array(1) { [0]=> object(stdClass)#12057 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 146

أزمة إسقاط الطائرة الأوكرانية: أفقدت النظام الإيراني مصداقيته وعرته في الداخل والخارج

الأحد، 02 شباط/فبراير 2020

شكلت أزمة إسقاط الطائرة الأوكرانية، ومقتل ركابها و عددهم 176 من جنسيات مختلفة، كارثة وسقطة تاريخية للنظام الإيراني، الذي حاول استخدام سياسة الإنكار والمراوغة غير أنه وفي ضوء صراعات داخلية، وضغوط خارجية، اضطر للاعتراف بنهاية المطاف، الأمر الذي شكل تحديًا كبيرًا للنظام في ظل وضع معقد أصلاً وحالة حصار للنفوذ الإيراني فرضت نفسها ابتداءً، وهو ما سيكون له انعكاسات متعددة ونوعية ليس فقط على المستوى الخارجي، ولكن في الداخل كذلك، وستشكل تلك الأزمة منعطفًا خطيرًا، واختبارًا جديدًا، ومختلفًا، للنظام فيما يتعلق بالمسؤولية السياسية والضغوط الممارسة من المجتمع الدولي، وطبيعة وشكل استراتيجية النظام في التعاطي مع الصراع مع واشنطن وفي الملف النووي، ما بين الاستمرار والتغيير، وأزمة الاحتجاجات في الداخل، ومدى تماسك النظام السياسي وقدرته على الاستمرار.

أولاً-المراوغة والإنكار، ومأزق الاعتراف المنقوص

                تسابقت النخبة السياسية والقيادات الإيرانية في نفي صلتها بسقوط الطائرة الأوكرانية، وانغمست في حالة من الإنكار التام مدعين أن ذلك جزء من الحرب الأمريكية ضد إيران؛ فقد صرح علي ربيعي المتحدث باسم الحكومة الإيرانية أن "اتهام طهران بإسقاط الطائرة الأوكرانية هو مجرد "حرب نفسية" ضد إيران"،

                ورفض السلطات الإيرانية تسليم الصندوق الأسود إلى شركة بوينج المصنعة للطائرة، والتي يحق لها قانونًا الإشراف على التحقيق وفق قوانين الطيران. إضافة إلى تعمد ترك محيط سقوط الطائرة دون حما وللعبث بميدانه بما يعكس رغبة إيرانية في طمس الأدلة، وهو ما ظهر جليًا في الصور التي عرضتها وكالة فارس أظهرت وجود حفار وجرافة يتعاملان مع ركام الطائرة.

                حتى بعد اعتراف السلطات الإيرانية والحرس الثوري، فقد كان اعتراف مجتزأ، وغير كامل، حيث جاءت تصريحات روحاني بأنه "خطأ بشري"، لتسطيح وتبسيط الكارثة، ثم تصريح رئيس هيأة الأركان الإيراني بأن "المسؤول سيؤول لمحاكمة عسكرية". فيما ذهب وزير الخارجية محمد جواد ظريف لمحاولة تحميل واشنطن المسؤولية من خلال حديثه عن أن "سقوط الطائرة الأوكرانية كان نتيجة المغامرة الأمريكية".

                جاءت التصريحات الإيرانية منقوصة من تحمل مسؤولية كاملة حيث أعلن الحرس الثوري أن الطائرة كانت اقتربت من منطقة حساسة تابعة للحرس، والأمر الذي أدى للتعاطي معها على أنها طائرة معادية في ظل فرض درجات الاستعداد القصوى، وجاء في تصريح علي عابد زاده رئيس المنظمة الإيرانية للطيران المدني بأنه "لم يكن لدينا علم بما يحدث ... الشيء الأكيد أن الطائرة لم تسقط بصاروخ". وهي التصريحات تعكس عشوائية داخل النظام وغياب التنسيق بين مؤسساته.

                كما عمد النظام الإيراني إلى توجيه تهم التقصير من جانب طاقم الطائرة حيث حملته مسؤولية عدم اتخاذ تدابير خاصة بالتخلص من حمولة زائدة من الحقائب أو خزان الوقود، أو تفادي مسار الصاروخ الذي تم إطلاقه. في حين ذهب رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية للشؤون التنسيقية، العميد علي عبد اللهي، لأبعد من ذلك، حيث صرح بأن سقوط الطائرة جرى نتيجة الحرب الإلكترونية!، حيث ادعى أن أمريكا تستطيع تعطيل أنظمة الدفاع والرادار عبر استخدام أنظمة إلكترونية متطورة في الحرب الإلكترونية!

ثانيًا-إيران في مواجهة المجتمع الدولي

                حاولت إيران طول الأزمات السابقة إخراج المشهد على أنه مواجهة بينها وبين واشنطن "الشيطان الأكبر"، والتأكيد على هذه المعادلة في إدارة الصراع والعلاقة مع المجتمع الدولي، مما أوجد لها هامش مراوغة مع الدول الأخرى، ومساندة بعض الدول النسبية لها خاصة الدول المشاركة في الاتفاق النووي، والدول الأوروبية الطرف في خطة العمل المشتركة الشاملة، لكن الموقف في أزمة الطائرة الأوكرانية وضع إيران في أزمة وخيارات ضيقة، وجعلها في مواجهة مع المجتمع الدولي هذه المرة وليس مع أمريكا.

                جاءت المعلومات والتحقيقات الأولية لأكثر من دولة مؤكدة إسقاط الطائرة باستهداف صاروخي، ما جعل إيران محاطة بسيل من الأدلة الدولية؛ حيث أكد رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو أن لديه معلومات استخباراتية عن استهداف الطائرة بصاروخ أرض جو روسي الصنع: ، في حين طالب الرئيس الأوكراني فلادومير زينسكي، بعد اجتماعه مع مجلس الأمن القومي الأوكراني، السلطات الإيرانية بالإفصاح عن الحقائق وعدم التضليل، وهو نفس المعنى الذي دعا له بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني الذي طالب بضرورة "إجراء تحقيق كامل يحظى بشفافية ومصداقية".

                وزاد الضغط على إيران بعدما أفرجت واشنطن عن صور بالقمر الصناعي لوميض يضرب الطائرة أعقبه بوميض آخر بعده بثوان، وحينما عثر محققون أوكرانيون على دليل ضرب صاروخ للطائرة، وعندما أثبت محققون مستقلون صدق مقطع فيديو يظهر إسقاط الطائرة، بدأت ظهور أدلة تدعم فرضية إسقاط الطائرة بصاروخ، لا سيما بعد أن حصلت صحيفة نيويورك تايمز على فيديو يُظهر صاروخًا ينطلق إلى السماء ليلاً ثم ينفجر بعد أن يصل إلى الطائرة.

                                مع كل تلك المعطيات والأدلة الدولية، لم يكن أمام إيران أي مجال إلا التراجع عن الإنكار ومواجهة المجتمع الدولي؛ والدول التي ينتمي إليها الضحايا؛82 من الإيرانيين و 63 من الكنديين (57 في تصريحات أخرى)، و 11 أوكرانيًا من بينهم جميع أفراد الطاقم التسعة و 10 سويديين وأربعة أفغان وثلاثة بريطانيين وثلاثة ألمان. وقال رئيس عمليات الطوارئ في إيران إن 147 من الضحايا هم من الإيرانيين. وهذا يشير إلى أن 65 شخصًا ممن كانوا في الطائرة ممن يحملون جنسيات مزدوجة، وهو أمر لا تعترف به السلطات الإيرانية. الآن، تواجه إيران ضغطًا كبيرًا لتقديم تفسير كامل لما حدث للطائرة الأوكرانية، وسرعة إصدار تأشيرات فريق التحقيق، ومطالبات بالشفافية في ضوء تحرك جماعي من وزراء خمس دول فقدت مواطنين لها في تحطم الطائرة.

ثمة إقرار إيراني بالذنب بشكل عام، ولكن ثمة تفسيرات متناقضة بشأن التسلسل الدقيق للأحداث؛ بعيدًا عن تقديم النظام الإيراني لكبش فداء أو محاولة الالتفاف على الحقيقة أو تقديم تفسيرات مجتزأة؛ فقد وصف الرئيس حسن روحاني تحطم الطائرة بأنه "خطأ لا يغتفر"، وأمر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الجيش بالتحقيق "في أي أخطاء أو أوجه قصور محتملة" قادت إلى حادث التحطم، وتحدث علي عابدزاده رئيس المنظمة الإيرانية للطيران المدني أنهم حاولوا التواصل مع الطائرة وانتظروا عشر ثوانٍ للرد قبل أن يقرروا إطلاق الصاروخ، وأشار إلى أنه قد قُدم طلب لحظر الطيران في المنطقة قبل وقوع الحادث، ولكن الطلب قد رُفض. أزمة النظام الآن مع المجتمع الدولي، كونها جريمة دولية متورط بها مؤسسات النظام السياسي، ومع أهالي الضحايا الذين يتحركون بشكل فردي وبشكل منظم،

ثالثًا-لحظة "تشيرنوبل" الإيرانية .. عودة شبح الاحتجاجات

                مثل مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس هزة كبيرة للنظام باعتباره مهندس عملية تصدير الثورة ومن قام بإنشاء وتسليح عشرات الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق وسوريا وغيرها، غير أن النظام الإيراني دائمًا ما يحاول الاستفادة من الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية؛ فقد عمد على "تديين الأزمة" عبر الخطاب العاطفي وتجييش المشاعر بإخراج سليماني على أنه في الجنة ويحتضنه الإمام الحسين، بما يخلق "ملطمة" و "كربلائية" تاريخية جديدة وبكائية للنظام، وسعى إلى إخراج المشهد الجنائزي بشكل مهيب وشعبي وكأنه يعبر عن دعم الشعب الإيراني للنظام، في محاولة لحسر موجة التظاهرات والاحتجاجات على مؤخرًا، غير أن إسقاط الطائرة الأوكرانية كانت المفاجأة التي لم يكن النظام يضعها في حسبانه، فتبدلت كل أوراقه التي راهن عليها، وبدلاً من استخدام اللحظة التاريخية بمقتل سليماني لدعم النظام والتعاطف معه، فقد تحولت إلى كابوس ولحظة "تشيرنوبيل" إيرانية، فقد انفجرت التظاهرات مرة أخرى ضد سياسات النظام وممارسات الحرس الثوري الإيراني، وقد اتسعت رقعة التظاهرات لتطال مدن عديدة وتركزت داخل أروقة طلاب الجامعات في أكثر من مدينة.

                رابعًا-العشوائية.. تفعيل آلية فض النزاع

                كانت المباحثات الأوروبية مع طهران بخصوص البرنامج النووي ووفقًا لنصّ خطة العمل الشاملة المشتركة "JCPOA"، أي ما يعرف بالاتفاق النووي، تسير بمعزل نسبيًا عن السياق السياسي والأزمات الإيرانية مع واشنطن، ولقد حاولت الأطراف الأوروبية تهدئة التصعيد الإيراني مع واشنطن، ومحاولة احتواء سياسات إيران المتتابعة القائمة على "الهروب إلى الأمام"، و"حافة الهاوية"، في محاولة من إيران لاستخدام سياسة العناد واستدعاء الشعارات الثورية وقيم التمرد والصمود وغيرها.

                فقامت الدول الأوروبية بالتأكيد غير مرة دعمها للاتفاق النووي، وقد عملت على استحداث آلية "الأنستكس" لمحاولة تقديم الدعم لإيران كحل انتقالي، وتحملت سياسات طهران الاستفزازية سواء فيما يتعلق باحتجاز ناقلة النفط البريطانية "ستينا إيمبرو"، أو باستهداف التجارة الدولية في مضيق هرمز، حتى مع الخروج التدريجي الإيراني من الاتفاق والتخلي عن التزاماتها في الاتفاق بدءًا من كمية التخصيب، ونسبته، مرورًا بعودة العمل وإنتاج المياه الثقيلة في مفاعل آراك، واستخدام أجهزة طرد متقدمة من نوعية الجيل الرابع والسادس IR4، IR6. غير أن الدول الأوروبية كانت تصر على العودة للاتفاق بشكل كبير، غير أنه وبعد حالة "اللامسؤولية" من جانب النظام الإيراني، وعدم اتباع أية ضمانات أو ضوابط لحماية المدنيين أو الإجراءات الوقائية والاحترازية في حادثة إسقاط الطائرة، كان له دور في إعلان الدول الأوروبية، بريطانيا وفرنسا بشكل محدد، اللجوء إلى آلية فض النزاع في الاتفاق النووي، وهي مرحلة مختلفة وجديدة فيما يتعلق بالملف النووي، وعلاقة الدول الأوروبية بإيران.

                ووفقًا لخطة العمل الشاملة، فإنه في البندين 36 و37، يتم الحديث عن آلية "فضّ النزاع" كنظام لحلّ الخلافات فيما يتعلّق بتنفيذ أطراف الاتفاق تعهداتها، إذ بموجب ما ينصّ عليه البندان، وفي حال اتهمت هذه الدول طهران بانتهاك الاتفاق النووي، وأحالت الموضوع إلى اللجنة المشتركة، سيكون أمام إيران مهلة 30 يومًا، للدفاع عن نفسها وإقناع الأطراف الأوروبية بصواب خطواتها. وإذا رفضت هذه الأطراف الحجج الإيرانية، يمكنها أن تحيل الأمر لمجلس الأمن، الذي بدوره سيقوم بعقد جلسة للتصويت على قرار بعنوان "مواصلة رفع العقوبات عن إيران"، بموجب البند 37.

                فإنّ اختيار هذا العنوان للقرار يحرم روسيا والصين من استخدام حقّ الفيتو لمساعدة إيران، إذا ما أرادتا ذلك، لأنّ الدول الغربية تمكّنت من خلال تضمين الاتفاق النووي هذا العنوان، أن تضمن حقّ النقض لنفسها وسلبه من الآخرين. فإذا ما أعيد الملف الإيراني لأروقة مجلس الأمن وتمّ التصويت على قرار "مواصلة رفع العقوبات عن إيران"، ستقوم بنقض هذا القرار، مما يعني أنّ رفع العقوبات عن إيران لن يستمرّ وتلقائيًا ستعود القرارات الأممية كافة حول فرض هذه العقوبات، بالإضافة إلى عودة إيران لتكون تحت الفصل السابع الأممي.

                وينصّ البند 37 على أنّ بإمكان مجلس الأمن أن يتخذ مسارًا آخر غير طرح التصويت على قرار بعنوان "مواصلة رفع العقوبات عن إيران". ويشير البند أيضًا إلى أنّ "إيران تعتبر عودة العقوبات جزئيًا أو كليًا بمثابة سبب لإيقافها تعهداتها المنصوص عليها بالاتفاق النووي أو جزءٍ منها".

                ورغم أن البعض يحاول التأكيد على أن مسار الملف النووي كان في اتجاهه التلقائي للتأزم وتفعيل آلية فض النزاع نتاج ممارسات إيران والتخلي عن التزاماتها، إلا أنه، كان لحادث إسقاط الطائرة الأوكرانية عظيم الأثر في دعم ذلك المسار، وبخاصة مع حالة الإنكار من جانب النظام الإيراني، وتعرية ادعاءاته، الأمر الذي وضع الدول الأوروبية في حرج وبات عليها عدم الانتظار إزاء ممارسات إيران.

خامسًا-إجراءات دولية وخسائر اقتصادية إضافية

                حالة من التوتر الشديد وانعدام الثقة أصابت العالم تجاه إيران، الأمر الذي انعكس على إعلان عدد كبير من شركات الطيران الدولية استبعاد المجال الجوي الإيراني من رحلاتها، وهو ما يكبد إيران خسائر بقيمة تصل إلى 350 مليون دولار سنويًا -أي ما يعادل حوالي 4 مليار تومان. وهو رقم كبير وبخاصة في ظل أهميته في سد الفجوة وأن هذه العائدات كانت تساعد الاقتصاد الإيراني في ظل وصول عائدات النفط إلى أدنى مستوياتها فضلًا عن عدم تحصّل إيران على تلك العوائد نتيجة العقوبات المصرفية. خاصة أن شركة المطارات والملاحة الجوية تمكنت جزئيًا من تعويض العجز المالي لوزارة الطرق والتعمير من خلال عوائد المرور من الأجواء الإيرانية.

وتحدد صيغة تعريفة لعبور الطائرات في أجواء إيران بناء على اللائحة التنفيذية للمادة 63 من القانون المتعلق بوصول بعض أنواع دخل الدولة وإنفاقها في مواضع محددة، وتعد أقصر مسيرة عبور لطائرة من إيران تكون 100 دولار، ومتوسط عائد كل رحلة تمر بسماء إيران لا يقل عن 800 دولار ويومياً يمر حوالي 950 إلى 1000 رحلة في الأيام العادية من الأجواء الإيرانية.

                ورغم أن الممر الجوي الإيراني هو الخط الأقرب والأكثر استعمالًا لمرور الطائرات في المنطقة، إلا أن العديد من خطوط الطيران بحسب التقرير غيرت مسار عبورها واستبدلت المجال الجوي الإيراني بالمجال الجوي لدول كالعراق وأفغانستان وباكستان والسعودية. ونتيجة لذلك، فقد وصلت الرحلات الجوية العابرة لإيران منذ حادثة سقوط الطائرة إلى أدنى مستوياتها، بعد أن حققت طهران أعلى معدل دخل منها على مدار السنوات الأربعة الماضية. وبالتالي، فإن تلك الأزمة ستنعكس بشكل سلبي للغاية على الدولة والاقتصاد الإيراني،

سادسًا-صراع ممتد .. تصدع النظام الإيراني

                كشفت حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية عن حجم التصدع داخل النظام الإيراني، على عكس ما حاول النظام ترويجه كثيرًا أن النظام قوي وعلى قلب رجل واحد، فقد تكشفت بعض مظاهر ذلك الخلاف ولم ينجح النظام هذه المرة في إخفاء ذلك، حيث كان هناك ضغط شديد من جانب الرئيس الإيراني روحاني على الحرس الثوري لضرورة الاعتراف بمسؤولية إسقاط الطائرة وكان هناك صراع محتدم تحدثت بعض التقارير عنه الأمر الذي وصفته بوضع روحاني استقالته إذا ما تمادى الحرس في الإنكار، محاولاً توظيف اللحظة التاريخية وبخاصة بعد مقتل سليماني، الرجل القوي داخل النظام، في محاولة للضغط على الحرس بالاعتراف لتقليل مخاطر سيناريو الإنكار في ظل تضييق بعض الدول الخناق على طهران من خلال الإفصاح عن بعض الأدلة التي تثبت تورطها.

                ويفصح ذلك الموقف عن استغلال روحاني للأزمة في محاولة لفرض رؤيته التي طالما كانت غائبة وغير مفضلة من جانب المرشد الأعلى والحرس الثوري وبخاصة سليماني، الابن المدلل لدى خامنئي، في محاولة لتقليل حجم الضرر ومغازلة الخارج لتحقيق وضع أفضل لمؤسسة الرئاسة، وخلق مساحة من التفاهم ربما تفضي لانحسار مأزق العقوبات الاقتصادية الذي يعاني منه بتحمله مسؤوليته.

                كما جاءت تصريحات المرشد الأعلى لتؤكد حجم الخلافات داخل أوساط القيادة الإيرانية، بين التيار الإصلاحي بقيادة روحاني والمتشدد بقيادة خامنئي والحرس الثوري؛ فتوقيت خطبة صلاة الجمعة 17 يناير 2020م، التي يلقيها المرشد الأعلى علي خامنئي، لأول مرة منذ 2012 م، يدل على عظم الأزمة، ليس خارجيًا فقط، ولكن في الداخل أيضًا، وهو يحمل كذلك رسائل موجهة إلى الداخل والخارج، منها احتواء الاحتجاجات والسيطرة عليها، ودعم الحرس الثوري الذي تعرض لانتقادات بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية، في محاولة لدعم الحرس في مواجهة روحاني، وكان خامنئي قد شدد في خطبته على أن "الحرس الثوري يحمي أمن إيران".

                لقطة واحدة تلخص المشهد كله، وتؤكد أن الصورة، فعليًا، فقد عكست وتجلت الخلافات بين رأسي السلطة في إيران، روحاني رئيس الجمهورية والمرشد الأعلى على خامنئى، في مقطع فيديو مقتضب من صلاة الجمعة، حيث غادر الرئيس روحاني، بشكل مفاجئ المسجد فور انتهاء صلاة الجمعة، خلف المرشد خامنئى دون الانتظار لتحيته، أو الالتزام بالقواعد العرفية أو البروتوكولية، في رسالة غير مباشرة للاعتراض على رسائل التهديد والوعيد والتصعيد التي بثها خامنئى في خطبة الجمعة.

 

 

سابعًا-المدركات الذهنية .. شرعنة الإجراءات الأمريكية

                أحدثت كارثة الطائرة الأوكرانية نوع من المراجعات اللاإرادية لنظرة الأفراد لإيران ولطبيعة الصراع مع واشنطن، على اعتبار وجود نمط تلقائي من التعاطف أو الدعم بالمخالفة ممن يكرهون سياسات أمريكا، وربما كان ذلك يوفر هامش دعم لإيران، غير أن إسقاط طهران للطائرة الأوكرانية جعل نظرة مغايرة للأمور، على اعتبار إدراك حقيقة العشوائية التي يعيشها النظام الإيراني، وحالة اللامبالاة بالنفس البشرية واعتبارات الحماية المدنية، بما يضفي حالة من مراجعة النظرة لأطراف الصراع، يوكرس ضرورة التعاطي الجاد مع ممارسات النظام الإيراني.

