستفيد النظام منها. وبذلك، بلغ عدد الشخصيات السورية المشمولة بالعقوبات الأوروبية 270 شخصًا، بالإضافة إلى 72 كيانًا على صلة بالنظام السوري[8]؛ الأمر الذي رد عليه النظام بإيقاف منحه تأشيرات متعددة الدخول للدبلوماسيين الأوروبيين الذين يقومون بمتابعة المساعدات الإنسانية للسوريين انطلاقًا من بيروت.[9]

وفيما يرتبط بإعادة الأعمار وفي خطوة مغايرة للضغوط الروسية التي تحاول إقناع الاتحاد بالإنخراط بعملية إعادة الإعمار وما له من أثر في تسهيل عودة اللاجئين (الضغط عبر ملف اللاجئين)؛ اتخذ الاتحاد الأوروبي في أيلول 2018م، قرارًا بالإجماع يوضح أنه لن يشارك في عملية إعادة الإعمار في سوريا إلا إذا كانت هناك عملية سياسية وفق القرارات الدولية وبإشراف الأمم المتحدة.[10]

وفي ذات السياق المؤكد على انتهاج الاتحاد الأوروبي لذات السياسة؛ أعلن الاتحاد أنه سيعقد مؤتمرًا حول مستقبل سورية في الفترة بين 12 إلى 14 مارس المقبل في بروكسل وسيركز هذا المؤتمر حول كيفية الاستفادة منه على صعيد المساعدات الإنسانية، ودعم التحول السياسي في سوريا ودور الأمم المتحدة في هذا الاتجاه.[11]

الاتجاهات المستقبلية لدور الاتحاد الأوروبي في سوريا

تنحصر الاتجاهات العامة للأدوار المستقبلية للاتحاد الأوروبي في سورية ضمن ثلاثة مستويات تشكل في إطارها العام استمرار لذات المحددات السياسية والإنسانية؛ ويمكن تبيانها في الآتي:

المستوى الأول: التناغم سياسيًا مع محددات السياسة الأمريكية حيال سورية: وذلك عبر مظلة المجموعة الدولية المصغرة حول سورية (أمريكا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا والأردن ومصر والسعودية) والتي أكدت في أخر اجتماعاتها في 6 فبراير 2019 في واشنطن على "وجود حاجة ملحة للدبلوماسية، وإرادة سياسية دولية لإنهاء النزاع السوري ورفع معاناة الشعب السوري" وأنه لا حل عسكري في سوريا ولا بديل عن الحل السياسي وفقًا لقرار مجلس الأمن 2254، ومواصلة دعمهم لجهود المبعوث الأممي الخاص إلى سورية غير بيدرسون.[12] وعدم التطبيع مع الأسد في حال عدم إدخال تغيير سياسي كبير في سورية، إلا أن الخشية في هذا المستوى هو تبدل السياسة الأمريكية الذي أضحى سمتها الرئيسية في الملف السوري؛ وهذا ما قد يتعزز في حال أضحى الانسحاب الأمريكي العسكري المزمع انسحابًا سياسيًا.

المستوى الثاني: تعزيز سياسات الدفاع والصد كمواجهة للقلق الأوروبي المتزايد من عودة فاعلية داعش؛ إذ تؤكد معظم التقارير بأن تنظيم داعش لم يهزم في سوريا ولا يزال الجماعة الإرهابية الأخطر لكنّه لا يزال يتعرّض لضغط عسكري شديد فيما تبقى له من أراض في معقله في شرق البلاد؛ وأن التنظيم أظهر تصميمًا على المقاومة وقدرة على شن هجمات مضادة"، وهو استنتاج يناقض تمامًا ما أعلنه الرئيس الأمريكي ترامب بشأن القضاء التام عليه.

ووفقًا للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات فقد شهد مؤشر الإرهاب لعام 2018م،انخفاضًا واضحًا في العمليات الإرهابية التي شهدها العالم، في أعقاب خسارة داعش لمعاقله في سوريا والعراق، لكنه وحسب المراقبين المعنيين في الجماعات المتطرفة ومكافحة الإرهاب، فإن المساحة التي تنتشر عليها الجماعات المتطرفة أصبحت أوسع، لتمتد إلى جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وغرب إفريقيا، وتمحورت العمليات الإرهابية في أوروبا خلال عام 2018م، بالطعن والدهس أحيانًا، وربما يعود ذلك إلى الجهود التي بذلتها دول أوروبا باتخاذ خطط وسياسات في مكافحة الإرهاب أكثر حزمًا من السابق، مكنتها من انتزاع عنصر المبادرة من الجماعات المتطرفة. لكن رغم ذلك ما زالت الانتقادات توجه إلى أوروبا، بعدم اعتمادها سياسات وبرامج تطبيقية واضحة النتائج في محاربة التطرف من الداخل أمام تنامي أيدلوجيات التطرف.[13]

وفيما يتعلق بالمشهد في سوريا فمازال تنظيم داعش ينحصر في أماكن محدودة تتركز في جيب شرق الفرات، ويرى المركز أن "إدلب" ستمثل الملاذ الأخير للجماعات المتطرفة الأخرى من غير تنظيم داعش، على رأسها “هيأة تحرير الشام” جبهة النصرة سابقًا.ويكمن التحدي في إدلب، بسبب تقاطع مصالح الأطراف السياسية الإقليمية والدولية هناك، أبرزها تركيا وروسيا والولايات المتحدة إلى جانب إيران. ويمثل المقاتلون الأجانب في إدلب هاجسًا لدول أوروبا، لذا كان وسيبقى التوجه الأوروبي هو إيجاد مخرج سياسي في إدلب دون شن عمليات عسكرية، ليجنب دول أوروبا تدفقًا جديدًا لموجة لاجئين جدد وربما عودة المقاتلين الأجانب إلى أوطانهم.[14]

أما المستوى الثالث: فهو مرتبط بالمستوى الإنساني وهو ما تبدو استمرار ازدياد مؤشرات الانخراط الأوروبي به حيث أعلنت المفوضية الأوروبية عن تخصيصها “أعلى” ميزانية للمساعدات الإنسانية، وذلك لدعم السوريين واليمنيين حول العالم. وصلت لـ 1.6 مليار يورو لعام 2019م، وحده. (أكثر بعشر مرات من ميزانية عام 2015) وسيبقى التركيز على هذا المجال على دعم العملية التعليمية لأبناء اللاجئين، بالإضافة إلى دعم اللاجئين في الدول المستضيفة، خاصة تلك الضعيفة اقتصاديًا ، ومن المقرر أن تعقد دول العالم مؤتمرًا دوليًا في بروكسل، من أجل جمع مبلغ خمسة مليارات دولار للاستجابة لأزمات اللاجئين السوريين أيضاً.[15]

عمومًا يمكن عنونة هذه الاتجاهات التي تبدو بمجملها تفضل انتهاج الأدوات السياسية تمنعهم من التورط العسكري المستدام وهي انعكاس لمتطلبات إعادة صياغة سياسات الإتحاد والتي هي وفقًا لكتاب "الاتحاد الأوروبي، المرونة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" ترى أن أزمات سوريا والعراق ناجمة في ظل ما تشهده من تحديات أمنية وأيديولوجية ناجمة بالأساس عن عدة أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وتتمثل في حاجة دول المنطقة لإعادة التفاوض بشأن عقد اجتماعي أكثر عدالة وشمولية واستدامة بين الدولة ومواطنيها والدفع باتجاه تفعيل مبدأ المشاركة والرقابة العامة وإدراج مفهوم "المرونة" في السياسات الوطنية.

إن هذا الانخراط الأوروبي يبقى ناقصًا دون إنجاز "سياسة ربط" مع الدول الفاعلة تضغط من خلالها عليهم لتحقيق أهداف استراتيجيتها؛ وهو ما سيؤهلهم لأداء دور مؤثر وذلك من أجل تحفيز الجهات المعنية، في موسكو وطهران وأنقرة، للموافقة على رؤية الاتحاد الأوروبي بخصوص سوريا ديمقراطية ومستقرة ومزدهرة، وهذا ما يملي على الاتحاد الأوروبي توسيع خيارات سياسته خاصة إذا ما غلبت في تلك الاستراتيجية الشروط الجيوسياسية باعتبار سورية نقطةَ ارتكاز "سياسة الربط" في المنطقة.

ومن أهم مداخل عودة الفاعلية هو بلورة استراتيجية واضحة في مجالات إعادة بناء الدولة وعلى كافة الصعد؛ الأمنية والعسكرية بعدما أضحت بنية المؤسسات الأمنية والعسكرية بنية تتحكم بها ميليشيات وشبكات تجعل من هذه المؤسسات إطارًا تجميعيًا لميليشيات كبرى عابرة للوطنية؛ والسياسية عبر تفعيل الحركة الدبلوماسية الأوروبية في المنظمات الدولية والعمل على استصدار قرار أممي ينهي حالة السيولة التي يشهدها مسار العملية السياسية ويعيد ضبط البوصلة وفق ضرورات الانتقال والتأسيس لحياة سياسية شرعية مولدة للأمن والاستقرار؛ ناهيك عن ضرورة إنجاز برنامج عودة كريمة للاجئين تتبناه المنظومة الدولية ودول الإقليم الضغط بكافة الأدوات لتحقيق مستلزمات هذا البرنامج من بيئة آمنة وبنية تشريعية وحوكمية مولدة للتعافي المبكر.

ختامًا

تؤكد المعطيات أعلاه أنه في حين كان الاتحاد الأوروبي من أوائل الدول التي اتخذت موقفًا سياسيًا واضحًا حيال نظام الأسد؛ وإذا ما استثنينا ملف إعادة الإعمار والملف الإنساني؛ فإن سياساته التنفيذية في الملف السوري لا تجعلها ضمن خارطة الفاعلين المؤثرين الرئيسيين في المشهد السوري وإنما دفعتها لانتهاج سياسات دفاعية تقي بناها الداخلية من ارتداد مستويات الصراع المركبة في سوريا؛ فحدود التأثير السياسي للاتحاد الأوروبي تراجعت لصالح الدعم التقني للمعارضة السورية ومنظمات المجتمع المدني لتحسين آدائها في الملفات ولصالح الضغط غير المباشر عبر ملف إعادة الإعمار والذي يعتبر وفق الاستراتيجية الصفرية المتبعة من قبل النظام وحلفائه ملفًا غير مهمًا إذا ما قورن مع "ضرورات تمكين النظام وإعادة تأهيله". وتبقى مداخل الفاعلية مرتبطة بتوسيع المحددات الناظمة للتعاطي وما تتطلبه من بلورة استراتيجية متكاملة تشمل مجالات إعادة بناء الدولة وإنجاز الاستحقاقات السياسية المرتبطة بالملف السوري بالشكل الذي يوضح أهمية سوريا للاتحاد الأوروبي نظرًا للاعتبارات الجيوسياسية والتاريخية.

 

[1]- سورية وخريف العلاقات الأوروبية؛ معهد ليفانت للدراسات؛ 17/12/2014؛ الرابط: https://goo.gl/vMT62f

[2]ديفيد شينكر:" الاتحاد الأوروبي وسوريا يقتربان أكثر فأكثر"؛ معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى؛ 11/12/2008، الرابط: https://goo.gl/jXjS2X

[3]حيث حددت ورقة العمل الإستراتيجية لسورية التي قام بتقديمها الاتحاد الأوروبي محددات وأولويات التعاون مع الاتحاد الأوروبي للفترة بين عامي 2007 -2013، بثلاث أولويات: 1) دعم الإصلاح السياسي والإداري، بما في ذلك تحديث الإدارة، واللامركزية، وسلطة القانون واحترام حقوق الإنسان الأساسية؛ 2) ودعم الإصلاح الاقتصادي، بما في ذلك تنفيذ الخطة الخمسية؛3) دعم الإصلاح الاجتماعي، بما في ذلك تنمية الموارد البشرية والتدابير المصاحبة لعملية التحول الاقتصادي؛ للمزيد أنظر: سورية وخريف العلاقات الأوروبية؛ معهد ليفانت للدراسات،؛ مرجع سابق.

[4]- أخذت برلين هذا الموقف المهم رغم أنها وقّعت مع دمشق في شباط من نفس العام اتفاقية لمنع الازدواج الضريبي، سبقتها اتفاقية في عام 2008 بشأن الإقامات غير الشرعية. علما أن ألمانيا كانت أول شريك تجاري لسوريا ضمن الاتحاد الأوروبي، وشكل التبادل التجاري بينهما 31 في المائة من إجمالي التبادل التجاري مع الاتحاد

[5]- للمزيد انظر موقع بعثة الاتحاد الاوروبي في سورية الالكتروني على الرابط: https://goo.gl/zMT3qn

[6]- بيان حقائق الاتحاد الأوروبي و الأزمة في سورية بركسل، 3 نيسان -2017، الرابط: https://goo.gl/vqp3eW

[7]- المرجع نفسه.

[8]- الاتحاد الأوروبي يضيف 11 رجل أعمال سوريًا إلى قائمة العقوبات؛ عنب بلدي، 21/1/2019، الرابط: https://goo.gl/s5m6hu

[9]- لاتحاد الأوروبي : النظام السوري وضع حداً لمنح التأشيرات لدبلوماسيين؛ وكالة الأنباء السعودية؛ 21/1/2019، الرابط: https://goo.gl/d69Pwo

[10]- الاتحاد الأوروبي إعادة الإعمار في سوريا مرتبط بالعملية السياسية؛ تلفزيون سوريا؛ 25/9/2018؛ الرابط: https://goo.gl/f6zWRw

[11]- الاتحاد الأوروبي يعلن انعقاد مؤتمر ثالث حول مستقبل سوريا في مارس المقبل؛ اليوم السابع؛ 1/2/2019، الرابط: https://goo.gl/wEJCm1

[12]- المجموعة الدولية حول سوريا تدعم حلاً سياسياً وفق القرار 2254؛ حرية برس؛ 6/2/2019؛ الرابط: https://goo.gl/DCyb3D

[13]- كيف سيكون شكل وخريطة الإرهاب لعام 2019 ؟ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات؛ 1/1/2019؛ الرابط: https://goo.gl/EfKTjw 

[14]- المرجع نفسه.

[15]- المفوضية الأوروبية تخصص “أعلى” ميزانية في تاريخها للاجئين السوريين؛ عنب بلدي؛ 16/1/2019؛ الرابط: https://goo.gl/Y1Dt18

 

مجلة آراء حول الخليج