array(1) { [0]=> object(stdClass)#11474 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 139

تصفيـر الصداقات وصناعة الأعداء ورعاية الإرهـاب بداية نهاية النظام الإيراني

الخميس، 11 تموز/يوليو 2019

تأتي أهمية قمم مكة الثلاث التي تمثلت في قمتين طارئتين لمجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية، وتزامنت مع انعقاد القمة الإسلامية في دورتها العادية، التي عقدت في السعودية واستضافتها مدينة مكة المكرمة، في 25 من شهر رمضان 1440هــ، الموافق 31 مايو 2019م، لمناقشة هجمات المليشيات الحوثية المدعومة من إيران على محطتي ضخ نفط في السعودية؛ إضافة إلى بحث تداعيات الهجوم على السفن التجارية بالمياه الإقليمية للإمارات، من أهمية مشاركة قادة الدول العربية والإسلامية البالغ عددها 57 دولة، الذين يمثلون "الصوت الجماعي للعالم العربي والإسلامي" ويمثلون مجتمعين ثلث عدد البشرية. كما تأتي الأهمية أيضًا من الرمزية التي يحملها الزمان والمكان، فانعقاد القمم في مكة المكرمة وفي شهر رمضان له دلالته ومؤشراته الروحية والفكرية وحتى السياسية أيضًا، وخاصة بعد محاولة الميليشيات الحوثية التابعة لإيران لاستهداف مكة المكرمة قبلة المسلمين ومهبط الوحي للمرة الثانية بالصواريخ الباليستية، الذي يمثل انتهاكًا خطيرًا لحرمة الأماكن المقدسة وشهر رمضان الفضيل. وتأتي الأهمية كذلك بعد بروز نظام ولاية الفقيه بمشروعه التوسعي في المنطقة القائم على الطائفية السياسية، كأكبر تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة وللعالم. فالقمم أتت في سياق المواجهة التي تخوضها الأكثرية العربية لصد هذا المشروع الذي امتد عبر وكلائها حتى الآن إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، والسكوت عنه حتمًا سوف يمتد إلى دول أخرى بالمنطقة. وتأتي الأهمية كذلك في قدرة السعودية في حشد دول العالم العربي والإسلامي ضد المشروع التوسعي الإيراني. فالسعودية بسبب تعقيدات المشهد الإقليمي والعالمي، تحولت من الحياد إلى المبادرة ودخلت بكل ثقلها لحماية مصالحها وأصبحت تقود الأكثرية العربية للإسهام في إعادة الأمن والاستقرار للمنطقة. فإذا كانت عاصفة الحزم وضعت حدًا عسكريًا للتمدد الإيراني في اليمن فإن قمم الرياض وقمم مكة جعلت العالم كله يعي الدور الإرهابي والتخريبي الذي تلعبه إيران في المنطقة. السؤال المطروح هل هذه القمم سوف تمثل نقطة تحول وبداية العد التنازلي لسقوط النظام في إيران. لن أجازف بالنفي أو الإثبات لهذا السؤال لكن المتابع للحالة الإيرانية والسلوك الإيراني يظهر له بعض المؤشرات بترهل النظام وهشاشته وفقده للشرعية. وسأكتفي في هذه الورقة بذكر ثلاثة مؤشرات رئيسية هي: سياسة تصفير الصداقات وصناعة الأعداء، ورعاية إيران للإرهاب في أنحاء العالم، وكذلك تآكل سياسة حافة الهاوية.

 

سياسة تصفير الصداقات وصناعة الأعداء

ما زرعته إيران خلال العقود الثلاثة الماضية من خلال نَكشْ عِش الدبابير في المنطقة والعالم هي الآن تحصده، فمن يزرع الشوك ﻻ يجني العنب. فسياسة تصفير العلاقات والصداقات التي اتبعتها إيران مع دول الجوار والمجتمع الدولي وصناعة الأعداء من خلال أنشطتها العدائية المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة، لا سيما من خلال ميليشياتها المسلحة في العراق، وسوريا، واليمن ولبنان، أدى إلى تأزم علاقاتها الخارجية الإقليمية والدولية. فالعديد من مسؤولي النظام الإيراني صرحوا بشكل واضح وصريح أن طهران نجحت بتصدير ثورتها إلى العديد من دول المنطقة وقامت بتدريب المليشيات داخل هذه الدول من خلال الحرس الثوري الإرهابي، وأنها مستمرة بزيادة نفوذها من خلال دعم حلفائها بكل الوسائل في هذه البلدان. الجنرال حسين سلامي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني يقول إن "المسؤولين في إيران لم يكونوا يتوقعون هذا الانتشار السريع لـ (الثورة الإسلامية) خارج الحدود لتمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان". ثم يأتي في السياق نفسه حيدر مصلحي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة محمود أحمدي نجاد ويذكر أن "إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية". ويصرح علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني لشؤون الأقليات السابق بأن العراق تعتبر "عاصمة لإمبراطورية إيران الجديدة". وتتواتر التصريحات والسلوك على الأرض في نفس السياق الاستفزازي والمناقض لكل مبادئ وأعراف القانون الدولي والتي كان آخرها تصريح حسن سيفي مساعد قائد الجيش الإيراني، الذي قال "إن ثقافة القوات المسلحة الإيرانية تم نقلها إلى اليمن ولبنان وفلسطين (غزة) وأفغانستان". كل هذه التصريحات الرسمية المدعومة بسلوك حقيقي في هذه الدول أدى بشكل طبيعي إلى تأزم علاقات إيران الإقليمية وإلى حشد كل دول المنطقة ضدها. فقد أدانت كل الدول العربية إما بشكل فردي أو عن طريق الجامعة العربية، التدخلات الإيرانية في شؤونها. وكثير من هذه الدول قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، فالسعودية قامت بقطع علاقتها الدبلوماسية معها بعد الهجوم على مقر سفارتها في طهران والقنصلية السعودية في مشهد، وتبعتها كثير من الدول اما بإعلان قطع العلاقات أو بخفض بعثتها الدبلوماسية معها، كان آخرها المملكة المغربية التي قطعت علاقاتها مع إيران وطردت سفيرها بعد تأكدها أن إيران وميليشيات حزب الله، تدعمان جبهة البوليساريو بتدريب مقاتليها وتسليحهم. ولم يقتصر هذا على الدول العربية بل حتى الدول الإسلامية أدانت بشكل واضح وصريح تدخلات إيران في شؤونها الداخلية ودعمها المتواصل للإرهاب. ففي قمة منظمة التعاون الإسلامي التي عقدت في اسطنبول في 15 أبريل 2016م، تضمن بيانها الختامي تنديدًا صريحًا بدعم إيران «المتواصل» للإرهاب و«تدخلاتها» في شؤون دول المنطقة. ثم جاءت قمم الرياض وقمم مكة لتعمل على حشد خليجي عربي إسلامي لمواجهة هذا الخطر الإيراني والوقوف ضده. وبالتالي فهاتان الذراعان العربية والإسلامية التي كانت تعتمد عليهما إيران كشرعية لخطابها الثوري وغطاء لتدخلاتها في شؤون الدول الأخرى فقدتهما بخسارة دعم هاتين المنظمتين وأصبحت معزولة عربيًا وإسلاميًا.

رعاية إيران للإرهاب في أنحاء العالم

لا تمر مناسبة إلا ويعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن "إيران أكبر راعٍ للإرهاب" في العالم، والرئيس الأمريكي ليس أول من يؤكد دعم إيران للإرهاب بل يكاد يكون هناك شبه إجماع دولي بأن إيران داعمة وممولة للإرهاب في العالم، بل ذهب البعض أبعد من ذلك واعتبروا أن الإرهاب يعتبر أحد أدوات السياسة الخارجية الإيرانية. وهذا الكلام ليس كلامًا مرسلاً أو وجهة نظر بل أن هناك شواهد كثيرة ومثبتة ولا يمكن إنكارها أو الالتفاف عليها. وكما يقول الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان "الحقائق أشياء عنيدة". وهي بالفعل عنيدة لأنه لا يمكن الالتفاف حول الحقائق. وسوف أسرد بعض هذه الحقائق في مجموعة من النقاط:

الأمر الأول: تأسيس حزب الله في لبنان وتمويله، فسفراء إيران في سوريا علي محتشمي ومحمد حسن أختري كانا وراء تأسيس حزب الله في مطلع الثمانينات في محاولة منهم لتصدير الثورة. فكما يؤكد ذلك محمد حسن أختري السفير الإيراني السابق في دمشق، بأن" حزب الله وحماس والجهاد أبناء شرعيون للثورة الإيرانية". فهذا الحزب المصنف إرهابيًا بسبب أنشطته الارهابية في المنطقة والعالم، من عديد من الدول على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وفرنسا وكندا والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي وغيرها من الدول، ما تزال إيران تدعمه لوجستيًا وتموله بأكثر من 700 مليون دولار سنويًا. ففي بيان وزارة الخارجية الأمريكية أن "مداخيل حزب الله تصل إلى نحو مليار دولار سنويًا تتأمن عبر الدعم المالي المباشر الذي تقدمه إيران، والمبادلات والاستثمارات الدولية، وعبر شبكة من المانحين ونشاطات تبييض أموال". ويذكر الممثل الخاص لشؤون إيران في الخارجية الأميركية براين هوك إن إيران كانت تموّل ميليشيا حزب الله بما يقارب 70% من ميزانيتها سنويًا – أي 700 مليون دولار سنويًا–، وذلك في مقابلة خاصة لـ قناة "العربية". وقد اعترف بذلك صراحة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله خلال خطاب ألقاه بمناسبة مقتل قائده العسكري مصطفى بدر الدين في سوريا في 24 يونيو 2016م، بأن تمويل حزبه يأتي بالكامل من إيران، بحسب تعبيره "نحن وعلى المكشوف وعلى رأس السطح نقول موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران". وبعد العقوبات الأميركية التي فُرضت على إيران، والتي قلصت موارد الميليشيات التي تعتمد على التمويل الإيراني لجأ الحزب إلى التوسع في نشر صناديق لجمع التبرعات في أنحاء بيروت والضواحي الجنوبية، التي تحمل اسم "هيأة دعم المقاومة"، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ الأمريكية. وكان ما يسمى بأمين عام حزب الله، حسن نصر الله، طلب التبرع لصالح الحزب بسبب الأزمة المالية التي يعانيها. ففي خطاب له متلفز في 9 مارس 2019م، قال "أعلن اليوم الحاجة إلى المساندة والدعم الشعبي"، مضيفًا أن التبرعات مطلوبة لدعم أنشطة الحزب".

الأمر الثاني: دبلوماسية اقتحام السفارات. فمنذ أزمة رهائن السفارة الأميركية في طهران قبل 36 عامًا وانتهاءً باقتحام مبنى السفارة السعودية وقنصليتها في إيران في 2016م، شهدت هذه العقود الأربعة سجلاً حافلاً بالاعتداءات على عدة سفارات وبعثات دبلوماسية أجنبية في إيران. فمنها على سبيل المثال الهجوم على السفارة السعودية عام 1987م، ومحاولة إحراق السفارة الفرنسية في 2006م، واقتحام السفارة البريطانية في عام 2011م، بإيعاز من قوات الباسيج بعد إعلان لندن فرض عقوبات على إيران بسبب نشاطها النووي وغيرها من السفارات العربية والغربية. وكل هذا في انتهاك واضح وصريح لجميع الأعراف والمواثيق الدولية ولاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والتي تكفل حماية وأمن البعثات الدبلوماسية وأفرادها.

