array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 146

إدخـال تغييـرات جوهريـة في مناهج العلوم والتكنولوجيا والأولوية لمحو الأممية الرقمية

الأحد، 02 شباط/فبراير 2020

"لا يمكنك الانتظار حتى يحترق المنزل لشراء تأمين ضد الحريق. لا يمكننا الانتظار إلى أن تحدث اضطرابات هائلة في مجتمعنا للتحضير للثورة الصناعية الرابعة"

روبرت جي شيلر الحائز على جائزة نوبل

يقف العالم على مشارف ثورة تكنولوجية ستغير جذريًا الطريقة التي نعيش ونعمل ونتواصل بها. سوف يكون التحول الذي ستحدثه الثورة الصناعية الرابعة مختلفًا تمامًا -في نطاقه وتتابعه وتعقيده -عن أي شيء عرفته البشرية من قبل.

استخدمت الثورة الصناعية الأولى طاقة الماء والبخار لميكنة الإنتاج. واستخدمت الثورة الصناعية الثانية الطاقة الكهربائية لخلق الإنتاج الضخم. واستخدمت الثورة الثالثة الالكترونيات وتكنولوجيا المعلومات لأتمتة الإنتاج. أما الثورة الصناعية الرابعة فتتميز بمزيج من التقنيات التي تعبر الخطوط الفاصلة بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية.وغالبًا ما تُوصَف الثورة الصناعية الرابعة بأنها نتيجة للتأثيرات المركبة والتكامل بين "التقنيات الأسية المتعددة"، الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحيوية، والمواد النانوية. ووصفها أحد الكتَّاب بأنها "تحول من موارد الطاقة غير المتجددة إلى الطاقة المتجددة التي ستتيحها اختراقات التكنولوجيا الحيوية".هذه التحولات تشي بأن القادم يحمل وعودًا وتحدياتٍ كبيرة.

كما ذكر ستيفن هوكينج في أحد حواراته أن "الذكاء هو القدرة على التكيف مع التغيير". قبل عقد من الزمن، بدى ظهور آلات أكثر ذكاءً من البشر وكأنه ضرب من الخيال. لقد رأينا الأتمتة في الثورات الثلاث السابقة، لكنها كانت على مستوى ميكانيكي للثورة الصناعية الأولى، وعلى مستوى كهربائي للثورة الصناعية الثانية، وعلى مستوى إلكتروني للثورة الصناعية الثالثة. تَولَّت هذه التطورات مهامًا كثيفة العمالة، ولكن الناس وجدوا وظائف أخرى تتطلب مستويات معرفية أعلى. أما الثورة الصناعية الرابعة، فسوف تمثل نموذج تحول مختلفًا تمامًا.

أحد أهم تداعيات الثورة الصناعية الرابعة أن نطاق وسرعة التغير التكنولوجي غير المسبوق سوف يفوقان قدرتنا على التكيف معها بفعالية. لقد استغرق تطور التقنيات التحويلية في الثورات الصناعية السابقة وقتًا طويلًا أعطى للأفراد وقطاعات الأعمال والمجتمعات عمومًا وقتًا كافيًا للتأقلم معها، وهذا ما لن تتيحه لنا الثورة الصناعية الرابعة.

إن سرعة الاختراقات القادمة ليس لها سوابق تاريخية. سوف تتابع التغيرات لكن ليس بوتيرة خطية بل بوتيرة أسية تضاعفية. وسوف ينتج عن سرعة الابتكار إرباك لكل الصناعات تقريبًا في جميع البلدان، وسيشكل ذلك مصدرًا لتقلبات مستمرة، حتى بالنسبة لأفضل بيئات العمل وأكثر الدول تقدمًا. وسوف يؤدي اتساع وعمق هذه التغييرات إلى تحولات جذرية في حياة الأفراد والمجتمعات وأنظمة الإنتاج والإدارة. ونظرًا لأن التشغيل الآلي سيحل محل العمالة في كثير من الأعمال، فإن نزوح الأيدي العاملة الناتج عن أتمتة هذه الأعمال سيؤدي إلى تشريد الكثير من العمال، وزيادة عدم المساواة، وتنامي الفجوة في الثروة بين من يعتمدون على رأس المال مقابل العمل،وغياب الأمن الوظيفي، مما قد يؤدي إلى زيادة في التوترات الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى الصراع السيبراني الذي سيتنامى مع التقدم في الثورة الرقمية وظهور الحواسب الكمومية وما سيترتب عليها من تحديات أمنية غير مسبوقة، والمشكلات الناتجة عن توافر البيانات الضخمة في متناول الشركات الرقمية الكبيرة والقطاع الخاص .

في مقالة نشرت في يونيو 2017م، كتب مردخاي كورز، الاقتصادي في جامعة ستانفورد: "لقد عملت ثورة تكنولوجيا المعلومات على تحسين مستويات المعيشة وتمتعت إنجازاتها التقنية العظيمة بمستوى عالٍ من الدعم السياسي ودعم المستهلكين ... إلا أن مصادر الفوائد الاجتماعية هذه هي أيضًا سبب لخسائر اجتماعية، وتزايد عدم المساواة الذي قد يهدد أسس المجتمع الديمقراطي."

سوف تتغير المجتمعات بسرعة وبشكل عميق، وهذا يتطلب حلولا جديدة لمواجهة التحديات التي تفرضها هذه الموجات المتلاحقة من التغيير. وتتمثل أهم هذه التحديات في: التحديات البيئية، والتحديات الاقتصادية، والتحديات الأمنية، والتحديات الاجتماعية، بما في ذلك قضايا تغير المناخ واستنزاف الموارد الطبيعية، والتعامل مع موجات التغيير المزعزعة والابتكارات غير المسبوقة في العلوم والتكنولوجيا، خاصة في التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي، وقضايا الخصوصية وأمن المعلومات والأمن السيبراني، وقضايا الهجرة وزيادة التنوع الاجتماعي والثقافي، وتفاقم أوجه عدم المساواة في مستويات المعيشة وفرص الحياة، وما يترتب على ذلك من تهديدات الحرب والإرهاب.

وفي المقابل، فإن هذه التقنيات ستخلق فرصًا ومهنًا جديدة، وسوف تجعل البشر أكثر إنتاجية، وسوف تتيح لمليارات البشر إمكانات هائلة للتواصل، مع قدرة معالجة وسعة تخزين غير مسبوقة، وإمكانية غير محدودة للوصول إلى المعرفة. وسوف تتضاعف هذه الإمكانات من خلال الاختراقات التكنولوجية الناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والمركبات المستقلة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وعلوم المواد، وتخزين الطاقة، والحوسبة الكمومية.

وعلى الرغم من هذه التحديات غير المسبوقة التي ستواجه عالمنا العربي بسبب الثورة الصناعية الرابعة، إلا أنها سوف تحمل لنا فرصًا عديدة للنهوض، شريطة أن نكون منفتحين وجاهزين لها.

دور المدارس

في كتاب "مدارس القرن الحادي والعشرين: هل أنتم مستعدون؟ الذي نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2001م)، اقترح براكاش ناير قائمة خصائص تحدد أهم المتطلبات لتحول هذه المدارس. هذه القائمة تخاطب القادة التربويين ومديري المدارس والمهندسين المعماريين وغيرهم من المسؤولين عن تصميم مدرسة جديدة أو حتى أولئك المهتمين بإعادة تأهيل المدارس القائمة. تتضمن هذه القائمة (15) توجهًا في مجال التعليم وتكنولوجيا التعليم، كثير منها له ارتباط مباشر بالبيئة المدرسية. ويمكن لمختلف أصحاب المصلحة استخدام هذه التوجهات كقائمة تحقق مرجعية لمعرفة إلى أي مدى تستوعب مدارسنا هذه التوجهات.

