array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 138

التكامل الاقتصادي الخليجي ـ العربي في الرؤى الوطنية: القدرة والعوائق

الخميس، 13 حزيران/يونيو 2019

في البداية لابد أن نشير إلى أن هذا المقال يتناول موضوعًا في غاية في الأهمية بل ومصيري للجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، إذ يتناول كيفية إيجاد تكامل اقتصادي بين دول المجلس النفطية وبين الدول العربية الأخرى في مرحلة الرؤى الوطنية 2030م، من خلال بناء قاعدة عربية تكاملية بعيدًا عن الاقتصاد الريعي ومخاطره وتقلباته، ويتطرق المقال إلى التحديات والعوائق التي أخرت السوق العربية المشتركة وكيف يمكن تجاوزها، وما هي المجالات القابلة للتكامل بين دول المجلس وبقية الدول العربية.

التكامل الاقتصادي الخليجي العربي، موضوع جدلي في مرحلة الرؤى الوطنية 2030 إذ أن الدول الست المؤسسة لمجلس التعاون الخليجي، هي دول مهمة ومؤسسة لجامعة الدول العربية، والإنجاز أو التقدم الذي يحصل في مجلس التعاون ينعكس إيجابًا على مسيرة التكامل الاقتصادي العربي في إطار جامعة الدول العربية، إذ أن الانسجام الواضح والتقارب في المستوى الاقتصادي بين دول المجلس له دور مهم وأساسي في تحقيق المجلس خطوات مهمة نحو التكامل الاقتصادي الخليجي، على الرغم من ذلك، يعتبر المجلس القاطرة التي تقود وتوجه خطوات التكامل الاقتصادي العربي، منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، الاتحاد الجمركي والسوق العربية المشتركة ومن ثم التكامل الاقتصادي العربي، مع الدول المهمة الأخرى ، مصر، العراق، المغرب، تونس، الجزائر، الأردن وبقية الدول العربية، وبالتالي فالعمل تكاملي بين الأمانتين، للجامعة والمجلس على الرغم من عدم وجود تنسيق واضح، ولكن خبرة مجلس التعاون في خطوات التكامل بينهم تنتقل من خلال ممثليهم في المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية.

إن قضية التكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة تعتبر من أهم القضايا التي تواجه العمل العربي المشترك، والتي يجب أن ينتبه العالم العربي لها في ظل التطورات الاقتصادية الدولية، والتكتلات الاقتصادية الدولية.            

     إن للتكامل الاقتصادي، بعدين أساسيين، الأول اقتصادي لتعزيز فرص التعاون الاقتصادي والتجاري وإحياء فرص التكامل التنموي بجانب التعاون الاجتماعي والثقافي وغيرها، والثاني سياسي لتوفير الأمن والاستقرار، حيث تشكل الدول أحيانًا تكتلات لأسباب غير اقتصادية مثل الأمن القومي والسلام، وهذه الأمور من غير المحتمل أن تكون متوفرة بدرجة كافية في ظل غياب شكل معين من التدخل مثل إقامة منطقة جوار أو اتفاقية تكامل إقليمي.

إن الأهداف السياسية لاتفاقيات التكامل أو التعاون الإقليمي تكون هامة وأحيانًا ملحة، ولكن ما زال هناك رغبة في أنها تتحقق بكفاءة وأن يراع صانعو السياسة تكاليفها ومنافعها الاقتصادية، إذ أن التجارة والاستثمار يمكن أن يكونا قوة هامة لتكوين وتدعيم العلاقات السياسية بين الدول، لأن تكوين اتفاقية تكامل إقليمي أو إقامة منطقة جوار يزيد دائمًا التجارة والاستثمار بين الشركاء، وفي الواقع يكون هذا حقيقي عندما تكون اتفاقية التكامل الإقليمي بين شركاء متوازنين نسبيًا، والتي ترغب حكوماتهم أصلاً في تحسين الأمن وهذا العامل متوافر فيما يخص الدول العربية، وأيضًا عندما تكون المنافع والتكاليف من اتفاقية التكامل الإقليمي، موزعةبطريقة عادلة نسبيًا.  

 

ويهدف التكامل الاقتصادي العربي إلى جعل المنطقة العربية، "منطقة سلام واستقرار واكتفاء" من خلال دعم وتعزيز التعاون الاقتصادي وإطلاق الحوار السياسي والتعاون الاجتماعي والثقافي وغيرها، حيث يتحقق التكامل الاقتصادي من خلال حوار اقتصادي منتظم بين جميع الأطراف يغطي كافة مجالات سياسة الاقتصاد الكلي، التجارة، والصناعة، والاستثمار، والسياحة، والنقل، والبيئة والتنمية المستدامة، والزراعة والمياه والطاقة وغيرها، وكذلك يتم من خلال تبادل منتظم للمعلومات والأفكار في كل قطاع للتعاون، بما في ذلك اجتماعات المسؤولين والخبراء، ومن خلال نقل المشورة والخبرة والتدريب، وتنفيذ الأنشطة المشتركة مثل الحلقات الدراسية وورش العمل، ومن خلال المساعدات الفنية والإدارية والتنظيمية.

 

يمتد التعاون الاقتصادي من أجل التكامل ليشمل التعليم والتدريب والتعاون العلمي والتكنولوجي، عن طريق تحفيز الابتكار التكنولوجي، ونقل التكنولوجيا الحديثة ونشر المعرفة الفنية، ويمتد التعاون الاقتصادي ليشمل مجال البيئية والتنمية المستدامة، من خلال منع تدهور البيئة، والسيطرة على التلوث وتأكيد الاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بهدف ضمان التنمية المتواصلة، لاسيما في مرحلة الرؤى الوطنية 2030.                                  

       

تتوافر في الوطن العربي جميع مقومات التكامل الاقتصادي، مما يجعل قضية التكامل ليست فقط ممكنًا، بل متميزًا عن سواه من تجارب الدول الأخرى وذي خصوصية تختص بها ، إذ يعتبر الوطن العربي من أغنى مناطق العالم في احتياطي البترول الخام وتشكل حصة الدول العربية من إجمالي الاحتياطي المؤكد العالمي 49.4 في المائة، وتشكل 27.8 في المائة من إجمالي الاحتياطي المؤكد من الغاز الطبيعي عام 2017م، ويعتبر الوطن العربي سوق واسعة قوامها 413.4 مليون نسمة، وهي سوق مؤهلة لتحقيق التكامل الاقتصادي، وناتج محلي إجمالي للدول العربية بلغ 2.47 تريليون دولار أمريكي عام 2017.

 

 

      إن التكامل الاقتصادي العربي يتحقق من خلال مجموعة متكاملة من المداخل، أولها المدخل التبادلي، منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، الاتحاد الجمركي العربي والسوق العربية المشتركة، بالتزامن ثانيًا مع المدخل الإنتاجي أي الاستثمارات العربية المشتركة من خلال تفعيل الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية المعدلة (2013م) مع ثالثًا مدخل البنية الأساسية، الربط الكهربائي العربي، الربط البرى العربي بالسكك الحديدية، الربط البرى للطرق، الربط البحري بين الموانئ العربية وربط شبكات الانترنت العربية، مع ضمان حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال بين الدول العربية. ويتعزز التكامل ويدعم بالأمن المائي العربي والأمن الغذائي العربي والأمن الإنساني العربي، وإن عدم تحقيق هذه الحزمة من العوامل، أو تحقيق جزء بسيط منها، يؤدى إلى حدوث خلل في مسيرة السوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي.

 

إذ بالرغم من أهمية الاستثمارات العربية في تحقيق المدخل الإنتاجي للتكامل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة، فإنها مازالت ضئيلة ومحدودة نسبيًا بالمقارنة مع الاستثمارات العربية خارج العالم العربي، وبالرغم من الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية للسلع العربية المنشأ منذ العام 2005م، لم تتمكن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى من تعميق الأداء التكاملي لها حيث لم يتجاوز مؤشر التكامل الاقتصادي الذي يقوم على قياس نسبة الصادرات البينية إلى إجمالي التجارة العربية الإجمالية، 5% في العام 2017م، مقارنة مع 5.0% عام 2009م، كما أن المتأمل لواقع التبادل التجاري بين الدول العربية يقف على الحجم المتواضع لهذا التبادل، إذا لا تزيد نسبة التجارة البينية العربية في إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية في أحسن الأحوال 11.1% مما يدعو إلى التساؤل حول أسباب هذا الوضع المتدني، رغم تحرير التجارة البينية بالكامل لمعظم الدول العربية في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى بدءاً من عام 2005م.

 

على الرغم من الظروف والمقومات التي تزيد من فرص نجاح منطقة التجارة الحرة العربية بعد تخفيض الرسوم الجمركية والضرائب والرسوم ذات الأثر المماثل على السلع العربية المتبادلة بنسبة 100% من تلك التي كانت مطبقة في نهاية عام 1998م، إلا أن هناك العديد من المشاكل التي تواجه التطبيق الفعلي للبرنامج التنفيذي لهذه المنطقة وأهم دليل على أن ذلك تدني مستوى الأهمية النسبية للتجارة العربية البينية، ومن أهم هذه المشاكل ما يلي:

 

  1. ضعف القاعدة الإنتاجية العربية وعدم اكتمال البنية الأساسية لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

 

  1. مازالت تشكل القيود غير الجمركية صعوبات للمستثمرين والتجار، وعلى الرغم من تخفيض التعريفة الجمركية إلى الصفر إلا أنها لم تحقق زيادة في التدفقات التجارية نظرًا لعدم التزام الدول بإزالة كافة القيود الإدارية والنقدية والكمية.

 

  1. ضعف وسائل النقل البري والبحري، والاتصالات وأنواع اللوجستيات بشكل عام، خاصة إذا علمنا أن هذه الوسائل ضعيفة بين المشرق والمغرب مما يجعل التجارة بين جناحي الوطن العربي تكون منعدمة ومتدنية، وهذا يؤكد اعتماد التبادل التجاري العربي على الدول المتقاربة جغرافيًا، وهذا يتطلب إنشاء شبكة خطوط نقل وشحن واتصالات كافية لتسهيل عملية التبادل التجاري.

 

  1. عدم الانتهاء من كافة قواعد المنشأ إذ أن التأخير في الاتفاق على قواعد المنشأ رغم إنجاز صياغة الأحكام العامة لها، يترك انعكاسات سلبية على تطبيق البرنامج التنفيذي للمنطقة وبالأخص قضية الاستثناءات، الأمر الذي يتطلب الإسراع من الانتهاء من تحديد قواعد المنشأ التفضيلية تحديدًا دقيقًا، وأيضًا حتى يستطيع القطاع الخاص الاستفادة القصوى من مزايا المنطقة، حيث أن الاتفاق على قواعد المنشأ التفضيلية يعتبر من السياسات التي تمارسها الدولة في إطار تشجيع الاستثمارات البينية والعمل على توظيفها في خدمة التكامل الاقتصادي العربي، علمًا أنه تم الاتفاق على أكثر من 90 بالمائة من السلع الزراعية والصناعية في إطار المنطقة، استنادًا إلى قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي دورة فبراير 2019م.

 

  1. أثرت الخلافات السياسية الظرفية بين الدول العربية، والتوازنات القطرية سلبًا على أداء أجهزة العمل العربي باتجاه تحقيق التكامل الاقتصادي إذ لم يتم تنفيذ العدد الكبير من قرارات القمم العربية الدورية والاقتصادية بسبب مشكلة التمويل وأسبـاب أخـرى، مما شكل عائقًا خطيرًا في مسار السوق العربية المشتركة.

 

إن الفجوة بين الواقع الذي نعيشه والطموح الذي نتمناه وكذلك بين القرار الجماعي ووضعه موضع التنفيذ، هي ما يراه المواطن العربي اليوم حين يقوم بتقويم العمل العربي المشترك والنجاحات المزعومة التي لا يرى لها أثر فعليًا في حياته. إن الذي ينظر إلى مؤسسات واجتماعات وتقارير الجامعة العربية ويسأل عن حق: أين التعاون الوثيق بين الدول العربية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية: هل يسافر المواطن العربي ويقيم بحرية وأمان بين الدول العربية؟ هل تنتقل الموارد الاقتصادية بحرية؟ هل نظم التعليم متناسقة؟ هل هناك مشروعات اقتصادية عملاقة تجمع الدول العربية؟ وأين الخطوات التي اتخذت لبناء السوق العربية المشتركة؟ هذه الأسئلة وغيرها أسئلة مشروعة. علينا أن نواجهها ونحاول الإجابة عليها إن أردنا أن نواكب العصر ونحمل راية العمل العربي المشترك في المستقبل.

