انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتمقالأركان التعلم الإلكتروني

الاستحقاقات الكبرى في المشهد السوري تتحول إلى غير ملزمة في جدول أعمال النظام

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 03 آذار/مارس 2020

منذ مطلع عام 2019م، الذي طوى خسارات متراكمة للمعارضة السورية، والمشهد العسكري والأمني في سوريا لايزال يسير نحو صراعات عدة، أسهم بعضها في تشكيل حدود أمنية جديدة وتغيير لتموضع القوة العسكرية الأمريكية التي تنحسر شيئًا فشيئًا، وأسهم بعضها الآخر في تنامي السيطرة الأمنية والعسكرية للنظام وحلفائه الروس على مساحات شاسعة من الجهة الشرقية للبلاد وقضم تدريجي – بمنهجية الأرض المحروقة-لمنطقة خفض التصعيد في الجهة الغربية للبلاد. ومع هذه الصراعات يبقى تساؤل الانفراج في المشهد السوري سؤالاً معلقًا تحاول أن تجيب عليه هذه الورقة التي ستستعرض حركية تلك الصراعات وتلمس تداعياتها المحتملة، وتسعى الورقة عبر هذا الاستعراض وبالتقاطع مع مدلولات المسار السياسي تلمس حدود الانفراج من عدمه آخذة بالحسبان وجود مساحات للمصالح الدولية والإقليمية المشتركة من عدمها.

داعش والهيأة: غارات واستحواذ

منذ بدء عام 2019م، والمشهد العسكري/ الأمني السوري يشهد عدة معارك وعلى عدة مستويات ساهمت بمجموعها بجملة من التحولات والمتغيرات؛ كالحروب التي شنتها "هيأة تحرير الشام" على فصائل المعارضة؛ والحرب على تنظيم "داعش"، والغارات الأمريكية التي استهدفت تنظيمات "متطرفة" وصولاً إلى مقتل أبو بكر البغدادي.

ففيما يتعلقبتوسع "هيأة تحرير الشام"؛ فبعد المعارك التي شنتها الهيأة اعتبارًا من 31 كانون الأول 2018م؛ تمكنت من السيطرة على ريف حلب الغربي، والقضاء على حركة "نور الدين الزنكي"؛ كما وسعت معركتها لتشمل مناطق أخرى في إدلب تسيطر عليها الهيأة الوطنية للتحرير وذلك في معرة النعمان ومحيطها بشكل رئيسي،[1] كما وصلت المعارك إلى ريف حماة الشمالي وتحديدًا في سهل الغاب حيث أجبرت الهيأة حركة "أحرار الشام" على حل نفسها وتسليم سلاحها؛ لتنتهي تلك المعارك بشكل عام مع توصل "هيأة تحرير الشام" و"الجبهة الوطنية" إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار وإخضاع جميع المناطق إلى سلطة حكومة الإنقاذ (الذراع الإداري لهيأة تحرير الشام) إداريًا وخدميًا.[2] اعتبر هذا التمدد خطوة استباقية في استراتيجية الهيأة المتمثلة في "الانتقال الاستراتيجي" إلى مراحل التمكين والتسيد المحلي ومركزة قرار تلك المنطقة بيدها؛ وليزيد هذا التمدد بالوقت ذاته أسئلة مستقبل "إدلب" والتعاطي الدولي والإقليمي حيالها وجعلها منطقة مليئة بالتحديات.

أما فيما يرتبط بإعلان الانتصار على داعش؛ في 9شباط/ فبراير، وبعدما أعلن ترامب مرة أخرى في 20/12/2018م، قرار انسحابه من سوريا بعد ما وصفه "بإتمام النصر على داعش" دون أن يلحق هذا القرار إلا بتغيير التموضع؛ سيطرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على عشرات المواقع التابعة لتنظيم داعش في محيط بلدة الباغوز في البادية السورية آخر معاقل التنظيم[3]، واستمر خلال فبراير/ شباط تقدم "قسد" بشكل بطيء بالتوازي مع إخراج دفعات من المدنيين وأهالي المقاتلين ونقلهم إلى مخيم الهول في الحسكة، وبرزت في أثناء العملية مشكلة عودة الأجانب سواء كانوا مقاتلين أو من ذويهم إلى بلدانهم في الغرب، وهو ما ترفضه هذه الدول، حيث ضغطت الولايات المتحدة على هذه الدول لاستعادة مواطنيها ومحاكمتهم على أراضيها.[4] وفي هذه الأثناء أعلن ترامب لأول مرة عن نيته إبقاء 200 من الجنود الأمريكيين في سورية بعد سحب القوات؛[5] حتى ذاك الوقت لا يزال "ميدان شرق الفرات" ميدانًا أمريكيًا ويخضع لمحددات التعاطي الأمريكي؛ فرغم إعلان الانسحاب أو تخفيض عدد القوات ليصبح رمزياًافإنه يستمر بذات الأهداف وبذات الأدوات وهو ما تحاول أن تستغله قسد لتحسين شروطها السياسية عبر بوابة "محاربة داعش".

وفي ذات الإطار المتعلق بمحاربة "الإرهاب" نفذت الولايات المتحدة الأمريكية غاراتين بالغتي الأهمية؛ الأولى كانت في 1/7/2019م، حيث تم استهداف اجتماع لقياديين من تنظيم "حراس الدين" المرتبط بتنظيم القاعدة في ريف حلب بشمال سورية[6]، ما أسفر عن مقتل عدد منهم. وهذه المرة الأولى التي تنفذ فيها الولايات المتحدة أو أي من حلفائها غارات في المنطقة منذ نحو عامي، واستهدفت القوات الأمريكية مرارًا قياديين جهاديين في منطقة إدلب في شمال غرب البلاد إلا أن وتيرة ذلك تراجعت بشكل كبير منذ عام 2017؛ أما الغارة الثانية فكانت في 27/10/2019م، وتم استهداف منزل كان يختبئ فيه أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم"داعش "بقرية باريشا الواقعة في محافظة إدلب السورية،[7] ففي حين حاولت المؤسسات الإعلامية التابعة لـ"داعش" بعد مقتل البغدادي بإظهار عدم التأثر إذ استمرت في نشر البيانات والتقارير اليومية عن عمليات التنظيم في مناطق متفرقة من العالم خلال الأيام التي تلت العملية، إلا أنها ضربة أتت في سياق سلسلة من عمليات محاصرة بقايا داعش شرق النهر وبالتالي فإنها ضربة قاسمة للتموضع الصلب للتنظيم واضطراره إلى العودة إلى خيار "الذئاب المنفردة".

بالعموم؛ وبحكم ديناميات التعاطي الخاصة بهذه التنظيمات، يمكن الخلوص إلى نتائج عامة، فبالنسبة لـ"داعش" فعلى الرغم من حجم الخسائر الكبيرة التي مني بها التنظيم، إلا أنه لا يزال يملك نقاط قوة يمكنه تفعيلها لا سيما "مرونة الحركة" في مناطق البادية السورية التي تريحه من عبء التحصين من جهة وتؤمن له حركة آمنة بين العراق ومناطق الجنوب والوسط السوري من جهة أخرى؛ ناهيك عن بقاء "منهج تدمير داعش وأخواتها" مرتبط باستراتيجات تعالج النتائج لا السبب، هذه التنظيمات التي تعتاش على "المظلوميات" ستبقى تستغل الهوامش التي يفرزها منطق "إدارة الأزمة" طالما أنه يحيد سياسات المواجهة مع محركي وموظفي هذه التنظيمات (سواء بأدوات مباشرة أو غير مباشرة)؛ أما على مستوى هيأة تحرير الشام والتي تبدي شكلاً مرونة في التعاطي مع تداعيات المشهد في إدلب، فإن تعزيز أدوات تحكمها في المجال العام لمناطق المعارضة بات تحديًا وجوديًا لقوى المعارضة العسكرية التي ازدادت مساحات حصارها سواءً خارج حدود إدلب من النظام وحلفائه الذي يستخدم ذريعة "محاربة الهيأة" مطية لتدخلها في هذه المنطقة، أو داخلها جراء سيطرة الهيأة على كافة موارد المنطقة.

قضمٌ مستمرٌ لمنطقة خفض التصعيد المتبقية

شهدت الأشهر الأخيرة (منذ أيار/ مايو، وحتى آب/ أغسطس عام 2019م، على وجه الخصوص) خسائر متزايدة للمعارضة السورية في منطقة خفض التصعيد الرابعة؛ فبعدما خرجت الجبهة الجنوبية والغوطتين (الشرقية والغربية) والقلمون وريف حمص الشمالي من معادلات الصراع المحلي ودخولها –كرهًا-مسار التسويات الذي أطلقه النظام كمسار وحيد للخروج من مأزق الإبادة؛ اتجه النظام وحلفاؤه إلى منطقة إدلب وما حولها (لاسيما ريفي حماه الشمالي وجنوب إدلب) لأسباب سياسية وتنموية.

ومما يزيد صعوبة المعركة على المعارضة هو قلة الخيارات المتاحة، فعند تحليل الحركية العسكرية لفصائل المعارضة في إدلب خلال المعارك الأخيرة ينبغي إدراك ثلاثة أبعاد مهمة؛ البعد الأول يتعلق بانتفاء الخيارات البديلة عن الصمود والمقاومة كون معركة إدلب تعد معركة حاسمة ولها تداعيات بالغة الأهمية على الملف السياسي؛ ويرتبط البعد الثاني مع تذبذبات مسار أستانة التي لا يزال يتعثر في الانتقال نحو حيز التنفيذ لاتفاقات سوتشي بحكم الاختلاف في الرؤى السياسية بين فواعلها. أما البعد الثالث فيرتبط بالمقاربة العسكرية لفصائل المعارضة والتي تقوم على مبدأ مص الصدمة التي تحدثه القوة الجوية والمدفعية للنظام وحلفائه بحكم اختلاف موازين القوة العسكرية وعدم امتلاك المعارضة لأسلحة مضادات طيران نوعية،ومن ثم إحداث خرق ضمن القوات المتقدمة والتعويل على المعرفة التفصيلية بجغرافية المنطقة؛ لذلك ووفقًا لهذه الأبعاد فإن الحركية العسكرية بقيت محصورة ضمن ثنائية (التقهقر، الاستعادة)؛ وضمن مبدأ الدفاع؛ وبمعنى آخر فإن المعارضة كانت محكومة بتكتيكات محددة تعزز من خيار صمودها من جهة وتتعاطى مع التدمير الممنهج الذي تحدثه القوة الجوية والمدفعية للنظام وحلفائه. وفيما يلي تسلسل لأهم الأحداث على هذه الجبهة:

  • 7 أيار/ مايو 2019م، شنت قوات النظام البرية مدعومة بالقوات الروسية هجومًا بريًا في ريف حماه الشمالي. تمكنت فيه بعد يوم من الاستيلاء على كفرنبودة لأول مرة بمساعدة خبراء وميليشيات روسية. ثم بعد يوم آخر تم الاستيلاء على بلدة قلعة المضيق في سهل الغاب (شمال حماه).[8]وفي هذه الأثناء تم تأكيد مشاركة الميليشيات المدعومة من إيران على المحاور التالية: حزب الله اللبناني -محور تل عثمان، وقوات الغيث (جزء من الفرقة الرابعة) -محور كفر نبودة قلعة الغضاب (LDF) - محور قلعة المضيق.[9]
  • 22 أيار/ مايو 2019م: تمكنت قوات المعارضة من استعادة كفرنبودة. وفي 07حزيران 2019 استولت قوات المعارضة وجبهة تحرير الشام على ثلاثة مواقع استراتيجية في شمال حماة (قرى جبين، تل مالح، وكفر هود)؛ وفي 11 حزيران/ يونيو 2019م، استولت قوات المعارضة وجبهة تحرير الشام على بلدة الحماميات الاستراتيجية وتلة في ريف حماه الشمالي بعد هجوم مفاجئ على قوات النظام في المنطقة، ولكن بعد 24 ساعة فقط، تمكن النظام من استعادة المدينة.[10]
  • 27 تموز/ يوليو 2019م: استعادت قوات النظام بدعم من الروس على الموقع الاستراتيجي لتل ملح في ريف حماه الشمالي. وفي 06 آب / أغسطس 2019م: تمكنت من استعادة قريتي الزكاة والأربعين في شمال حماة. وفي 6 آب/ أغسطس 2019 م، تمكنت قوات النظام من الاستيلاء على بلدة الهبيط في جنوب إدلب، وهذا يعتبر أول موقع مهم يستولي عليه النظام في جنوب غرب إدلب، وبعد يوم واحد فقط تمكن النظام من القبض على تلال سكيك الإستراتيجية في جنوب شرق إدلب.[11]
  • 19آب/ أغسطس 2019م: أرسل الجيش التركي رتلاً عسكريًا باتجاه مورك وخان شيخون ، واستهدفت قوات النظام القافلة مما أجبرها على التوقف ثم استأنفت تقدمها وصولاً إلى مورك التي تمركزت بها.[12] وفي 21آب/ أغسطس 2019م: استأنف النظام تقدمه الأرضي واستحوذ على تل تيري. وفي22 آب/ أغسطس م، بعد أن حاصرت نقطة المراقبة التركية رقم 9 في مورك، بدأ النظام السوري في قصف محيط نقطة المراقبة التركية رقم 8 في جنوب حلب. وفي 22 آب/ أغسطس 2019م، تمكنت قوات النظام بدعم من شركة أمنية روسية خاصة من الدخول إلى مدينة خان شيخون،[13] وبذلك أطبقت قوات النظام السوري والميليشيات المقاتلة معه حصار نقطة المراقبة التركية التاسعة المتمركزة شرق مدينة مورك، بالقرب من طريق حلب – دمشق M5. وسيطرت قوات النظام على مدن كفرزيتا والطامنة ومورك وخان شيخون والتمانعة.

وتبقى الأسئلة بعد هذا التموضع لقوات النظام وحلفائه وما يستتبعه من غارات وقصف مستمر على مناطق المعارضة، هي الأسئلة الأكثر طرحًا في هذه الآونة بشكل يجعل المعركة المصيرية في إدلب معركة قريبة؛ ويترشح بعد هذا التموضع سيناريو الصفقة الذي يفرض:

1-     فتح طريقياتوستراد حلب دمشق واتوستراد حلب اللاذقية والتعهد بضمان سلامته. لكن يبقى هذا الاحتمال منوطًا باعتراض روسي هدفه تواجد الشرطة العسكرية على الطريقين على شكل دوريات منسقة مع القوات التركية.

2-     ضبط هيأة تحرير الشام ودفعها لقبول أي تسوية ممكنة مع استمرار منهجية المحاصرة وتضييق الخيارات.

وعليه تبدو تحديات المعارضة محصورة في ثلاثة اتجاهات التحدي الإداري وتحويله لحكم رشيد، ومواجهة هيأة تحرير الشام عسكريًا واداريًا ومدنيًا، والانضباط العسكري وحسن إعادة التحصين العسكري.

معركة " نبع السلام"والاتفاقات الثلاثة

بعد سلسلة من المفاوضات الأمريكية والتركية لتطبيق "المنطقة الآمنة" وما رافقها من التقاءات واختلافات جزيئة والتي لم تفرز عن اتفاق معلن؛ انطلقت عملية " نبع السلام" التركية في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2019م، في شرق الفرات على الحدود التركية-السورية بالتعاون مع الجيش الوطني التابع للحكومة السورية المؤقتة، محددة أهدافها في " تطهير منطقة شرق الفرات من تنظيمي YPG/PKK وداعش الإرهابيين، والقضاء على الممر الإرهابي الذي تَشكَّل على الحدود التركية".[14] ومع تلك الانطلاقة بدأت سلسلة من الانسحابات الأمريكية لبعض نقاطها، كما أثيرت زوبعة سياسية دولية رافضة داعية لتطبيق عقوبات اقتصادية على الاقتصاد التركي ليستقر الأمر في نهايته باتفاق انقرة وواشنطن في 17/10/2019م، حول إيقاف العلمية لمدة 120 ساعة ريثما يتم انسحاب قوات قسد وتدمير تحصيناتها العسكرية من منطقة حددتها أنقرة على كامل الحدود في شرق الفرات وبعمق 20 ميلاً وهو إتفاق اعتبره دونالد ترامب اتفاقًا تاريخيًا.[15]

قبيل الإتفاق وبعد أربعة أيام من انطلاق العملية أعلنت "قسد" توصلها لإتفاق أمني مع النظام تحت مسمى "مذكرة تفاهم" والذي نص على دخول جيش النظام وبسط سيطرته على المنطقة الممتدة من عين ديوار وحتى جرابلس عبر ثلاثة محاور محور الطبقة باتجاه عين عيسى ومحور منبج باتجاه عين العرب ومحور الحسكة إلى تل تمر. ليثير هذا الاتفاق جملة من الأسئلة المتعلقة بمصير "قسد" وتموضعه الإداري والسياسي والأمني الذي استرد عافيته نوعًا ما لاحقًا بعد إعادة الانتشار الأمريكية الجديدة لاسيما في مناطق دير الزور وجنوب غرب الحسكة.[16]

وعند بدء تحرك النظام باتجاه مدينة "منبج" من الناحية الغربية الجنوبية، بدأ تحرك الجيش الوطني بالتحرك على محور منبج الشرقي الشمالي لتلوح في الأفق احتمالية تصادم بين القوتين وهو ما شجع الروس للتدخل وضبط المشهد ومنع الانزلاق للتصادم الأمر الذي أجل موضوع منبج لاتفاق روسي تركي محتمل لتطغو فيما بعد على السطح احتمالية إعادة السيطرة الكاملة للنظام على المدينة، وفي 22 أكتوبر / تشرين الأول /2019م، توصلت أنقرة وموسكو لمذكرة تفاهم نصت على عشر نقاط أهمها تلك المتعلقة بالدوريات المشتركة وانتشار قوات شرطة عسكرية روسية وقوات حرس حدود تابعة لجيش النظام على امتداد بعمق 10 كم على الحدود غرب وشرق النهر باستثناء القامشلي.[17]

شكلت الاتفاقات أعلاه ومذكرات التفاهم تلك إطارًا غير واضح الملامح حول الترتيبات الجديدة ومآلاتها؛ وفرضت معطيات لم تستقر بعد وتتسم بأنها شديدة التداخل كطبيعة الانسحاب الأمريكي وحدود تأثيره المتوقعة في الملف السوري، انتشار النظام في مساحات شاسعة واتساع نفوذه وتتيح له أوليًا ثلاثية الموارد وبسط السيطرة الأمنية والتأثير على ما تبقى من مناطق؛ دخول روسيا السلس لتلك المناطق وتسيد مسار سوتشي، استثناء إدلب من أية تفاهمات وما يعنيه ذلك في فهم مصير المنطقة خاصة بعد تواجد الأسد فيها إبان عقد المحادثات الروسية التركية في سوتشي؛[18] خرائط سيطرة ونفوذ متقطعة وتحتوي على عدة فاعلين؛ انسحابات متواترة لدول التحالف؛ إعطاء هوامش حركة جديدة لداعش وهو إجراء لا يزال يدفع باتجاه تلمس طبيعة الوظيفة الجديدة لهذا التنظيم كون فرضية إعادة توظيفه لا تزال قائمة؛ مقاربة انحسار الأثر الإيراني خاصة عبر الاتكاء على فرضية ترتيب الفواعل المؤثرة روسيا فتركيا ثم إيران، محدودية خيارات بنى المعارضة الإدارية والعسكرية والأمنية.

المسار السياسي: هل من وقف للنزيف السوري؟

كشفت مجريات الأحداث في المشهد السوري منذ نهاية أيلول / سبتمبر 2015م، (تاريخ التدخل الروسي في سوريا) على اضطراب المقاربات الدولية والإقليمية وتعارضها حينًا وتوافقها الشكلي حينًا آخر؛ وطالما مساحات المصلحة المشتركة لا تزال غائبة فإن المسار السياسي بطبيعة الحال لن يشهد انفراجات ملموسة تؤدي إلى استقرار وسلام مستدام، فالمقاربة الأمريكية التي انطلقت من بوابة "أولوية محاربة الإرهاب" وما استلزمته من دعم لقوات سورية الديمقراطية عسكريًا وإداريًا غير آبهة فعليًا بمسار الصراع المحلي، فهي تمضي باتجاه خطوات أكثر تصعيدية لعرقلة المشروع الإيراني بشكل لا يجر التحالف الدولي للصدام المباشر معه، ولكن هذا لا يعني أن مستويات المواجهة ستبقى مضبوطة، وهي مرشحة للتطور أكثر من الصيغ الراهنة التي تنحصر في أمرين: الأول: إعطاء الضوء الأخضر لـ "اسرائيل" بتوافق روسي وأمريكي على القيام بهذه الخطوة داخل سوريا، والثاني: توزع قواعد واشنطن الجديدة في العراق وسوريا. وتصطدم هذه المقاربة الأمريكية بالمحددات الاستراتيجية الأمنية لأنقرة التي ترى في حليف واشنطن الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني في سورية عدوًا، وهو ما استوجب ولا يزال على تركيا عدم تنحية الخيارات العسكرية.

أما المقاربة الروسية فقد عملت بحكم تسيدها في المشهد السوري على إنشاء "ترتيبات ما قبل الاتفاق السياسي" عبر تسكين جبهات الصراع وفق تفاهمات أمنية، والاستمرار في تقديم الدعم والتوجيه العسكري لقوات النظام وحلفائه، وتمتين بنيته لكي يكون قادرًا على الولوج في استحقاقات المرحلة القادمة. وباستثناء ملف التصادم مع طهران التي تتنافس مع موسكو في الاستحواذ على بنى النظام وإعادة هيكلته، تصطدم هذه المقاربة بملفين يرشحانها للعودة إلى الزخم العسكري، وانتقال الاهتمام من تحديات النهوض الخاصة ببنية النظام المستنزفة وغير القادرة على إنجاز تحديات تنموية إلى خرائط عسكرية محتملة، باتت مؤشراتها تظهر في ملف إدلب (أحد هذين الملفين)، وما يعنيه من استنزاف محتمل يزيد من كلفة "التورط" العسكري الروسي. أما الملف الثاني فهو متعلق باحتمالية تعثر المفاوضات مع حزب الاتحاد الديمقراطي الذي ترتبط شروطه السياسية بالمحددات الأمريكية غير المستقرة.

وفيما يتعلق بمقاربة طهرانالتي تسعى لـ "حماية المكتسبات وضمان ديمومتها" فهي مستمرة فيتدعيم انتشارها في البادية وإبقاء التهديد الأمني للجبهة الجنوبية، وذلك لتحسين شروطها الأمنية في اتفاقات تلك المناطق، حيث تسعى لحماية طرقها البرية في البادية السورية، والمقاومة الناعمة لمحاولات موسكو بالاستحواذ التام على التفاعلات العسكرية، سواء في تلك الناجمة عن ضغط موسكو على حلفائها لتنسيق الدعم وحصره بغرفة حميميم، أم استغلال حاجة موسكو للقوة البشرية التي افتقدها النظام وتمتلكها الميليشيات الإيرانية واللبنانية والعراقية والأفغانية. أم عبر انخراطها العضوي ببنية النظام. وتصطدم مقاربة طهران بمجمل المقاربات الأخرى التي تتفق على ضرورة محاصرتها وتحجيم قواها في سورية، سواء عبر سياسة عقوبات اقتصادية نوعية أم عبر تصنيف حرسها الثوري كقوة إرهابية، أم عبر تضافر جهود دول "مؤتمر وارسو" في إنجاز سياسات حصار متعددة الجوانب. وهذا كله وإن بدا منضبطًا إلا أنه يحتوي مؤشرات انزلاق لحرب كبرى.

أما المقاربة التركية فهي تتحرك وفق سياسة (الحذر والاستعداد) من تقوية مناطق "خط دفاعها الأمني" (درع الفرات وعفرين)ومن ضرورات الاستعداد للمواجهة الصلبة مع "الإدارة الذاتية" بهدف إعادة تعريف القوة الإدارية المتحكمة في مناطق شمال شرق سورية، وضرب كافة أدوات فاعلية ما تعتبره "أذرع حزب العمال الكردستاني". وفيما تبدو التصادمات المتوقعة مع هذه المقاربة شديدة الحذر إلا أنها تمتلك عوامل الانزلاق لمواجهات محتملة كتلك التي ستفرضها تداعيات "ملف إدلب"، الذي تتزايد وتيرة القصف الروسي له، وبالتالي فرص المواجهة "غير المباشرة" مع النظام الذي يطمح لاستغلال كافة هذه المعادلات لتثبيت سيطرته الأمنية والعسكرية والسياسية على كافة الجغرافية، أو كتلك المرتبطة بالتدخل العسكري التركي شرق النهرـ