يشير تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (2016م) حول مستقبل العمل، إلى أنه "وفقًا لأحد التقديرات الشائعة، فإن 65٪ من الأطفال الذين يلتحقون بالمدارس الابتدائية اليوم سينتهي بهم المطاف إلى العمل في أنواع جديدة تمامًا من الوظائف لم توجد بعد. " سوف يصبح الأطفال الذين يدخلون التعليم اليوم شبابًا في عام 2030م. وسيكون على المدارس والجامعات أن تعدهم لوظائف لم تُنشَأ بعد، ولتكنولوجيات لم تُبتَكَر بعد، ولحل مشكلات لم يتم توقعها بعد. وستكون مسؤولية إعداد هذا الجيل مسؤولية مشتركة بين الجميع.

وللانتقال من الحالة الراهنة، ينبغي أن نعمل على إعداد الطلاب لمستقبلهم وليس ماضينا، وإلى التغير السريع أكثر من أي وقت مضى، وتجهيزهم للوظائف التي لم تُنشأ بعد، وللتعامل مع التحديات الاجتماعية التي لا يمكننا تخيلها بعد، واستخدام التقنيات التي لم يتم اختراعها بعد. لذا، يجب ألا يهدف التعليم إلى إعداد الشباب لسوق العمل فحسب؛ بل يجب أن يهدف أيضًا إلى تزويد الطلاب بالمهارات التي يحتاجونها ليصبحوا مواطنين فاعلين ومسؤولين ومشاركين.

سوف نحتاج إلى تبني أهداف تعليم أوسع نطاقًا، وسيحتاج أبناؤنا إلىممارسة الوكالة عن تعلمهم وطوال حياتهم، وإلى تطوير مجموعة واسعة من المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم، مثل الفضول والخيال والمرونة والتنظيم الذاتي، والتعاون، واحترام وتقدير أفكار الآخرين ووجهات نظرهم وقيمهم؛ وإلى تطوير إحساس قوي بالصواب والخطأ، وفهم القيود المفروضة على العمل الفردي والجماعي، وفهم كيف يفكر الآخرون في مختلف الثقافات. وسيتعين عليهم مواجهة الفشل والرفض، والمضي قدمًا في مواجهة التحديات. وسيحتاجون أيضًا إلى الاهتمام برفاه الآخرين واستدامة الحياة على هذه الأرض.

لمعرفة أفضل الطرق للقيام بذلك، أطلقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)مشروع مستقبل التعليم والمهارات 2030 بهدف مساعدة البلدان في العثور على إجابات لسؤالين رئيسيين هما:

  • ما المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم التي يحتاج إليها الطلاب اليوم لتنمية وتشكيل عالمهم؟
  • كيف يمكن للأنظمة التعليمية تطوير هذه المعرفة والمهارات والمواقف والقيم بفعالية؟

قدم المشروعرؤية جديدة للتعلم شارك في صياغتها عدد من ممثلي الحكومات وقادة الفكر والخبراء والشبكات المدرسية والجامعات وغيرهم من أصحاب المصلحة. تنص هذه الرؤية على التالي:

"نحن ملتزمون بمساعدة كل متعلم على التطور كشخص كامل وتحقيق إمكاناته، وعلى تشكيل مستقبل مشترك مبني على رفاهية الأفراد والمجتمعات والأرض. سيحتاج الأطفال الذين يدخلون المدرسة (اليوم) إلى التخلي عن فكرة أن الموارد لا حدود لها وأنهم موجودون لاستهلاكها؛ سوف يحتاجون إلى تقدير الرخاء المشترك والاستدامة والرفاهية. وسوف يحتاجون إلى أن يكونوا مسؤولين وممكنين، يضعون التعاون فوق الانقسام، والاستدامة فوق المكاسب السريعة. في مواجهة عالم متقلب وغير مؤكد ومعقد وغامض، سيكون التعليم قادرًا على أن يُحدث فرقًا في إعداد الشباب لمواجهة التحديات وعدم الاستسلام والانهزام لها. في عصر يتميز بانفجار جديد للمعرفة العلمية ومجموعة متزايدة من المشكلات المجتمعية المعقدة، من المناسب أن تستمر المناهج في التطور، ربما بطرق جذرية."

لا شك أن للتعليم دور حيوي في تطوير المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم التي تُمكِّن الشباب من المساهمة في مستقبل شامل ومستدام. سيكون تعلم كيفية تشكيل أهداف واضحة وهادفة، والعمل مع الآخرين من منظور مختلف، وإيجاد حلول متعددة للمشكلات الكبيرة أمرًا ضروريًا في السنوات القادمة.

سيحتاج الطلاب -بجانب المعرفة الواسعة والمتخصصة -إلى القدرة على التفكير العابر لحدود التخصصات. وسيحتاج الطلاب إلى تطبيق معارفهم في ظروف غير معروفة ومتطورة. لهذا، فهم بحاجة إلى مجموعة واسعة من المهارات، بما في ذلك معرفة إبستمولوجية متطورة تمكّنهم من توسيع معارفهم التخصصية، ومعرفة إجرائية -فهم كيفية القيام بشيء ما أو صنعه – قابلة للنقل عبر المجالات، ومهارات معرفية متخصصة وما وراء المعرفية (مثل التفكير النقدي، والتفكير الإبداعي، وتعلم التعلم، والتنظيم الذاتي)، والتفكير التصميمي والمنظومي؛ وإلى مهارات اجتماعية وعاطفية (مثل التعاطف، والفعالية الذاتية، والتعاون)؛ والمهارات العملية والبدنية (مثل استخدام أجهزة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة).

وتمثل الاتجاهات والقيم (مثل احترام التنوع، واحترام الحياة والكرامة الإنسانية، واحترام البيئة) محورًا رئيسًا لا يقل أهمية عن المعرفة والمهارات ولا يمكن تجاهلها. وقد حدد مشروع التعليم في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية 2030 ثلاث فئات من "الكفاءات التحويلية"، التي تلبي معًا الحاجة المتزايدة إلى أن يكون الشباب مبتكرين، ومسؤولين، وواعين وهي: خلق قيم جديدة، والتوفيق بين التوترات والمعضلات، وتحمل المسؤولية.

لكي يكون الشباب جاهزًا لعام 2030، يجب أن يكونوا قادرين على التفكير بشكل خلاق، وطرق جديدة للتفكير والمعيشة، ونماذج أعمال جديدة، ونماذج اجتماعية جديدة. إن الابتكار لا ينبع من تفكير الأفراد والعمل بمفردهم، بل من خلال التعاون والعمل مع الآخرين. وتشمل البناءات التي تدعم هذه القيم القدرة على التكيف، والإبداع، والفضول، والانفتاح، وإلى التفكير الحكيم.

وفي عالم يتسم بعدم المساواة، فإن حتمية التوفيق بين وجهات النظر والمصالح المتنوعة، خاصة في البيئات المحلية ذات التأثير العالمي، تتطلب إعداد الشباب لأن يكونوا قادرين على معالجة التوترات والمعضلات والتفضيلات، والتدرب على تحقيق التوازن بين العدالة والحرية، والمصالح الشخصية والمصلحة العامة، والابتكار والاستمرارية، والكفاءة والعملية الديمقراطية.

الكفاءة التحويلية الثالثة (تحمل المسؤولية) هي شرط أساسي للكفاءتين السابقتين. يتطلب الإبداع وحل المشكلات قدرة على النظر في العواقب المستقبلية لتصرفات الفرد، وتقييم المخاطر، وقبول المساءلة عن عمل الفرد. يشير هذا إلى شعور الفرد بالمسؤولية والنضج الأخلاقي والفكري، والتفكير في أفعاله وتقييمها في ضوء تجاربه وأهدافه الشخصية والمجتمعية.

دور للجامعات

لا شك أن تكنولوجيات الثورة الصناعية الرابعة ستحدث تغييرات عميقة وسريعة على التعليم الجامعي. لذا فإن الحاجة إلى استجابة سريعة من الجامعات أضحى أمرًا ملحًا.

سوف يلزم الجامعات إدخال تغييرات جوهرية في مناهج العلوم والتكنولوجيا للسماح للطلاب بتطوير قدراتهم في المجالات الناشئة بسرعة مثل علم الجينوم، وعلوم البيانات، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات والمواد النانوية. وسيلزمها إعادة النظر في المناهج الدراسية في العلوم "الأولية" التقليدية -البيولوجيا والكيمياء والفيزياء -ووضع أولوية لتدريب جميع الطلاب في مواضيع علوم الكمبيوتر كشكل من أشكال محو الأمية الرقمية.

تلعب الجامعات دورًا أساسيًا في تطوير مهارات الأجيال المقبلة أثناء تنقلها المتسارع بين الاتجاهات التكنولوجية الجديدة. وبدأت العديد من الجامعات حول العالم في العمل مع الشركات لدمج المهارات الجديدة التي يحتاجون إليها في المناهج الدراسية. ويشترك العديد من أرباب العمل أيضًا مع الجامعات لتطوير برامج تعليمية مخصصة لموظفيهم لإعدادهم لفرص العمل الناشئة.

في ظل الثورة الصناعية الرابعة، سوف تتغير المسارات الوظيفية بشكل جوهري، ويتحول معها سوق العمل نحو وظائف مختلطة تجمع بين مجموعات متنوعة من المهارات مثل التسويق وتحليل البيانات والتصميم والبرمجة. قد تتمثل أفضل استراتيجية لبقاء الجامعة في صدارة الاحتياجات المتغيرة لسوق العمل في إعادة تدريب وتأهيل القوى العاملة وتحسينها وتحويلها.

أشار تقرير مستقبل الوظائف للعام 2018م، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن مستقبل الوظائف والإنترنت فائق السرعة والذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة والتكنولوجيا السحابية هي أكبر العوامل المزعزعة للقوى العاملة. سوف تتغير خصائص القوى العاملة بالفعل، من المتوقع أن سوق العمل سيتطلب مهنيين لديهم مزيج من العلوم والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية والاجتماعية. وهذا يتطلب تعليم متعدد التخصصات. لذا أدخلت كثير من الجامعات درجة بكالوريوس متعددة التخصصات (مثلا بكالوريوس في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا).

ويجب أن تعيد الجامعات التفكير في طريقة إعداد برامج الدرجات العلمية. فقد يكون من المفيد إعطاء الطلاب حرية اختيار الدورات التعليمية التي تتجاوز برنامجًا محدودًا من أجل اكتساب مجموعة واسعة من المهارات، وتحديد سرعة التعلم والوصول إلى المحتوى عن بعد.

وهناك تجارب لجامعات تطبق بالفعل نموذجًا يسمح للطلاب بالتسجيل في درجات قابلة للتجميع من خلال منح الطلاب الفرصة لإدخالات متعددة وخيارات خروج واستخدام التكنولوجيا، مثل تحليل البيانات، لتطوير مسارات تعليمية مخصصة. للحفاظ على قدرتها التنافسية، أصبح من الأهمية بمكان بالنسبة للشركات أن تستثمر في الابتكار والتكنولوجيات المزعزعة ذات الصلة. ويمكن للجامعات دعم هذه العملية من خلال تقديم برامج مرنة متعددة التخصصات تستجيب لاحتياجات العالم الحقيقي وتمكن الشباب من اكتساب المهارات اللازمة لوظائف المستقبل.

وفي مجال البحث، يجب أن تتعاون الجامعات مع القطاع الخاص لضمان توافق برامجها البحثية مع احتياجات العالم الحقيقي، وتطوير استراتيجيات فعالة للملكية الفكرية، وإنشاء مكاتب مخصصة لنقل التكنولوجيا. تلعب هذه المكاتب دورًا محوريًا في تمكين نقل المعرفة التي تأتي من الأبحاث الجامعية إلى سوق العمل. إن تسويق هذه المعرفة يمكن أن يدعم نمو الأعمال والتنمية الاقتصادية.

وقد يضمن ذلك إعادة النظر في الطريقة التي ندرس بها، وجمع المعارف والمهارات في وحدات ومؤهلات للتأكد من أن الطلاب مجهزون لمزيد من الدراسة أو العمل. وعندما يتم رقمنة المحتوى والمهارات المعرفية التقليدية وتصبح متاحة عبر محركات البحث، يجب أن يتحول التركيز إلى تمكين الشباب من أن يصبحوا متعلمين مدى الحياة.

تناول المؤتمر السنوي للرابطة الدولية للتعليم بجنوب إفريقيا الذي انعقد في كيب تاون (2019)، تحت عنوان "تدويل التعليم العالي في الثورة الصناعية الرابعة: الابتكار والتنوع وعدم المساواة والشمولية"، أربع قضايا تتعلق بـ تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة على التعليم العالي أوجزها فيما يلي:

  1. المشهد البحثي. يتطلب البحث الأكاديمي على نحو متزايد قدرًا كبيرًا من الذكاء الرقمي، فنصف عمر المعرفة يصبح أقصر يومًا بعد يوم، وهناك حاجة لكي تستثمر التخصصات الأكاديمية حل التحديات التي تواجهها باستخدام تقنيات مثل تحليل البيانات الضخمة. ويمكن للجامعات مواجهة هذه التحديات من خلال تحفيز البحوث متعددة التخصصات، وتعزيز العقلية الفضولية على نحو مؤسسي نحو التخصصات الأخرى.
  2. الموضوعات البحثية. يواجه العالم تحديات عالمية تتعلق بمواضيع مثل الفقر وعدم المساواة والمناخ والتدهور البيئي والسلام والعدالة. قد يكون من المفيد أن تقوم الجامعات بدمج أهداف التنمية المستدامة التي صاغتها الأمم المتحدة – ذات العلاقة -في رسالتها وجداولها البحثية وملامح التعليم. كما تحتاج الجامعات إلى تمكين التعاون المحلي والدولي، ومجموعات البحث المتعددة التخصصات، وخلق فرص مؤسسية لمواضيع البحث التي ينجزها الطلاب في برامج الدكتوراه، مع تسهيل الوصول إلى البنية التحتية البحثية، وبناء تعاون استراتيجي دولي.
  3. الطلاب. يتعلم طلاب اليوم بطريقة مختلفة. أظهرت نتائج أبحاث أولية أن أنشطة المخ للمواطن الرقمي تختلف عن الأجيال السابقة. هذا له عواقب على بيئة التعلم ويطرح تساؤلات حول أنواع التعليم والبرامج التي يحتاجها هذا الجيل من الطلاب.
  4. المهارات. تتيح الأتمتة والذكاء الاصطناعي للآلات أن تتعلم من التجربة، وأن تتكيف مع المدخلات الجديدة وأن تؤدي مهام شبيهة بالإنسان. سوف يؤدي ذلك إلى تغيير توصيف الوظائف والمهن. في الوقت نفسه، هناك حاجة إلى مجموعة جديدة من المهارات والكفاءات. ويتعين على الجامعات تزويد خريجيها بمهارات مستعرضة، إذ لا يمكن معالجة معظم تحديات الثورة الصناعية الرابعة إلا بمهارات تجمع بين التكنولوجيا والممارسة، ومهارات إنسانية مثل التواصل والتعاون والتعاطف، وكذلك مهارات التفكير الناقد والإبداعي.

وفي النهاية أود أن أقوليجب أن تتضمن أي استراتيجية للتصدي لتحديات الثورة الصناعية الرابعة دراسة متعمقة للحالة الإنسانية، والطرق التي تؤثر بها التكنولوجيات الجديدة والقوى الاقتصادية المتغيرة على الأفراد من جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية، والتهديدات الناشئة داخل عالم يتزايد ترابطه، وطرق تعزز التفاهم العميق بين الثقافات والاحترام الدائم للحرية وحقوق الإنسان، وتعزيز الحكمة في الاقتصاد والتعليم والبيئة. إننا جميعًا مسؤولون عن تسخير الثورة الصناعية الرابعة لصالح البشرية. يجب علينا اغتنام الفرصة لتشكيلها وتوجيهها نحو مستقبل يعكس أهدافنا وقيمنا المشتركة ...مستقبل يضع الإنسان أولًا وقبل كل شيء.

مقالات لنفس الكاتب