الأمر الثالث: خلق ودعم المليشيات الطائفية، يقول محمد علي جعفري القائد العام لقوات الحرس الثوري الإيراني – حسب ما أوردته وكالة (مهر) الإيرانية -إن هذا الحرس جهز أكثر من (200) ألف شاب بالسلاح في اليمن، والعراق، وسوريا، وأفغانستان، وباكستان. وهذا اعتراف صريح باعتداء إيران على الأراضي العربية والإسلامية وتؤكد دعم إيران لهذه المليشيات الطائفية بالمال والسلاح والتدريب. فكما فعلت إيران في لبنان حاولت أن تنقل التجربة إلى كافة دول المنطقة فمن الحشد الشعبي في العراق مرورًا بدعم مليشيات الحوثي باليمن مرورًا كذلك بعشرات المليشيات التي تقاتل في سوريا وأفغانستان وغيرها من الدول. وهذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها تصريحات عن قادة في إيران سياسيين وعسكريين، حول توسعهم ونفوذهم في المنطقة العربية بواسطة الجماعات والميليشيات الطائفية التابعة لها في بعض الدول. فالجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، صرح بأن "المسؤولين في إيران لم يكونوا يتوقعون هذا الانتشار السريع لـ (الثورة الإسلامية) خارج الحدود لتمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان". وبحسب تصريح حيدر مصلحي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة محمود أحمدي نجاد، كذلك أن «إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية. وبحسب مصلحي، فإن "الثورة الإيرانية لا تعرف الحدود وهي لكل الشيعة".

الأمر الرابع: دعم تنظيم القاعدة الإرهابي، فطهران متورطة وفق كثير من الوثائق وبتصريحات مسؤولين في الحرس الثوري بتقديم تسهيلات لتنظيم القاعدة بتنقل عناصره من إيران إلى مناطق مختلفة، إضافة إلى استضافة عدد من قياداته في طهران. فوفق شهادة المسؤول السابق في الحرس الثوري الإيراني سعيد قاسمي، الذي أقر أخيرًا في حوار مع قناة تلفزيونية تبث عبر الإنترنت في 18 أبريل 2019م، " عناصر من «الحرس الثوري» توجهت للبوسنة بين عامي 1992 و1995م، تحت غطاء منظمة الهلال الأحمر الإيرانية، كاشفًا عن دور «الحرس» في تدريب وتقديم الدعم اللوجيستي لتنظيمات متطرفة، على رأسها تنظيم «القاعدة»، مؤكدًا أن قوات «الحرس» كانت ملهمة في تطور التنظيم". وأشار قاسمي في المقابلة نفسها "إلى وثائق بحوزة الولايات المتحدة تؤكد علاقات «الحرس الثوري» و«القاعدة» وأنشطة قواته تحت «غطاء» الهلال الأحمر الإيراني في البوسنة".كما أن حسين الله كرم، من قادة الحرس الثوري والذي يقود حاليًا مجموعة "أنصار حزب الله" وهي من مجاميع الضغط المقربة من المرشد الإيراني علي خامنئي، أيد تصريحات زميله سعيد قاسمي. وفي نفس السياق كشف معاون السلطة القضائية الإيرانية محمد جواد لاريجاني، خلال مقابلة حصرية مع التلفزيون الإيراني في 30 مايو 2018م، أن "إيران سهَّلت مرور عناصر القاعدة، الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001م، في نيويورك"، وفقاً لقناة "العربية". وكانت وثائق بن لادن أو ما تعارف على تسميتها بـ " أبوت آباد" التي حصلت عليها القوات الأميركية من مخبأ زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن لدى مقتله عام 2011م، في باكستان، ونشرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية" (CIA) في نوفمبر 2017م، كشفت وجود علاقات تعاون بين طهران وتنظيم القاعدة على مدار سنوات، عملت عبره طهران على تمكين التنظيم الإرهابي من أجل خدمة مصالحها.

وخلال شهر رمضان عام 2019م، كشف علي الفقعسي القاعدي السابق-مسؤول المجلس العسكري للتنظيم خلال لقاء في برنامج الليوان عن علاقة تنظيم القاعدة بإيران حيث قال "إن إيران كانت تسهل عمل تنظيم القاعدة؛ لاستنزاف أمريكا، مؤكدًا أن طهران تدعم الإرهاب بشكل مباشر، وطريقهم إلى أفغانستان من خلال إيران كان أسهل". ويضيف "أن سيف العدل -أحد زعماء القاعدة في إيران وقائد عمليات القاعدة – يدير العمليات الخارجية لـ«القاعدة» من إيران". وتجدر الإشارة أن سيف العدل عندما حدثت تفجيرات الرياض في عام 2003م، هو نفسه الذي أعطى إشارة التنفيذ، (وفق تسجيلات هاتفية موثقة) كما يؤكد ذلك عادل الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية في محاضرة ألقاها بمركز إيغمونت البحثي، التابع لوزارة الخارجية البلجيكية في بروكسل، في22 يوليو 2016م. ويكمل الفقعسي أنه بعد سقوط طالبان، عاد مرة أخرى إلى أفغانستان بمساعدة إيرانية، وشارك بن لادن هروبه الكبير، من قندهار إلى تورا بورا وباكستان، ثم عاد بعد ذلك إلى السعودية بتعليمات من خالد شيخ محمد، لتأسيس خلية والقيام بأي عمل إرهابي كبير وعمليات اختطاف.

وتقول كاثرين باور، المستشارة السابقة حول شؤون إيران في مكتب تمويل الإرهاب والجرائم المالية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، في تصريح لها في قناة العربية في 22 مايو 2017م، إن "علاقة إيران بالقاعدة نشأت قبل أحداث 11 سبتمبر حيث كانت بمثابة المحطة لحركة تنقل عناصر القاعدة ونقل الأموال وتقديم التسهيلات للتنظيم بنقل المقاتلين والأموال من شمال آسيا إلى سوريا وإلى منطقة الخليج بهدف تسهيل أنشطة خلايا القاعدة". وأضافت أن إيران ما تزال متورطة "في تقديم تسهيلات لـ تنظيم القاعدة بانتقال عناصره من إيران إلى مناطق مختلفة، إضافة إلى استضافة عدد من قياداته في طهران".

كل هذه التصريحات من القادة الإيرانيين والوثائق والتصريحات تدعم الشهادة التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في أبريل 2019م، أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، وأشار فيها إلى علاقات وثيقة ربطت طهران بتنظيم القاعدة.

الأمر الخامس، تحويل سفاراتها في العالم إلى بؤر للتجسس والإرهاب وحيك المؤامرات، ويذكر عادل الأسدي، القنصل الإيراني السابق في دبي أن دور السفارات الإيرانية في الخارج وخاصة في منطقة الخليج، هو دور استخباراتي أكثر من كونه دور دبلوماسي، فهي تعمل على استقطاب العملاء وتجنيدهم ثم تحويلهم إلى خلايا إرهابية ببلادهم. وكما يشير عادل الجبير وزير المملكة العربية السعودية للشؤون الخارجية "ان تفجيرات الخبر في عام 1996م، ضد سكن القوات الأمريكية، كان ضابط مراقبة العملية هو الملحق العسكري الإيراني بالبحرين اللواء شريفي وصانع القنبلة كان ينتمي لحزب الله اللبناني، أما المتفجرات فكانت من وادي البقاع اللبناني وأن القادة الثلاثة الأساسيون للعملية هربوا وعاشوا في إيران منذ ذلك الوقت". كما أن التحقيقات في محاولة تفجير مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس، كشفت عن تورط دبلوماسي إيراني، وهو رجل المخابرات الإيراني أسد الله أسدي، الذي عمل في سفارة إيران بالنمسا منذ العام 2014م، واعتقل في ألمانيا وتم تسليمه مع عملاء إيرانيين آخرين في فرنسا إلى السلطات البلجيكية، حيث يحاكم مع الآخرين ومنفذي الهجوم أمام القضاء البلجيكي.

