array(1) { [0]=> object(stdClass)#11963 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 146

رغم مخرجات مؤتمر برلين: ليبيا تقترب من سيناريو سوريا بوصول مرتزقة لطرابلس ومصراتة

الأحد، 02 شباط/فبراير 2020

دخلت الأزمة الليبية منعطف " السيناريو السوري " مع قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إرسال المرتزقة السوريين والمستشارين العسكريين الأتراك لدعم حكومة فايز السراج التي انتهت صلاحياتها منذ ديسمبر 2017م، حيث يسعى أردوغان لإحياء الوهم العثماني على الأراضي الليبية من خلال الادعاء أن الحل في ليبيا يمر عبر تركيا، وأن هناك مليون ليبي من أصل تركي يدعمون إعادة احتلال تركيا للأراضي الليبية حسب زعمه، الأمر الذي دفع القبائل الليبية لإغلاق أبار النفط والغاز في الهلال النفطي بهدف تفويت الفرصة على السراج الذي يستخدم عائدات النفط لتمويل جلب المرتزقة والإرهابيين إلى الداخل الليبي ، ودفع الأموال والرواتب لهم، و حتى لا يدفع السراج 2.7 مليار دولار لتركيا بزعم أنها ديون للشركات التركية منذ أيام معمر القذافي، وكلها أمور تدفع لضرورة طرح التوزيع العادل للثروة الليبية التي تستأثر بها حكومة السراج، فهل يمكن البناء على مؤتمر برلين الذي جمع 12 دولة في 19 يناير 2020م، لتحقيق السلام في ليبيا ؟ ولماذا لم يطالب المؤتمر بتجميد اتفاقيتي السراج وأردوغان، وإلى أي مدة تسمح الخلافات الأوروبية -الأوروبية، والأمريكية الروسية بوضع نهاية للأزمة الليبية؟ وكيف ستؤثر شركة " سادات " الأمنية، وتحرير سرت من الإرهابيين على الأوضاع الميدانية للصراع؟

بداية الصراع

بدأت الأزمة عندما خسرت جماعة الإخوان الليبية الانتخابات البرلمانية في 25 يونيو 2014م، حيث حصل الإخوان وكل ما يسمى "بأحزاب الإسلام السياسي" على 30 مقعد فقط من إجمالي 200 مقعد هي إجمالي مقاعد البرلمان الليبي، ولجأت الميلشيات المؤيدة للإخوان للسيطرة على طرابلس بالقوة ومنع العملية السياسية، الأمر الذي دفع البرلمان الليبي للانتقال لبنغازي بعيدًا عن ميلشيات طرابلس، وتحولت العاصمة منذ ذلك الحين لساحة من القتال والتناحر بين فصائل تنتمي للزنتان وفصائل أخرى تنتمي لمصراته، وذلك بعد أن أعلنت كتائب عسكرية محسوبة على الزنتان تأييدها "لعملية الكرامة " التي أعلنها المشير خليفة حفتر ، وعاش سكان طرابلس منذ ذلك الحين أوقات صعبة نتيجة لصراع الميليشيات على النفوذ والأموال في العاصمة والمنطقة الغربية التي تضم ثلثي السكان الليبيين، وهو ما دفع أكثر من 250 ألف من أبناء طرابلس لتركها هربًا من ممارسات أمراء الميلشيات والجماعات الإرهابية في طرابلس.

وبدأ ظهور المشير خليفة حفتر في المشهد الليبي في منتصف فبراير 2014م، عندما أعلن تجميد الإعلان الدستوري وحل المؤتمر الوطني العام "السلطة التشريعية" وبعد ثلاثة أشهر في 15 مايو 2014م، أطلق حفتر عملية عسكرية "عملية الكرامة" لمكافحة الإرهاب في بنغازي، وخلال ثلاث سنوات نجح في تحرير بنغازي، ثم انطلق لتحرير باقي المدن الليبية مثل مدن ومواني الهلال النفطي، وكل المناطق الجنوبية بما فيها حقلي الشرارة والفيل، كما حرر مدينة درنة قبل أن يتوجه غربًا لتحرير طرابلس في 4 أبريل الماضي، ومؤخرًا حرر مدينة سرت التي تضم مطار وميناء بحري في ثلاث ساعات فقط بعد أن انشقت الكتائب العسكرية عن السراج وانضمت للجيش الوطني.