 

يمثل برنامج العمل الصادر عن القمم العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية بالكويت (2009)، قمة شرم الشيخ (2011)، وقمة الرياض(2013)، وقمة بيروت (2019) خريطة طريق مستقبلية، أو بمثابة استراتيجية عربية اقتصادية واجتماعية، ترمي إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي والارتقاء الاجتماعي والتنمية المستدامة لجميع الدول العربية من خلال السعي الحثيث لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي في مرحلة الرؤى الوطنية 2030.

 

يمثل المجال الاقتصادي أحد أبرز مجالات التعاون والتفاعل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبقية الدول العربية. فعلى خلاف المسار السياسي، يرتبط التفاعل الاقتصادي بين الدول بدوافع وأهداف أكثر واقعية وكذلك أكثر استقرارًا، لذا يمكن اعتبار التفاعل الاقتصادي الخليجي-العربي مؤشرًا ذا دلالة إلى عمق ومضمون العلاقات الخليجية-العربية.شأنها شأن أي منظومة علاقات بين دولتين أو مجموعة من الدول، تخضع العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية لمجموعة من المحددات والعوامل الحاكمة.

 

ومن أهم تلك المحددات الروابط الجغرافية والتاريخية والسياسية التي تجمع الجانبين، وهي ما يمكن وصفها بالمحدد الإقليمي أي الاعتبارات الناجمة عن وقوع الجانبين في نطاق إقليمي واحد، حيث التواصل الجغرافي يلعب دورًا محوريًا في إيجاد مسارات تفاعل اقتصادي بدءًا بالتبادل التجاري وانتهاءً بالاستثمارات. وفي النطاق الإقليمي العربي كان للبعد التاريخي أثره البالغ في توثيق عُرى العلاقات الاقتصادية، ففي ظل تاريخ مشترك سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا مرت دول المنطقة العربية بمراحل متشابهة من التطور في مختلف المجالات، الأمر الذي جعل التعاون والتفاعل البيني أيسر وأكثر قابلية للنجاح.

 

 

والعامل المهم الآخرفي العلاقات الاقتصادية الخليجية-العربية، هو الأوضاع الاقتصادية لكلا الجانبين، حيث تركت طبيعة وخصائص الاقتصادات الخليجية والعربية بصمات واضحة على التوجهات المتبادلة في المجال الاقتصادي. وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى التركيبة السكانية الخليجية وانعكاسها الواضح في استقبال العمالة الوافدة ومن بينها العمالة العربية. وكذلك انعكست طبيعة الموارد المتاحة خليجيًا وتركزها بشكل أساسي في النفط في اتجاه الفوائض المالية والاستثمارات الخليجية إلى الدول العربية. في المقابل لعبت الأوضاع الاقتصادية العربية دورًا مهمًا في توجيه دفة العلاقات الخليجية مع كل من الدول العربية حسب طبيعة وخصوصية اقتصاد كل دولة.

 

اعتمد التعاون الاقتصادي الخليجي-العربي إلى حد كبير على فكرة التكامل النوعي، بمعنى التعاون القائم على التبادل بين الجانبين فيما يحتاجه كل جانب ويتميز فيه الجانب الآخر نسبيًا. من هنا جاءت –على سبيل المثال-الاستعانة الخليجية بالعمالة العربية، والاستعانة العربية بالتمويل الخليجي للمشروعات الاقتصادية العربية، على الرغم من أن العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبقية الدول العربية شهدت تحولات وتطورات تأثرت فيها بالتحولات والتطورات العالمية بالأساس، وبدرجة أقل بالتطورات الإقليمية والداخلية في كلا الجانبين.

 

فمن ناحية، سادت العالم موجة من الانفتاح المتبادل والاشتراك في القضايا والاهتمامات والروابط الاقتصادية، فتحولت العلاقات ومسارات التفاعل الاقتصادي على مستوى العالم من الاستناد إلى الأطر الإقليمية ومعيار التقارب الجغرافي وهو ما تجسد في صيغ تكاملية ثنائية أو إقليمية، لتتجه بشكل كلي تقريبًا إلى التعاون القائم على المصالح الاقتصادية بغض النظر عن الاعتبارات الجغرافية أو السياسية ودون التقيد بصيغ تنظيمية دائمة خاصة الثنائي والإقليمي منها. لكن يلاحظ أن العالم شهد بالتوازي مع هذا المسار صعودًا في التوجه نحو (عولمة التكتلات الاقتصادية)، بمعنى أن الاستغناء عن الصيغ التنظيمية محدودة النطاق جاء لمصلحة صيغ تنظيمية واسعة النطاق وغير محكومة بالأطر الإقليمية أو عامل التجاور الجغرافي التقليدي، والمثال الأبرز في ذلك هو منظمة التجارة العالمية.

 

ومما ساعد على تأثر الدول العربية إجمالاً بالعولمة وتداعياتها التشابه بين الاقتصادات العربية بشكل عام، وفي نطاق كل مجموعة بصورة واضحة، فالدول العربية كافة تشترك في الاعتماد على مصدر دخل واحد رئيسي، النفط في بعضها، الزراعة في بعض آخر، والسياحة في البعض الثالث، وكذلك في انخفاض مساهمة القطاع الصناعي في توليد الناتج المحلي الإجمالي، هذا القطاع الذي يمثل القوام الأساسي لأي اقتصاد قوي. وبالنظر إلى مجموعة الدول العربية غير الخليجية، نجد أنها تتشابه كثيرًا في أوضاعها وخصائصها الاقتصادية، وهو ما ينطبق أيضًا على مجموعة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. الأمر الذي جعل الظروف والمعطيات الاقتصادية على الجانبين مهيأة للانفتاح على العالم الخارجي وفي نفس الوقت قابليتها للتكامل البيني فيما بينهما معًا.

 

لابد هنا في هذا المقال، مناقشة كيفية بناء قاعدة عربية تكاملية بعيدًا عن الاقتصاد الريعي ومخاطره وتقلباته، حيث اتجهت الدول العربية بشكل عام نحو تطبيق آليات اقتصاد السوق والحد من دور الدولة المركزي في إدارة وتسيير العمليات الاقتصادية، في محاولة لاستنهاض تلك الاقتصادات وملاحقة الاقتصادات المتقدمة. والجدير بالذكر هنا ما قامت به الدول العربية من جهود حثيثة ومتواصلة للخروج من دائرة المورد الواحد، والانحصار في نطاق الاقتصاد الريعي، وهو ما نجحت فيه بالفعل إلى حد كبير خاصة في اتجاه تخصيص الاستثمارات والعوائد النفطية لبناء هياكل اقتصادية جديدة، وهو ما تمثل في التوجه بقوة نحو تسريع عملية التحول الهيكلي من اقتصاد أولي تسيطر عليه القطاعات الأولية (الزراعة والمناجم)، إلى اقتصاد صناعي حديث (الصناعات التحويلية والخدمات الانتاجية) الذي سيفضي في نهاية المطاف إلى تنويع الاقتصاد. وتعمل السياسات القطاعية العربية (الزراعية والصناعية والخدمية) في إطار الجامعة العربية (العربية والخليجية) بالتنسيق والتعاون وحسب الميزة التنافسية للسلع والخدمات المتوافرة في جميع الدول العربية على توجيه الاستثمار الخاص والعام نحو مجموعة من الانشطة المستهدفة ذات القيم المضافة المرتفعة، من خلال السيطرة على أكبر قدر من سلسة القيم المضافة عبر تصنيفها وتحويلها إلى منتجات وسيطة ونهائية، والانتقال من نظام قائم على استغلال الموارد الطبيعية إلى إنتاج السلع ذات التقنية المتقدمة. إن سرعة هذه العملية سوف تحددها هذه الموارد الطبيعية والمزايا النسبية وكذلك حجم الاقتصاد والذي يحدد مستوى الطلب ونوعيته، بالإضافة إلى درجة الانفتاح وطبيعة السياسات التنموية وعلاقتها بالتحول الهيكلي وتنويع الاقتصاد.