وهناك سلسلة أخرى من الشواهد تثبت تحويل سفارات إيران في الخليج إلى أوكار للتجسس والتجنيد بداية من شبكة التجسس في الكويت الإيرانية التي تم الكشف عنها مطلع 2010 م، وصدر الحكم في 2011م، والتي كانت تعمل بتسهيل من الملحق السياحي في السفارة الإيرانية في الكويت علي ظهراني، وهو بالأساس المسؤول الاستخباراتي للحرس الثوري الإيراني في الكويت ومنطقة الخليج. وكان علي ظهراني هو بنفسه يقوم بتجنيد أعضاء هذه الشبكات بالتعاون مع بعض الشركات التي تتغطى بأعمال السياحة في الكويت والخليج. والجدير بالذكر أن هذه الشبكة التي تمت محاكمتها في الكويت هي واحدة من أصل 8 شبكات تجسسية في البلاد اثنتان منها كانتا مسلحتين تلقتا تدريباتهما في إيران وبعض دول الجوار. مرورًا بالشبكات التجسسية بالبحرين في 2011 و2012م، التي تم القبض عليهم ومحاكمتهم وقد كانوا يعملون مع الحرس الثوري الإيراني بالتنسيق مع السفارة الإيرانية في البحرين، مرورًا بقضية التجسس الإيراني في الإمارات التي تم الكشف عنها مطلع عام 2011م، حيث قبض على سالم موسى فيروز خميس بتهمة التخابر مع إيران عبر ضابط استخبارات إيراني في القنصلية الإيرانية في الإمارات وإمدادها بمعلومات تتعلق بالقوات المسلحة الإماراتية وأماكن وجودها وتمركزها. وكان سالم موسى خميس يعمل بالتخابر منذ عام 2008م، مرورًا كذلك بشبكة التجسس في اليمن في عام 2012م، حيث كشفت الحكومة اليمنية عن ست خلايا تجسس إيرانية مرتبطة بمركز قيادة ويشرف عليها ضابط سابق في الحرس الثوري الإيراني مسؤول على عمليات الخلايا في اليمن والقرن الإفريقي. وانتهاء بشبكة التجسس في السعودية التي قبض عليهم في عام 2013م، وبلغ عددهم 28 شخصًا. وتذكر التحقيقات نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"، أن "سفارة إيران في الرياض، وقنصليتها في جدة، والمندوبية الإيرانية في منظمة التعاون الإسلامي، شاركوا في عملية التجسس في السعودية. وغيرها من شبكات التجسس في الدول العربية والإسلامية والعالمية. وبالتالي فالبعثات الدبلوماسية الإيرانية في العالم تحولت من بعثات تعمل على تمثيلها والدفاع عن مصالحها وتسهيل شؤون مواطنيها المقيمين في الدول المضيفة الى بؤر للتجسس والإرهاب وحيك المؤامرات.

الأمر السادس، فرق الاغتيالات أو شبكة الاغتيالات الإيرانية، إيران خلال العقود الأربعة الماضية انتهجت سلسلة ممنهجة في عمليات الاغتيال التي ارتكبتها ضد السفراء والدبلوماسيين، وكذلك ضد الخصوم المعارضين السياسيين الإيرانيين. كان آخرها محاولة اغتيال السفير السعودي السابق لدى العراق، ثامر السبهان في 2016م، وقبل ذلك في عام 2011م، تورطت في اغتيال الدبلوماسي السعودي حسن القحطاني في مدينة كراتشي وكذلك محاولة اغتيال وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير، عندما كان سفيرًا للسعودية في واشنطن. وفي الفترة من 1989-1990م، تورطت إيران كذلك في اغتيال 4 دبلوماسيين سعوديين في تايلاند. وفي العام 1985م، كانت محاولة إيران اغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، وغيرها من العمليات التي طالت الخصوم المعارضين السياسيين الإيرانيين في أوروبا. وقد كشف تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" في عام 2013م، أكد فيه "أن أجهزة المخابرات الإيرانية لديها شبكة مكونة من عشرات آلاف من العناصر المخابراتية لتخطيط عمليات الاغتيالات حول العالم وقمع المعارضين داخل البلاد. وأن هذه الأجهزة السرية للمخابرات الإيرانية تستخدم أكبر وأشد العمليات التجسسيّة في أنحاء العالم من مخططات للاغتيالات والتفجيرات الإرهابية والحرب السايبرانية"، وكل ذلك في انتهاك فاضح وصريح للمعايير والأعراف الدولية التي تشدد على الحفاظ على حياة الدبلوماسيين والسفراء والبعثات والمقرات الدبلوماسية.

وبالتالي فالإرهاب يعتبر أحد أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، وذلك لأن إيران لم تتحول بعد من الثورة إلى الدولة وما زالت تتعامل بسلوك النظم الثورية والسلوك السياسي للدول الثورية لا يقوم على تحليل للمصالح السياسية ولغة التكاليف والمنفعة كالعلاقات الخارجية التقليدية، وإنما هدفه الأساس ينصب على ترسيخ شرعيته الداخلية وتحقيق طموحاته الثورية.

تآكل سياسة حافة الهاوية

يعتبر جون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأميركية في عهد الرئيس أيزنهاور أول من استخدم هذا المصطلح "سياسة الحافة" في منتصف الخمسينات من القرن الماضي. وتعنى هذه السياسة في العلاقات الدولية تحقيق مكاسب معينة عن طريق تصعيد أزمة دولية ما ودفعها بدرجة خطيرة إلى حافة الحرب النووية، بهدف إجبار الطرف الآخر على الجلوس إلى مائدة التفاوض وتقديم أكبر قدر من التنازلات. إلا أن إيران انتهجت هذه السياسة "سياسة حافة الهاوية" وافتعال الأزمات الخارجية لترسيخ شرعيتها الداخلية. يذكر دكتور توماس لينديمان؛ Thomas Lindeman أحد أهم منظري العلاقات الدولية بجامعة فرساي سان-كوينتين Univesité Versailles Saint-Quentin في كتابة «السياسة الدولية لكسب الاعتراف» (International Politics of Recognition)، أن أتباع إيران لسياسة حافة الهاوية (السياسة النووية والمساعدات الثورية) كان هدفها الأساس ينصب على ترسيخ شرعيتها الداخلية. وبالتالي يعتقد لينديمان أن إيران استخدمت الـخطاب الثوري والسياسة النووية لتكوين صورة إيجابية للذات حول إيران المعزولة والتي تسعى من خلاله إلى تعزيز الاستقرار (التماسك) الداخلي وإضفاء الشرعية على صانعي القرار الإيراني في الساحة الداخلية.

إلا أن هذه السياسة " سياسة حافة الهاوية " التي اتبعها النظام الإيراني خلال الأربعة العقود الماضية سواء التدخلات الثورية في الدول الأخرى أو السياسة النووية والتي انفقت عليها الحكومة مليارات الدولارات في محاولة منها إلى ترسيخ شرعيتها الداخلية وتعزيز الاستقرار (التماسك) الداخلي وزيادة نفوذها، بدأت تتآكل وتتقلص. فالاحتجاجات الشعبية في أنحاء مختلفة من إيران خلال العقد الماضي بدأت تتزايد، سواء الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في عام 2009م، بعد الانتخابات الرئاسية، والتي قمعها الأمن بشكل عنيف أو الاحتجاجات التي كانت في عام 2011م، والتي تسمى ثورة البازار، أو الاحتجاجات التي كانت 2017م، والتي انطلقت شرارتها في مدينة مشهد شمال شرقي البلاد ثم امتدت إلى عدة مدن بما فيها العاصمة طهران، أو ما تشهده البلاد من احتجاجات منذ بداية 2019م، دليل على أن صوت الشعب بدأ يعلو مطالب النظام بوقف التدخلات واستنزاف مليارات الدولارات في حروب أشعلت المنطقة. فالاحتجاجات الشعبية التي بدأت اقتصادية، احتجاجًا على ارتفاع الأسعار وعلى السياسات الاقتصادية لحكومة حسن روحاني، سريعًا ما تحولت إلى مظاهرات سياسية راديكالية تطالب بإسقاط النظام وترفع شعارات من مثل «الموت لروحاني»، و«الموت للديكتاتور»، و «لا غزة ولا لبنان»، و«فداك إيران». فالشعب الإيراني الذي انتخب روحاني كان موعود بعلاقات طبيعية مع العالم وتنمية حقيقية على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية إلا أن الحكومة فشلت في تلبية مطالب الشعب. ففي مقابل هذا الاستنزاف الكبير من المليارات على التسلح النووي والتدخلات في المنطقة، يعيش أكثر من 40 مليون إيراني تحت خط الفقر، أي نصف عدد السكان البالغ عددهم 80 مليونًا، بحسب رئيس لجنة "الخميني" الإغاثية الحكومية في إيران، برويز فتاح. وتشير إحصائية لمركز بحوث البرلمان الإيراني إلى أن ما بين 45 و60 في المائة من الشعب الإيراني يعيش تحت خط الفقر، فيما أشار عضو في اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني إلى أن هذه النسبة تقترب من حدود 80 في المائة. كما يؤكد مساعد وزير العمل الإيراني على أن «نحو 5 ملايين شخص في إيران يعانون من الفقر المدقع والجوع المفرط». أما نسبة البطالة في إيران فقد وصلت إلى 12%، بينما وصلت النسبة في بعض المدن مثل محافظتي كرمانشاه (الكردية) والأهواز (العربية) وبلوشستان إلى 60% كما صرح بذلك وزير الداخلية الإيراني، عبد الرضا رحماني فضلي. أضف إلى ذلك فساد حكومي مستشري في كل مفاصل الدولة بسبب هيمنة أقلية حاكمة على مقدرات الدولة. فبحسب مؤسسة "بورغن" غير الحكومية والتي تعنى بمكافحة الفقر حول العالم، كشفت في إحصائية في سبتمبر 2017م، أن نسبة 5% فقط من إجمالي سكان البلاد تستحوذ على معظم مقدرات الدولة والمتركزة بيد المرشد وحاشيته وكبار المسؤولين وعوائلهم، في حين 95% من الشعب يعيشون في الفقر. وبحسب بورغن تقدر ثروة المرشد بحوالي 95 مليار دولار أمريكي أما بحسب المعلومات التي نشرتها السفارة الأمريكية في بغداد فإنها تقدر ثروة المرشد بــ 200 مليار دولار.