عدم شرعية حكومة السراج

نتيجة لتحرير شرق ليبيا وبنغازي من المتطرفين توجه قادة الميلشيات الإرهابية للانضمام إلى جماعة الإخوان والمجموعات القتالية من مصراته وغيرها، وشكلت في الغرب الليبي حكومة موازية للحكومة المنبثقة عن البرلمان الوطني في بنغازي ، وبعد جهود من الأمم المتحدة تم التوصل لاتفاق " الصخيرات " بالمغرب في 17 ديسمبر 2015م، الذي انبثقت عنه حكومة فايز السراج التي لم تعد حكومة شرعية منذ 17 ديسمبر 2017م، ولهذا السبب لا يحق لهذه الحكومة التوقيع على اتفاقيات دولية على غرار الاتفاقيتين مع أردوغان حول ترسيم الحدود البرية أو الدعم العسكري التركي لعدد من الأسباب وهي:

1-الفترة الزمنية لاتفاق الصخيرات الذي جاء بحكومة السراج مدتها عام واحد قابل للتجديد، ولهذا انتهي العام الأولي في 17 ديسمبر 2016م، دون اتفاق، وانتهى عام التجديد في 17 ديسمبر 2017م.

2-حاولت حكومة السراج الحصول على ثقة البرلمان الليبي مرتين وفشلت في ذلك، ولهذا تعد حكومة غير شرعية لأنها لم تستطع الحصول على ثقة المؤسسة الوحيدة المنتخبة في ليبيا وهو البرلمان الوطني، كما أن الحصول على ثقة البرلمان من شروط اتفاق الصخيرات.

3-نص اتفاق الصخيرات في المادة الثامنة على أن التوقيع على الاتفاقيات الدولية يتم من خلال المجلس الرئاسي بالكامل، وليس بتوقيع أحادي الجانب من رئيس المجلس، يضاف لذلك أن غالبية المجلس الرئاسي إما معارضون لقرارات السراج أو استقالوا احتجاجًا على عدم تعاون السراج مع الجيش الوطني.

4-ينص القانون الدولي على أن أي طلب للمساعدة العسكرية من الخارج يقوم على مسارين، الأول صدور قرار من مجلس الأمن، أو بطلب من الحكومة المنتخبة، وحكومة السراج لا تملك هذا ولا ذاك، لذلك يعد توقيع السراج لاتفاقيتين حول ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، وطلب المساعدة العسكرية غير قانوني وغير شرعي، ولا يستند لأي أساس إلا تماهي مصالح أردوغان ومصالح الميليشيات الموجودة في طرابلس.

مؤتمر برلين ... تنقصه أوراق

نجح مؤتمر برلين في إظهار مدى الأهمية التي يحظى بها الملف الليبي على المستويين الإقليمي والعالمي بعد طول تجاهل من المجتمع الدولي الذي توافق على ضرورة وقف إطلاق النار، ووضع آلية لمراقبة الأوضاع الميدانية لمنع تجدد العمليات العسكرية الكبيرة، وتوافقت الدول على طرح " خريطة طريق " تقودها الأمم المتحدة لوقف الصراع في ليبيا، لكن من يدقق في مخرجات مؤتمر برلين الذي ضم 5 منظمات دولية منها الأمم المتحدة والجامعة العربية ، و12 دولة أبرزهم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والدول الإقليمية الفاعلة يتأكد أن هناك أوراق ناقصة في كتاب إنهاء الأزمة الليبية، وأبرزها:

1- لم يتعرض البيان الختامي للمؤتمر للاتفاقيتين التي وقعهما السراج وأردوغان رغم أن هاتين الاتفاقيتين لا تؤشر فقط لاستمرار الأزمة الليبية بل تقود لصراع إقليمي طويل بين كل دول شرق المتوسط، وعجزت الدول الأوروبية عن الدفاع عن شركائهما في الاتحاد الأوربي " قبرص – اليونان " الذي يصر أردوغان على البحث عن الغاز والنفط في المياه الاقتصادية الخاصة لقبرص، ويتجاهل جزيرة كريت اليونانية عند ترسيم الحدود البحرية بين حكومتي السراج وأردوغان.

2- اكتفى المجتمعون في برلين بالمطالبة بوقف التدخلات الخارجية، ومن يراجع الأيام الفاصلة بين مؤتمر برلين يوم 19 يناير 2020م، واجتماع موسكو الذي دعا للهدنة مساء يوم 12 يناير من نفس الشهر يتأكد أن تركيا حولت هذه الأيام "لاستراحة محارب" ، ونقلت وفق السفارة الأمريكية في طرابلس أكثر من 3500 مرتزق من سوريا لليبيا بشكل علني، كما قام فريق فني تركي بتركيب منظومة دفاع صاروخية متقدمة في مطار معيتيقة، وخلال هذه الأيام صدر أكثر من 10 تصريحات من الرئيس التركي يؤكد فيها جميعًا أنه ذاهب بالقوات التركية والمرتزقة السوريين للقتال في طرابلس، ناهيك أن مؤتمر برلين وضع آلية هشة لوقف إطلاق النار تتكون من 10 مراقبين منهم 5 من الجيش الليبي والـ 5 الأخرون من الميليشيات التي انتهكت 42 هدنة من قبل في بنغازي.

3-لم يتبن مؤتمر برلين أي " آلية عقابية" على الطرف الذي يخرق الهدنة، والمعروف أن حكومة السراج مختطفة من جانب الميليشيات في طرابلس ولا يستطيع السراج التأثير عليها.

4-تعامل البيان الختامي لمؤتمر برلين بالتساوي بين الجيش الليبي المنبثق من البرلمان المنتخب، والذي حرر 95 % من الأراضي الليبية، وبين مجموعة من الميلشيات تم استقدامهم من دول كثيرة حيث يقاتل طيارون ومرتزقة من 40 دولة مع حكومة السراج أبرزها الطيارون من البرتغال الذين سقطوا في قبضة الجيش الليبي.

5-تجاهل مؤتمر برلين نهب حكومة السراج لأموال الشعب الليبي ودفعها مرتبات وأموال لأردوغان، ولدفع مرتبات الميلشيات، كما تجاهل دفع السراج 2.7 مليار دولار للحكومة التركية بدعوى أن هذه الأموال ديون للشركات التركية منذ حكم معمر القذافي، وطالب مؤتمر برلين بسهولة وصول النفط الليبي للأسواق العالمية، وكان يجب على المؤتمر أن يشترط عدم استخدام الأموال والأصول الليبية في نقل الإرهابيين والمرتزقة من سوريا لطرابلس.

6 - تجنب المؤتمر رفع سقف التوقعات واكتفى بالقول أنه يحاول حل الأزمة الليبية من خلال تصريح غالبية المشاركين بأن برلين هي " بداية ومنصة" لإطلاق حلول سياسية لكافة ملفات الصراع الليبي، وهو في حقيقة الأمر هروب من التعقيدات الشائكة التي تم ترحيلها عبر الحديث عن مؤتمرات جديدة في جنيف لتطبيق المبادئ العامة التي تم التوافق عليها في برلين.

7-قد يكون مؤتمر برلين "تظاهرة سياسية" من خلال جمع غالبية الدول الفاعلة على الساحتين الإقليمية والدولية في قاعة واحدة، لكن الواضح أن المؤتمر لم يستطع أن " يصهر مصالح " تلك الدول في مسار واحد، ولذلك بعد انتهاء المؤتمر ظل التباين في الموقف الفرنسي عن الموقف الإيطالي، كما أن الرؤية الأمريكية لا تتفق مع الطرح الروسي، بالإضافة إلى الخلاف الواضح في تقدير الأطراف الإقليمية للأزمة، فما هي حقيقة مواقف تلك الأطراف.

القيادة من الخلف

منذ 2011م، وحتى منتصف عام 2019م، كانت الولايات المتحدة تعتمد على " نظرية القيادة من الخلف " في الملف الليبي التي تعني أن واشنطن تحرك الخيوط بعيدًا عن الأضواء، لهذا ركزت واشنطن على الانتقام من قتلة السفير كريستوفر ستيفنز الذي قتل عام 2012م، في بنغازي ، وتركت مهمة إسقاط القذافي والملف الليبي في يد حلفائها "الأطلنطيين"، حيث اضطلعت فرنسا وإيطاليا ومعهما تركيا بهدم ليبيا عام 2011م، ويتسق موقف واشنطن هذا مع خطة الولايات المتحدة الأمريكية "للاستدارة شرقًا" والاهتمام بشرق وجنوب شرق آسيا، وخلال عامي 2017 و2018م، لم يصدر أي اهتمام حقيقي من الولايات المتحدة بما يحدث في ليبيا، لكن بعد فشل بناء المؤسسات، وانتشار الجماعات الإرهابية في ليبيا ومناطق الساحل والصحراء عادت القيادة الأمريكية في إفريقيا "أفريكيوم" للاهتمام بالساحة الليبية ، وهذا ما تجلى في الاتصال الطويل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمشير خليفة حفتر في نوفمبر الماضي.

وقبل انطلاق مؤتمر برلين بساعات قالت واشنطن أن الأوضاع في ليبيا تتجه ببطء نحو " السيناريو السوري"، ولم تبدي الولايات المتحدة اعتراض واضح وصريح على الخطط التركية لإرسال مقاتلين أجانب للساحة الليبية، ويعود الاهتمام الأمريكي المتجدد بليبيا لمجموعة من الأسباب وهي:

1-حرص الولايات المتحدة على إمدادات النفط الليبية التي تصل لحوالي 1.3 مليون برميل يوميًا، وزاد الاهتمام بالنفط الليبي من جانب الولايات المتحدة مع خطة الرئيس ترامب التي أعلنها في 4 نوفمبر 2018م،" لتصفير " مبيعات النفط الإيرانية، كما أن واشنطن تريد تخفيض مبيعات النفط الفنزويلية للضغط على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ولذلك يتوقع أن يكون هناك رد فعل أمريكي رافضًا لمنع تصدير النفط الليبي عبر إغلاق موانئ الهلال النفطي.

2-تقول واشنطن أن عناصر شركة "فاجنر " الأمنية الروسية أسقطوا طائرة أمريكية بدون طيار متقدمة للغاية في طرابلس، وأنهم نقلوا أجزاء هذه الطائرة لروسيا، وهو ما دفع الصحافة الأمريكية لمطالبة الرئيس ترامب باتخاذ خطوات ضد الوجود الروسي في ليبيا.

3- ترى الولايات المتحدة الأمريكية فرص هائلة في إرسال تركيا لقواتها والمرتزقة لطرابلس وغرب ليبيا لتحقيق مجموعة من الأهداف أولها، تحويل تركيا والفصائل التابعة لها سواء سوريين أو ليبيين لـ " قوة حاجزة " ضد النفوذ الروسي المتصاعد في ليبيا، ولهذا السبب يعتقد البعض أن الولايات المتحدة قد تكون شجعت تركيا لمزيد من الانخراط في ليبيا لأسباب كثيرة منها إدخال تركيا "للمستنقع الليبي" بعد أن تحولت أنقرة لـ"عبء استراتيجي" على الولايات المتحدة وحلف الناتو، خاصة بعد الخلافات التركية مع أوروبا والولايات المتحدة ، وتأمل واشنطن من هذه الاستراتيجية حدوث تصادم " روسي ــ تركي " على الأراضي الليبية يخفف من الاندفاعة التركية نحو موسكو من جانب، ويعيد "الاعتمادية التركية " على الجانب الغربي بعد الهرولة التركية السريعة نحو موسكو منذ شراء أنقرة منظومة إس 400 الروسية، فالولايات المتحدة تراهن على الخلاف الأيدولوجي بين روسيا وتركيا، وأن روسيا التي تحارب المجموعات الإرهابية من القوقاز وأسيا الوسطى للشرق الأوسط لا يمكن أن تتفق رؤيتها مع دولة راعية لكل المجموعات الإرهابية في العالم، وتدرك واشنطن أن في ذاكرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن شواهد التاريخ التي تقول أن هناك 16 حربًا بين روسيا وتركيا انتصر في جميعها الجيش الروسي.

 

أوراق قيصر الكرملين

 

هناك عقدة روسية مما حدث في ليبيا عام 2011م، وتشعر موسكو أن الولايات المتحدة وحلف الناتو مارسوا الخداع السياسي عندما استخدموا قرار أممي لحظر الطيران فوق ليبيا لإسقاط نظام معمر القذافي، وظلت منذ 9 سنوات تنتظر الفرصة للعود للساحة الليبية، وحاولت موسكو تفعيل الاتفاقيات العسكرية التي وقعها القذافي مع روسيا للهروب من الحظر الدولي لتوريد السلاح إلى ليبيا، لكن هذا السيناريو فشل لاعتراض أمريكا وبريطانيا عليه، لهذا يقوم الموقف الروسي في الوقت الحالي على مجموعة الأفكار وهي:

1-دعم المشير خليفة حفتر في قتال الإرهابيين، لأن روسيا ترى نفسها في نفس الخندق الذي فيه المشير حفتر في إضعاف المجموعات الإرهابية، وهذا إدراكًا من روسيا أن الهدف النهائي للمجموعات المتطرفة ليس سوريا أو ليبيا بل التوجه نحو روسيا والصين وفق رؤية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنها الرئيس ترامب في ديسمبر عام 2017م، والتي تعتبر كلاً من روسيا والصين " منافسين " للولايات المتحدة على الساحة الدولية.

2- رغم الاعتراض الظاهر من روسيا على نقل تركيا للمرتزقة من الشمال السوري للساحة الليبية لا يبدو على روسيا الانزعاج من هذا السيناريو ، فموسكو تفضل إنهاء وجود المجموعات المسلحة في أدلب ومحيط حلب، لأن هذه الساحة قريبة جدًا من القواعد الروسية في حميميم وطرطوس، وتعتبر روسيا سوريا مجالاً حيويًا لها أكثر بكثير من الساحة الليبية، ولهذا موسكو مستعدة لمقايضة مؤقته مع تركيا تشمل تنازل تركيا لروسيا في سوريا مقابل غض الطرف الروسي عن بعض المصالح التركية في ليبيا، وهذا يتفق مع الرؤية الروسية التي تقول أن الوجود الروسي في سوريا علني بينما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتن أن عناصر فاجنر الروسية في ليبيا لا يمثلون الدولة الروسية بما يعطي مساحة من المناورة لروسيا في الميدان الليبي.

3-تأمل روسيا أن تكون محور " تجارة الغاز " حول العالم، لهذا توفر لها الساحة الليبية مكانًا ملائمًا لتكون قريبة من سوق شرق المتوسط للغاز، كما أن دعم موسكو للطرف الذي يسيطر على مناطق النفط والغاز يعزز موقفها في منظمة " أوبك + " وهذا الملف في غاية الحساسية للجانب الروسي الذي يرى أن تخفيض سعر النفط في الثمانينات كان من الأسباب الجوهرية لانهيار الاتحاد السوفيتي، لهذا تقوم استراتيجية الدولة الروسية على الحفاظ على سعر مقبول للنفط والغاز عالميًا

4-تستطيع روسيا أن تستفيد من وجودها على الساحل الليبي ليس فقط في الدخول للقارة الإفريقية بعد مؤتمر سوتشي الذي جمع روسيا ودول القارة الإفريقية نهاية العام الماضي، بل تستطيع القول إنها على حدود "الناتو الجنوبية " ونشر قواعد عسكرية روسية على الساحل الليبي يجعلها قريبة جدًا من حدود الناتو والسواحل الإيطالية.

تردد أوروبي

رغم النجاح الأوربي في إزاحة القذافي إلا أن الدول الأوروبية لم يكن لديها استراتيجية لمرحلة ما بعد 17 فبراير 2011م، وقت اندلاع المظاهرات ضد نظام القذافي، وتعد أوروبا أكثر الأطراف الدولية التي تضررت مما يحدث في ليبيا بسبب ظاهرة الهجرة غير الشرعية وانتقال الإرهابيين لقلب أوروبا، وهذان السببان من أبرز الأسباب للاهتمام الألماني بالملف الليبي لكن التردد الأوروبي في الساحة الليبية أخذ أكثر من صورة في السنوات الأخيرة ومنها:

1-فشل أوروبا في مساعدة الليبيين في بناء المؤسسات السياسية والدستورية المتفق عليها من الجميع بعد 2011م.

2-وقف " عملية صوفيا " التي أنشأها الاتحاد الأوروبي لوقف تهريب المهاجرين غير الشرعيين، وشكلت صوفيا آلية حقيقة لمراقبة تهريب السلاح إلى ليبيا، ومنذ توقف هذه العملية بات الطريق مفتوحًا أمام تركيا لإرسال السلاح والمرتزقة إلى السراج دون أي رقابة دولية أو أوروبية

3-التباين والخلاف الكبير بين الأجندتين الفرنسية والإيطالية في الساحة الليبية، ففي الوقت الذي تتفهم فرنسا دوافع المشير خليفة حفتر في قتال الإرهابيين ما زالت إيطاليا تدعم حكومة السراج، ولهذا دعت فرنسا بشكل مباشر تركيا لعدم إرسال المقاتلين إلى ليبيا في مؤتمر برلين، بينما طرحت روما آلية إيطالية روسية ـــ تركية لمراقبة الوضع الميداني في ليبيا قبل مؤتمر برلين لكن لم يتم التوافق على الرؤية الإيطالية.

4- تعاملت إيطاليا بطريقة أحادية مع بعض قضايا الملف الليبي بعيدًا عن الإجماع الأوروبي، فالتنسيق الإيطالي مع تركيا لا يقبله كثير من الأوروبيين، حيث تعتبر إيطاليا نفسها وريث للنفوذ العثماني في ليبيا منذ اتفاقية أوشي جنيف عام 1912م، الذي سلمت فيه تركيا ليبيا للاحتلال الإيطالي، وترى إيطاليا أنها يمكن أن تبرم صفقة مع تركيا حتى لو كان هذا يضر بالمصالح القبرصية واليونانية، لكن كل المؤشرات تقول أن إيطاليا هي من سيدفع الثمن الأكبر لاتفاقيتي السراج وأردوغان ، لأن شركات النفط الإيطالية من أكبر المستفيدين من استخراج الغاز شرق المتوسط، كما أن الاستقرار في المنطقة ونقل الغاز لأوروبا سيمر عبر الأراضي الإيطالية وهو ما سيوفر مليارات الدولارات للحكومة الإيطالية.

حقائق على الأرض

لا يزال الواقع الميداني يفرض نفسه على الساحة الليبية، فبعد 4 سنوات من إطلاق عملية الكرامة في طرابلس بـ150 جندي وضابط بات الجيش الليبي داخل أحياء طرابلس، كما أن تحرير سرت التي تتوسط الساحل الليبي سيكون له تأثير كبير على حسابات الواقع الميداني حيث اضطرت حكومة الوفاق لسحب وحدات عسكرية من طرابلس للعودة لمصراته التي أصبح الجيش الليبي على أبوابها بعد دخول منطقة الجيش الليبي منطقة الهيشة غرب سرت، وبات ورقة الشعب الليبي من أهم الأوراق الآن بعد أن بات أبناء عمر المختار يدركون حقيقة المشروع الأردوغاني في ليبيا ويتذكرون كيف احتل العثمانيون ليبيا 360 عامًا، وقام الحاكم العثماني أحمد القرمنلي بقتل 10 آلاف صائم في نهار رمضان من قبيلة الجوازي في برقة وبنغازي في سبتمبر عام 1817م، ولهذا تحاول تركيا وبسرعة تعويض النقص في عدد المقاتلين في طرابلس عبر إرسال شركة " سادات " التركية الأمنية التي تأسست منذ عام 2012م، أكثر من 3500 من المرتزقة لإنقاذ السراج، ولهذا سيكون لتحرير سرت، وأنشطة شركة " سادات " - التي تعد بمثابة "الحرس الثوري التركي" - المحرك الأساسي للمشهد الليبي القادم والذي لن يخرج عن ثلاثة سيناريوهات:

الأول: السيناريو المثالي

ويتمثل في سيطرة الجيش الليبي على طرابلس وتسقط حكومة السراج، وتسقط معها الاتفاقيات التي وقعتها مع أردوغان، وتدخل ليبيا في " خريطة طريق " تقوم على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد وضع دستور جديد، وتعود ليبيا دولة طبيعية بحدودها الدولية المعترف بها دوليًا، وينتهي هذا الفصل المأساوي من تاريخ الشعب الليبي.

الثاني " السيناريو القبرصي "

وفق هذا السيناريو سيضطر الجيش الليبي لتجميد كل الخطط لتحرير طرابلس ومصراته وباقي مدن الغرب الليبي بسبب الضغوط الدولية، ويدخل في مفاوضات جنيف، وتشكيل اللجنة الأمنية المشتركة، وبسبب الضغط الدولي أيضًا قد تضطر القبائل الليبية لإعادة تشغيل الموانئ النفطية، ويكون من نتيجة كل ذلك إطالة أمد الصراع، ومنع أي طرف من تحقيق " النصر الكامل " وتتحول وفق هذا السيناريو خطوط وقف إطلاق النار الحالية لـ " خط أزرق " يقسم العاصمة طرابلس وفق" السيناريو القبرصي" الذي قسم مدينة نيقوسيا بعد الغزو التركي لقبرص عام 1974م، انتظارًا لجولات سياسية أو تحرك عسكري بعد شهور أو سنوات أو حتى عقود كما حدث مع العاصمة نيقوسيا.

الثالث: السيناريو السوري

ويعتمد على وجود محفزات للصراع الدولي والإقليمي في ليبيا على غرار السيناريو السوري، ويستند هذا السيناريو على أن أغلب اللاعبين في سوريا انتقلوا بالفعل للعمل في ليبيا حيث قطر وتركيا وجماعة الإخوان وبعض الأطراف الغربية مستعدة للانخراط أكثر في الملف الليبي المفتوح على مناطق شاسعة من الصراعات المجاورة في منطقة الساحل والصحراء بما يغذي استمرار هذا الصراع سنوات أكثر من سنوات الصراع السوري نفسه.

مجلة آراء حول الخليج