                كما أدى ذلك لفرض نوع من "شرعنة" الإجراءات الأمريكية لدى قطاع عريض من شعوب العالم ممن لم يكونوا يهتمون بتفاصيل الصراع وأبعاده، فالآن هناك حالة سخط عالمية تجاه النظام الإيراني، وهي لحظة قوة كبيرة لواشنطن تجعل من فرض أية عقوبات هو أمر مشروع.

ثامنًا-تأثير إسقاط الطائرة الأوكرانية على مستقبل النظام السياسي الإيراني

من المتوقع أن تؤثر أزمة إسقاط الطائرة الأوكرانية على عدة مستويات:

  • النظام السياسي: ستزيد تلك الأزمة من هوة الفقد القيادية الخاصة برحيل سليماني، حيث لا يوجد أوراق قوية لدى كاريزما تستطيع العبور من هذا المأزق، فلا إسماعيل قاني قائد فيلق القدس، ولا حسين سلامي قائد الحرس الثوري، يستطيع القيام بتلك المهمة عبر "تسريب الضغوط" التي كان يجيدها سليماني.

كما أن التوتر والتصدع داخل أروقة النظام سيزداد وبخاصة أنه لم يعد شيئًا خفيًا، مع وجود مؤشرات ودلالات قوية على صراع روحاني ظريف من جانب مع خامنئي والحرس الثوري في الجانب الآخر، وهو ما قد يفضي في النهاية إلى زيادة ارتباك النظام ووجود ثغرة قوية قد تكلفه كثيرًا.

  • النفوذ الإيراني في الاقليم: بعد الاعتراف الإيراني بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة، تراجعت تصريحات ووعيد قيس الخزعلي قائد عصائب أهل الحق العراقية المهددة بالانتقام، وكذلك أفول نبرة العداء والتدمير التي رفعها مقتدى الصدر، والذي صرح أنه وجه كافة الميليشيات بعدم استهداف أية مصالح أمريكية في دعوة للتهدئة، وحسن نصر الله، الذي خفت صوته بعدما خرج بتصريحات ثائرة ومتوعدة. فقد أثرت الأزمة بشكل كبير على قدرة إيران وميليشياتها على إصدار الضجيج واستفزاز المجتمع الدولي، في خطوات محسوبة بدقة، تهدف على الأقل مرحليًا إلى "امتصاص الغضب"، وإبعاد واشنطن والرغبة في عدم "تسييس" أزمة إسقاط الطائرة، كما طالب روحاني نفسه.
  • امتداد الأزمة: من المتوقع أن تستمر تلك الأزمة طويلاً، كما حصل في أزمة لوكيربي مع ليبيا، وبخاصة في ظل الخبرة التاريخية المتعلقة بمراوغة النظام الإيراني،
  • الأعباء الاقتصادية: من شأن هذه الأزمة أن تعمق من الآثار الاقتصادية التي يعيشها النظام، وبخاصة في ظل العقوبات الأمريكية الجديدة، وربما في ظل عقوبات من دول الضحايا أو منفردة، وأيضًا زيادة خسائر عدم استخدام المجال الجوي الإيراني، علاوة على التعويضات المتوقعة لضحايا الطائرة والتي تصل لعشرات المليارات من الدولارات.
  • مستقبل النظام السياسي: أحدثت الأزمة حراكًا كبيرًا بعودة الاحتجاجات والتي كانت لديها قبول نوعي هذه المرة، ولم يتعاطى النظام معها بنفس درجات العنف، غير أنه ما زال يفتقد للمنطق باعتقاله المسؤول عن تصوير بعض المقاطع !، ومن المرجح أن تؤثر تلك الاحتجاجات على صورة النظام خاصة في ظل الزخم والمتابعة العالمية للأحداث في إيران على هامش الكارثة، ربما لن تسقط النظام، ولكنها تقوم بتعريته في توقيت هام وحساس. النظام الإيراني ما زال يمتلك أدواته الأمنية القادرة على الاستمرار من الحرس الثوري وقوات مكافحة الشغب، والباسيج، والجيش النظامي، وميليشيات من الخارج مثل الحشد وفاطميون، والتي يقمع بها التظاهرات، غير أن الاختلاف حاليًا يتمثل في حجم التركيز والملاحقة الدولية للنظام، وحالة الحصار الشديد سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا؟، والتي من شأنها أن تقوض قدرات النظام على التأثير ودعم ميليشياته، بما يؤثر على نفوذه خلال الفترة القادمة، والتي تعد خطوة أولى في طريق السقوط الطويل.

مجلة آراء حول الخليج