 

إن إيجاد تكامل اقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي النفطية وبين الدول العربية الأخرى في مرحلة الرؤى الوطنية 2030، مسألة في غاية الأهمية بل من الضرورة تحديد شكل هذه العلاقة بينهما حيث يضم مجلس التعاون الخليجي العربي ست دول، هي المملكة العربية السعودية، دولة الإمارات العربية المتحدة، دولة الكويت، دولة قطر، سلطنة عمان، ومملكة البحرين الثلاث دول نفطية، وقطر منتج أساسي للغاز في العالم والدول العربية الأخرى تضم العراق والجزائر من الدول المنتجة الرئيسة في العالم للنفط والغاز، ومن ثم هناك مصر ، المغرب ، تونس، الأردن ذات الاقتصادات من الدول العربية الأكثر تنوعًا، كما أن هناك اختلاف كبير في متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فنجد في قطر ، يبلغ   61.3 ألف دولار، الإمارات 41.7 ألف دولا ، فيما يبلغ في دول عربية مهمة مؤسسة للجامعة العربية العراق ومصر 5.3 و ألفي دولار (التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2018م)، وهناك دول عربية فقيرة الموارد الاقتصادية.

 

في ظل هذه الفوارق، فإننا نجد أن الجامعة العربية بكل مجالسها الوزارية، ومنظماتها المتخصصة، والاتحادات النوعية والقطاع الخاص بكل اتحاداته ومجلس التعاون الخليجي وكافة مؤسساته هي السبيل لتحقيق التكامل الاقتصادي في مرحلة الرؤى الوطنية 2030، عند توافر القدرة الميدانية للعاملين في مؤسسات التكامل الاقتصادي العربي سواء أكان في الدول العربية أو في الأمانة الفنية وتوفير التخصيصات المالية لتمويل كافة نشاطات التكامل الاقتصادي العربي من مشاريع استثمارية مشتركة إلى البنية التحتية، ولعل أهم المجالات القابلة للتكامل بين دول الخليج وبقية الدول العربية هي السلع الغذائية الرئيسية: الحبوب، القمح، اللحوم والزيوت النباتية، السكر والالبان، وفي مجال الصناعة، البتروكيماويات، الغزل والنسيج والحديد والصلب والأدوية، السيارات والطاقة الكهربائية.

 

إن هذه المجالات ممكن أن تكون قاطرة للتكامل على المدى القصير والمتوسط لتأسيس وعاء للتكامل الاقتصادي العربي من خلال المدخل الإنتاجي (الاستثماري) وهو الجزء المكمل والضروري للمدخل التجاري للسوق العربية المشتركة مثال ذلك إقامة صناعة السيارات في مصر حيث الأيدي العاملة الرخيصة وتوافر المواد الأولية مدعومة بتدفقات الاستثمار العربي والأجنبي، من خلال تمويل سعودي إماراتي كويتي، وهذه الصناعة يمكن أن تقود عملية التكامل الأوسع بين دول الخليج وبقية الدول العربية.

 

كما يمكن إقامة صناعة تكاملية للحديد والصلب إما في البحرين أو موريتانيا التي لهما ميزة نسبية في هذه الصناعة، إذ تبلغ حجم الاستثمارات العربية في صناعة الحديد والصلب حوالي 100 مليار دولار، من خلال استثمارات من مصر، السعودية، الإمارات، قطر وعمان وهي مجموعة الدول العربية المنتجة للحديد والصلب وحديد التسليح والبناء (التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2018م)، وهناك مجالات كثيرة وفقًا للدراسات الحالية والمستقبلية للمجالات القابلة للتكامل بين دول الخليج وبقية الدول العربية.

 

وتمثل السوق العربية المشتركة للكهرباء والتي تعد أحد أهم المشروعات التكاملية العربية جانبًا مضيئًا في مسيرة العمل العربي المشترك، ويمهد الربط الكهربائي الدول العربية لإقامة سوق عربية مشتركة للكهرباء بين الدول العربية تتم من خلالها عمليات تبادل تجارة الكهرباء بشكل يحقق الكثير من المزايا الاقتصادية والاجتماعية لكافة الدول المشاركة في السوق، حيث تم التوقيع على مذكرة التفاهم لإنشاء السوق العربية المشتركة للكهرباء بتاريخ 6/4/2017م.

 

ويمثل إقامة الاتحاد الجمركي العربي خطوة مهمة باتجاه تحقيق السوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي، إذ تم اتخاذ خطوات ملموسة خاصة عملية التوافق على فئات التعرفة الجمركية العربية الموحدة كأحد المتطلبات الأساسية لإقامة الاتحاد، علمًا أنه قامت كل من المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية بالتوقيع على اتفاقية التعاون الجمركي بين الدول العربية وجاري تشجيع الدول العربية الأخرى على التوقيع، وكذلك اتفاقية تحرير التجارة في الخدمات بين الدول العربية والتي انضمت لها أحدى عشرة دولة عربية ومازالت الجهود تبذل نحو الوصول إلى درجات تمكن من التكامل الاقتصادي بين الدول العربية.

 

في ضوء التحولات التي شهدتها العلاقات الخليجية-العربية في الجانب الاقتصادي، يمكن تلمس الفرص والآفاق المفتوحة أمام توطيد تلك العلاقات بشكل عام باستنهاض ما أصابه التعثر منها، واستحداث ما لم تشمله تلك العلاقات بعد. وحتى يستند البحث عن مصادر ومداخل لتفعيل وتطوير التعاون الاقتصادي الخليجي-العربي إلى أسس عملية قابلة للتطبيق، فلابد من مراعاة بعض المقومات والمتطلبات، من أهمها أن الانفتاح على العالم واعتماد التكامل الاقتصادي مدخلاً للتعاون ربما يكتسب مزيدًا من القوة والتماسك إذا ما اقترن بالتقارب الجغرافي فضلاً عن الروابط الأخرى الاجتماعية والحضارية. فمن ناحية، لا بد من أن ينطلق التعاون الاقتصادي الخليجي-العربي من أرضية مشتركة، سواء تجسدت في أطر ومرجعيات سياسية وأيديولوجية، أو اتخذت من الحسابات الواقعية والمصالح الاقتصادية القُطرية هدفًا بذاته.

 

ومن ناحية أخرى، من الضروري أن يكون لدى كلا الجانبين تصور واضح عن الصيغة المُثلى للتفاعل مع العالم اقتصاديًا، سواء من خلال تكتلات اقتصادية إقليمية أو بالتعاون متعدد الأطراف، أو بشكل فردي متحرر من الالتزام بالأطر الجماعية. إن اختيار إحدى هذه الصيغ من شأنه التأثير بقوة على توجهات كل من الدول العربية سواء مجموعة دول مجلس التعاون أو بقية الدول العربية، ليس كل مجموعة تجاه الأخرى بشكل إجمالي فقط، لكن أيضًا داخل كل مجموعة على حدة.

 

إن من شأن تحديد هذه الأسس والمنطلقات أن يساعد على تفعيل العلاقات الاقتصادية-العربية واغتنام الفرص والمداخل المتاحة أمامها لمزيد من الترابط والمنفعة المتبادلة. ومن أبرز تلك المداخل والفرص التطور الإيجابي الذي طرأ على مناخ الاستثمار في الدول العربية غير الخليجية مصر، الأردن، تونس، المغرب، بما يشجع على جذب الاستثمارات الخليجية.

 

وفي المقابل فإن التنويع المستمر في الأنشطة الاقتصادية الخليجية الداخلية يفتح الباب مجددًا أمام هذه الدول لتستعيد مكانتها في السوق الخليجي، والمثال الأوضح على ذلك تزايد الاهتمام الخليجي مؤخرًا بمجالات مثل الاقتصاد الرقمي، التكنولوجيا والمعلوماتية، والبحث العلمي، وكذلك السعي الخليجي المستمر نحو تطوير نظم وهياكل التعليم واستحداث الجديد منها في العالم بشكل مستمر. بيد أن تفعيل تلك الفرص والاستفادة يظل مرهونًا بشروط عدة من بينها ضرورة إدراك الجانبين (الخليجي والعربي) أن الاندماج في آليات الاقتصاد العالمي والانفتاح الشامل على العالم الخارجي بمستوياته ونطاقاته فوق الإقليمية، لا بد أن يستند إلى روابط بينية وإقليمية قوية بصيغة تكامل اقتصادي يكفل التماسك والاستمرار في التواجد على الساحة العالمية في مرحلة الرؤي الوطنية 2030.

