انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتمقالالجمعيات الأهلية في الإمارات.. تطور الدور

الحروب العسكرية الأمريكية: عبثية مدمرة

انشأ بتاريخ: الخميس، 02 كانون2/يناير 2020

يدعو كثير من خبراء وعلماء السياسة الأمريكيين، وغير الأمريكيين في بقية أرجاء العالم بحرارة، حكومة الولايات المتحدة لمراجعة وتطوير وتهذيب سياساتها الداخلية والخارجية، بما يخدم في نهاية الأمر المصالح الأمريكية الحقيقية، ومصلحة العالم، وخاصة في مجالي الأمن والسلم الدوليين. وهناك شبه إجماع بين هؤلاء على أن أغلب هذه السياسات والاستراتيجيات الأمريكية تظل في أمس الحاجة للمراجعة والتطوير والتعديل. فليس من مصلحة أمريكا أن تستمر هذه السياسات على ما هي عليه، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945م، وتتواصل كذلك، حتى نهاية " الحرب الباردة " (الأمريكية – السوفيتية) عام 1991م.

إن أبرز ما تتسم به هذه السياسات هي كونها سياسات   " أوليجاركية "، تسعى لخدمة جماعات مصالح (أمريكية) معينة، ودون اعتبار يذكر لمصلحة الشعب الأمريكي وللمصلحة العامة الأمريكية، والمصلحة البشرية، التي يجب أن تتناسب مع مكانة الولايات المتحدة الدولية. وغني عن القول تذكر أن هذه السياسات قد نجم عنها الكثير من الأوضاع السلبية الداخلية (تراجع ديمقراطية أمريكا، ازدياد الفقراء فقرًا والأغنياء غنًا، ارتفاع نسبة البطالة، على سبيل المثال لا الحصر) والخارجية (انحسار النفوذ الأمريكي حول العالم، تدني سمعة وشعبية أمريكا ... الخ). 

    إن المراقب المحايد (وحتى المحب) للسلوك السياسي الأمريكي، الداخلي والخارجي إلى حد أكبر، يصدم من كون هذا السلوك منطلقًا من هدف (خفي وغير معلن) هو: خدمة مصالح بعض جماعات الضغط أولاً، وقبل كل شيء آخر.  يقول الرئيس الأمريكي الحالي " دونالد ترامب " إن حكومته ستعمل على خدمة أمريكا أولاً (يقصد كل أميركا) ... ولو تحرى الدقة في التعبير لقال: إن حكومتي، مثل ما سبقها من حكومات، ستخدم مصالح جماعات المصالح المتنفذة إياها أولاً.                           

   لقد نتج عن هذا التوجه السياسي الأمريكي ما نتج من مآس وكوارث إنسانية لا حصر لها، خاصة على المستويين العالمي والإقليمي.  حروب متنوعة ومختلفة شنت هنا وهناك...معظمها لا معنى له، ولا هدف معقول، سوى إرضاء بعض الفئات المصلحية، مثل ملاك مصانع الأسلحة الأمريكية، وتجار السلاح، وإشباع غرور الكاوبوي الجامح.  وهناك دعم مقيت لبعض "الباطل" وخرق حقوق الإنسان في كثير من أنحاء العالم، ناهيك عن كون أمريكا المعارض الأول والأساسي لإصلاح وتطوير منظمة الأمم المتحدة ...؟!

                                     

   تأسست الولايات المتحدة عام 1789م، أي قبل 229 عامًا.  وهناك إحصائية تشير إلى أن هذه الدولة قد قضت حوالي 93% من عمرها هذا (229 سنة) وهي تخوض حروبًا متنوعة، منها حوالي 90 حربًا عسكريًا (أغلبها بالتعاون مع "وكلاء" محليين) ضد دول وجماعات خارج حدودها، بدءًا من حربها ضد نيكاراجوا عام 1833م، وحتى حروبها في سوريا والعراق وأفغانستان، وغيرهم. 

     انتهت الحرب العالمية الثانية بعيد قصف نووي لمدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، بقنبلتين ذريتين أمريكيتين. فقد حوالي 220 ألف شخص حياتهم نتيجة لإلقاء هاتين القنبلتين. أكثر من 100 ألف شخص قتلوا خلال القصف مباشرةً، والبقية فقدوا حياتهم في أواخر عام 1945م، نتيجة للإشعاعات النووية الضارة التي أُصيبوا بها.  ومنذ انتهاء تلك الحرب، وخروج الولايات المتحدة منتصرة، عسكريًا وسياسيًا، وظهورها كدولة عظمى، أمسى جنرالات الحرب الأمريكيون منتشين جدًا بهذا النصر، وبدأوا يدفعون لشن حروب عسكرية عدة، آملين تحقيق انتصارات سهلة فيها. ولكن النتائج النهائية لمعظم هذه الحروب أتت مخيبة لأمال هؤلاء العسكر (ومن تعشم النصر فيهم) الذين مازالوا يديرون أفضل وأقوى جيش في العالم ...؟! 

   شنت الولايات المتحدة حروبًا إقليمية عدة. إذ خاض جيشها 41 حربًا في 28 دولة، منذ العام 1945م، حتى الآن. ومعظم هذه الحروب انتهت بكوارث ألحقت بالبلاد التي شنت عليها وفيها، وعادت على أميركا نفسها بشيء من الخسران. وقديمًا قيل: "لا منتصر في الحروب" ... للدلالة على ما ينجم عن الحروب من مآس لكل أطرافها. الأمر الذي يجعل من الدفع بالتي هي أحسن (سلمًا) هو الخيار المنطقي والأفضل في حالة تسوية الخلافات والصراعات، سواء الدولية أو الشخصية. وهذا القول تثبته هذه الحروب الأمريكية بقوة.

                                  

   وعندما نتوقف، عند "حروب" الولايات المتحدة هذه التي خاضتها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، سرعان ما سنرى أن التحليل الموضوعي المحايد لهذه الحروب البشعة، وما نجم عنها من ويلات، يكشف سوء كثير من السياسات الخارجية الأمريكية، وتخبطها، وعدم اكتراثها بالقيم الإنسانية التي يقدرها البشر في كل مكان.  صحيح، لقد نتج عن بعض هذه الحروب رسوخ قوة أمريكا العالمية، واكتسابها قدر من الهيبة. ولكن نتائج ما بعد معظم هذه الحروب كانت وبالاً على أمريكا، والبلاد التي تدخلت فيها.  ولم تستقر تلك البلاد إلا بعد أن رفعت أميركا يدها الغليظة عنها.

        كما أن هناك حروبًا شنت لأسباب هلامية، ومبررات

مكذوبة، ونجم عنها تدمير البلاد المستهدفة، وقتل وتشريد أعداد كبيرة من شعوبها، دون هدف إيجابي بناء أسفرت عنه. حتى "فوضتهم الخلاقة " كانت فوضى مدمرة.  ونلقي هنا بعض الضوء على هذه الحروب التي تمثل جزئية بشعة من سياسات أميركا الخارجية.

حـــروب أميركـــــــا: غطرسة القوة:

   لم يتحقق من أغلب هذه الحروب سوى الدمار والفوضى، وخروج القوات الأمريكية بعيد انتهاء هذه المهمة، محبطة، صاغرة في الغالب. كل ذلك دفع الكثير من المراقبين، الأمريكيين وغيرهم، إلى التساؤل: كيف يهزم أقوى جيوش العالم، وأكثرها كفاءة وتجهيزًا، وعدة وعتادًا، ولا يحقق انتصارًا حاسمًا، وعلى يد قوات بدائية وأضعف منه بمراحل ؟! وقد كتب عدة خبراء ومحللين عسكريين وسياسيين عن هذا الموضوع، متسائلين ومستغربين، منهم " أرنولد ايساكس " الصحفي الأمريكي المخضرم المتخصص في تغطية حروب أمريكا، بدءًا من حرب فيتنام، وحتى الحرب في العراق وسوريا.

  في أفغانستان، وبعد ثمانية عشر عامًا من التدخل العسكري الأمريكي، وشن حرب شعواء ضد "طالبان " و " القاعدة "، ما زالت الحكومة التي تدعمها أمريكا لا تسيطر على أغلب أرجاء البلاد. وما زالت " طالبان " مهيمنة على جزء كبير من أفغانستان، متمردة على حكومة كابل، وساعية للإطاحة بها. ولولا تحصينات مكثفة حول العاصمة كابل، لسقطت في يد " الثوار " منذ سنوات. 

     قام قائد أركان الجيش الأمريكي، جنرال المارينز " جوزيف دنفورد "، في أبريل 2018م، بزيارة استغرقت خمسة أيام للقوات الأمريكية في أفغانستان. وفى نهاية زيارته تلك، عقد مؤتمرًا صحفيًا، قال فيه لمراسل " أسوشيتدبرس " بأننا: " هذه المرة، نظن أننا نعمل صح ". بمعنى: ان الترتيبات الأمريكية العسكرية والسياسية السابقة لم تجد نفعًا، وان " ترتيبات جديدة "ستحقق الأهداف الأمريكية، وتضمن سيطرة الحكومة الأفغانية على كل البلاد. علما بأن " ايساكس " يقول إنه لا يرى جديدًا ...؟! 

 

    التاريخ السياسي والعسكري المعاصر يؤكد لنا أنه عندما تأخذ أمريكا القانون في يدها، وتتدخل عسكريًا في أي بلد، فغالبًا ما ينتهي هذا التدخل بالتدمير الممنهج، والفوضى السياسية العارمة. هناك استثناءات محدودة، منها: التدخل الأمريكي ضد صربيا. ولعل أصرخ الأمثلة على التدخل السلبي ما حصل في كل من: فيتنام والصومال وأفغانستان والعراق، وغيرهم. وقد تكون لنا وقفة لاحقة مع حربي أمريكا في كل من فيتنام، والعراق.

    ولنكرر، في نهاية هذا المقال، التساؤل: لماذا تنتهي معظم التدخلات العسكرية الأمريكية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، بما تنتهي عليه عادة من تدمير وفشل وإحباط ؟!   ونجتهد للإجابة العامة على هذا التساؤل فيما يلي. السبب الرئيس لهذه النتائج المأساوية لمعظم تدخلات أمريكا العسكرية، يعود إلى خلل واضح في السياسة الخارجية الأمريكية بعامة. أما أهم أسباب هذا الخلل، في رأينا، فهي:

1 – وقوف أمريكا غالبًا مع الجانب الخاطئ في أغلب الصراعات، وتجاهلها لرغبات وطموحات الأغلبية الشعبية في الدول المعنية.

2 – التدخل تحت ضغوط بعض جماعات المصالح (الضغط) الأمريكية. وهي جماعات لا تمثل إلا قلة قليلة من الشعب الأمريكي. ولعل أبرز هذه الجماعات كل من: التحالف العسكري – الصناعي (  The Military – Industrial Complex  ) ، واللوبي الصهيوني ( AIPAC) .

3 – التدخل غالبًا بمعزل عن إرادة منظمة الأمم المتحدة، والقانون الدولي.

4 – عدم حرص الاستراتيجيين الأمريكيين على تطبيق تصور منطقي بناء ومقبول لما يجب عمله قبل وأثناء وبعد التدخل.

    قد يغفر للدولة العظمى كل ما تعمله، كمـا يظن البعض.  ولكن، من الصعب أن يغفر لأي طرف إنزال ظلم بآخر، دون مبررات حقيقية. ولا يمكن قبول مبدأ " لا تستفيد، حتى لو تضرر أخرون "، طالما يمكن – بدلاً عن ذلك – تطبيق مبدأ " لاستفد، وأفيد الآخرين ". من يعمل للإضرار بأخرين دونما مبرر حقيقي، يفقد كثيرًا من هيبته ومكانته، وفى ذلك إضعاف له، سواء كان شخصًا أو دولة. إنها غطرسة القوة التي تؤدى لارتكاب مظالم فظيعة.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة