array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 142

الاقتصاد والثقافة والتاريخ بوابة العلاقات بين دول الخليج والجمهوريات الإسلامية

الثلاثاء، 08 تشرين1/أكتوير 2019

مقدمة: عندما بدأ رائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري رحلته إلى الفضاء في 24 سبتمبر 2019م، كان ضمن الفريق الذي ضمته مركبة الفضاء "سويز إم إس 12"، التي انطلقت من محطة "بايكونور" الفضائية في كازاخستان، مع كل من رائدة الفضاء الأمريكية جيسيكا مير ورائد الفضاء الروسي اوليغ سكريبوشك.

ومن دون شك، فإن هذا التطور التاريخي يعكس اهتمام الإمارات بدخول مرحلة جديدة من التطور العلمي والتكنولوجي، على غرار دول العالم المتقدمة. لكنه أيضًا يلقي الضوء على الأهمية التكنولوجية والعلمية التي تحظى بها بعض الجمهوريات الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وهو ما يشير بوضوح إلى أحد جوانب المصالح والمحاور الجاذبة التي يمكن أن تعزز من أهمية تأسيس شراكة بين دول مجلس التعاون وتلك الجمهوريات.

وربما يمثل ذلك بالفعل أحد الاعتبارات التي تفسر سعي دول مجلس التعاون الخليجي إلى تطوير العلاقات مع تلك الجمهوريات، والتي تكتسب أهمية خاصة في تلك المرحلة لاعتبارات عديدة: يتمثل أولها، في الموقع الجغرافي لتلك الجمهوريات، الذي يرتبط بشكل كبير بأمن ومصالح دول المجلس، باعتبار أن تلك الجمهورية تقع على ممر استراتيجي مفتوح على منطقة الخليج.

ومن دون شك، فإن ما يزيد من أهمية هذا الموقع هو أن هذه المنطقة تقع في منطقة تمثل ملتقى للمشروعات الاستراتيجية التي تتبناها العديد من القوى الدولية الطامحة إلى ممارسة دور على الساحة الدولية، على غرار الصين وروسيا، كما أنها مثلت منطقة تقاطع لخطوط أنابيب نقل الطاقة من آسيا الوسطى والخليج إلى الصين ومن البحر الأسود وتركيا إلى الدول الأوروبية.

ولذا، كانت تلك المنطقة محط اهتمام القوى الدولية والإقليمية التي سعت إلى تعزيز نفوذها فيها، سواء لعوامل اقتصادية، أو أمنية عديدة، لدرجة أن بعض الكتابات وصفتها بأنها ملتقى الصراع الدولي والإقليمي.

وينصرف ثانيها، إلى تطلع هذه الجمهوريات إلى تأسيس علاقات قوية مع دول مجلس التعاون الخليجي. فبعد أن خرجت تلك الدول من الحقبة السوفيتية كان من المنطقي أن تتجه إلى الدول التي تتقارب معها ثقافيا ودينيا، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي. وبمعنى آخر، فإن هذه الدول سعت من البداية إلى تأمين ظهير ثقافي وديني لها في مواجهة التهديدات التي كانت تتعرض لها بسبب وقوعها في منطقة مفعمة بكثير من عوامل الاحتقان والتوتر، على غرار أفغانستان وإقليم شينجيانج الصيني، فضلا عن تزايد تهديدات التنظيمات الإرهابية، لا سيما حركة "أوزبكستان الإسلامية" التي انخرطت فيما بعد في الصراع الأفغاني مع تصاعد نفوذ حركة "طالبان" ووصولها إلى الحكم في عام 1996م.

وهنا، يمكن القول أن هناك مصالح متبادلة ومكاسب مشتركة يمكن أن تفرضها الشراكة بين دول المجلس وهذه الجمهوريات، تتعلق بالمشاركة في الاستثمارات والتنسيق الأمني ومواجهة بعض المشروعات الإقليمية التي تهدف إلى تأجيج حالة عدم الاستقرار الإقليمي.

ويتعلق ثالثها، بتصاعد دور المتغير الاقتصادي في تلك العلاقات، في ظل تطلع تلك الجمهوريات إلى توسيع نطاق تعاونها الاقتصادي مع دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة على ضوء التطور الملحوظ الذي اتسمت به الاقتصاديات الخليجية، حيث تطلعت الجمهوريات الإسلامية إلى نقل خبرات خليجية وإبرام اتفاقيات استثمارية كبيرة مع دول المجلس خلال المرحلة التي تلت استقلالها عن الاتحاد السوفيتي بعد انهياره.

ومن دون شك، فإن ما يزيد من تأثير هذا المتغير هو امتلاك تلك الجمهوريات لثروات نفطية وطبيعية كبيرة، على غرار النفط والغاز والذهب واليورانيوم وغيرها، توازت مع امتلاكها قدرات تكنولوجية تراكمت لديها منذ فترة الحقبة السوفيتية. فعلى سبيل المثال، تمتلك طاجيكستان كميات كبيرة من اليورانيوم وقد تم تشييد أول معمل سوفيتي لاستغلال اليورانيوم الطاجيكي في مدينة تابوشا عام 1946م، كما تم بناء محطة بايكونور الفضائية في كازاخستان، التي تستخدم في إطلاق الصواريخ الحاملة للأقمار الصناعية منه، وهي المحطة التي ما زالت روسيا تستخدمها حتى الآن في إطلاق الصواريخ المدنية إلى الفضاء، إلى حين بناء مطار فوستوشني الروسي، وفقًا لاتفاق مع كازاخستان تقوم بمقتضاه روسيا باستئجار المحطة حتى عام 2025م، مقابل 200 مليون دولار سنويا.

مصالح مشتركة:

وعلى ضوء ذلك، وانطلاقًا من تلك الاعتبارات، اتجهت بعض دول مجلس التعاون الخليجي نحو تطوير العلاقات مع تلك الدول، على مدار العقود الأربعة الأخيرة وبعد استقلالها مباشرة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي إدراكا منها لحجم المصالح المشتركة بين الطرفين. ومن هنا تطورت هذه العلاقات على نحو بدا جليًا في تنوع مسارات وآليات التعاون بين الطرفين، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1-تعزيز التعاون الأمني: كانت السعودية في مقدمة دول مجلس التعاون الخليجي التي أبدت اهتمامًا خاصًا بتوقيع اتفاقيات للتعاون الأمني مع بعض الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، على غرار الاتفاقية التي وقعها الأمير محمد بن نايف ولى العهد السعودي وزير الداخلية السابق مع الجنرال ميليس تور غانباييف وزير الداخلية في قيرغيزستان، في 26 مايو 2016م، وتضمنت التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والإتجار غير المشروع في المخدرات والبشر والمؤثرات العقلية ومكافحة الفساد والجرائم المعلوماتية، وذلك على خلفية الزيارة التي قام بها الأخير والوفد المرافق له إلى المملكة.

وفي السياق ذاته، وقعت شركة دبي مع وزارة الداخلية في قيرغيزستان، في 17 يوليو 2019م، على مذكرة تفاهم أمنية، تقضي بالتعاون في تطوير العمل الشرطي وتبادل الخبرات في هذا المجال تحديدًا، وذلك للحد من الجرائم ومكافحة الجريمة المنظمة، فضلاً عن جرائم التهريب والتزوير والسرقات إلى جانب حماية القانون والنظام العام.

واللافت هو أن اهتمام الإمارات بتوسيع نطاق التعاون الأمني مع قيرغيزستان بدأ في عام 2014م، عندما وقعت مع الأخيرة 7 اتفاقيات ومذكرة تعاون أمني خلال الزيارة التي قام بها رئيس قيرغيزستان ألماز بيك أتامباييف إلى الإمارات، في 7 ديسمبر 2014م، شملت المساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية، والمساعدة القانونية في المسائل المدنية والتجارية، وتجنب الازدواج الضريبي على الدخل ومنع التهرب المالي، وحماية وتشجيع الاستثمار، وخدمات النقل الجوي، والتعاون الاقتصادي، والتعاون الأمني.

ووقعت الإمارات وتركمانستان، في 14 مارس 2018م، على اتفاقيات عديدة، خلال زيارة الرئيس التركماني قربان قولي بيردي محمدوف إلى أبوظبى، شملت اتفاقية للتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والإتجار بالمخدرات، واتفاقية لتسليم المجرمين، والتعاون في المسائل الجنائية، والإعفاء من التأشيرات لحملة الجوازات الخاصة والدبلوماسية والمهمة.

2-توسيع نطاق التعاون الاقتصادي: فقد تم تشكيل لجنة سعودية – طاجيكية مشتركة للتعاون الاقتصادي، التي عقدت دورتها الثانية يومي 1 و2 إبريل 2018م، بالرياض، حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة من المتخصصين لدراسة وتحديد فرص الاستثمارات السعودية في قطاع النقل في طاجيكستان، وشملت المباحثات جميع القضايا الخاصة بالمتطلبات التي تحددها الأجهزة المسؤولة في الدولتين لخلق مناخ مواتٍ للاستثمار وإنشاء مناطق اقتصادية حرة وإيجاد الوسائل الكفيلة برفع مستوى التبادل التجاري بين الدولتين.

كما وقعت قطر مع طاجيكستان على 9 اتفاقيات تعاون خلال زيارة الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمان إلى الدوحة، في 6 فبراير 2017م، شملت التعاون في المجالين الأمني والثقافي ومذكرة تفاهم في اللجنة الأوليمبية القطرية والطاجيكية، ومذكرة تفاهم بين المصرف المركزي القطري والبنك الوطني الطاجيكي، واتفاقية للتعاون في المجال القانوني بين وزارتى العدل القطرية والطاجيكية، واتفاقية للتعاون في مجال التعليم، والصحة والنقل الجوي.

وصادقت قطر، في 27 مارس 2017م، على اتفاقية وقعتها مع كازاخستان، للتعاون في مجال منع الازدواج الضريبي، ومنع التهرب المالي فيما يتعلق بالضرائب على الدخل.

فضلاً عن ذلك، قام ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة بزيارة إلى كازاخستان، في 14 إبريل 2014م، حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة تعاون مشتركة لتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والإنساني، ووقعت الدولتان على اتفاقيات لتطوير التعاون في مجالات التعليم والعلوم والثقافة والاستثمار والتجارة والصناعة والبنوك والنقل الجوي.

وأجرى الملك حمد أيضًا زيارة إلى تركمانستان، في 18 مارس 2019م، حيث وقعت مذكرات تعاون بشأن الإعفاء المتبادل لطلبات الحصول على تأشيرة الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة، والتعاون في مجالات الثقافة والرياضة والصحة والتعليم والنقل. وأبرمت أيضًا مذكرات تفاهم بين غرفتي التجارة والصناعة في الدولتين، ومذكرتي تفاهم بين شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات وتركمان غاز وتركمان كيميا.

وتم تأسيس لجنة مشتركة للتعاون بين السعودية وتركمانستان، عقدت ستة جولات كان آخرها في 18 و19 أكتوبر 2018م، في العاصمة التركمانية عشق آباد، وذلك لمناقشة المشروعات والفرص الاستثمارية، وتسهيل التراخيص الحكومية للمشروعات الاستثمارية، وإقامة المعارض والمنتديات التجارية والاستثمارية.

