array(1) { [0]=> object(stdClass)#11963 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 146

مستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران: مسارات متعددة وإرباك ثنائي لإيران

الأحد، 02 شباط/فبراير 2020

لا يبدو أن تداعيات الضربة الأمريكية التي أدت إلى مقتل قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري قاسم سليماني ونائب رئيس هيأة "الحشد الشعبي" العراقية أبو مهدي المهندس وبعض المرافقين، في 3 يناير 2020م، سوف تقتصر على إرباك دور إيران في المنطقة وعلاقاتها مع حلفائها، وإنما ستمتد إلى التأثير على الملفات الأخرى التي تحظى باهتمام خاص من جانب واشنطن وطهران، لاسيما البرنامجين النووي والصاروخي، في ظل الترابط الشديد بين هذه الملفات التي قد تشهد استحقاقات مهمة خلال المرحلة القادمة.

ورغم أن التصعيد ما زال يمثل العنوان الرئيسي والنمط الأبرز في العلاقات بين الطرفين، على نحو بدا جليًا في الهجمات الصاروخية التي وجهتها إيران، في الثامن من الشهر نفسه، لقاعدتين عراقيتين تتواجد بهما قوات أمريكية في الأنبار وأربيل، إلا أن ذلك لا ينفي أن الضربة الأمريكية القوية يمكن أن تفرض مسارات أخرى لهذه العلاقات في المستقبل، لكن ذلك سوف يعتمد على متغيرات عديدة، يتمثل أبرزها في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية والتداعيات التي يمكن أن يفرضها اقتراب الاتفاق النووي من مرحلة الانهيار.

المربع الأول:

بعد انتهاء مرحلة الضربات المتبادلة، حرصت واشنطن وطهران على ضبط حدود التصعيد العسكري، وعدم تطويره لدرجة يمكن أن تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة، لتشمل مزيدًا من الهجمات والأهداف وربما الساحات. وبمعنى أدق، فإن الطرفين سعيا إلى توجيه رسائل متبادلة عبر تلك الضربات التي انحصرت، حتى الآن، في الساحة العراقية، دون أن تمتد إلى ساحات إقليمية أو دولية أخرى.

ففي رؤية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن مقتل سليماني في هذا التوقيت حقق أهدافًا رئيسية ثلاثة: أولها، استعادة قدرات الردع في مواجهة إيران، لإقناعها بعدم مواصلة سياستها التصعيدية المتشددة، التي أدت إلى تهديد أمن الملاحة في منطقة الخليج العربي ووضع مصالح واشنطن وحلفائها في مرمى الاستهداف. وهنا، فإن الإدارة الأمريكية اعتبرت أن تراجعها عن الرد على إسقاط إيران لطائرة مسيرة أمريكية في 20 يونيو 2019م، فضلاً عن الهجمات التي تعرضت لها سفن شحن وناقلات ومنشآت نفطية، منح انطباعًا لطهران بأنها من الممكن أن ترفع مستوى التصعيد دون أن يمثل ذلك مغامرة كبيرة من جانبها، بما يعني أنها كانت مطمئنة إلى أنها من الممكن أن تذهب بعيدًا في الإجراءات التصعيدية دون أن تكون هناك خيارات متعددة أمام واشنطن للرد عليها أو كبح هجماتها.

وثانيها، منع "فيلق القدس" بقيادة سليماني من الإقدام على تنفيذ عمليات كان من الممكن أن تسفر عن خسائر بشرية وعسكرية أمريكية وتضع الإدارة الأمريكية في مأزق داخلي، في الوقت الذي تقترب فيه الانتخابات الرئاسية وتواجه ضغوطًا داخلية تفرضها محاولات العزل التي تقودها قيادات الحزب الديمقراطي في الكونجرس.

ويبدو أنه كانت لدى واشنطن معلومات استخباراتية تشير إلى أن سليماني يخطط بالفعل لعمليات في هذا الصدد، خاصة أن الضربة جاءت في أعقاب التوتر الذي تصاعد بين القوات الأمريكية وبعض الميليشيات العراقية الموالية لطهران، عقب الهجمات الصاروخية التي شنتها الأخيرة، في 28 ديسمبر 2019م، وأدت إلى مقتل متعاقد مدني أمريكي، ثم الضربات الصاروخية التي نفذتها واشنطن ضد مواقع "كتائب حزب الله العراقي" في العراق وسوريا، بعد ذلك بيوم واحد، وأخيرًا محاولة تلك الميليشيات اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد، بعد ذلك بيومين. فضلاً عن أن سليماني كان، قبل مقتله، قادمًا من جولة زار فيها سوريا ولبنان، بما يزيد من احتمالات أنه كان يعد لهجمات جديدة بالتنسيق مع حلفاء طهران في المنطقة.

وثالثها، فرض خيارات محدودة أمام إيران، لدفعها إلى الاستجابة للدعوات الأمريكية الخاصة بإجراء مفاوضات للوصول إلى اتفاق جديد يستوعب التحفظات الأمريكية على الاتفاق النووي الحالي، والتي دفعت الإدارة الأمريكية إلى الانسحاب منه في 8 مايو 2018م، وفرض عقوبات جديدة أدت إلى انخفاض مستوى الصادرات النفطية الإيرانية لدرجة تقترب من الصفر.

وبعبارة أخرى، فإن الإدارة الأمريكية الحالية اعتبرت أن العقوبات الاقتصادية قد لا تكون كافية وحدها لإقناع إيران بالانخراط في مفاوضات جديدة، وأن من الأهمية بمكان إقناع النظام الإيراني بأن الولايات المتحدة جادة في استخدام الخيار العسكري لوقف هجماته ومغامراته ضد مصالحها في المنطقة، وأن دخولها في عام الانتخابات لا يعني أنها لا تمتلك خيارات متعددة في هذا السياق، أو أن المناخ مهيأ أمام طهران لمواصلة إجراءاتها التصعيدية دون أن تتعرض لرد عقابي حاسم.

إيران بدورها فهمت هذه الرسائل ويبدو أنها استوعبتها على نحو ما. لكن النظام كان مضطرًا إلى الرد على مقتل سليماني الذي مثل خسارة فادحة بالنسبة له، باعتبار أنه كان مسؤولاً عن إدارة حضور إيران في المنطقة وعلاقاتها مع حلفائها، حيث أن الرد، في هذه الحالة، كان، وفقًا لرؤية النظام، أفضل الخيارات السيئة المتاحة أمامه، لأن عواقب عدم الرد قد تكون فادحة بشكل أكبر. وهنا، كان لافتًا حرصه على وضع سقف أو حدود لهذا الرد، بهدف ضبط مستوى التصعيد مع واشنطن وتقليص احتمالات توسيع نطاقه.

وبمعنى آخر، فإن النظام الإيراني حاول أن يوائم بين دعوات الانتقام التي أطلقها كبار مسؤوليه وفي مقدمتهم المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي لاستيعاب الضغوط التي فرضها مقتل سليماني على الساحة الداخلية الإيرانية، وبين سعيه لعدم الدخول في مواجهة مفتوحة غير مستعد لها مع واشنطن. ومن هنا، كان حرصه على توجيه الضربات الصاروخية على قاعدتين في العراق تتواجد بهما قوات أمريكية، والتي لم تسفر عن وقوع خسائر بشرية بارزة، حيث انحصرت في تعرض 11 جندي لارتجاج في الرأس نتيجة الانفجارات التي أحدثتها الصواريخ.

وحاول النظام الإيراني استيعاب الانتقادات التي تعرض لها بعد الضربات الصاروخية، خاصة بعد أن بدا واضحًا أنها لم تكن على مستوى التوقعات التي رفعت سقفها التهديدات الإيرانية، من خلال تبني شعارات فضفاضة مفادها أن "مقتل سليماني ساهم في توسيع نطاق محور المقاومة ضد الولايات المتحدة الأمريكية"، وأن الأولوية الآن تتركز حول إخراج القوات الأمريكية من المنطقة، لاسيما من العراق، حيث كان لافتًا أن المسؤولين الإيرانيين حرصوا على دعم الإجراءات التي اتخذها مجلس النواب العراقي، في 5 يناير 2020م، خاصة ما يتعلق بإصدار قانون يطالب بإنهاء وجود القوات الأجنبية في العراق، في إشارة إلى القوات الأمريكية تحديدًا.

لكن هذه المساعي لم تنجح في تقليص حدة الضغوط الداخلية التي فرضها التصعيد مع واشنطن، خاصة بعد الأزمة التي فرضها إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية بواسطة صاروخين من المضادات الأرضية الإيرانية، بعد ساعات قليلة من الهجمات الصاروخية الإيرانية في 8 يناير 2020م، على نحو أدى إلى مقتل 176 راكبًا يحملون جنسيات مختلفة.

إذ حرصت إيران في البداية على إنكار إسقاط الطائرة بواسطة صاروخ، وسعت إلى الترويج إلى أن السبب في ذلك يكمن في خلل فني تعرضت له أو خطأ من جانب قائدها، إلا أن صور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية التي حصلت عليها بعض الدول الغربية التي كانت تراقب الأجواء الإيرانية في تلك الفترة استعدادًا للرد الإيراني الذي كان متوقعًا على مقتل سليماني، فضلاً عن ظهور فيديو يكشف تعرض الطائرة لهجوم، كل ذلك لم يوفر خيارات عديدة أمام طهران، التي اضطرت بعد ثلاثة أيام، وتحديدًا في 11 يناير 2020م، إلى الاعتراف بإسقاط الطائرة بواسطة صاروخ.

وقد اتضح فيما بعد أنه حتى بعد اعتراف إيران بذلك، فإنها كانت حريصة على عدم التعامل بشفافية مع الدول المعنية بحادث إسقاط الطائرة، وهي أوكرانيا وكندا وبريطانيا وألمانيا والسويد وأفغانستان. إذ رفضت تسليم الصندوقين الأسودين لفرنسا أو كندا، في ظل افتقادها الإمكانيات التكنولوجية التي تؤهلها لتحليل بياناتهما، وطلبت في المقابل الحصول على معدات يمكن أن تساعدها في هذا السياق.

كما ثبت فيما بعد أن الطائرة تعرضت لهجوم بصاروخين وليس صاروخًا واحدًا. وما زالت السلطات الإيرانية مُصِرَّة على معاملة بعض ضحايا الطائرة على أنهم مواطنون إيرانيون رغم أنهم من مزدوجي الجنسية التي لا تعترف بها من الأساس.

متغيران رئيسيان:

       يمكن القول إن ثمة متغيرين رئيسيين سوف يكون لهما تأثير مباشر على المسارات المحتملة للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. المتغير الأول، يتمثل في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي سوف تجرى في نوفمبر 2020م، إذ تترقب إيران ما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات، سواء تجديد ولاية الرئيس دونالد ترامب لفترة رئاسية جديدة، أو وصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض.

ورغم أن هناك اتجاهات في إيران ترى أنه لا يوجد فارق بين الرئيس الحالي وأي رئيس قد يتولى المنصب بعد الانتخابات الرئاسية القادمة، خاصة فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية، لاسيما إذا كانت قضايا تمس أمن ومصالح واشنطن بامتياز، إلا أن ثمة اتجاهات أخرى ترى أن هناك تغييرًا قد يطرأ على السياسة الأمريكية تجاه إيران، خاصة فيما يتعلق بالآليات، في حالة وصول رئيس آخر إلى البيت الأبيض، مشيرة إلى أن التصعيد الحالي لم يصل إلى هذا المستوى إلا بعد فوز الرئيس ترامب بالانتخابات الأخيرة، حيث انسحب من الاتفاق النووي وأعاد فرض عقوبات أمريكية على إيران أنتجت بدورها تداعيات قوية على الاقتصاد الإيراني.

وهنا، فإن الأرجح أن إيران سوف تحاول خلال الفترة المتبقية على الانتخابات الرئاسية إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وفق حدود لا تسمح بتجديد استخدام الخيار العسكري، وهو الخيار الذي تبذل الأولى جهودًا حثيثة من أجل تجنبه، باعتبار أنها قد لا تستطيع تحمل تبعاته، لاسيما أنه يتزامن مع تصاعد حدة التوتر على الساحة الداخلية، بشكل بدا جليًا في تكرار الاحتجاجات الشعبية ضد السياسات التي يتبناها النظام، والتي أدت إلى اتساع نطاق الأزمة الاقتصادية، بما تتضمنه من ارتفاع مستوى التضخم إلى أكثر من 40% ومعدل البطالة إلى ما يتجاوز 15%.

وحتى فيما يتعلق بإدارة حرب بالوكالة مع واشنطن، على غرار ما كان قائمًا قبل مقتل سليماني، فإن هذا الخيار بدوره سوف تكون له حدود على الأرض، باعتبار أن واشنطن سوف تحمل إيران المسؤولية عن أية محاولة لاستهداف مصالحها في العراق أو أي دولة في المنطقة، وهو التحذير الذي وجهه أكثر من مسؤول أمريكي في الفترة الماضية.

