السعودية سوف تنتج نصف متطلباتها من الأسلحة نهاية العقد الحالي

الأحد، 02 شباط/فبراير 2020

كانت الدروس المستفادة الكبرى للدول التي خاضت حروبًا، وهي تركيز قدراتها لتصنع سلاحها بنفسها وليس اعتمادًا على الإمداد الخارجي حتى تضمن تأمين عملياتها العسكرية في المستقبل. وتمثل الخبرة في التصنيع العسكري بداية انطلاقة تكنولوجية حقيقية تمتد لتشمل كلا المجالين المدني والعسكري. وليس الغرض من هذا التوجه هو العدوان أو التهديد، ولكن ذلك يأتي في سياق إعداد القوة قدر الاستطاعة، لردع الطامعين، وتحقيق الحماية ونشر الأمان في هذا العالم الذي يعج بالراغبين في السيطرة والهيمنة والابتزاز وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

قدرات الخليج في مجالات التصنيع العسكري

تبنت دول مجلس التعاون الخليجي سياسات طموحة لتأسيس تصنيع عسكري محلي يوشك على منافسة موردي السلاح التقليديين بل والوصول إلى أسواق أجنبية. وفي عقيدة دول المجلس أن القوة الصلبة هي السبيل لدعم سياسة خارجية حازمة، وإقامة علاقات استراتيجية مع شركاء من خارج المنطقة، وتطوير قاعدة للتكنولوجيا المحلية.

في أعقاب تراجع الجيش الأمريكي من المنطقة تعمل كل من السعودية والإمارات على إصلاح اقتصاداتهم المعتمدة على الاستيراد قبل تأثر عصر النفط. وهما تعدان برنامجًا حتى 2030م، للتوسع الكبير في الصناعة المحلية وتنويعها، بما في ذلك تكنولوجيا الدفاع. ومن خلال السياسات الهادفة، يمكن إحداث ثورة لبناء تصنيع عسكري يوجد سوقًا لمنتجاتهم على المدى الطويل، ويعوض الاعتماد في شراء الأسلحة على استخدام ثروات نفطية ينبغي ترشيدها. ومن خلال توسيع هذه القاعدة الصناعية، يمكن للقوتين الرئيسيتين في مجلس التعاون الخليجي تأكيد قيادتهما في "التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب".

جهود المملكة العربية السعودية

تم إطلاق "الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI)" في مايو 2017م، لتكون بمثابة منصة مستدامة لتوفير المنتجات والخدمات العسكرية ذات المستوى العالمي للمملكة العربية السعودية وحلفائها. وتقوم بتطوير ودعم وتوطين الصناعات العسكرية في المملكة التي تُصنَّف ضمن أفضل خمس دول من حيث النفقات العسكرية في جميع أنحاء العالم. وستوفر الشركة فرصًا استثمارية هائلة مع خفض اعتماد البلاد على المشتريات الأجنبية من المنتجات العسكرية. وبحلول عام 2030م، تشمل أهداف الشركة المساهمة بـ 3.7 مليار دولار في الاقتصاد السعودي، و1.6 مليار دولار في الاستثمار في البحث والتطوير. تطمح الشركة في أن تكون من بين أفضل 25 شركة للصناعات العسكرية في العالم، من خلال تطوير المنتجات والخدمات العسكرية ذات المستوى العالمي، وكذلك تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية السعودية بتطوير أحدث التقنيات والاستعانة بأفضل المواهب الوطنية، وصولاً إلى توسيع قطاع الصناعات العسكرية وتأمين الإمدادات اللازمة للعملاء. تـشمل الشركة مجالات الطيران والأنظمة الأرضية وإلكترونيات الدفاع والأسلحة والصواريخ.

وسوف تنتج هذه الشركة المملوكة للدولة نصف متطلبات أسلحة القوات السعودية بنهاية هذا العقد. وسينقضي عهد الواردات الضخمة من الأسلحة الحديثة ليعقبه ما تخطط له السعودية وهو بدء التصدير إلى جميع أنحاء العالم. وفي زيارته إلى الرياض في مايو 2017م، وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والملك سلمان بن سعود على عقود ومذكرات تفاهم بقيمة 110 مليارات دولار من مبيعات الأسلحة.

على المدى البعيد، سيمثل خوض الحروب ثمنًا باهظًا بينما تنفق دول مجلس التعاون وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية الكثير من المليارات على واردات الأسلحة. ولإنهاء الاعتماد على تلك الواردات -خاصة من الولايات المتحدة – فالحل هو تعزيز المجمع الصناعي العسكري في المملكة العربية السعودية لينتج الصواريخ والقذائف الموجهة والطائرات المُسَيَّرة، والذخيرة والمركبات البرية خلال نحو عقد من الزمان. وترتفع وتيرة سباق التسلح بسبب التهديدات المتوقعة من جانب إيران، ويوجد أكثر من سبعة آلاف نظام سلاح ثقيل في كل جانب، ويمثل الإنفاق العسكري الإيراني البالغ نحو 12.7 مليار دولار خُمس الإنفاق السعودي.

وتمثل أهداف الشركة (1) تولي الريادة في قطاع الصناعة العسكرية العالمية بحلول عام 2030م، (2) تطوير وتنويع قوة العمل بأعلى المعايير العالمية، (3) توطين قدرات الصناعات العسكرية والارتقاء بها مع التركيز على نقاط القوة في الاستراتيجية والكفاءة والتصنيع، (4) الوصول إلى منتجات وخدمات عالمية المستوى تمتاز بجودة وقيمة تنافسية، (5) تأمين شراكات استراتيجية عالية الثقة وطويلة الأجل تضمن الأمن والازدهار، (6) استهداف إسهام رئيسي وتوطين أكثر من 50٪ من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030م، لتعزيز الاكتفاء الذاتي السعودي.

في مايو 2017م، وقعت الشركة مذكرات تفاهم مع المؤسسات المعنية بصناعات الدفاع بوينج ولوكهيد مارتن ورايثيون وجنرال دايناميكس. وفي أكتوبر 2017م، وقعت مذكرة تفاهم مع شركة روسوبورون إكسبورت الروسية لتصنيع المعدات العسكرية في المملكة العربية السعودية، وينص الاتفاق على نقل التكنولوجيا للإنتاج المحلي للصاروخ المضاد للطائرات S-400، والصاروخ المضاد للدبابات Kornet-EM، والنظام الصاروخي متعدد القذف TOS-1A، ونظام قاذف القنابل AGS-30، وبندقية كلاشينكوف AK-103. وفي يناير 2018م، وقعت اتفاق إنشاء مشروع مشترك مع تاليس Thales يشمل رادارات الدفاع الجوي والصواريخ المضادة قصيرة المدى، ونظم القيادة والتحكم، والصواريخ متعددة المهام، وطابات القنابل الموجهة، وأجهزة اتصالات الراديو البينية. يهدف المشروع إلى الاستثمار في المنشآت والمعدات في السوق المحلية، بمعدل توطين نسبته 70٪، في حين سيتم توفير حوالي 2000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة للشباب السعودي. كما وقعت أيضًا اتفاق إنشاء مشروع مشترك مع سي إم آي ديفنس CMI Defense يتضمن تقديم أنظمة البرج عالية الطاقة متعددة الوظائف للمركبات المدرعة وجميع الخدمات ذات الصلة، ورعاية البحث والتطوير في الداخل، والنماذج الأولية، وتصميم وهندسة النظم، والتصنيع والتجميع والاختبار. من المتوقع أن يحقق المشروع معدل توطين قدره 60٪، بالإضافة إلى تقديم أكثر من 700 وظيفة مباشرة وغير مباشرة للشباب السعودي. في نوفمبر 2018م، أُعلِن عن إطلاق مشروع مشترك مع نافانتيا للصناعات البحرية "Navantia Naval Industries"، واتُّفِق على تصميم وبناء 5 طرادات Avante 2200 مع نظام إدارة القتال في وزارة الدفاع السعودية. ستركز الشركة على إدارة البرامج وتكامل نظام القتال البحري وهندسة النظم وتصميم الأجهزة وتطوير البرمجيات والاختبار والتحقق والنماذج الأولية والمحاكاة والنمذجة، بالإضافة إلى تركيب وتكامل أنظمة القتال على آخر سفينتين من المشروع، بالإضافة إلى الدعم اللوجستي وبرامج التدريب. في فبراير 2019م، دخلت SAMI و Naval Group في مذكرة اتفاق لإنشاء شركة مشتركة في مجال الدفاع البحري في المملكة العربية السعودية.

بالرغم من كل جهود دول الخليج نحو الاعتماد على الذات، فليس واردًا أن تستغني عن نقل التكنولوجيا من الغرب في المستقبل المنظور. وكجزء من استراتيجية الشركة السعودية فهي تستعين بالخبراء الأجانب، وتتوسع من خلال مشروعات مشتركة مع شركات السلاح الأجنبية.

جهود دولة الإمارات العربية

تعد دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من أكبر المشترين للتكنولوجيا العسكرية الغربية في الشرق الأوسط وسط زيادة عالمية في الإنفاق العسكري، وقد عملت على تطوير صناعة الدفاع المحلية الخاصة بها لتقليل الاعتماد الخارجي. وقد أعلنت الإمارات تشكيل شركة إيدج EDGE في نوفمبر 2019م، من مجموعة صناعة دفاعية تسيطر عليها الحكومة ومن المقرر أن تصبح واحدة من أكبر الشركات في الشرق الأوسط. تقدر إيرادات إيدج السنوية المجمعة بـ 5 مليارات دولار، وتوظف أكثر من 12 ألف فرد، وستجمع عددًا من الشركات والكيانات الأخرى التي يبلغ مجموعها 25 شركة تابعة. من المقرر أن تركز إيدج على الأمن القومي لدولة الإمارات حيث "يمثل عصر الرقمنة تحديات وفرصًا غير مسبوقة".

تهدف الشركة إلى إدخال أنظمة كهرومغناطيسية وأجهزة تشويش، تتعامل مع الحرب الحديثة وتزاوج بين ابتكارات الصناعات المدنية والعسكرية. وتعد دولة الإمارات واحدة من أكبر مستوردي التكنولوجيا العسكرية الغربية في الشرق الأوسط وسط ارتفاع عالمي في الإنفاق العسكري، وتعمل على تطوير صناعتها الدفاعية المحلية لخفض الاعتماد الخارجي. ومن خلال تسريع معدل الابتكار، ستستقطب نخبة من خبراء الصناعة والمواهب من جميع أنحاء العالم، لتطوير منتجات حديثة، بدءًا من إطلاق فكرة السلاح إلى بناء عيِّنتِهِ الأولى الكاملة عبر أكثر من خمسة مجالات أساسية تضم "المنصات والأنظمة، والصواريخ والأسلحة، والدفاع السيبراني، والحرب الإلكترونية والاستخبارات، ودعم المهمة."

شكلت شركة الإمارات للصناعات الدفاعية (EDIC) تحالفًا قويًا من الشركات المحلية. وقد أصبح معرض ومؤتمر أبو ظبي الدولي للدفاع (IDEX) الذي يقام كل عامين بمثابة ثاني أكبر معرض للمنتجات العسكرية والأمنية في العالم، وله دوره الفعال في تعريف الشركات الوطنية بأهم الشركات العالمية وإبرام شراكات معها بما يؤدي إلى نقل التكنولوجيا الحديثة والخبرة إليها.

انطلقت فعاليات معرضي الدفاع الدولي (أيدكس 2019م) والدفاع البحري (نافدكس 2019م) بمشاركة أكثر من 1310 شركات من 62 دولة. يشارك ما يزيد على 170 شركة محلية متخصصة في قطاع الصناعات الدفاعية والقطاعات المساندة، بحضور 1200 مشارك من الخبراء والمتخصصين من جميع أنحاء العالم، يناقشون القضايا المتعلقة بالتكنولوجيا والعلوم والتقنيات الحديثة للثورة الصناعية الرابعة والاستفادة منها في مجال الأمن والسلم العالمي، إضافة إلى أهم القضايا الأمنية والدفاعية على الصعيدين الإقليمي والدولي. أهمية مؤتمر الدفاع الدولي 2019م، المصاحب لمعرضي أيدكس ونافدكس، تبرز بما يقدمه من نقاشات وتوصيات تساهم في إيجاد حلول قادرة على استيعاب مخرجات وإبداعات الثورة الصناعية الرابعة، والاستفادة منها في وضع ركائز الأمن والسلم الدوليين. وكان عدد الشركات العارضة في نافدكس 113 شركة، وعدد القطع البحرية المشاركة 20 قطعة عسكرية بحرية من 15 دولة.

تهيئة المجتمع للتصنيع العسكري

هناك خطوات بدأت بالفعل في الخليج ترتبط بصناعة التسليح من أجل توفير الخبرات، وتراكمها وإعطاء الفرصة للتجديد والابتكار والاعتماد على النفس. ولمواصلة هذا التوجه فلا غنى عن التركيز على بعث الكوادر الإدارية والهندسية والفنية من خلال الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب المتخصصة. يتواكب ذلك مع الشراكة مع النظير الأجنبي وهو الأمر الذي مثَّل بدايات النهضة الصناعية في دول مثل الصين والهند واليابان التي أرسلت بعثاتها إلى الغرب وعادت لتؤسس من خلال مراكز التميز وغيرها لنهضة محلية في التصنيع العسكري والمدني وما يتعلق بهما. وفي المقابل فإن جلب الخبرات الأجنبية وعقود تراخيص صناعة الأسلحة المتطورة أمر حيوي لتدريب العاملين المحليين. ومن الواجب أن تصاغ العقود في هذا الشأن لتغطي مساحات التصنيع وما يتبعه من مقوّمات البحث والابتكار والتجديد، وأنشطة التدريب والصيانة والإصلاح والعمرات. يضاف إلى ذلك الاهتمام بهندسة النظم ومعرفة الاتجاهات البازغة في مجالات التسليح كالذكاء الاصطناعي والروبوتات والاتصالات.

اشترط العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في 2017م، أن أي صفقة قادمة لسلاح استراتيجي لابد أن ترتبط بتوطين التكنولوجيا المتقدمة في المملكة، وأن نسبة التوطين يجب أن تصل 50% للصفقات التي تربو على 500 مليون دولار. ويتوافق ذلك مع الرؤية الطموحة لـتوطين 50% من الإنفاق العسكري في 2030.

وقد بدأت السعودية والإمارات في التعاون لصناعة معداتهما الدفاعية في سعيهما إلى خفض الاعتماد على الشريك الأجنبي.

إن من الصعوبة بمكان تحقيق استقلال في المفاهيم والتكنولوجيا المتعلقة بالدفاع. ويرى البعض أن فكرة الاستقلال لن تؤدي إلى إنتاج مواد دفاعية متطورة تعتمد على سلاسل الإمداد المتكاملة عن كثب وتضم شركاء من العديد من الدول المختلفة.

لابد من إتقان كل مراحل طرح المفاهيم والبحث والتطوير والتصميم والاختبار والإنتاج والتكامل والصيانة والإصلاح، إضافة إلى التوزيع، على المستوى المحلي لتحقيق استقلال صناعي عسكري كامل. ومع ذلك، حتى اليوم، ما زال من غير الواضح مستويات الاكتفاء الذاتي التي تحققت في الخليج العربي في كل مجال من مجالات العمل هذه.

تحديات تواجه التصنيع العسكري في الخليج

تبنت دول مجلس التعاون الخليجي سياسات طموحة لتأسيس تصنيع عسكري محلي يوشك على منافسة موردي السلاح التقليديين بل والوصول إلى أسواق أجنبية. وفي عقيدة دول المجلس أن القوة الصلبة هي السبيل لدعم سياسة خارجية حازمة، وإقامة علاقات استراتيجية مع شركاء من خارج المنطقة، وتطوير قاعدة للتكنولوجيا المحلية. وسينعكس ذلك المسلك على العلاقات الوطيدة بين المورِّدين والعملاء والعلاقات الخارجية مع دول الخليج. بالإضافة إلى ذلك، ليس كل الشركاء على استعداد لتبادل المهارات والتكنولوجيا، لأن تطلعاتهم التنافسية تعتمد عليهم. وبالتالي فإن البحث عن شركاء جاهزين للمشاركة سيوسع قاعدة الموردين ويغير العلاقات بين العميل والمورد.

وبالرغم من التقدم الملموس، تلوح في الأفق تحديات تنتظر القوى الدفاعية الخليجية البازغة. بادئ ذي بدء لابد من الإقرار بأن كل شيء يعتمد على وجود مستويات مستدامة من التمويل. وبالرغم من أن دول الخليج أولت عناية ملحوظة على الإنفاق في هذا المضمار، تشير أرقام المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS إلى تناقص الإنفاق على الدفاع تدريجيًا. خاصة في ظل التحول الاجتماعي في المستقبل القريب حماية من امتصاص الأموال. وتشير التوقعات إلى أن المملكة العربية السعودية بحاجة إلى زيادة الإنفاق المرتبط بالعمر من حوالي 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الآن إلى ما يقرب من 14 في المائة بحلول عام 2050م. والمملكة تسعى إلى تحقيق ذلك من خلال رؤية 2030 الطموحة ووفقًا لإمكانيات المملكة، ومع ذلك فإن الحاجة إلى تحديد أولويات مجالات السياسة ستزداد حتى بين أغنى دول مجلس التعاون الخليجي.

إن التوجه نحو الصناعات العسكرية كمحرك للازدهار الاقتصادي له وجهان، فالمساهمات الاقتصادية من قبل صناعة الدفاع مهمة ولكنها محدودة الحجم. بالإضافة إلى ذلك، سيتعين إجراء المقارنة بين تكاليف التكنولوجيا ونقل المهارات من الشركاء الأجانب إلى الشركات الإقليمية وبين المكاسب الاقتصادية من خلال الإنتاج والصادرات المحلية. وبدلاً من الضغط من أجل التنويع الاقتصادي والازدهار اللذين يدعمهما توطين الدفاع، قد يكون التعويل على التحرك الاقتصادي الذكي أكثر ملاءمة. يبدو تكامل النظم أمرًا محوريًا، ولما كان هناك عددًا متزايدًا من التقنيات الدفاعية له أصل تجاري، فإن اكتساب الخبرة التجارية في مجال الدفاع أمر بالغ الأهمية. إن التركيز على التعامل الاقتصادي الذكي من خلال إتقان تكامل الأنظمة من شأنه أن يرسخ طموح دول الخليج العربية في مجال التكنولوجيا التجارية ومجال تكنولوجيا الدفاع على السواء.

تأسست هيأة الصناعات العسكرية في السعودية وفي رؤيتها إن التحديات كثيرة بطبيعة الحال نظرًا لأن هناك قطاع جديد يُبنى، وأهم التحديات ما يتمحور حول تطوير الكفاءات القادرة على الانتقال بالصناعة العسكرية إلى أفق جديد، ولدى الهيئة عدد جيّد من المواهب الوطنية، وهناك نحو 9 آلاف عامل في هذا المجال. وتسعى الهيأة إلى تنمية أجيال جديدة من الصناعيين والخبراء والاختصاصيين في المجال عبر برامج تعليمية وتطبيقية يجري تطويرها بالتعاون مع وزارة التعليم والجامعات محليًا ومع مراكز الأبحاث والمصنّعين حول العالم.

توطين الصناعات العسكرية

نوّه محافظ هيأة الصناعات العسكرية بأن «توطين 50% من إنفاقنا العسكري سيخلق أكثر من 40 ألف وظيفة مباشرة، وأكثر من 60 ألف وظيفة غير مباشرة في القطاعات الداعمة بحلول عام 2030م، وسيشغل معظم هذه الوظائف كفاءات سعودية»، حيث «سيوفر برنامج المشاركة الصناعية الذي طوّرته الهيأة مؤخرًا فرص تطوير للمواهب السعودية في القطاع، الذي نعمل من خلال مبادراتنا على بناء جيل مقبل من روّاده».

يمكن تحديد ستة أدوات ذات أولوية لتوطين الصناعات العسكرية في الخليج: (1) نقل التكنولوجيا من الشركاء الأجانب إلى الكيانات المحلية أمر ضروري لبناء قاعدة دفاعية صناعية محلية. (2) يتم نقل التكنولوجيا غالبًا عبر مشاريع مشتركة مع شركاء محليين، وذلك يمهد لتطوير المعرفة ونشر المهارات. (3) بناء الخبرات والمقوِّمات المتعلقة بالدفاع والتي تشمل شركاء الصناعة والبحث والتعليم. (4) يتطلب تطوير المهارات المحلية زيادة الاستثمار في تعليم "العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات"، الذي توفره الجامعات المحلية وبالتعاون مع شركاء الدفاع والصناعة الدوليين لإعداد برامج تدريب وتعليم مخصصة. (5) تعد هذه البرامج جزءًا من متطلبات الانطلاقة الأوسع نطاقًا التي تضيف عائدًا اقتصاديًا محليًا، من خلال الاستثمارات في المجالات الصناعية الدفاعية أو المدنية. (6) يمكن الاستفادة من المشاركة في استثمارات استراتيجية في الخارج تختص بالقدرات الدفاعية الصناعية لتعزيز منظومة صناعات التسليح المحلية سواء بعوائدها المادية أو المهارية.

ويمكن رصد بعض المطالب لنقل التكنولوجيات المرتبطة بالتصنيع العسكري وتوطينها من قِبَل المملكة العربية السعودية في المجالات الآتية:

  • الطائرات: وافقت لوكهيد مارتن Lockheed Martin على نقل التكنولوجيا والمهارات المتعلقة بشراء بلاك هوك Black Hawk/ الإنتاج المحلي لمكونات غير محددة من يوروفايتر Eurofighter/ مشروع مشترك للصيانة والإصلاح والعمرات مع مؤسسة «تقنية» السعودية TAQNIA وروكويل كولنجز Rockwell Collings/ مشروع مشترك بين بوينج Boeing والسعودية لخدمات الدعم.
  • الطائرات المسيّرة: إنتاج محلي لطائرات القتال المسيّرة UCAV من وينج لونج Wing Loong/ برنامج الطائرات المسيّرة صقر 1 في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.
  • الأقمار الصناعية: تعاون مع ناسا في توطين تكنولوجيا الأقمار الصناعية.
  • المركبات: مفاوضات مع روسيا على نقل التكنولوجيا المتعلقة بإمكانية شراء دبابات القتال الرئيسية T-90M/ الاهتمام بتوطين تقنيات المركبات الهندسية العسكرية/ رخصة إنتاج مركبات أمريكية/ مناقشة إنتاج محلي لمركبات القتال برادلي Bradley/ وافقت شركة جنرال داينمكس General Dynamics على توطين مهارات التصميم والهندسة والتصنيع والتشغيل المتعلقة بالمركبات.
  • السفن: طلب نقل التكنولوجيا المتعلقة بقطع الغيار والإلكترونيات للفرقاطة فريم FREMM/ الاهتمام بتوطين تقنيات سفن المساحة/ مشروع مشترك محلي مع SAMI و Navantia للفرقاطة Avante-2200 مع التركيز، من بين أمور أخرى، على تكامل نظام القتال وهندسة النظام ومكونات النظام والإلكترونيات.
  • الصواريخ والقنابل: وافقت روسيا على نقل التكنولوجيا للصواريخ الموجهة المضادة للدبابات وأنظمة الصواريخ متعددة الإطلاق. كما وافقت رايتون Raytheon على نقل التكنولوجيا المتعلقة بالصواريخ/ طلب توطين القذائف الخارقةوالصواريخ جو-أرض.
  • الدفاع الصاروخي: التفاوض على نقل تكنولوجيا نظام الدفاع الجوي إس-400/ التفاوض مع الشركات الأمريكية لنقل تقنيات الليزر للدفاع الصاروخي الباليستي.
  • المستشعرات والإلكترونيات: طلب تكنولوجيا مراقبة الاستخبارات والاستطلاع والقيادة والتحكم، وتكنولوجيا أنظمة إدارة المعركة/ طلب تكنولوجيا أنظمة الاستشعار والرؤية الليلية وخاصة من جانب الولايات المتحدة/ مشروع أسيلسان-تقنية Aselsan-TAQNIA المشترك لأنظمة الرادار، والتكنولوجيا الكهروضوئية، وأنظمة الحرب الإلكترونية/ التفاوض للتصنيع المشترك للإلكترونيات مع البرتغال.
  • التقنيات السيبرانية: التفاوض على توطين تقنيات السبرانية غير محددة من الموردين في فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وبالنسبة لدولة الإمارات فتشهد الصناعات العسكرية والدفاعية تطورًا ونموًا ملحوظًا مع تنوع وتعدد مجالاتها، وتقدم أنظمة دفاعية متطورة تم تصنيعها بسواعد إماراتية خالصة وتعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبورتات. كذلك تحظى الشركات الوطنية بدرجة عالية من التنافسية مع نظيراتها العالمية وتظهر مستويات عالية من التصنيع. ومن الأمثلة غلى ذلك الآليات الثقيلة والخفيفة وناقلات الجنود والمدرعات والطائرات والسفن الحربية ونظم الاتصالات والمراقبة إلى جانب مجالات تصنيع المستلزمات العسكرية ومتطلبات التدريب والتأهيل وكذلك متطلبات الصيانة والإصلاح. كما أبرز التصنيع المحلي منتجات إماراتية مثل القنابل الموجهة، والصواريخ، والطائرات المسيَّرة، وناقلات الجنود، والاتصالات المشفرة، ومنظومة القيادة والسيطرة لتأمين الحدود والمنشآت الحيوية. وقد أنتجت المدرعة الخاصة للرماية، وأكبر ناقلة دبابات في العالم والتي لها القدرة على حمل ثلاث دبابات بوزن إجمالي يبلغ 170 طنًا.

تهدف خطة دولة الإمارات إلى تجاوز مرحلة تجميع مكونات منتجات دفاعية، لتكون ساحة لصناعة تسليح وطنية تتميز بالكفاءة والجودة. كما تستهدف تعزيز نقل التكنولوجيا وتطوير قدرات الموردين المحليين من خلال تشجيعهم على تعزيز علاقاتهم مع الموردين العالميين.

ويُبدي المسؤولون أهمية بالغة للتعاون المشترك مع الشركات العالمية الكبيرة في مجالات البحث والتطوير والتصنيع بما يخدم مصالح دولة الإمارات، ويمهد لنقل التكنولوجيا العالمية عبر الشراكات الاستراتيجية بهدف صناعة قطع عسكرية داخل دولة الإمارات، وتدريب الكادر الوطني داخل الدولة للقيام بهذا الدور في المستقبل.

ويسعى مجلس التوازن الاقتصادي الإماراتي جاهدًا إلى توفير تكنولوجيا متطورة لتعزيز القطاع الدفاعي والأمني وخلق بيئة تكاملية تدعم عمليات التطوير الصناعي بكل مراحلها، وذلك من خلال العمل على تطوير نظام الملكية الفكرية بهدف حماية المخترعين. ويشجع على تطوير الصناعات الدفاعية والأمنية من خلال العمل مع المؤسسات الأكاديمية للتأكد من أن الخريجين الجدد يملكون الكفاءات المطلوبة، وجذب الكفاءات إلى قطاع الدفاع والأمن، ورعاية التخصصات المطلوبة، وذلك في إطار جهود المجلس لتطوير صناعة دفاعية وأمنية مزدهرة ومستدامة.

