انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالعدد 111 وقفةالتوجه شرقًا .. التطلعات والنتائج

الإعلام بين الاختراق واختلاط المفاهيم

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 03 آذار/مارس 2020

يبدو أن الإعلام العربي كان غير مهيأ لثورة الاتصالات التي حلت بالعالم خاصة مع بداية القرن الحادي والعشرين، وكان من الضروري  الاستعداد بتجهيز البنية الفكرية والتحتية للمجتمعات العربية من خلال تهيئة العقول للتعامل مع ثقافة التكنولوجيا الجديدة، ثم توفير أدوات التكنولوجيا وبنية وسائل الاتصال قبل الانخراط الواسع في أتون التكنولوجيا الحديثة والفضاءات المفتوحة والانكفاء على شبكات التواصل الاجتماعي، ما أدى إلى حالة خلط بين مفاهيم الإعلام والاتصال، من جهة، والآراء الشخصية من جهة أخرى، ولقد تأثرت وسائل الإعلام التقليدية التي انحسر دورها ليتسع دور وتأثير الإعلام الجديد بكل مكوناته ما أدى إلى تماهي المعلومة مع وجهة النظر  الشخصية، واختلاط الحقيقة مع الشائعة وترديد كل ما ُيقال في كثير من الأحيان دون فرز أو تمحيص، وهذا الأمر فتح الباب لأن تقترب الشائعة من حدود المعلومة، بل ربما أكثر المعلومات كانت في الأصل شائعات تم تسريبها بغرض التأثير على الرأي العام واختطافه وهذا ما حدث خلال ما يسمى بثورات الربيع العربي.

زادت إشكالية الإعلام العربي بعد التباس دور مقدم الرسالة الإعلامية، ففي وسائل التواصل الاجتماعي تحول المشاركون إلى ناقلين للأخبار والمعلومات دون تأهيل إعلامي فهم مجرد أصحاب مواقع أو صفحات شخصية، وحتى في الفضائيات التي زاد عددها ومن ثم زيادة ساعات البث ما جعلها تبحث عن ملء ساعات البث على حساب المضمون وجودة الرسالة الإعلامية وهبوط مستوى معايير اختيار الإعلامين حيث قفز الشكل والأيدولوجيا أو الانحياز للمواقف للوسيلة الإعلامية من يقف خلفها ويمولها على موضوعية اختيار إعلامي الفضائيات، وكذلك تغيرت طبيعة المستقبل للرسالة الإعلامية ومستواه الثقافي وخبراته وعمره  ما ترتب على ذلك انحدار مستوى مضمون الرسالة الإعلامية ومرسلها ومستقبلها.

والخطورة لا تقف عند هذا الحد، بل تزداد عند اختراق هذه الوسائل عبر أجهزة استخبارات أو دول لها أجندات تجاه المنطقة العربية حيث يكون من السهل التأثير

على الرأي العام وقيادته وإقناعه بقضايا أو وجهات نظر مؤدلجة دون التأكد من المضمون بقدر ما يكون للإقناع القائم على ترديد الإشاعة وأسلوب ووقت تسريبها خاصة مع ضعف الرقابة الحكومية واختلاط المفاهيم واستخدام الدين كوسيلة للإقناع طبقًا لما يريد من يقف خلف ترويج الإشاعة، وتنجح هذه الأساليب في أوقات الثورات والقلاقل والأزمات حيث يسود العقل الجماعي وتنعدم القدرة على فرز الحقائق وهذا ما تم بالفعل خلال ما يسمى بثورات الربيع العربي عبر تكثيف ترديد الإشاعات وتضخيم صور المحتشدين ما يدفع الآخرين بالمشاركة، كما تتجلى هذه الخطورة عند الخلافات العربية ـ العربية حيث تقوم وسائل الإعلام بدور شاعر القبيلة دون خطوط حمراء وتقود خلفها شبكات التواصل الاجتماعي ما يزيد الاشتباك والاحتقان، وهذا النموذج تمثله قناة الجزيرة الفضائية.  

لكن الغريب في الأمر أن كل ذلك يقابله وجود خبراء في الرأي العام والدعاية والإعلام الجديد في كثير من الجامعات العربية والمراكز البحثية، وتوجد دراسات أكاديمية مهمة جدًا وموثقة تبحث في علاج هذه المشاكل وتقدم لها الحلول، ومع ذلك  تظل هذه الدراسات مجرد أوراق على أرفف المكتبات وفي الجامعات لا يتم الاستفادة منها أو تطبيقها، كما لا يتم الاستعانة بهؤلاء الباحثين أو الأكاديميين في العمل بوسائل الإعلام أو الاستفادة من أبحاثهم ووضعها في إطار الخطط الإعلامية  لتشغيل الفضائيات أو عند  اختيار الإعلاميين ومقدمي البرامج وفقًا لأسس علمية جاءت ضمن مخرجات الدراسات والأبحاث، بما يضمن نجاح القنوات الفضائية ويحقق الهدف من الرسالة الإعلامية، وبذلك يظل الإعلام الأكاديمي والأبحاث العلمية في جانب والعمل الإعلامي التطبيقي في جانب آخر ولا علاقة لكل طرف بالآخر، ولقد أتاح لي ملف الإعلام المنشور في هذا العدد من مجلة ( آراء حول الخليج) وغيره من الدراسات الاطلاع على جانب من هذه الأبحاث العلمية لأكاديميين وباحثين تضع الحلول وفقًا لمعايير علمية لحل مشاكل الإعلام العربي أتمنى الاستفادة منها لتحصين الإعلام العربي وحماية العقول العربية من الاختطاف وتشويه الحقائق وتزييف الواقع، وبما يجعل الإعلام يقدم المفيد ولا يظل يختلف حول لاعب كرة قدم أو مغني من الدرجة الثالثة ويترك القضايا المصيرية للأوطان والشعوب وترك عقول الشباب والناشئة للاختطاف والتجريف.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة