array(1) { [0]=> object(stdClass)#11631 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 145

ثلاثة محددات ترسم مستقبل الجزائر وتحدد مكانتها العربية والإقليمية والإفريقية

الخميس، 02 كانون2/يناير 2020

هناك مجموعة من المحددات الأساسية تحكم المكانة الإقليمية للجزائر عربيًا وإفريقيًا في المستقبل المنظور الممتد إلى آفاق 2030م، أولى هذه المحددات، المحدد السياسي الذي يختزل في النخبة الحاكمة الجديدة ما بعد سقوط نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والرهانات الديمقراطية بعد انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون في منتصف ديسمبر 2019م، ومستقبل تعامله مع الحراك الشعبي الرافض لكل ما يرمز للنظام القديم. أما المتغير الثاني، الذي سيحدد المكانة الجزائرية مستقبلاً فيتمثل في القوة الاقتصادية القائمة على الطاقة والتي تتحكم فيها العوامل الخارجية والجيوسياسية أكثر مما تتحكم فيها الجزائر ذاتها، فسوق الطاقة العالمية غالبًا ما أثرت سلبًا على التحول الديمقراطي في الجزائر بسبب التراجع المحسوس لأسعار النفط والغاز، حيث كانت تجربة الموجة الأولى للانتقال الديمقراطي في نهاية الثمانينات من القرن العشرين متزامنة مع انهيار أسعار النفط مما أدى بالجزائر للخضوع للشروط القاسية لصندوق النقد الدولي، بما فيها الشروط السياسية، الاجتماعية والمالية، القائمة على الليبرالية المتوحشة أدت إلى صعود الأصولية المتطرفة مستغلة مرحلة الفراغ المؤسساتي والانتقال الديمقراطي لتعبئة الرأي العام حول مشروع قائم على خيارات الصدام الدموي مع السلطة القائمة، كانت حصيلته كارثية ومأساوية أزيد من 200 ألف قتيل و14 مليار دولار خسارة مادية. أما المحدد الثالث والأخير فيتمثل في البعد الجيوسياسي للجزائر من خلال مجموعة الأزمات والنزاعات الإقليمية المحيطة بها، التي سيكون لها تأثير مباشر على أمنها القومي والأمن الإقليمي العربي، حيث يبقى النزاع في ليبيا بأبعاده الإقليمية والدولية يلقي بتأثيراته في المستقبل المنظور في حالة استمرار النزاع في خطه الاتجاهي التصاعدي، كما أن استمرار النزاع في شمال مالي والتمدد العسكري الفرنسي في منطقة الساحل من خلال عملية برخان العسكرية المنتشرة في خمس دول ساحلية ( موريتانيا- مالي-النيجر- التشاد وبوركينا فاسو) مع تصاعد السخط الشعبي المحلي ضد التواجد العسكري الفرنسي، يؤشر على أن حالات الاضطرابات الأمنية ستستمر بأكثر حدة من خلال تصاعد الجماعات الإرهابية العابرة للحدود  وجماعات الجريمة المنظمة المرتبطة عضويًا ووظيفيًا فيما بينها من خلال التمويل بدفع الفدية، الاتجار بالبشر وتجارة المخدرات الصلبة.

انطلاقًا من هذه المحددات الثلاثة سنحاول أن نستشرف مستقبل مكانة الجزائر إقليميًا، عربيًا وإفريقيًا، انطلاقًا من سنة الأساس بداية العام الجديد 2020م، من خلال سيناريوهين متداخلين فيما يبنهما، السيناريو الاتجاهي والسيناريو الإصلاحي.

الرئيس الجزائري الجديد...وتحديات التحول الديمقراطي.

شهدت نهاية 2019م، انتخاب المترشح للرئاسيات عبد المجيد تبون، رئيسًا للجزائر، في مرحلة مخاض سياسي يمكن أن تؤرخ للموجة الثالثة للتحول الديمقراطي في الجزائر، إذا اعتبرنا أن الموجة الأولى تغطي مرحلة التسعينيات من القرن العشرين التي اتسمت بالصراع الدموي بين المؤسسة العسكرية والتيار الإسلامي بعد وقف المسار الانتخابي، حيث استقال الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد تاركًا الفراغ المؤسساتي لمجلس أعلى للدولة كما تم حل البرلمان وإنشاء مجلس استشاري، واستمر الصراع الدامي بحصيلة مأساوية، تم معالجة آثارها بتجربة المصالحة الوطنية في مرحلة الموجة الثانية من التحول الديمقراطي وهي الفترة التي تغطي فترة حكم الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة التي امتدت لفترة عشرين سنة (1999-2019م) انتهت هذه المرحلة بموجات من الحراك الشعبي الذي انتفض على ترشح الرئيس بوتفليقة إلى عهدة رئاسية خامسة ( 22 فبراير 2019م) الذي بقي غائبًا عن الساحة السياسية طيلة عهدته الرابعة بسبب المرض العضال الذي أقعده الكرسي المتحرك، ورفع الحراك الشعبي مطالبه السياسية المتمثلة في رحيل " الباءات الأربعة"، وهي الرموز للأحرف الأولى لكل من الرئيس بوتفليقة، وبن صالح رئيس مجلس الأمة، وبدوي الوزير الأول، وبوشارب رئيس المجلس الشعبي الوطني، أي تعبيرًا عن رحيل كل من ممثلي السلطة التنفيذية والغرفتين التشريعيتين، وطرحت خيارات لرحيل هؤلاء الباءات الأربعة، منها إقامة مرحلة انتقالية تتشكل من شخصيات مستقلة تعيد صياغة الدستور والقانون العضوي للانتخابات لفترة زمنية تمتد بين سنة إلى سنتين.

في بداية الحراك الشعبي حاول شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، المستشار الشخصي للرئيس، والحاكم الفعلي بعد مرض الرئيس بوتفليقة أن يتكيف مع ضغوطات الحراك الشعبي ليطرح فكرة التمديد للرئيس بمرحلة انتقالية بالتحالف مع شخصيات سياسية وأمنية سابقة، منهم الرئيس الأسبق ليامين زروال ورئيس دائرة الاستعلامات والأمن الفريق المتقاعد محمد مدين المدعو توفيق، والمنسق الأمني برئاسة الجمهورية عثمان طرطاق، وهو الخيار الذي واجهه الفريق قايد صالح، نائب وزير الدفاع رئيس قيادة الأركان المسلحة، بالرفض المطلق خصوصًا بعد طرح خيار المواجهة مع الحراك الشعبي من خلال فرض حالة الطوارئ وحالة الاستثناء، من أجل فرض خيار التمديد للرئيس بوتفليقة، وعليه، فقد اصطفت المؤسسة العسكرية مع خيارات الحراك الشعبي الرافض للعهدة الخامسة والتمديد، بتكريس الخيار الدستوري لاسيما المادة 102 التي تنص على إجراءات إدارة المرحلة الانتقالية إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن أو حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته، وقدم الرئيس بوتفليقة استقالته لرئيس المجلس الدستوري، ليتم تطبيق المادة الدستورية التي تنص على تسليم الرئاسة لرئيس مجلس الأمة، الغرفة العليا للبرلمان، لمدة أقصاها تسعون يومًا، تنظم خلالها انتخابات رئاسية. وكان مفترضًا أن تتم الانتخابات بعد انقضاء الآجال الدستورية بعد استكمال تسعين يوما كما أعلن عنها في الرابع من يونيو 2019م، وتم تأجيلها لعدم استكمال الترسانة القانونية والتنظيمية الجديدة، لاسيما القانونين العضوين المتعلقين بالانتخابات والسلطة المستقلة المشرفة على الانتخابات، تحقيقًا لمطالب الحراك الشعبي الذي طالب بإبعاد حكومة نورالدين بدوي والإدارة عن الإشراف عن الانتخابات لاتهامها بتزوير العملية الانتخابية، وتم التمديد لرئيس الدولة عبد القادر بن صالح من قبل المجلس الدستوري مع تحديد موعد جديد للانتخابات حدد بتاريخ 12 ديسمبر2019م، تم قبول خمسة مترشحين أربعة منهم تقلدوا مناصب حكومية وزارية في فترة الرئيس بوتفليقة، وهم على التوالي، عبد المجيد تبون وزير أول سابق تم إبعاده من منصبه سنة 2017م، بسبب صراعه مع شقيق الرئيس بوتفليقة ورئيس منتدى رجال الأعمال علي حداد، المترشح الثاني على بن فليس، وزير أول سابق ومدير ديوان الرئيس بوتفليقة في عهدته الأولى، تم إبعاده من منصبه بعد تحالفه مع رئيس أركان الجيش الراحل محمد العماري الذي كان معارضًا لعهدة ثانية للرئيس بوتفليقة وترشح سنة 2004م، منافسًا للرئيس بوتفليقة، وعاد للحياة السياسية بعد مرض الرئيس 2014م، لينشأ حزبًا سياسيًا باسم طلائع الحريات، بعدما كان أمينًا عامًا لحزب جبهة التحرير الوطني. المترشح الثالث الأمين العام بالنيابة للتجمع الوطني الديمقراطي، عزالدين ميهوبي، وزير الثقافة الأسبق في حكم بوتفليقة، ينتمي لحزب محسوب على السلطة ويعيش أضعف مراحله بعد الزج بأمينه العام أحمد أويحيى السجن بتهم الفساد وتبديد المال العام. المترشح الرابع عبد العزيز بلعيد، رئيس حزب جبهة المستقبل، ترعرع سياسيًا في دواليب الحزب الحاكم، جبهة التحرير الوطني، قائد التنظيم الطلابي واتحاد الشبيبة الجزائرية، وعضو اللجنة المركزية للحزب، بعد الانفتاح السياسي انشق عن الحزب الأم وشكل حزبه الجديد الذي ترشح باسمه، أما المترشح الخامس والأخير، عبد القادر بن قرينة، المحسوب على التيار الإسلامي، وزير السياحة الأسبق ممثلاً عن حركة مجتمع السلم في إطار التحالف الرئاسي، وبعد وفاة رئيس الحزب محفوظ نحناح، انشق عن الحزب وأسس حركة البناء الوطني.

إجراء الانتخابات الرئاسية في 12 ديسمبر 2019م،  كانت في ظل بيئة سياسية وأمنية لم تشهدها الجزائر في تاريخها السياسي من قبل، فهي تجربة ذات خصوصيات يمكن أن تطبع الموجة الثالثةمن التحول الديمقراطي في حالة تجاوز التحديات في السنة الجديدة 2020م، أولى هذه الخصوصياتأن المؤسسة العسكرية رافقت الحراك الشعبي في مطالبه السياسية برفض العهدة الخامسة أو التمديد للرئيس بوتفليقة، عكس الصدام الدموي الذي ميز مرحلة الموجة الأولى من التحول الديمقراطي، وتركز الصراع أساسًا بين العصبة الحاكمة الدائرة بالرئيس بوتفليقة وممثل المؤسسة العسكرية الفريق قايد صالح، حيث حسم الصراع لصالحه بمحاكمة الثلاثي سعيد بوتفليقة، محمد مدين وعثمان طرطاق، من قبل المحكمة العسكرية بخمسة عشر سنة سجنًا نافذًا بتهمة التآمر ضد الدولة لتغيير النظام. كما حكم على العصب السياسية والمالية الداعمة للنظام السياسي للرئيس بوتفليقة بالسجن ويتم متابعتهم بجرائم الفساد المالي والسياسي، حيث تم الزج بالسجن كل من الأمينين العامين للحزب الحاكم جبهة التحرير الوطني، محمد جميعي وجمال لد عباس، كما تم محاكمة الأمين العام للتجمع الديمقراطي والوزير الأول الأسبق أحمد أويحيى إلى جانب الوزير الأول عبد المالك سلال، إضافة إلى سجن كل من رئيس تجمع أمل الجزائر، عمار غول، السيناتور ووزير الأشغال العمومية السابق، وعمارة بن يونس، رئيس حزب الحركة الشعبية الجزائرية، وزير سابق، ومن العصبة المالية تم محاكمة وسجن رئيس منتدى رجال الأعمال، علي حداد، الذراع المالي لشقيق الرئيس إلى جانب رجال الأعمال المحتكرين لصناعة السيارات وعمليات الاستيراد، وهي المحاكمات التي غطت على برودة الحملة الانتخابية، وقد خدمت كثيرًا المرشح عبد المجيد تبون، لأنه أول من حارب العصبة المالية السياسية، وطالب بفصل المال السياسي عن المجال الحكومي واصطدم مع شقيق الرئيس مما كلفه الإبعاد من منصبه بعد أقل من ثلاثة أشهر من تقلده منصب الوزير الأول، وظهر عبد المجيد تبون بمظهر الضحية للمافيا المالية السياسية أكسبته شعبية وتعاطفًا كبيرين على مواقع التواصل الاجتماعي خصوصًا بعد تجربته الناجحة في وزارة السكن في المشاريع السكنية الضخمة التي تم توزيعها على الفئات الاجتماعية الهشة والمتوسطة. أما الخاصية الثانية التي ميزت الانتخابات الرئاسية،فإنه لأول مرة منذ استقلال الجزائر لم يتعرف الناخبون على الرئيس الجديد إلا بعد إعلان اللجنة المستقلة للانتخابات عن النتائج النهائية، رغم الإشاعات ومحاولات التضليل من بقايا العصبة السياسية أو الرافضين للمسار الانتخابي، حيث كان الاتجاه العام في الساعات الأخيرة من الحملة الانتخابية تشير إلى دعم المؤسسة العسكرية للمترشح عزالدين ميهوبي، وذهبت مواقع إعلامية فرنسية على غرار "موند أفريك" المقرب من الدوائر الاستخباراتية الفرنسية، ومواقع إعلامية محلية تؤكد على اجتماعات سرية، خصوصًا بعدما دعم المكتب السياسي للحزب الحاكم جبهة التحرير الوطني، بأن الرئيس القادم ومرشح الجيش هو عزالدين ميهوبي، وكم كانت المفاجأة صادمة لكل التوقعات، لأن الكثير منهم لم يكن يؤمن بأن المؤسسة العسكرية تعهدت بالوقوف مسافة واحدة مع جميع المترشحين، وأنه لا يوجد أي مترشح للجيش، كما أن قيادة الجيش ليست لديها أي طموحات سياسية قيدتها صراحة في القانون الأساسي للمستخدمين العسكريين، بأن يمنع أي عمل سياسي أو حزبي على كل عسكري إلا بعد تجاوز خمسة سنوات من الإحالة على التقاعد.  وكذلك لأول مرة يهنئ المترشحين الأربعة الرئيس عبد المجيد تبون، ولم يقدموا طعونا في عملية إجراء الانتخابات، مما أضفى نوعًا من المصداقية على نزاهة وشفافية الانتخابات الرئاسية.

أما الخاصية الثالثة، فإنه طيلة عشرة أشهر لم يتوقف الحراك الشعبي عن المسيرات التي ينظمها كل جمعة رافعين شعارات التغيير الجذري والرافضين للعملية الانتخابية رغم كل التغييرات الطارئة، وأهم مميزات الحراك الشعبي، أنه يفتقد لقيادة مهيكلة تعطيه قوة الاقتراح وطرح البدائل الواقعية، لأن الاختفاء وراء الشعار الشعبي الفضفاض " يروحو قاع" أي رحيل الجميع، كان يعكس التناقضات الخفية داخل الحراك ذاته، بين الفئة الواسعة من الشعب التي خرجت طواعية رافضين للعهدة الخامسة وتمديد السلطة للرئيس بوتفليقة ومحاسبة الفاسدين، والتي اقتنع البعض منها بالقرارات التي تم اتخاذها من قبل العدالة من خلال محاسبة ما يسميه الفريق قايد صالح بالعصابة، توافقا مع الشعارات التي رفعها الحراك في بداية مسيراته الأولى، والتمسك بالخيار الدستوري الذي يهدف إلى إقامة انتخابات رئاسية وتطبيق المادة 102 من الدستور والمادتين 7 و8 من الدستور التي تكرس السيادة للشعب المعبر عنها عن طريق الانتخابات أو الاستفتاء. والفئة الأخرى التي تختفي وراء الحراك الشعبي هي خليط من التيار الأمازيغي الذي حاول فرض خياراته على الشارع من خلال رفع الأعلام الأمازيغية كل يوم جمعة، مطالبًا بمرحلة انتقالية ومجلس تأسيسي يعيد صياغة الدستور بما يحقق للجناح المتطرف داخل هذا التيار الحكم الفيدرالي، لتركيز الجغرافيا الهوياتية لمنطقة القبائل كما يطالب بها جماعة الحركة الانفصالية لمنطقة القبائل المعروفة اختصارًا بــ (الماك)، وهو التيار الذي فرض إرادته بالتطرف العنيف في الانتخابات الرئاسية بفرض المقاطعة واللجوء للإضراب الشامل في منطقة القبائل، واستخدام القوة لمنع الناخبين بغلق مكاتب الاقتراع وتهديد الناخبين في الخارج في التمثيليات القنصلية من أداء الانتخاب. وهذا السلوك العنيف كان محفزًا للمترددين في المشاركة الانتخابية لأداء التصويت، حقق نتيجة متوسطة ومقبولة لنسبة المشاركة العامة وصلت إلى 41 بالمائة، بعدما كان يراهن هذا التيار على خيار الفوضى والمقاطعة الشاملة للعملية الانتخابية. أما الفئة الأخرى من الحراك، فهي تعبير عن العصبة القديمة التي اخترقت الحراك وتطالب بدولة مدنية وإبعاد الفريق قايد صالح من اللعبة السياسية الانتقالية، معارضة للخيار الدستوري مطالبة بمرحلة انتقالية تم التسويق فيها لشخصيات سياسية وحكومية سابقة لإدارة هذه المرحلة، وهي تقريبًا نفس الأسماء التي طرحها شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة على الفريق المتقاعد توفيق والرئيس السابق اليامين زروال. أما الفئة الأكثر حيوية، فهي فئة الشباب الذي تأثر بموجات الحراك العالمي مستخدمًا أدوات التواصل الاجتماعي، يمتزج مع هذه الحيوية الرومانسية في المطالبة بالتغيير السياسي، زادته قوة الطبيعة السلمية للحراك ومشاهد التعايش الاجتماعي- السياسي بين كل الفئات بعيدًا عن الألوان الهوياتية، ذات الطابع الجهوي أو الديني، وعبر عن ذاته في مسيرات يوم الثلاثاء، لكن يبقى أن بناء الدولة في خياراتها الاستراتيجية ترفض الخضوع للرومانسية وغياب القيادة المعبرة عن هذه الطموحات، في ظل فراغ مؤسساتي مصحوب بأزمة اقتصادية داخلية وتحديات جيوسياسية في المحيط الجغرافي للدولة. وكلها تحديات تنتظر الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون، الذي وعد في أول ندوة صحفية بعد إعلان النتائج أنه سيتحاور مع الحراك، ويزور منطقة القبائل، ويستوزر شباب في الحكومة القادمة، كلها وعود مرتقبة في بداية السنة الجديدة 2020م، مع ملفات سياسية كبرى أهمها، تعديل الدستور عن طريق الاستفتاء بما يقلص من صلاحيات الرئيس وإقامة نظام شبه رئاسي، تعطى صلاحيات معتبرة لرئيس الحكومة الذي يعين من الأغلبية الحزبية في البرلمان.

الرئيس الجديد... رهين أسعار المحروقات.

ملفات اقتصادية ضخمة تنتظر الرئيس الجديد، حيث تعتمد الجزائر على مداخيل المحروقات لتمويل الميزانية العامة للدولة، أدى تراجع أسعار النفط في السوق العالمية إلى تأثيرات سلبية على احتياطي الصرف وصندوق ضبط الموارد الذي كان يمول بفائض أسعار المحروقات التي يحسب على أساسها السنة المالية، وهو ما دفع الحكومة الجزائرية السابقة في نهاية 2017م، للجوء إلى التمويل غير التقليدي، والمؤشرات المستقبلية تشير إلى تراجع احتياطي الصرف إلى حدود 34 مليار دولار في سنة 2021م، مما يؤثر على النفقات العمومية من جهة وعلى الواردات التي يصل متوسطها السنوي 44 مليار دولار، وهو ما جعل المؤسسات المالية الدولية والخبراء المحليون يدقون ناقوس الخطر، لإيجاد بدائل عن عائدات المحروقات التي تغطي 97 بالمائة من الصادرات و60 بالمائة من ميزانية الدولة، ومن بين الخيارات التي اعتمدتها حكومة بدوي بطريقة استعجالية أثارت الكثير من الانتقادات في وسط الحراك الشعبي، تعديل قانون المحروقات، وحجة الحكومة في ذلك أن اللجوء للعقود الثلاثة الجديدة في مجال الشراكة، المتمثلة في عقد الامتياز، عقد خدمات ذات المخاطر وعقد تقاسم الانتاج، يجنب الجزائر العزلة والتهميش في مجالات استثمارات الطاقة، حيث تمتلك الجزائر حظيرة منجمية تصل إلى 1.5 مليون كلم مربع لا يستغل منها إلا أربعين بالمائة، كما أن الاستكشافات في الفترة الأخيرة كانت ضعيفة، وتم عرض 67 منطقة في الجنوب للمنافسة لم يحصل إلا على 19 عرضًا فقط منذ سنة 2005م، ولم يتم التوقيع إلا على 13 عقدًا مع نهاية 2019م،  يضاف إلى ذلك أن نسبة الاستهلاك الداخلي للغاز ستجعل الجزائر غير قادرة على تلبية السوق المحلية في المستقبل القريب.   

سيحاول الرئيس الجديد طمأنة الرأي العام بأنه لا يمثل استمرارية للنظام السابق، وسيتخذ القرارات بمحاولة استرجاع الأموال المنهوبة من قبل العصبة المالية والسياسية السابقة في ظل الفساد المالي والسياسي الذي كشفته المحاكمات القضائية، وهو الوعد الذي قدمه في حملته الانتخابية، وسيبقى الملف الاقتصادي أكبر تحدي إلى جانب الورشات السياسية لإعادة هندسة النظام السياسي في المشروع المسمى بالجزائر الجديدة، ردا على أصحاب الجمهورية الجديدة التي فيها الكثير من الإيحاءات المولعة بتقليد النظام السياسي الفرنسي، وهو الصراع الذي قد يشتد بين النخبة الجديدة، الرئيس والمؤسسة العسكرية، التي ربطت العصبة القديمة بالدوائر الفرنسية، التي سيطرت على مفاصل الاقتصاد الجزائري في مجالات صناعة السيارات، البنوك، الاستيراد، وهذا التوجس من النخبة الجديدة جعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوجه رسالة، من موقع الآمر، إلى الرئيس المنتخب يوم إعلان النتائج يوصيه بضرورة الحوار مع الحراك الشعبي، كان الرد مباشر من قبل الرئيس الجديد بأنه لا يرد على تصريحاته، وأولوياته النهوض بالاقتصاد والقدرات المالية للبلاد وخلص قائلا:" لا يمكننا الانشغال بالسياسة عن الاقتصاد، وأنا أعد بآليات لعودة أموال الدولة في ظرف قصير من الداخل والخارج"، والكثير من الأموال المهربة وجدت ضالتها في البنوك والعقارات الفرنسية، وقد لعبت قضية السيادة الوطنية في الحملة الانتخابية لصالح المترشح عبد المجيد تبون، بعدما دعا النائب الفرنسي، رافايل غلوكسمان، في البرلمان الأوروبي للتدخل في الشأن الداخلي للجزائر، حيث تم تعبئة الشارع لرفع شعارات العداء التقليدي للسياسة النيوكولنيالية الفرنسية في المنطقة، وهي السياسة التي يمكن للرئيس الجديد أن يستثمر فيها كثيرًا.

أي دور للجزائر في الأزمة الليبية ومنطقة الساحل الإفريقي.

السياسة الخارجية في النهاية هي انعكاس لعنصري القوة والقدرة للدولة، وهي انعكاس للسياسة الداخلية، فغياب الجزائر في السنوات الأخيرة على المستوى الدبلوماسي العربي-الإفريقي بسبب مرض الرئيس بوتفليقة أدى إلى خفت صوت الجزائر على مستوى دبلوماسية القمم، بالرغم من انخراطها الإيجابي في مسارات النزاعات في المنطقة، مثل مسار اتفاق الجزائر لتسوية النزاع في شمال مالي المبرم بين الحركات الأزوادية في الشمال والسلطة المركزية في باماكو برعاية جزائرية، أو المشاركات على المستوى الجهوي والإقليمي لتسوية النزاع في ليبيا، وعليه فإن سنة 2020م، تنتظر الرئيس الجزائري تفعيل دبلوماسية القمم لدفع الأطراف المتنازعة لطاولة المفاوضات لإيجاد التسوية النهائية، ويمكن أن نستشرف المستقبل المنظور في آفاق 2030م، من خلال السيناريوهين الآتيين:

السيناريو الاتجاهي، ويفترض هذا السيناريو أن تستمر المتغيرات الثقيلة التي تحكم الجزائر في خطها الاتجاهي، الصعوبة في التحول الديمقراطي مصحوبة بتذبذبات السوق النفطية، مع استمرار النزاعات المحيطة بها، شرقًا في ليبيا وجنوبًا شمال مالي ومنطقة الساحل الإفريقي على الأقل في المستقبل القريب 2020-2025م، وهي العهدة الرئاسية الأولى للرئيس الجزائري الجديد، خصوصًا وأن التنشئة السياسية والعلمية للرئيس يطغى عليها الجانب المالي والاقتصادي، مع إعطاء الأولويات في المرحلة الأولى للبناء الداخلي، عبر عنه في أول ندوة صحفية بعد إعلان النتائج بأنه سيركز على زيارة المحافظات الجزائرية قبل زيارته للخارج، وهي سياسة قد تكون مغايرة للرئيس بوتفليقة التي طغى على عهدتيه الأوليتين الجولات المكوكية للخارج، وفي الوقت ذاته، فإن النزاعات في ليبيا والساحل الإفريقي قد تعرف انخراط القوى الدولية والإقليمية، مما تزيده تعقيدًا، خصوصا في ليبيا حيث يتضح الانخراط العسكري التركي-الروسي، ودعم طرفي الصراع باتفاقيات أمنية وعسكرية، يضاف إليها الصراع التقليدي بين إيطاليا وفرنسا المختزل في التنافس بين توتال وإيني، كما أن المشروع الفرنسي العسكري في الساحل الإفريقي سيستمر من خلال عملية برخان التي تضم 4500 عسكري فرنسي المنتشرة في خمسة دول، تركز نشاطاتها في الحدود الجنوبية للجزائر، شمالي مالي والنيجر، مما يعمق من صراع المصالح الجزائرية-الفرنسية.

السيناريو الإصلاحي، قد يغطي هذا السيناريو الفترة الزمانية الثانية 2025-2030م، حيث يقوم على مجموعة من المتغيرات، أولها، الوصول إلى الرسوخ الديمقراطي في الجزائر، وثانيها، استقرار في أسعار النفط مما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الجزائري، مع إيجاد بيئة إصلاحية تغري الاستثمارات الخارجية التي تبحث دوما عن مناخ الاستقرار السياسي، قد يتحسن هذا الوضع بمتغيرات إيجابية إقليميا، الاستقرار في تونس، وإعادة تطبيع العلاقات الجزائرية-المغربية بإيجاد تسوية أممية لقضية الصحراء الغربية، مع وصول الأطراف الإقليمية والدولية إلى حالة النضج في الصراع الليبي، من خلال توازن مصالح الطاقة والأمنية، بما يخدم استقرار الشعب الليبي وطموحاته في التحول الديمقراطي الذي حلم به بعد إسقاط نظام القذافي. وهنا، اعتقد أن الدبلوماسية الجزائرية قد تعزز الأمن الجهوي والإقليمي من خلال انخراطها في اتفاقيات استراتيجية أكثر حيوية مع الدول العربية، خصوصًا مع دول الجوار لليبيا، مصر، تونس، للمساهمة في إعادة بناء الدولة في ليبيا، التي تحتاج إلى الخبرات المهنية العربية لما تحتويه هذه الدول الثلاث من كثافة ديمغرافية بحاجة إلى التوظيف الخارجي.

وقد نتصور في منطقة الساحل الإفريقي تراجع الدور الفرنسي، لأسباب عدة، أهمها، الثقل المالي والمادي في تغطية نفقات عملية برخان، فشل مشروع مجموعة الساحل الخمسة بقيادة فرنسية، الضغط الأمريكي على فرنسا لمنع تمويل الأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام التي تقوم بها فرنسا في المنطقة، كما أن تصاعد حالة اللاستقرار وتزايد العمليات الإرهابية في المنطقة أدى إلى سخط الرأي العام في دول الساحل مطالبين برحيل القوات الفرنسية التي عجزت عن حماية المنطقة. وعليه، فإن التصور الدبلوماسي الأفضل أن يتم إعادة إحياء القيادة العملياتية المشتركة لتمنراست التي كانت تجمع الدول الميدان الأربع، الجزائر، مالي، النيجر وموريتانيا، مع توسيعها إلى دول الجوار من خلال دفع المشاريع التنموية الشاملة على حدود البلدان المشتركة، مما يسمح بإيجاد استثمارات عربية في ميادين السياحة والفلاحة والموارد الحيوية التي تحويها المنطقة.

مجلة آراء حول الخليج