هل يعقل أن هذا البلد الغني بثرواته حيث يصدر أكثر من 4 ملايين و500 ألف برميل من النفط يوميًا، يعيش شعبه في هذا البؤس وهذا الفقر وهذا التهميش بسبب نظام ثيوقراطي فاسد أدخل البلد في حروب بلا نهاية وأشعل المنطقة وأدخلها في فوضى، فلا تجد أي بلد يعاني من ويلات أو أزمات إلا وتجد يد لإيران بها في العراق في لبنان في سوريا في اليمن أقاصي الشرق والغرب. أصبحت إيران بشهادة العالم كله أكبر داعم وممول للإرهاب في العالم. ألا يحق لهذا الشعب أن يعيش حياة كريمة متطلع إلى علاقات طبيعية مع العالم ويكسب احترام المجتمع الدولي ويتمتع بتنمية حقيقية على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية.

واخيرًا هذه المؤشرات الثلاث (سياسة تصفير الصداقات وصناعة الأعداء، رعاية إيران للإرهاب في أنحاء العالم، تآكل سياسة حافة الهاوية) مجتمعه قد تزيد من احتمالية بداية النهاية لنظام ولاية الفقيه، إما بسبب الحصار الاقتصادي أو المواجهة من الخارج أو ربما يعاد سيناريو الاحتجاجات الشعبية في عام 2009 أو ما تسمى بالثورة الخضراء أو ثورة البازار في 2011، وربما هذه المرة يفقد النظام السيطرة على مفاصل الحراك الشعبي وقدرته على قمعها. لأن العالم أدرك أن الاحتواء والتنازل مع الأنظمة الثورية لم يكن الخيار المناسب وإنما المواجهة الكاملة حتى يخرج من صلب هذا النظام من يتخلى عن الفكر الثوري الشمولي ويجاوز مفاهيم الثورة إلى الإيمان بالفكرة الوطنية ومفهوم الدولة واحترام المواثيق الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول للوصول إلى مناخ سياسي صحي يساهم في أمن واستقرار المنطقة ويغير من واقعه الفوضوي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير إدارة الدراسات الاستراتيجية والأمنية ـ الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ـ كاتب وباحث في العلاقات الدولية

 

 

 

 

 

 

مجلة آراء حول الخليج