array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 138

التكامل الاقتصادي الخليجي: تجربة في طريق الاكتمال يمكن لدول المغرب استلهامها

الخميس، 13 حزيران/يونيو 2019

تقوم تجربة التكامل الخليجي على تحرير حركة عوامل الإنتاج، وإزالة كافة العوائق التجارية، وتنسيق السياسات الاقتصادية ومن ثم توحيدها، من خلال مراحل تجسدت في إقامة منطقة التجارة الحرة عام 1983م، الاتحاد الجمركي الخليجي 2003م، والسوق الخليجية المشتركة 2008م، فيما العمل جارٍ حاليًا على استكمال متطلبات الاتحاد النقدي وإصدار عملة موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي.وقد شكل هذا الأخير منذ نشأته واحدًا من أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم، حيث قدر حجم اقتصاد المجلس نهاية عام 2014م، حوالي (1.7 تريليون دولار).

تهدف هذه الدراسة لتقديم نبذة عن نشأة مجلس التعاون لدول الخليج عبر مختلف مراحله وتطوره التاريخي، ومعرفة مدى مساهمة التكتل في تعزيز قوته الاقتصادية عن طريق إبراز عوامل ومظاهر قوته وكذا محاولة تقييمه وعرض الصعوبات التي تعترضه. لنختم في الأخير ورقتنا البحثية بتجربة المغرب العربي في مجال الاندماج الاقتصادي التي لم تحقق نجاحات معتبرة في هذا السياق والتي يمكن أن تستلهم من التجربة الخليجية المذكورة آنفًا.

1. مراحل بناء التكامل الاقتصادي الخليجي:

بدأت أولى خطوات التكامل الاقتصادي الخليجي بالاتفاق على إنشاء منطقة تجارة حرة بين بلدان المجلس[1] في نوفمبر عام 1981م، التي دخلت حيز التنفيذ في مارس عام 1983م، حيث تم إلغاء التعريفة الجمركية على السلع والخدمات بين الدول الأعضاء مع احتفاظ كل دولة بتعريفاتها إزاء العالم الخارجي. ومن الناحية التنظيمية يتكون المجلس من ثلاثة أجهزة رئيسية (المادة السادسة من النظام الأساسي، 1981) هي: المجلس الأعلى والمجلس الوزاري والأمانة العامة، كما أقر المجلس الأعلى في نوفمبر 1981م، الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لتحدد مراحل التكامل والتعاون الاقتصادي بين دول المجلس واشتملت على:

أ. تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وفق خطوات متدرجة.

ب. تقريب وتوحيد الأنظمة والسياسات والاستراتيجيات في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية.

ج. ربط البنى الأساسية بدول المجلس، لاسيما في مجالات المواصلات والكهرباء والغاز وتشجيع إقامة المشاريع المشتركة.

شهدت فترة منطقة التجارة الحرة (1983-2002) ارتفاعًا في حجم التبادل التجاري بين دول المجلس من 6 مليارات دولار إلى 15.1 مليار دولار، ومع التطور الطبيعي لحالة التجارة البينية بين دول المجلس وسعيًا نحو تحقيق تكامل في كل أبعاده، خصوصًا من الجانب الاقتصادي، أعلن المجلس الأعلى في دورته الـ 23 المنعقدة في الدوحة عام 2002م، قيام الاتحاد الجمركي لدول المجلس، اعتبارًا من يناير 2003م، والذي حل محل منطقة التجارة الحرة، حيث تم بموجبه إزالة كافة الحواجز الجمركية وغير الجمركية على التجارة وهو ما تم في مرحلة التجارة الحرة بالإضافة إلى توحيد الرسوم الجمركية مع الدول غير الأعضاء. حيث تم الاتفاق على تعريفة جمركية موحدة بواقع 5% على السلع الأجنبية المستوردة من خارج الاتحاد، وقد تم إعطاء فترة انتقالية من 2003م، إلى 2009م للدول الأعضاء حتى تتأقلم مع بعض جوانب الاتحاد الجمركي كاستيراد الأدوية والمستحضرات الطبية واستيراد المواد الغذائية واستمرار الحماية الجمركية لبعض السلع والتحصيل المشترك للإيرادات الجمركية.

ومع نهاية عام 2008م، استطاعت دول المجلس أن تنهي ما تطلَّبته مرحلة الاتحاد الجمركي بنجاح؛ وذلك من خلال التنسيق والإجراءات، وتوحيد القوانين الخاصة بالجمارك، والمواصفات القياسية للسلع، واتفقت دول مجلس التعاون سنة 2007م، خلال القمة 28 للمجلس على الدخول في مرحلة جديدة؛ هي إقامة السوق الخليجية المشتركة في نهاية 2008م، وأهمية هذه المرحلة تقتضي ليس فقط إزالة كافَّة الحواجز الجمركية في تنقُّل السلع بين دول المجلس؛ وإنما -أيضًا-إزالة كافَّة الحواجز غير الجمركية المرتبطة بحرية تنقُّل رؤوس الأموال والأفراد. حيث عملت على تعميق تحرير حركة الخدمات وحرية تنقل المواطنين الخليجيين مع تمتعهم بالمعاملة الوطنية في أي دولة من الدول الأعضاء، والسماح للمواطنين بتملك العقارات والاستثمار في أسواق المال وحرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية وغيرها، وفتح فروع للبنوك في الدول الأعضاء. كل ذلك من أجل العمل على تحقيق "المواطنة الاقتصادية" والتي تتيح لمواطني دول المجلس عددًا من المزايا والحقوق.

وبعد استكمال إجراءات التحوُّل إلى السوق الخليجية المشتركة وتفعيلها، كان لابُدَّ من إجراء النقلة التالية في مسيرة الوحدة والتعاون الاقتصادي الخليجي؛ وذلك من خلال الاتحاد النقدي.

من جانب الاتحاد النقدي، كان نجاح تجربة الاتحاد الأوروبي في تبني عملة مشتركة (اليورو) عاملاً مشجعًا لتكتلات اقتصادية أخرى عبر العالم من بينها دول المجلس الخليجي على إتمام مسيرتها والانتقال إلى مرحلة إصدار عملة مشتركة آفاق سنة 2015م، لكن تعذر ذلك نظرًا لعدة اعتبارات أهمها التفاوت في معدلات التضخم بين الدول الأعضاء إضافة إلى عوامل أخرى سياسية. غير أنه تم تحقيق بعض الإنجازات في مجال الاتحاد النقدي:

¬   في هذا الإطار وافق المجلس الأعلى في ديسمبر 2001م، على البرنامج الزمني لإقامة الاتحاد النقدي والقاضي بتطبيق الدولار مثبتًا مشتركًا لعملات دول المجلس في المرحلة الحالية قبل نهاية عام2002 م.

¬   في نهاية 2002م، قامت دول المجلس بربط أسعار صرف عملاتها بالمثبت المشترك الدولار، غير أن الكويت في 2007 قررت ربط عملتها بسلة من العملات.

¬   ما بين 2002م، و2005م، قامت لجنة المحافظين ولجنة التعاون المالي والاقتصادي بتحديد معايير التقارب لنجاح الاتحاد النقدي.

¬   في ديسمبر 2005م، تم الاتفاق على إنشاء مجلس نقدي يتحول فيما بعد إلى بنك مركزي.

¬   في ديسمبر 2007م، تم وضع برنامج مفصل لإصدار العملة الموحدة.

¬   في مايو 2009م، تم الاتفاق على أن تكون الرياض مقرًا دائما للمجلس النقدي.

¬   في يناير2010م، استكملت دول المجلس الأعضاء-بعدما أعلنت سلطنة عمان عدم تمكنها من الانضمام إلى العملة المشتركة في 2006م، وإعلان الإمارات العربية المتحدة في 2009م، الانسحاب من مشروع الاتحاد النقدي الخليجي -في اتفاقية الاتحاد النقدي المصادقة على اتفاقية الاتحاد النقدي.