 

كذلك فإن الدول العربية غير الخليجية مطالبة بشكل خاص وعاجل بتوجيه كل اهتمامها إلى تطوير وتحسين أوضاع الكوادر والكفاءات البشرية المتوافرة لديها وتحسين مناخ الاستثمار وبيئة الأعمال وتعزيز التنويع الاقتصادي، باعتبارها المورد الرئيسي لها كمًا ونوعًا. وأخيرًا فإن الجانبين مطالبان بتطوير وتحسين الأطر التشريعية والقانونية الحاكمة للأنشطة الاقتصادية، بما يساعد على تقريب المسافات البينية، ويسهل عمليات التكامل أو حتى التعاون الاقتصادي بأقل قدر ممكن من العراقيل التشريعية والإجرائية.

 

أما المعوقات والتحديات التي تواجه السوق العربية المشتركة وكيف يمكن تجاوزها لتحقيق الأهداف الكبرى والمصلحة العربية العليا،هنا لابد من القول أنه ربما لا تتاح لمجموعة من دول العالم مقومات التكامل قدر ما يتوافر للدول العربية، وفى الوقت الذي تسعى دول العالم جميعًا للانتماء لكيانات كبرى في عصر العولمة، فما زالت الدول العربية تواجه العالم الخارجي وتحديات المنطقة فرادى، مع بعض الاستثناءات، الأمر الذي يفوت على الدول العربية ثمار التعاون الوثيق في مضماري التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأمن القومي.

     

لقد حظي التعاون العربي باهتمام واسع على مختلف المستويات، وذلك نتيجة لما يجمع الدول العربية من مقومات وروابط مشتركة تتمازج فيها اللغة والحضارة والتاريخ المشترك والدين المشترك والتواصل الجغرافي. وقد تمكنت جامعة الدول العربية خلال مسيرتها من إقامة بنى أساسية للعمل العربي المشترك، تتمثل بكم كبير من الأطر والمؤسسات والمواثيق والاتفاقيات والقرارات، ولكنه رغم شموليتها واتساعها لم يتم الالتزام بها في التنفيذ العملي، وبقيت محصلتها ضئيلة وفى أضيق الحدود، مقارنة بما حققته تجربة الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن جامعة الدول العربية أقدم منها حيث بدأت في عام 1945م، إذ لا ينقص الدول العربية المؤسسات المشتركة التي تعمل في إطار التعاون والتكامل وتهدف إلى تنميته والارتقاء به حيث تم إنشاء قطاع واسع من الأجهزة المتنوعة ذات الوظائف المختلفة على المستوى الحكومي وغير الحكومي، وعلى المستويين الشمولي والقطاعي، من منظمات العمل العربي والاتحادات العربية النوعية والمجالس الوزارية المتخصصة، تشكل في مجملها إطارًا تنظيميًا بإمكانه أن ينسق بين الدول العربية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية.

       

وعلى الرغم من أهمية هذه الأجهزة، إلا أن من محددات جهودها، هي الحالة السياسية السائدة والعلاقات العربية البينية وتفاعلاتها التي جعلت انجازاتها متواضعة، ولم ترق إلى مستوى التنسيق المطلوب للسياسات المختلفة، كما إنها لم تستطع في كثير من الأحيان التأثير واتخاذ المواقف المدروسة لتحقيق خطوات مهمة تجاه تعزيز التكامل الاقتصادي العربي وتحقيق السوق العربية المشتركة.

       

ونرى ضرورة قيام مؤسسات التكامل سواء أكان في جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي، بمهام أوسع ليس فقط دورًا لتحقيق التعاون بين الأعضاء بل تعهد لهما أي للأمانتين، صلاحيات أوسع من الصلاحيات السيادية للأجهزة القطرية المتخصصة، بحيث تقوم باتخاذ القرارات الاتحادية في العديد من المجالات وتلزم الأجهزة الوطنية المختصة بتنفيذها، على غرار مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

 

في تقديري، أن مجلس التعاون الخليجي حقق خطوات متقدمة في تحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي، عما حققته مؤسسات جامعة الدول العربية، ولكن لا يمكن أن يتحقق التكامل الخليجي إلا في بيئة عربية ملائمة تحت مظلة جامعة الدول العربية، ويكون لدول المجلس دور " مهم " بارز في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي في إطار جامعة الدول العربية، وليس بدونها، علمًا أن هناك انعكاسات إيجابية لما حققه المجلس، في دفع خطوات التكامل الاقتصادي العربي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ الاقتصاد القياسي ـ جامعة بغداد ـ العراق

مجلة آراء حول الخليج