فقد كان لافتًا، على سبيل المثال، أن واشنطن بدأت في زيادة عدد قواتها التي تتواجد بالمنطقة، والتي وصلت، وفق بعض التقديرات، إلى نحو 68 ألف جندي، على عكس الاتجاه الذي دعا إليه الرئيس ترامب من البداية وأعلن عنه حتى قبل وصوله إلى منصب الرئيس. كما قد تقدم الإدارة الأمريكية على نشر أنظمة صواريخ دفاع جوي جديدة، من طراز "باتريوت"، لاسيما في العراق، في سياق استعدادها لأية احتمالات قد يفرضها التصعيد الحالي مع إيران.

وبالتوازي مع ذلك، وجهت واشنطن رسائل جديدة لطهران مفادها أنها لن تتوانى عن استخدام الخيار العسكري مجددًا في حالة ما إذا تعرضت مصالحها لتهديد جدي، حيث قال قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال كينيث ماكنزي، في 24 يناير 2020م،أن "ما تريده الولايات المتحدة هو إقناع قادة النظام الإيراني بأن الوقت الآن ليس مناسبًا للقيام بأعمال طائشة ومتهورة"، مضيفًا: "إنرسالة الولايات المتحدة إلى قادة النظام الإيراني واضحة ألا وهي: نحن لا نسعى إلى الحرب، لذا يجب ألا تسعوا إليها أيضًا".

وهنا، كان لافتًا أن معظم الهجمات التي وقعت منذ شن الضربات الصاروخية الإيرانية في 8 يناير 2020م، لم تكن على مستوى من الخطورة للدرجة التي يمكن أن تؤدي إلى تعزيز احتمالات نشوب مواجهة جديدة بين طهران وواشنطن، على غرار القصف الصاروخي الذي وقع في 20 يناير 2020م، في محيط السفارة الأمريكية بالمنطقة الخضراء، والذي استخدمت فيه صواريخ "كاتيوشا".

وربما يعود ذلك إلى أن الارتباك ما زال هو السمة الرئيسية في مواقف حلفاء إيران من الميليشيات الموجودة في العراق، على غرار "الحشد الشعبي" و"كتائب حزب الله"، بسبب "الصدمة" التي تسبب فيها مقتل سليماني والمهندس، فضلاً عن انهماك تلك الأطراف في التعامل مع الأزمة السياسية التي ما زالت قائمة، على خلفية الفشل في تسمية رئيس جديد للحكومة، في ظل الخلافات العالقة بينها حول المرشحين لخلافة عادل عبد المهدي في منصبه، فضلاً عن استمرار الاحتجاجات في الشارع العراقي، والتي لم تقلص التظاهرة التي نظمها التيار الصدري للمطالبة برحيل القوات الأمريكية في 24 يناير 2020م، من زخمها وأهميتها، خاصة أن الزعيم الصدري مقتدى الصدر كان حريصًا على تأكيد "عدم السعي لزج العراق في أتون حرب جديدة مع الأمريكيين".

أما المتغير الثاني، فينصرف إلى اقتراب الاتفاق النووي من مرحلة الانهيار. إذ ما زالت إيران مُصِرَّة على تخفيض مستوى التزاماتها في الاتفاق، حيث رفعت مجمل القيود العملياتية الخاصة بأنشطتها النووية، لاسيما فيما يتعلق برفع مستوى تخصيب اليورانيوم وزيادة كميته، إلى جانب توسيع نطاق عمليات التخصيب لتشمل مفاعل فوردو، الذي تم إنشاؤه تحت الأرض، إلى جانب منشأة ناتانز.

وقد فرضت تلك الإجراءات خيارات محدودة أمام الدول الأوروبية تحديدًا، التي سعت خلال المرحلة التي أعقبت الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، إلى اتخاذ إجراءات لتعزيز فرص مواصلة العمل به، على غرار آلية "انستكس" التي حاولت من خلالها إجراء تعاملات مالية وتجارية مع إيران لإقناعها بالالتزام ببنود الاتفاق. إلا أن هذه الإجراءات فشلت في دفع طهران إلى مواصلة تطبيق الاتفاق وفقًا لما تقتضيه بنوده، كما أنها قوبلت برفض وضغوط من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت أن السياسة الأوروبية سوف تشجع إيران على المضي قدمًا في سياستها المتشددة القائمة على مواصلة تطوير برنامجيها النووي والصاروخي والإمعان في التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وتهديد أمن الملاحة في منطقة الخليج العربي ومصالح القوى الغربية وحلفائها.