¬   في 27 فبراير 2010م، دخلت اتفاقية الاتحاد النقدي حيز التنفيذ وفي 27 مارس 2010م دخل النظام الأساسي للمجلس النقدي حيز التنفيذ، وعقد مجلس إدارة المجلس النقدي أول اجتماع له في 30مارس 2010م، بمدينة الرياض في المملكة العربية السعودية.

2. أهداف التكامل الاقتصادي الخليجي:

يشكل التكامل الاقتصادي أحد الأهداف الأساسية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية وفقًا للنظام الأساسي، الذي حددت المادة الرابعة منه الأهداف الرئيسية لمجلس التعاون بما يلي:

¬      تحقيق التنسـيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها.

¬      تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات.

¬      وضع أنظمة متماثلة في الشؤون الاقتصادية والمالية والتجارية والجمارك والمواصلات وغيرها.

¬      دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في المجالات الاقتصادية وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشاريع مشتركة وتشجيع التعاون مع القطاع الخاص.

الفرد -مركز اهتمام مجلس التعاون الخليجي:

كل الإجراءات التي يتخذها المجلس تنعكس آثارها وبشكل مباشر على الأفراد. على سبيل المثال، خلال الدورة 35 للمجلس عام 2014م، تم اعتماد القانون (النظام) الموحد للغذاء لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بصفة استرشادية بشقيه النباتي والتصنيعي الذي يهدف إلى ضمان سلامة الغذاء المتداول، وحماية الصحة العامة للمستهلك، وتيسير حركة تجارة الغذاء. كما أن "المواطنة الاقتصادية" تهدف إلى ضمان حقوق ومزايا متعددة لمواطني دول الخليج.

فالسوق الخليجية المشتركة تهدف، عبر تحقيق المواطنة الاقتصادية، إلى الوصول إلى المساواة التامة بين مواطني دول مجلس التعاون في كافة المجالات وبشكلٍ خاص في:

¬      الإقامة والتنقل؛

¬      التوظيف في الحكومة والقطاع الخاص؛

¬      التأمينات الاجتماعية والتقاعد؛

¬      المهنية؛

¬      النشاطات الاقتصادية؛

¬      الاستثمار؛

¬      الخدمات؛

¬      ملكية العقارات والممتلكات؛

¬      انتقال رؤوس الأموال؛

¬      المعاملة الضريبية؛

¬      التجارة؛

¬      شراء الحصص؛

¬      تأسيس الشركات؛

¬      التعليم؛

¬      الخدمات الصحية؛

¬      التنمية الاجتماعية.

3. مظاهر قوة التكتل الخليجي:

حققت تجربة التكامل الخليجي العديد من النتائج الإيجابية التي لا يمكن التغاضي عنها، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أ. حجم الاقتصاد: تسعى دول مجلس التعاون إلى التعامل مع العالم من خلال اتحاد اقتصادي سيبني كيانًا بالغ الأهمية ويمنح دول التعاون مكانة مميزة على خريطة القرار الاقتصادي العالمي؛ وبالنظر إلى البيانات والإحصائيات فإن حجم اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعًا جاء في العام 2014م، في الترتيب الثاني عشر ضمن أكبر اقتصادات العالم؛ وذلك بالنظر إلى حجم الاقتصاد (الناتج المحلي الإجمالي) لدول المجلس الذي وصل إلى مستوى 1.7 تريليون دولار نهاية عام 2014م، متقدمًا بذلك على اقتصاديات كثير من الدول الصناعية، ومستحوذًا على ما نسبته 35.4% من حجم الصناديق السيادية حول العالم حيث تقدر موجوداتها لـ 2.3 تريليون دولار.

هذا الحجم الاقتصادي الكبير الذي يتمتع به المجلس، يعود في الدرجة الأولى إلى تدفق عوائد كبيرة للنفط والغاز وقيام صناعات ثقيلة ومتعددة في مختلف المجالات، إلى جانب تنشيط العمليات التجارية والخدمية والمصرفية والسياحية، والتي أصبحت اليوم من أفضل الخدمات على مستوى العالم.

ب. حجم التجارة الخارجية: يمثل مجلس التعاون خامس أهم مجموعة اقتصادية عالمية من حيث حجم التبادل التجاري إذ وصل حجم التجارة الخارجية لدول المجلس مجتمعة إلى 1.42 تريليون دولار سنة 2013م، وسجل مجمل صادرات[2] دول المجلس إلى العالم 921 مليار دولار لتكون رابع أكبر مصدّر في العالم بعد الصين والولايات المتحدة وألمانيا. أما واردات دول المجلس فحلّت في الترتيب العاشر عالميًا بين أكبر المستوردين بقيمة وصلت إلى 514 مليار دولار في العام 2013م.

تمثل معطيات التجارة الخارجية لدول المجلس نقطة قوة تدل على مكانة اقتصادية كبرى تعطي لدول مجلس التعاون الخليجي مزايا تفاوضية، وجاذبية لاستقطاب الاستثمارات إليه.

ج. التجارة البينية:

منذ إنشاء الاتحاد الجمركي عام 2002م، كان هناك نموًا ملحوظًا في انتقال السلع الوطنية والأجنبية بين دول المجلس وصل إلى ما يزيد عن 700% نهاية عام 2014م، حيث بلغت حجم التجارة البينية 124 مليار دولار مقارنة بـ 15 مليار دولار عام 2002م، الشكل الموالي يبين تطور إجمالي التجارة البينية لدول المجلس خلال الفترة (1983-2011):

 

المصدر: الأمانة العامة "السوق الخليجية المشتركة: حقائق وأرقام" قطاع شؤون المعلومات-إدارة الإحصاء، العدد5، سنة 2012.

 

يتبين لنا من الشكل السابق تطور حجم التجارة البينية بين دول المجلس من 6مليارات في سنة 1983م، إلى 15,1 سنة 2002م، وصولاً إلى 90مليار في سنة 2011م، مما يؤكد الدور الكبير للاتحاد الجمركي وكذلك السوق المشتركة في ازدياد التجارة البينية.

لكن وعلى الرغم من هذا النمو الكبير في حركة التجارة البينية في دول المجلس؛ إلا أنها تمثِّل جزءًا صغيرًا من إجمالي حجم التجارة، إذ تمثل فقط 7.1% من إجمالي القيمة الكلية للتجارة الخارجية لدول المجلس.

4. معوقات التكامل الخليجي (قراءة اقتصادية):

رغم النتائج المبهرة التي حققها مجلس التعاون الخليجي، إلا أن تجربته لم تكن سهلة وطريقه لم تخلو من المعوقات مثلها مثل التجربة الأوروبية، نذكر منها:

أ. بطء نمو التجارة البينية: وعلى الرغم من تفعيل اتفاقية الاتحاد الجمركي ما زالت حركة التجارة البينية تعاني من طول أمد الإجراءات الجمركية عند منافذ الحدود؛ خاصة البرية منها، كما أن شبكة المواصلات البرية بين دول الخليج لا تزال ضعيفة البنية، وقليلة الصيانة، وتفتقر إلى خدمات الطريق، وهناك مشاريع ربط طرق برية بين دول الخليج؛ ولكنها لم تنفَّذ بسبب أنها في طور الدارسة وإعداد التصاميم؛ مثل مشروع سكة الحديد الذي أقرَّه المجلس الأعلى لمجلس التعاون في عام 2003م، ليتم إنجازه وتشغيله في 2018م.

وللعلم فإن شبكة المواصلات لها أهمية كبيرة تكمن في تقليل تكاليف النقل، ودعم استقرار السوق، وتحقيق التوازن فيه؛ والجدير بالذكر أنه في عام 2007م، شهد قطاع البناء طفرة سعرية لدرجة أن شح بعض المواد المهمة؛ مثل: الإسمنت والطابوق والحديد قد فاقم من زيادة تلك الأسعار في بعض دول المجلس؛ فتوفر شبكة فعالة من المواصلات بين دول المجلس (مثل شبكة سكة حديد وقطارات أو شبكة برية متطورة) سيساهم في نقل البضائع الثقيلة كمواد البناء من الدول ذات الفائض والطاقة الإنتاجية العالية إلى الدول ذات الشح في الإنتاج؛ وذلك من أجل مقابلة الطلب المحلي، وسيساهم ذلك بالطبع في تجنيب السوق المحلي التضخم في الأسعار.

ب. الاعتماد المفرط على قطاع النفط: ليس هناك خلافًا على أن النمو الذي تحقق في اقتصاديات دول المجلس وبرامج الرفاهية الاجتماعية التي تم تبنيها، بالإضافة إلى مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والإدارية، ارتبط كل ذلك وبشكل مباشر بالإيرادات الناجمة عن إنتاج وتصدير النفط. وعندما ترتبط معظم النشاطات بهذا الدخل، فإن أي تقليص للنشاط النفطي أو تراجع الأسعار في السوق العالمية لا بد أن ينعكس بشكل مباشر على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وإمكانات النمو وفرص التقدم في البلدان الأعضاء.

ج. محدودية مساهمة القطاع الخاص: يتسم القطاع الخاص في دول الخليج بشكل عامٍّ بضعف مساهمته في الناتج المحلي للدول، وبقلة قدرته في إحلال الواردات وإنتاج سلع قابلة للتنافس في السوق العالمي، وكذلك القيام بدور متواضع في إنشاء مؤسسات وعلامات تجارية رائدة؛ مم يشكل عائقًا مهمًّا نحو تحقيقه لدور أكبر في النشاط الاقتصادي، وفي التبادل التجاري في دول المجلس.

د. الاستيراد والتصدير: من بين التحديات التي تواجه دول المجلس هو انكشاف اقتصاداتها على الخارج، فالتجارة الخارجية تلعب دورًا أساسيًا في اقتصاد أقطار المجلس، فهي بلدان مصدرة كبيرة للنفط، ومستوردة ضخمة للسلع الغذائية والاستهلاكية والرأسمالية، وهذا يجعل توجه هذه الأقطار خارجيًا باتجاه البلدان الرأسمالية المتقدمة بشكل أساسي.

هـ. تأخر تكامل أسواق المال: رغم ما تم تحقيقه في هذا المجال إلا أن دول المجلس لا زالت تسير بخطًى بطيئة نحو تكامل أسواق المال، كما أن أسواق رأس المالية الأولية -التي تختصُّ بالإصدار والطرح الأولي للأسهم لتمويل الشركات الجديدة أو الشركات القائمة-ما زالت قليلة الترابط بين دول الخليج، وليس الوضع بالأفضل بالنسبة إلى السوق الأولي لصناديق الاستثمار، وفيما يختصُّ بالسوق الثانوي (أي البورصات) فهناك إدراج مشترك لبعض الشركات المساهمة بين بعض دول المجلس.

و. شح قاعدة البيانات الخليجية: هناك شحٌّ في مدى وفرة البيانات؛ تتمثَّل في مدى شمولية وتنوُّع المتغيرات مع سلاسلها الزمنية والبيانات حولها؛ الأمر الذي ينعكس على جودة الدراسات الخليجية، وتشخيص مشكلاتها، واستشراف اتجاهاتها المستقبلية، ويعتمد الباحثون في الشأن الخليجي -أيضًا-على مصادر خارجية أو دولية يستقون منها المعلومات والبيانات، لذا لابُدَّ من مراجعة المعايير الإحصائية الموضوعة وتوحيدها بين دول الخليج، وتبنِّي المعايير الدولية لتسهيل عملية المقارنة في أداء المتغيرات.

رغم كل العوائق المذكورة آنفا، إلا أن تجربة التكامل الخليجي أفضل حالا من التجربة المغاربية ولا تزال تسبقها بعدة أشواط، لذا على هذه الأخيرة الاستلهام من التجربة الخليجية لاعتبارها الأقرب منها من ناحية المميزات الثقافية، السياسية، الاقتصادية وحتى الاجتماعية.

5. تجربة الاتحاد المغاربي:

بالنسبة لتجربة الاتحاد المغاربي فإن الاندماج لا يزال مجرد أفكار معلقة، رغم أن المشكلة ليست في الهيأة بحد ذاتها، وإنما في تحفظ الأعضاء على الاستغلال الكامل لأهداف السياسة التي وضعوها، فالدول الأعضاء هي التي تعرقل أهداف التطور الاقتصادي التي أعلنتها بنفسها.

تاريخيًا تعود نشأة الاتحاد المغربي مثلها مثل التجربة الخليجية إلى سنوات الثمانينات، حيث أبرمت البلدان المغاربية عددًا من اتفاقيات التجارة الحرة من أجل تعزيز التجارة داخل منطقة المغرب العربي. ففي عام 1989 أسست البلدان المغاربية الخمسة اتحاد المغرب العربي بغرض تعزيز التعاون والاندماج بين الدول العربية في شمال إفريقيا. وفي هذا السياق، أجرت البلدان الأعضاء مفاوضات بشأن تأسيس منطقة التجارة الحرة المغاربية بغرض تحقيق الاندماج في جميع مجالات النشاط الاقتصادي. ووقع وزراء التجارة على اتفاقية في عام 2020م، ولم يتم التصديق عليها حتى الآن.

كذلك وقعت كل من ليبيا والمغرب وتونس على اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى في عام 1997 م، إلى جانب عضوية هذه البلدان في اتحاد المغرب العربي. وشارك كل من المغرب وتونس في إبرام اتفاقية أغادير الموقعة في عام 2004 بغرض إنشاء منطقة تجارة حرة. وبينما كانت المبادرات السابقة مفيدة في تشجيع روح الاندماج، لم يكن لها سوى تأثير محدود على التجارة الإقليمية في الواقع العملي. فعلى سبيل المثال، استهدف اتحاد المغرب العربي تحقيق أهداف ملموسة على طريق الاندماج، ولكنه متوقف عن العمل منذ سنوات عديدة.

فرغم أن دول منطقة المغرب العربي حققت فرادى تقدمًا كبيرًا في التجارة، إلا أنها كمنطقة لا تزال الأقل اندماجًا على مستوى العالم، حيث تبلغ تجارتها البينية أقل من %5 من التجارة الكلية في بلدان المغرب العربي، وهو أقل بكثير من المستوى المسجل في كل التكتلات التجارية حول العالم. وتعتبر زيادة الاندماج بين بلدان المغرب العربي أمرًا منطقيًا لدواع اقتصادية. فمن شأن هذا الاندماج أن يخلق سوقًا إقليمية تشمل قرابة 100 مليون نسمة يبلغ متوسط دخلهم حوالي 4 آلاف دولار أمريكي للفرد بالقيمة الإسمية وحوالي 12 ألف دولار على أساس تعادل القوى الشرائية. ومن شأن هذا أن يزيد جاذبية المنطقة كوجهة للاستثمار الأجنبي المباشر؛ ويخفض تكاليف حركة التجارة ورأس المال والعمالة عبر بلدانها؛ ويعزز كفاءة تخصيص الموارد. ومن شأنه أيضًا أن يُكسِب المغرب العربي مزيدًا من الصلابة في مواجهة الصدمات الخارجية وتقلب السوق.

وبينما تظل السياسات المحلية القوية هي القاطرة الاقتصادية الأساسية، فإن التجارة الإقليمية البينية يمكن أن تتضاعف نتيجة للاندماج ومن ثم تدعم النمو، مما يرفع مستويات التوظيف. وقد تؤدي زيادة الاندماج إلى وجود أطراف فائزة وأخرى خاسرة داخل كل بلد، مما يوجب على السياسة العامة أن تعالج الاختلالات المحتملة.