ملاحظات ختامية

  • إن الهدف من بناء قاعدة صناعية للأنظمة الدفاعية واضح ومباشر. فانتهاج سياسة خارجية نشطة تقترن بالقدرة على استخدام أنظمة الدفاع المعنية متى وأينما دعت الحاجة. ولكن مصادر السلاح عادة ما تضع قيودًا على الدول المستوردة تحد من استخدامها وبالتالي تُضيِّق من فرص سياساتها الخارجية. وهكذا يصبح من الضروري كسر هذه القيود من خلال إنشاء قاعدة تقنية وصناعية للدفاع تحقق الاكتفاء الذاتي. وبناء على هذه الخلفية يتضح أن تقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية بتنويع مصادر السلاح وإنشاء قدرات صناعية عسكرية هو السبيل إلى إعادة رسم العلاقات القادمة مع الشركاء الأجانب في هذا المجال.
  • تنفق دول مجلس التعاون الخليجي 130 مليار دولار أمريكي كل عام على الدفاع، يذهب معظمها إلى الشركات الأجنبية. وبالتالي، فإن الدول الأخرى التي تنفق أقل على الدفاع أكثر تقدمًا في قدرتها على تصميم وتصنيع أنظمة الدفاع. وبالنظر إلى حالة عدم استقرار المنطقة الحالية، ستواصل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي الإنفاق بشكل كبير على الدفاع، ولكن التحول إلى تطوير قطاع صناعي أكثر حيوية في المنطقة، يوفر مزيدًا من فرص العمل لمواطنيها في العقد المقبل. ويمكن أن يرتفع الطلب على المنتجات والخدمات الدفاعية المحلية الذي يُقدر حاليًا بنحو 6 مليارات دولار سنويًا ليبلغ نحو 30 مليار دولار.
  • لا بد من التنويه إلى أنه برغم وجود المقومات الداعمة لتصنيع عسكري محلي متطور، فإن الطريق طويل ويحتاج إلى سنوات من العمل الشاق المتواصل والإخفاقات والنجاحات. وربما كانت الإخفاقات تمثل فائدة لا غنى عنها في اكتشاف الخلل ومعالجته ورفع درجة الاعتمادية.
  • إن تصنيع منظومة عسكرية قد يصعب تركيزه في مكان واحد، ونرى أن كل دولة في الغرب تضطلع بإنتاج أحد مكوِّنات المنظومة ثم تتحمل دولة ما مسؤولية التجميع والاختبار، وحدث ذلك أيضًا بين دول الاتحاد السوفيتي السابق. فمثلا الطائرة إيرباص تُصَنَّع أجزاؤها المختلفة في إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ويتم تجميعها أخيرًا في مكان واحد.
  • هناك تقنيات عسكرية حرجة تحظر الدول الكبرى إتاحتها، وتضع قائمة بها لأهميتها في الحفاظ على قدرات عسكرية متفوقة. وسيؤدي حصول خصم محتمل على أي من هذه التقنيات إلى تعزيز كبير لقدراته العسكرية الصناعية، بما يضر بالمصالح الأمنية للدولة المالكة للتقنية. وهذه تشمل على سبيل المثال: التقنيات المرتبطة بانتشار الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية ونظم الصواريخ. وبينها تقنيات يمكن استخدامها للتطبيقات العسكرية والمدنية وتغري البعض لطلبها بزعم الاستخدام المدني ثم توجيهها إلى تطبيقات عسكرية. ولمنع تسرب التقنيات الحرجة تعمل الدول على مراقبة الصادرات وتنفيذ سياسات الترخيص ومراجعة الوثائق العلمية قبل النشر، وجمع الاستخبارات، وتخطيط البحث والتطوير، والتدقيق في أنشطة التعاون التقني الدولي. وتبرز هنا أهمية إرسال البعثات إلى الخارج واستقدام الخبراء الأجانب لتوطين التكنولوجيا.

مقالات لنفس الكاتب