وتوازى ذلك، مع ظهور اتجاه داخل الدول الأوروبية يرى أن السياسة التي تبنتها وجهت رسائل خاطئة لإيران دفعتها إلى الاستمرار في إجراءاتها التصعيدية التي طالت حتى مصالح تلك الدول، على غرار قيام طهران باحتجاز السفينة البريطانية "ستينا امبيرو" في 19 يوليو 2020م، ردًا على احتجاز سلطات جبل طارق، بالتعاون مع القوات البريطانية، ناقلة نفط إيرانية كانت متجهة إلى سوريا في 4 من الشهر نفسه.

كما تورطت إيران في عمليات استهداف بعض عناصر ورموز قوى المعارضة الإيرانية الموجودة على الأراضي الأوروبية، على نحو دفع الاتحاد الأوروبي، في 8 يناير 2019م، إلى فرض عقوبات على جهاز المخابرات الإيراني، "بسبب مؤامرات لاغتيال معارضين في أوروبا"، حيث أدرج الجهاز واثنين من موظفيه على قائمته للإرهاب، بعد أن أكدت فرنسا والدانمارك أنه خطط لقتل معارضين على الأراضي الأوروبية.

وبالطبع، فإن الأزمة الحالية التي تسبب فيها إسقاط الطائرة الأوكرانية سوف تساهم في تصعيد حدة التوتر بين إيران والدول الأوروبية، التي يمكن أن تتجه إلى رفع مستوى العقوبات على الأولى في المرحلة القادمة، بسبب إصرارها على عدم تسليم الصندوقين الأسودين، إلى جانب اعترافها المتأخر بإسقاط الطائرة بصاروخين من الدفاعات الأرضية.

ويتوازى ذلك، مع اتجاه كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، في 14 يناير 2020م، إلى تفعيل آلية فض النزاع الخاصة بالاتفاق النووي، ردًا على تخفيض إيران مستوى التزاماتها في الاتفاق، وهي الآلية التي يمكن أن تنتهي بإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران من داخل مجلس الأمن، وهي العقوبات التي تم رفعها بعد الوصول للاتفاق، وتحديدًا في 16 يناير 2016م.

هذا الخيار تحديدًا سوف يعيد أزمة البرنامج النووي الإيراني إلى مربعها الأول من جديد، خاصة أن إيران قد ترد على إعادة فرض العقوبات الدولية عليها باتخاذ مزيد من الإجراءات التصعيدية. إذ قد تتجه إلى توسيع نطاق أنشطتها النووية، على غرار زيادة كمية اليورانيوم المخصب، ورفع مستواه إلى 20% أو أكثر، مستخدمة في هذا السياق أجهزة طرد مركزي أكثر تطورًا من جهاز "IR 1" الذي كانت تعتمد عليه في عمليات التخصيب بمقتضى الاتفاق النووي.

لكن الخطوة الأهم التي لوحت بها إيران تتمثل في الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، على نحو سوف يؤدي إلى إنهاء تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واتجاهها إلى مواصلة برنامجها النووي بعيدًا عن رقابة مفتشيها. إذ قال رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) علي لاريجاني، في 20 يناير 2020م، أن "البرلمان جاهز لتمرير مشروع قانون يقضي بإعادة النظر في التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ويتضمن الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي".

وهنا، فإن هذا الاتجاه، في حالة حدوثه، سوف يثير قلقًا خاصًا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والعديد من القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأمن والاستقرار في المنطقة، باعتبار أن مواصلة إيران برنامجها النووي بعيدًا عن التفتيش الدولي يمكن أن يزيد من احتمالات سعيها إلى امتلاك القنبلة النووية، وهو ما يمثل خطًا أحمر لن تسمح به تلك القوى.

هذا التطور يمكن أن يغير توازنات القوى بمجملها في المنطقة ومسارات التفاعلات الجارية بين طهران وواشنطن، باعتبار أنه سوف يزيد من احتمالات نشوب مواجهة عسكرية جديدة لمنع الأولى من الانخراط في هذا المجال.

إيران بدورها تتحسب لهذه المعطيات وتدرك أن اتخاذ قرار امتلاك القنبلة النووية لن يكون سهلاً، لاسيما في خضم الضغوط التي تتعرض لها على المستويات المختلفة، والتي تعني أن هذا الخيار قد يكون له تكلفة ربما لا يستطيع النظام تحملها.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن التصعيد المحدود سوف يكون هو السمة الرئيسية للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، إلى حين نضوج التداعيات المحتملة للمتغيرات الأخرى، التي سوف تؤثر عليها في مرحلة لاحقة، لاسيما ما يتعلق بمدى قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تجديد فترته الرئاسية، فضلاً عن احتمالات انهيار الاتفاق النووي من عدمه.

مجلة آراء حول الخليج