وفي ظل تعقد خارطة المصالح تلك، تقفز العملية السياسية من استحقاق لآخر دون أن تنفذ أي استحقاق، فمن هيأة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات إلى حكم ذو مصداقية وغير طائفي إلى السلل الأربعة (الحكم والدستور والانتخابات والأمن) بات تعريف العملية السياسية محصورًا بدستور وتصريحات بروتوكولية حيال السلل المتبقية؛ لتنطلق بعدها مارثونات دبلوماسية تتحدث وتتباحث حول اللجنة بينما السيطرة العسكرية للنظام تتسع وتتنامى؛ خاصة بعدما أمنت له الاستانة تثبيتًا للصراع ومن ثم قضمًا ممنهجًا لمنطقة تلو أخرى بسياقات سياسية متباينة وتصدير كافة التحديات إلى إدلب التي باتت إشكالاتها البنيوية فوق طاقة أحد. ليعود الروس ليفرضوا شروطًا جديدة على هذه اللجنة وليستغرق الاعلان عن تشكيل اللجنة قرابة العامين، استطاع النظام والروس من خلالها الدخول في أدق التفاصيل وتحويلها لشد وجذب بغية اتمام المشهد محلياً بما ينسجم مع زاوية النظر الخاصة بالنظام لاسيما التنموية (طرق الإمداد الدولية وما تعنيه من انفراجات وتنفيذاً لاستحقاقات النظام التنموية بعد الحرب) وهذا ما حاول ابتداءاً تحصيله "سلماً" من اتفاق سوتشي،[19] إلا أن تعثر تنفيذ الاتفاق جعل النظام والروس يمضون في تطبيقه عنوة، مما أسفر عن خسارة جيب بالغ الأهمية والمتمثل في مناطق ريف حماه الشمالي وجنوب إدلب، لتبدو سيناريوهات تحصيل الطرق الدولية أسهلها. ومع هذا كله يتنامى سيناريو استمرار هندسة المشهد العسكري وفق مقاربات أمنية دولية وإقليمية لم تلتق بعد بمساحة مشتركة مع توقع استمرار الاستعصاء بمسار اللجنة الدستورية والقفز باتجاه استحقاق الانتخابات.

خاتمة

هل سيتوقف النزيف السوري؛فإنه ووفقًا لنتائج المشهد الذي لاكته المعادلات الأمنية الإقليمية والدولية وأفرزت حدودًا أمنية جديدة غير مستقرة، ونخرته ديناميات الأرض المحروقة بالنسبة للنظام واستغلال الظروف المحلية بالنسبة للتنظيمات المتطرفة، وطوعته وأعادت هندسته موسكو بما ينسجم وأطروحات التسيد والحل الصفري؛ فإن القرار 2254 اقترب من خروجه عن السياق بالمعنى الوظيفي الذي انهكته سياسة القفز على استحقاقاته؛ لكن القفزة الأكبر (الحاسمة والمتوقعة)، ستتمثل في تجاوز اللجنة الدستورية، والتي ستبقى أسيرة الاستعصاء ومتاهات التفاصيل وكثرة النقاشات والاستعراضات وكثرة الاجتماعات، وسيعمل النظام صاحب الكتلة المتماسكة في هذه اللجنة على مسارين الأول فرض محدداته والمتمثلة بمناقشة الدستور وليس تعديله أو تغييره أي بمعنى آخر توصيات دستورية، والمسار الثاني فهو ما يعرف باسم "متاهة التفاصيل" بغية كسب الوقت وتزمين الاستعصاء؛ ليلتقي المساران في عام 2021م، ليصبح الحديث أكثر "واقعية" آنذاك حول الانتخابات باعتبارها ستكون "أمرًا واقعًا". وبذلك يكون قد اختُبِرت كل عناصر القرار 2254 وتم تجاوزها بندًا بندًا وفترةً فترة، وبحجة "عدم الصلاحية" تتحول الاستحقاقات الكبرى في المشهد السوري إلى أجندة غير ملزمة وغير مستعجلة في جدول أعمال النظام. ويزمن الاستعصاء والنزيف السوري في حال عدم دفع المجتمع الدولي بكافة السبل باتجاه حل سياسي يطبق كافة فقرات القرار الدولي المذكور وإنهاء المأساة السورية.

 

 

المراجع:

[1]- "تحرير الشام" تسيطر على 20 قرية شمال سوريا، العربية نت، 5/1/2019، الرابط: http://ara.tv/yugvx

[2]- أحرار وتحرير الشام" تتوصلان لاتفاق يعيد عناصر الحركة لمواقعهم في سهل الغاب، شبكة شام الإخبارية، 19/1/2019، الرابط:https://cutt.us/JzMb0

[3]- بدء معركة تمشيط آخر جيب لتنظيم "داعش" في سوريا، موقع DWالاخباري، 1/3/2019، الرابط: https://2u.pw/l1a4l

[4]- ترامب يطالب أوروبا باستعادة مئات من معتقلي داعش في سوريا، موقع DW الاخباري، 17/2/2019، الرابط: https://2u.pw/TpJ7o

[5]- صحيفة أمريكية تكشف “القصة الكاملة” للقرارات التي اتخذها ترامب في سوريا، وكالة step news الاخبارية، 20/10/2019، الرابط: https://2u.pw/XLywf

[6]- وينشط تنظيم "حراس الدين" في منطقة إدلب ويقاتل إلى جانب "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقا قبل فك ارتباطها بتنظيم القاعدة)، التي تسيطر على الجزء الأكبر من محافظة إدلب ومناطق محاذية لها في حماة وحلب واللاذقية وتأسس تنظيم "حراس الدين" في فبراير/شباط 2018، وهو مرتبط بتنظيم القاعدة ويضم نحو 1800 عنصر بينهم جنسيات غير سورية، وللاطلاع على تفاصيل الغارة الامريكية أنظر:

القوات الأمريكية تقصف اجتماعا لقادة جهاديين في شمال سوريا، فرانس 24، 1/7/2019، الرابط: https://2u.pw/a5Jtk

[7]- الرئيس الأمريكي يعلن مقتل زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي على يد قوات أمريكية،.euronews.arabic 27/10/2019، الرابط: https://2u.pw/QwZji

[8]- روسيا تسيطر على قلعة المضيق.. بالتسلل، موقع المدن الالكتروني، 9/5/2019، الرابط: https://2u.pw/4ZQQ2

[9]-خالد الخطيب: "حماة واللاذقية: لماذا تعثرت معارك مليشيات النظام؟"، موقع المدن الالكتروني، 20/5/2019، الرابط: https://2u.pw/p7sdA

[10]- ملهم العمر: "النظام يستعيد السيطرة على قرية الحماميات الاستراتيجية غربي حماة"، موقع جيرون، 12/6/2019، الرابط: "https://2u.pw/KXhEG

[11]- الاستيلاء على بلدة الهبيط في جنوب إدلب، موقع عرب 48، 14/8/2019، الرابط: https://2u.pw/1CBMB

[12]- الجيش التركي عازم على إنشاء نقاط جديدة حول "خان شيخون"، ترك برس، 19/7/2019، الرابط:https://2u.pw/O71TZ

[13]- سوريا: النظام يسيطر على مدينة خان شيخون بمحافظة إدلب، فرانس 24، 21/8/2019، الرابط: https://2u.pw/COy6d

[14]- بعد انطلاقها.. تعرّف إلى أهداف عملية "نبع السلام" التركية بشمال سوريا، الجزيرة نت، 9/10/2019، الرابط: https://2u.pw/vM6SY

[15]- تفاصيل الاتفاق التركي - الأمريكي بشأن "وقف إطلاق النار" شرق الفرات، أورينت نيوز، 17/10/2019، الرابط: https://2u.pw/4xUtk

[16]- منهل باريش:"الاتفاق الأمريكي ــ التركي: حساب الأرباح والخسائر في مشهد معقد"، القدس العربي، 19/10/2019، الرابط: https://2u.pw/5vrCj

[17]- نود مذكرة التفاهم الروسية التركية المشتركة بشان سورية، سيريا نيوز، 22/10/2019، الرابط: https://2u.pw/12XRl

[18]- بشار الأسد في زيارة خاطفة للهبيط..يشتم أردوغان ويلوم الاكراد، موقع المدن الالكتروني، 22/10/2019، الرابط:https://2u.pw/aNoQ4

[19]- ما هي بنود اتفاق إنشاء منطقة منزوعة السلاح بإدلب؟ BBC ARABI، 18/9/2018، الرابط:https://2u.pw/cvOUU

كلمات دليلية

الشركات المعلنة