انطلاقًا مما سبق، يتضح أن التكامل الاقتصادي لدول المغرب العربي لا يزال يراوح مكانه، فهي لم تستطع حتى تعزيز التجارة البينية فيما بينها، كما هو الحال بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي ذلك لأن من أهم شروط تحقيق التكامل هو تبني سياسات عملية وأهداف واقعية متدرجة كالتي عملت على تجسيدها التجربة الخليجية.

الخاتمة:

مر الاقتصاد الخليجي منذ عام 1981م، بعدد من المراحل والتغييرات، إلى جانب إقرار العديد من التشريعات الاقتصادية والاتفاقات التجارية التي ساهمت في زيادة النمو بشكل مضطرد، وتجاوز العديد من الأزمات الاقتصادية العالمية، ومنها على سبيل المثال الأزمة المالية العالمية عام 2008م، وأزمة انخفاض أسعار النفط مؤخرًا (بداية من منتصف سنة 2014).

وهناك العديد من العوامل المساهمة في نجاح الكتلة الاقتصادية الخليجية، أهمها القرب الجغرافي لدول المجلس، طبيعة الموارد الطبيعية، قرب موارد الإنتاج المغذية للصناعات القائمة، إلى جانب طبيعة المجتمعات الخليجية في العادات والتقاليد، وهو ما يسهل وضع قوانين وتشريعات اقتصادية متشابهة.

كل هذه العوامل متوفرة أيضًا بالنسبة لدول المغرب العربي، فهي متقاربة من الناحية الجغرافية ولكن متنوعة من الناحية الاقتصادية. ضف إلى ذلك كون البلدان المغاربية اقتصادات بحرية تحتل موقعًا استراتيجيًا بين الاقتصادات المتقدمة في أوروبا عبر البحر المتوسط في الشمال واقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء النامية ذات الإمكانات الكبيرة في الجنوب، مم يسهل تنقل السلع، ورؤوس الأموال والأشخاص. لكن تعذر تحقيق التكامل المغاربي كون هذا الأخير مسألة سياسية أكثر منها اقتصادية، مما يعني أنه ينبغي توجيه المزيد من الجهود في حل الخلافات الاجتماعية والسياسية المحتملة التي قد أعاقت ظهور كتلة اقتصادية ومالية فعالة في منطقة شمال إفريقيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذة محاضرة بجامعة الجزائر/3 ــ كلية العلوم الاقتصادية، التجارية وعلوم التسيير ـ الجزائر.

 

 

المراجع:

-بن يوب لطيفة، عوار عائشة: إمكانية التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، مجلة الاقتصاد الإسلامي العالمية، مارس 2019.

-عباس بلفاطمي ، جمال بلخياط، تحديات الاندماج الاقتصادي الخليجي، مجلة اقتصاديات شمال إفريقيا، عدد5، الجزائر، 2011.

-إبراهيم العيسوي، قياس التبعية في الوطن العربي: مشروع المستقبليات العربية البديلة، آليات التبعية في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989 .

-صندوق النقد الدولي، إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، الاندماج الاقتصادي في المغرب العربي: مصدر للنمو لم يستغل بعد، رقم 01/19 ، 2018.

-مجلس التعاون لدول الخليج-الأمانة العامة، المسيرة والإنجاز، الطبعة العاشرة، 2016.

-موقع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية: http://sites.gcc-sg.org

-موقع وزارة المالية الإماراتي: www.mof.gov.ae

 

[1]-تتمثل هذه الدول في كل من: السعودية، الكويت، قطر، البحرين والإمارات.

[2]- تتمثل صادرات دول المجلس في خام النفط والغاز ومشتقاتهما ومنتجاتهما المصنعة كالبتروكيماويات والأسمدة وغيرها.

 

مقالات لنفس الكاتب