3-تعزيز العلاقات الثقافية المشتركة: قام وفد من وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية بزيارة العاصمة الطاجيكية دوشنبه في فبراير 2019م، وذلك من أجل مناقشة مسودة مذكرة التفاهم بين وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية ولجنة الشؤون الدينية الطاجيكية، حيث جاءت الزيارة في سياق حرص السعودية على توسيع نطاق التعاون الثقافي وتقديم الدعم اللازم في المجال الثقافي والديني للجمهوريات والمجتمعات الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى، بالتوازي مع الدور الذي تقوم به المملكة في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف ونشر قيم التسامح والتعايش ونبذ الكراهية والتعصب.

ونظمت وزارة الإعلام السعودية أيامًا ثقافية تركمانستان، خلال الفترة من 18 إلى 22 إبريل 2019م، شارك فيها عدد كبير من المثففين والأدباء والفنانين، وذلك في سياق الجهود التي تبذلها الوزارة من أجل إبراز الهوية الثقافية للسعودية على الساحة الدولية، والترويج للموروثات الثقافية والحضارية للمملكة. وفي الإطار نفسه، نظمت معارض وأجنحة سعودية في تركمانستان خاصة بالأنشطة الثقافية والموروثات التاريخية والحضارية للمملكة ودورها الثقافي والتنويري على مستوى العالم، مثل جناح الحرمين الشريفين وجناح الأزياء التقليدية السعودية، وفيلم وثائقي عن المشروعات السعودية التي سوف يتم إقامتها في إطار خطة 2030م.

4- رفع مستوى التعاون السياسي: شكلت الإمارات وقيرغيزستان لجنة مشاورات سياسية بين وزارتي الخارجية في الدولتين، عقدت جولتها الثانية في العاصمة بيشكك في 28 يونيو 2019م، حيث شملت المباحثات محاور عديدة مثل سبل دفع علاقات التعاون المشتركة وإجراء مناقشات حول القضايا التي تحظى باهتمام مشترك بين الطرفين على غرار التعاون الاقتصادي والإنساني والقانوني ومكافحة الإرهاب.

مكاسب متعددة للشراكة:

يمكن القول إن دول مجلس التعاون الخليجي تسعى من خلال تطوير التعاون والعلاقات الثنائية مع الجمهورية الإسلامية في آسيا الوسطى إلى تحقيق مكاسب عديدة، يتمثل أبرزها في:

1-محاربة الإرهاب: يبدو جليًا أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الخاصة بالتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب حازت على قدر كبير من اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي في إطار سعيها إلى توسيع نطاق علاقاتها الثنائية مع الجمهورية الإسلامية في آسيا الوسطى. وربما يمكن القول إن ذلك يعود إلى أن هذه الدول تقع بالقرب من منطقة تشهد حروبا ونزاعات داخلية لا تبدو هينة، حاولت التنظيمات الإرهابية استغلالها لتوسيع نطاق نشاطها فيها. ويدل على ذلك، أن تنظيم "داعش" سعى في الفترة التالية على الهزائم التي تعرض لها في كل من العراق وسوريا إلى توسيع نطاق انتشاره في الدول القريبة من تلك الجمهوريات، على غرار أفغانستان، حيث يعتمد في هذا السياق على تنظيم "ولاية خراسان".

وقد بدأ "داعش" في تكوين خلايا نائمة تابعة له داخل تلك الجمهوريات، حيث كان له دور في التمرد الذي نظمته عناصر تابعة له في سجن وحدات شرقي العاصمة الطاجيكية دوشنبه، في 20 مايو 2019م، على نحو أدى إلى مقتل 32 شخصًا من بينهم 29 سجينًا و3 حراس.

وبالتوازي مع ذلك، تمكن التنظيم من تجنيد عدد من العناصر التي تنتمي إلى تلك الدول للمشاركة في العمليات الإرهابية التي قام بها داخل كل من العراق وسوريا خلال الفترة التي سيطر فيها على مساحات واسعة من أراضي الدولتين، بعد منتصف عام 2014م، وقد أشارت بعض التقديرات إلى أن عدد العناصر الطاجيك الذين تمكن التنظيم من استقطابهم يتراوح بين 1000 و1400 عنصر.

كما أعلنت حركة "أوزبكستان الإسلامية" مبايعتها لتنظيم "داعش" في أغسطس 2015م، حيث شكلت في بعض الفترات مصدر تهديد رئيسي لأمن ومصالح بعض تلك الجمهوريات. فيما أعلن تنظيم "اتحاد الجهاد الإسلامي" الذي انشق عن الحركة الأولى ويضم مقاتلين من جمهوريات آسيا الوسطى وألمان وأتراك، مبايعته لحركة "طالبان".

وقد كان لافتًا أن بعض التقارير أشارت إلى أن عددًا كبيرًا من العمليات الإرهابية التي تعرضت لها بعض العواصم والمدن الأوروبية خلال الأعوام الأخيرة نفذها عناصر من جمهوريات آسيا الوسطى، على نحو يزيد من أهمية توسيع نطاق التعاون الأمني وتبادل المعلومات بين دول مجلس التعاون الخليجي وتلك الجمهوريات.

2-مواجهة محاولات التوسع: والتي تقوم بها في الأساس كل من إيران وتركيا، وتمثل في الوقت نفسه التحديات الرئيسية التي يمكن أن تواجه تلك الشراكة بين دول مجلس التعاون والجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى. وتعد المحاولات الإيرانية لتعزيز التمدد داخل طاجيكستان مثالا على ذلك، حيث وجهت الأخيرة، في 9 أغسطس 2017م، اتهامات إلى إيران بممارسة دور سلبي أدى إلى تأجيج الحرب الأهلية الطاجيكية التي نشبت خلال الفترة بين عامي 1992 و1997م، من خلال إرسال قتلة وعناصر إجرامية، وقد بثت وسائل الإعلام الطاجيكية فيلمًا وثائقيًا تضمن اعترافات من جانب بعض تلك العناصر التي أكدت أنه تم تدريبها في إيران على تنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات سياسية وعامة داخل طاجيكستان.

واللافت أن ذلك سبقته جهود إيرانية لتعزيز التمدد داخل طاجيكستان، باستخدام أدوات ناعمة، على غرار التعاون الثقافي، لا سيما في ظل استخدام اللغة الفارسية، حيث قامت بتأسيس مركز "إيرانيان" في مدينة خجند وتقديم خدمات خيرية واجتماعية من خلال بعض المؤسسات مثل مؤسسة الإمام الخميني للإغاثة، إذ كانت تلك المؤسسات تقوم بتقديم خدمات للفقراء وإنشاء مراكز طبية وتعليمية وتنظيم ندوات ثقافية وغيرها، لاستقطاب المواطنين الطاجيك وتكوين مجموعات ضغط موالية لإيران داخل طاجيكستان، وهو ما توازى مع سعى إيران إلى فتح قنوات تواصل مع العديد من القوى السياسية والأحزاب الطاجيكية، والتي يأتي في مقدمتها حزب "النهضة الإسلامي" الذي قامت السلطات الطاجيكية بإدراجه كمنظمة إرهابية منذ سبتمبر 2015م، بعد أن ارتكب بعض العمليات الإرهابية.

كما تسعى تركيا بدورها إلى توسيع نطاق علاقاتها مع تلك الدول مستغلة القواسم الدينية تحديدًا، حيث حاولت الاستناد إلى أدوات ثقافية ودينية واقتصادية لتحقيق هذا الهدف، على غرار اللغة التركية التي تعتبر لغة معتمدة لدى كل من تركمانستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وكازاخستان.

وقد سعت تركيا إلى تشكيل ما يسمى بـ"المجلس التركي"، في 3 أكتوبر 2009م، ويضمها إلى جانب الدول الناطقة باللغة التركية، وقد استضافت العاصمة الأذرية باكو دورته الثانية والعشرين في 6 سبتمبر 2019م، التي شارك فيها مسؤولون من أجهزة الاستخبارات والأمن القومي في تركيا وكازاخستان وقيرغيزستان، لمناقشة التعاون في مجال مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات حول التهديدات والجرائم. وقد أشارت تقارير عديدة إلى أن تركيا سعت إلى تأسيس هذا المجلس لأهداف التجسس، خاصة فيما يتعلق برصد أنشطة حركات وقوى المعارضة للرئيس رجب طيب أردوغان، لا سيما حركة "خدمة" التي يتهمها بتدبير محاولات الانقلاب التي وقعت في منتصف عام 2016.

وخلال زيارته إلى قيرغيزستان في بداية سبتمبر 2018م، طالب أردوغان نظيره القيرغيزي سورونباي جينبيكوف باتخاذ إجراءات لوقف الأنشطة التي تقوم بها حركة "خدمة" على أراضي الأخيرة، حيث أسست مدارس تابعة لها، دعا أردوغان إلى إلحاقها بوقف المعارف التابع للحكومة التركية.

وقد بدا اهتمام تركيا بتطوير العلاقات مع تلك الجمهوريات جليًا في التصريحات التي أدلى بها أحد المسؤولين الأتراك وقال فيها أن "الجمهورية التركية خليفة الإمبراطورية العثمانية وعليها أن تقوم بإنشاء تحالف مع أذربيجان وتركمانستان وأوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان حتى لو أسفر ذلك عن الانخراط في مواجهة حادة مع بعض الدول مثل روسيا".

3-الانخراط في المشروعات الاقتصادية: والتي تقوم بعض القوى الدولية بتدشينها وتمر معظمها بتلك الجمهوريات. وفي هذا السياق، أبرمت الصين وباكستان اتفاقيات عديدة، في 20 أبريل 2015م، بقيمة 46 مليار دولار لتطوير ميناء غوادار، الذي يرتبط بالمشروع الاستراتيجي الأكبر الذي تتبناه الصين تحت اسم "حزام واحد. طريق واحد". وتضم هذه الاتفاقيات تطوير البنية التحتية الباكستانية من مجالات الطاقة والنقل وغيرها.

وقد بدا أن ثمة اهتمامًا من جانب بعض دول مجلس التعاون بالمشاركة في الاستثمارات في ميناء جوادار، على غرار السعودية، حيث قام وفد من رجال الأعمال والمستثمرين وأعضاء الغرف التجارية والصناعية السعودية بزيارة الميناء، في أول يناير 2019م، للتعرف على الفرص الاستثمارية في الميناء. وقد وقعت السعودية وباكستان على اتفاقية، في 17 فبراير من العام نفسه، لتنفيذ مصفاة لشركة أرامكو في الميناء بقيمة 10 مليارت دولار، بحضور كل من صاحب السمو الأمير محمد بن سلمان ولى العهد ورئيس الوزراء الباكستاني عمر خان.

كما وقعت إيران والهند وباكستان على اتفاقية لتطوير ميناء تشابهار الإيراني، في 24 مايو 2016م، حيث تعهدت الهند بضخ نحو 500 مليون دولار استثمارات في المشروع، من أجل فتح مجالات لنقل صادراتها إلى دول آسيا الوسطى دون العبور من الأراضي الباكستانية في ظل الخلافات التاريخية العالقة بين الطرفين. ومنحت إيران، في 7 سبتمبر 2018م، الهند الحق في إدارة جزء من الميناء لتحقيق هذا الهدف.

إن ما سبق في مجمله يشير إلى أن الجمهورية الإسلامية في آسيا الوسطى أصبحت محورًا للتنافس الإقليمي والدولي، وربما تتصاعد حدة هذا التنافس خلال المرحلة القادمة، لاعتبارات اقتصادية وأمنية عديدة، على نحو يفرض على دول مجلس التعاون الخليجي ضرورة العمل على توسيع نطاق العلاقات مع تلك الجمهوريات، خاصة أن القواسم الثقافية والدينية والحضارية المشتركة يمكن أن توفر فرصًا عديدة في هذا السياق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • خبير في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام

مجلة آراء حول الخليج